صرح ابن بطال الركبي في مقدمة كتاب "النظم المستعذب" بأن من لهم فضيلة السبق في شرح غريب ألفاظ المهذب، اعتمدوا مناهج متفاوتة، في شروحهم، فمنهم من اختصر اختصارًا، فلم يوف الكتاب حقه من البيان، وهو يعنى بهذا ابن البرزي في كتابه: "الأسامى والعلل" وهو رسالة مختصرة في شرح بعض الألفاظ الغريبة والأسماء المبهمة في كتاب المهذب للشيرازي.
ومنهم من توسط في شرحه، فتخير بعض الألفاظ، وترك بعضها، فأخل بأكثر المقصود. ولعله يقصد القلعى في كتابه "اللفظ المستغرب في شرح غريب المهذب" فإنه لم يتتبع كل الغريب في كتاب المهذب، وجعل قسما منه للأعلام الواردة في روايات الشيرازي.
ومنهم من بسط شرحه، غير أنه لم يعول على شرح الغريب، وإنما تناول الأحكام والفروع وضرب في كل مذهب.
فاختط ابن بطال الركبي لنفسه منهجا، يعتمد على استقصاء ألفاظ المهذب، وتناول ما غرب منها بالتحليل اللغوي، مستندا إلى المظان المعتمدة في اللغة، كالمعجمات الكبرى؛ والمصنفات في تفسير غريب القرآن الكريم؛ والحديث الشريف، مراعيا في شرحه "الايجاز والاختصار وحذف التطويل والاكثار".
وهو في تتبعه للألفاظ المستغربة في المهذب: يسلك منهجًا واضحًا، يصدر فيه عن قراءة متأنية مثابرة للكتاب على ترتيبه المشهور في مصنفات الفقه الشافعي، والتى تبتدأ في العادة بكتاب الطهارة ثم كتاب الصلاة، فكتاب الحج، وكتاب البيوع .. إلخ.
فيتابع الركبي هذه الكتب، بما تضمنته من أبواب، على نفس ترتيبها في كتاب المهذب، يبدأ بألفاظ كتاب الطهارة، ثم يتابع الألفاظ في باب الآنية، وباب السواك، وباب نية الوضوء، وباب صفة الوضوء، وباب المسح على الخفين، وباب الأحداث، وباب الاستطابة، وباب ما يوجب الغسل وباب التيمم، وباب الحيض، وباب إزالة النجاسة، على هذا الترتيب، ثم ينتقل إلى ألفاظ كتاب الصلاة، بما تضمنه من أبواب، وهكذا إلى آخر الكتاب.
وبهذا المنهج يندرج في نظام مدرسة الأزهري في شرحه لغريب ألفاظ الشافعي في كتابه "الأم" متتبعا ترتيب كتاب "المختصر" للمزني، وفيه يذكر جملة من كلام الشافعي تشتمل ثناياها على ما يظن فيه غرابة، فيعمد إلى تحليله وتوضيحه بما يزيل عنه غرابته، ويرفع ظواهر إشكاله.
وعلى هذا النحو نسج ابن بطال مادة كتابه "النظم المستعذب" حيث تخير في أثناء قراءته مواطن الغريب،
[ المقدمة / ١٠ ]
وأراد تنبيه القارى إليها، فدونها كعنوان لشرحه، ثم اتبعها بشرح لغوى دقيق.
والألفاظ التى يعرض لشرحها لا تقتصر على الألفاظ الفقهية فحسب، بل تتضمن غريب الشواهد، من القرآن الكريم في الآيات التى يستدل بها على الأحكام، وغريب الشواهد، من الحديث الشريف من النصوص التى يستند إليها في توجيه هذه الأحكام.
ومذهبه في عرض الألفاظ الفقهية واحد لا يكاد يختلف، إذ يذكر من قول الشيرازي جملة، يعمد منها إلى لفظ واحد، يأخذ في ذكر مشتقاته، وما يقصد منه في جملته، يبدأ أولا بشرح عنوان الكتاب أو الباب، فيقول مثلا في أول شرحه: من كتاب الطهارة. قوله: "الطهارة: أصلها: النظافة. . . .إلخ (١).
ومن باب الآنية: قوله: "ومن باب الآنية" الآنية: جمع إناء، على أفعلة، مثل كساء وأكسية. . .إلخ (٢).
وقد يتناول لفظ العنوان من غير تقديم له بلفظ "قوله" مثل: "ومن باب نية الوضوء" النية: هى القصد. . . إلخ (٣). هذا إذا تضمن عنوان الكتاب، أو الباب، ما يستوجب التوضيح.
ثم يعين القول قول الشيرازي في المهذب، فيقول مثلا: قوله (٤): "إذا كان الماء قلتين فإنه لا يحمل الخبث" ويأخذ في شرح لفظ "القلة" ولفظ "الخبث" (٥).
وقد ينص على اللفظ المقصود مباشرة، نحو قوله (٦): قوله: "لا يقلد" (٧)؛ قوله (٨): "محضة". . . . .إلخ.
وفي عرضه للشواهد القرآنية الواردة في المهذب، يثبت موطن الشاهد على النحو الآتى:
"قوله" (٩): وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الأذى: هو المكروه الذى ليس بشديد (١٠). . .إلخ.
ويقول في بعض المواطن: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فيه أقوال للمفسرين (١١). . . إلخ. وهذا الشاهد ورد في المهذب (١٢) حيث قال الشيرازي: وأما طهارة الثوب الذى يصلى فيه، فهى شرط في صحة الصلاة، والدليل عليه: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
وقد لا يصدر الآية بلفظ (تعالى) وهذا ما لا يغفر له، لأنه بهذا يشكل على القارىء الذى لا يحفظ القرآن، فضلا عن ترك التأدب بآداب القرآن الكريم. ومن ذلك قوله: قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أى: فعلة فاحشة. . . . (١٣) إلخ، قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أى: مستقبلها، و﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: نحوه وتلقاءه، قال الشاعر. . . (١٤) إلخ.
أما في عرضه لألفاظ الحديث الشريف، فإن سمته الغالبة: اثبات موطن الشاهد من جملة الحديث في إطار "قوله كذا" غير مميز له من كلام الشيرازي أو من كلام غيره، ومن ثم كان لزامًا عليَّ الفصلُ بين مختلف النصوص في حاشية التحقيق. ومثاله قوله: قوله: "فليرتد لبوله" (١٥)؛ قوله: "يضربان الغائط" (١٦)؛
_________________
(١) ص ٩.
(٢) ص ١٧.
(٣) ص ٢٥.
(٤) في المهذب ١/ ٦.
(٥) النظم ص ١٣.
(٦) في المهذب ١/ ٩.
(٧) انظر النظم ص ١٦.
(٨) في المهذب ١/ ١٤ وانظر النظم ص ٢٥.
(٩) في المهذب ١/ ٣٨.
(١٠) في النظم ص ٤٥.
(١١) انظر ص ٦٦ من النظم المستعذب.
(١٢) ١/ ٦١.
(١٣) انظر النظم ص ٧٠.
(١٤) انظر ص ٧٤ من النظم.
(١٥) النظم ص ٣٦.
(١٦) ص ٣٧ من النظم.
[ المقدمة / ١١ ]
قوله: "ييجع منه الكبد" (١٧) وهذا كثير جدا في الكتاب.
وقد يميز الحديث في مواطن قليلة، مثل قوله في الحديث: "العينان وكاء السَّه" (١٨)؛ قوله في الحديث: "بل أنت نسيت" (١٩)؛ قوله - ﷺ - لأسماء بنت أبي بكر في دم الحيض: "حتيه ثم اقرصيه" (٢٠)؛ قوله - ﷺ -: "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٢١).