الهمز: هو نبر الحرف، أو الضغط عليه، أو إعطاؤه حقه بن الإشباع حتى يظهر متمكنا في مخرجه، وقد غلبت تسمية الهمز على صورة (أ) الهمزة التى يطلق عليها المحدثون (The glattal stop) أو الوقفة الحنجرية، ويحدث هذا الصوت حين ينطبق الوتران الصوتيان انطباقا تاما بحيث لا يُسمح للهواء بالمرور، ثم ينفرجان فجأة، فيحدث صوت انفجارى نتيجة لاندفاع الهواء، ويخرج حينئذ صوت الهمزة، وانتاج هذا الصوت يكلف عضلات الحنجرة جهدًا كبيرًا نتيجة للانحباس الشديد، والانفجار التابع له، وكل هذا يتم في فترة وجيزة، فضلًا عن قرب ما بين الحنجرة ومصدر إطلاق الهواء، واندفاعه بشكل مباشر عن طريق القصبة الهوائية المستقيمة، ولهذا يتعين على عضلات الحنجرة أن تتخذ أشكالا متعددة لإحكام غلق فتحة المزمار ثم فتحها بقدر معين وفي فترة يسيرة لكى ينطلق الهواء سريعا حاملا هذا الصوت (٧).
ومن العرب من يستحسن نطق الصوت على هذا النحو من التحقيق، وقد أثر عن القبائل الضاربة في البداوة، كتميم، وقيس، وأسد، وتيم الرباب، وغنى، وعكل، وعقيل (٨).
واللغة المثالية تؤثر هذا النوع من الحقيق وتعتد به، ويدل لذلك التنزيل الكريم، وما حملته آياته من تحقيق الهمز.
_________________
(١) في الأفعال ٤/ ٨٩.
(٢) ديوان الأدب ٢/ ١٠٧، ٢٣١، ٢٧٣.
(٣) الصحاح (بثر).
(٤) المصباح (بثر).
(٥) القاموس (بثر، والدرر المبثثة ٧٧.
(٦) اللسان (بثر ٢٠٨).
(٧) أنظر علم اللغة للسعران ١٤٥ - ١٤٧ والأصوات اللغوية د. أنيس ١٧ وعلم اللغة- الأصوات د. بشر ٦٧ - ٦٩ وأصوات اللغة العربية د. عبد الغفار هلال ١٨١ - ١٨٥ والقراءات القرآنية في ضوء علم ٢٢، ٢٣.
(٨) أنظر اللهجات العربية في التراث ٢٢٩ والقراءات القرآنية في ضوء علم اللغة الحديث ص ٣٠. وفي اللهجات العربية ص ٦٦، ٩٨، ٩٩، ١٢٠ وشرح المفصل ٩/ ١٠٧.
[ المقدمة / ٢٥ ]
كما وردت الرويات باستحسان أئمة اللغة لهذه الصفة، فيما أثر عن عيسى بن عمر قوله: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا (١).
وبلغ ولوع بعضهم إلى حد تحقيق ما أباح القياس تسهيله، فقد روى أبو زيد قول العرب (٢): غفر الله له خطائته، ومنه قول الشاعر:
فإنك لا تدرى متى الموت جائىء إليك ولا ما يحدث الله في غد
وهمزوا ما ليس بمهموز أصلا، كقولهم: معائش في معايش، ومنائر في مناير، ومصائب في مصاوب والخأتم والعألم، وقرأ ابن كثير: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَأقَيْهَا﴾ (٣) بالهمز وأنشد الفراء:
يا دار مى بدكا ديك البرق صبرا فقد هيجت شوق المشئق
ويقولون: لبأت بالِحج، ورثأت زوجى، وحلأت السويق، واستلأمت الحجر. وقرأ عمرو بن عبيد: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤) وقرأ أيوب السختيانى: ﴿وَلَا الضَّألِّينَ﴾ بالهمز ومنه: شأبة ودأبة، وابيأض وادهأم (٥). ويقولون في الوقت (٦)؛ هذه حبلأ في حبلى، ورأيت رجلأ في "رجلًا". وعلى النقيض من ذلك: نظر قوم منا لعرب إلى الثقل الذى يصَاحبُ إنتاج صوت الهمزة، من حيث كونها أدخل الحروف في الحلق، وفي إخراجها شدة وانفجار ونبر كريه يجرى مجرى التهوع (٧)، لذلك فروا من التحقيق إلى التسهيل، ومن هؤلاء قوم معتد بلغتهم، كقريش، وأكثر أهل الحجاز، ومنهم هذيل، وأهل المدينة، والأنصار، وغاضرة، وكنانة بن بكر (٨). وقد روى أبو زيد أن أهل الحجاز، وهذيل وأهل مكة، والمدينة لا ينبرون (٩)، وروى عن على - ﵁ - أنه قال: "نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل ﵇ نزل بالهمز على النبى - ﷺ - ما همزنا" (١٠) وروى في الحديث أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: يا نبىء الله فقال: "لا تنبر باسمى" أى لا تهمز. وفي رواية: "إنا معشر قريش لا نبر" (١١).
وقد اعتدت اللغة المثالية بهذا التسهيل، وأخذت به كصفة مستحسنة تفرعت عن التحقيق الذى آثرته قبلا، وتنزل ببعض مظاهرها القرآن الكريم، وتصرف العرب في الهمز بقصد التسهيل والتيسر، بطرق مختلفة، منها الحذف، والتسهيل، والإبدال، يقول سيبويه (١٢) اعلم أن الهمز إنما فعل بها هذا من لم يخففها؛ لأنه بَعُدَ مخرجُها، ولأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد، وهى أبعد الحروف مخرجا، فثقل عليهم ذلك. لأنه كالتهوع. وقال (١٣): اعلم أن الهمزة تكون فيها ثلاثة أشياء: التحقيق والتخفيف والبدل، فالتحقيق قولك: قرأت، ورأس، وسأل، ولؤم، وبئس، وأشباه ذلك، وأما التخفيف فتصير الهمزة فيه بين بين، وتبدل وتحذف.
_________________
(١) انظر اللسان ص ٢٦ ط دار المعارف، وشرح الشافية ٣/ ٣٢ والكتاب ٣/ ٥٤٢.
(٢) الخصائص ٣/ ١٤٣ وسر صناعة الإعراب ١/ ٨١ وشرح الشافية ٣/ ٥٨ وشرح المفصل ٩/ ١١٧.
(٣) سورة النمل آية ٤٤.
(٤) سورة الرحمن آية ٣٩ وانظر الخصائص ٣/ ١٤٨، وسر الصناعة ١/ ٨٣ وشرح الشافية ٢/ ٢٤٩.
(٥) سر الصناعة ١/ ٨٢ والخصائص ٣/ ١٤٨ وشرح المفصل ١٠/ ١٢ وشرح الشافية ٢/ ٢٤٨.
(٦) سر الصناعة١/ ٨٤ والخصائص ٣/ ١٤٧، ١٤٨ وشرح المفصل ١٠/ ١٣ وشرح الشافية ٢/ ٢٤٩.
(٧) سر الصناعة ١/ ٥٢، وشرح المفصل ٩/ ١٠٧ وشرح الشافية ٣/ ٣١ والأصوات اللغوية ٩١ ودراسات في علم اللغه ١٠٩ - ١٢٩. والقراءات القرآنية ق ضوء علم اللغة الحديث ص ٢٠.
(٨) الكتاب ٣/ ٤٢ وشرح المفصل ٩/ ١٠٧، وشرح الشافية ٣/ ٣١ - ٣٣ واللهجات. العربية في التراث ص ٢٥٩، ٢٦٠.
(٩) اللسان ص ٢٦ ط دار المعارف.
(١٠) شرح الشافية ٣/ ٣٢.
(١١) الفائق ٣/ ٤٠١ واللسان (نبر ٤٣٢٣).
(١٢) الكتاب ٣/ ٥٤٨.
(١٣) السابق ٣/ ٥٤١.
[ المقدمة / ٢٦ ]
وقد فصل علماء العربية أنواع التسهيل هذه على النحو الآتى، مختصرا.
(١) إذا سكنت الهمزة وأريد تسهيلها، فإن فتح ما قبلها: صارت ألفا، وإن ضم ما قبلها: صارت واوا، وإن كسر ما قبلها: صارت ياء، نحو راس في رأس، وقرات في قرأت، وجُونة في جؤنة، وسُوتُ في سؤت وذيب في ذئب، وجيت في جئت، وقد قعدوا هذا وجعلوه قياسا مطردا في أمثاله (١).
(٢) إذا تحركت الهمزة، فإن سكن ما قبلها صحيحا: ألقيت حركتها على ما قبلها، وحذفت، كمسلة في مسألة، والمرة في المرأة. وإن كان ما قبلها ياء أو واو مد زائدتين: قلبت إليهما، وأدغم أحد الحرفين في الآخر، كخطية في خطيئة، ومقروة في مقروءة، والنبى في النبىء. وتجرى ذلك على ياء التصغير كأفيِّس في أفيئس (٢).
وإذا تحركت، وتحرك ما قبلها،. وأريد تخفيفها، فحكمها أن تجعل بين بين، أى: بين مخرج الهمزة، وبين مخرج الحرف الذى منه حركة الهمزة، وفي هذا إضعاف لنبرة الهمز الثقيل، وبقية منه تدل عليه. فإن كانت مفتوحة، وفتح ما قبلها: جعلت بين الهمزة والألف، كسال في سأل وقرا في قرأ، فإن ضم ما قبلها: فإنها تفسير بين الهمزة والواو، كجون في جؤن. وإن كسر ما قبلها: صارت بين الهمز والياء كبير في بئر.
وإن كانت مكسورة وقبلها متحرك، وأريد تخفيفها: جعلت بين بين، سواء كانت الحركة فتحة أو ضمة أو كسرة، مثل: سَيِمَ في سَئِمَ، وسُيِل في سُئِلَ.
وإذا كانت مضمومة، وتحرك ما قبلها بالفتح، أو الكسر، أو الضم: تجعل كذلك بين بين، فتقرب من الواو الساكنة كلُوم في لُؤْم، ورُوس في رُوُوس، ويستهزون في يستهزئون (٣). وهذا مذهب سيبويه. وكأن الأخفش يقلب الهمزة المكسورة، المكسور ما قبلها ياء خالصة. وبعض العرب يبدلون همزة بين بين إلى حروف بين خالصة، سواء كانت الفا، أو ياء، أو واوا، كسال، وروس، ومستهزين، وليس هذا بقياس مطرد عند سيبويه (٤).
عود إلى ظاهرة الهمز والتسهيل في النظم المستعذب.
اهتم بن بطال الركبي بالفصل بين المهموز وغير المهموز من الأفعال، فنبه إلى ما يهمز وما لا يهمز وما يجوز فيه الهمز وغيره، وما لا يجوز تسهيله إلا في لغة العامة، ومن ذلك:
في حديث ابن عمر ﵄: أن النبى - ﷺ - قال: "إذا صلى أحدكم، فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق من يزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل اشتمال اليهود" (٥).
يقول الركبي: قوله "فليتزر" صوابه: فليأتزر بالهمز ولا يجوز التشديد؛ لأن الهمزة لا تدغم في التاء، وقولهم "اتزر" عامى، والفصحاء على ائتزر، وقد لحنوا من قرأ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ بالتشديد (٧٢).
_________________
(١) الكتاب ٣/ ٥٤٣، ٥٤٤. وشرح المفصل ٩/ ١٠٧، ١٠٨: شرح الشافية ٣/ ٣٢، ٣٣.
(٢) شرح المفصل ٩/ ١٠٨، ١٠٩ وشرح الشافية ٣/ ٣٣، ٣٤.
(٣) الكتاب ٣/ ٥٤١ - ٥٤٣ وسر صناعة الإعراب ١/ ٥٣، ٣٤ وشرح المفصل ٩/ ١١، ١١٢ وشرح الشافية.
(٤) المراجع السابقة.
(٥) الفائق ٣/ ٢٦١ والنهاية ١/ ٤٤ والمهذب ١/ ٦٥.
[ المقدمة / ٢٧ ]
وفي قول الشيرازى (*): "ويرقى على الصفا والمروة" يقول ابن بطال: يقال: رقى بكسر القاف، وبالياء في الماضى يرقى بفتحها والألف في المستقبل رَقْيًا ورُقِيًّا: إذا صعد، وارتقى: مثله، ولا يقال: رَقَى بفتح القاف إلا من الرُّقْيَةِ، فإنه يقال رَقَى يَرْقَى رُقْيَةً. ورقأ الدم يرقأ بالهمز: إذا انقطع (٢٠٧).
وفي قول الشيرازى (/): "يوم التروية" يقول: فيه تأويلان، أحدهما: أنه مأخوذ من الروية، وهى: التفكر في الأمر، يقال: رَوَّيْتُ في الأمر: إذا فكرت فيه ونظرت، يهمز ولا يهمز. والثانى: أنه مأخوذ من رَوَّيْتُ أصحابى: إذا أتيتهم بالماء، وأصله من الرِّىَّ الذى هو ضد العطش (٢٠٧، ٢٠٨).
وفي قول الشيرازى (١): "ملك ضعيف لا يحتمل المواساة" هى مفاعلة من الآسى، وهو: الطيب، كأنها في النفع بمنزلة الدواء في النفع مع العلة. وقال الجوهرى: آسيته بمالى، أى: جعلته إسوتى فيه، وواسيته: لغة ضعيفة فيه (١٣٩).
وفي قول الشيرازى (٢): "وأومأ في السجود" يقول الركبي (٣): يقال: أومأ برأسه بالهمز وأشار بيده، وأومأت إليه: أشرت. ولا يقال: أوميت. وومأت إليه ومأ: لغة، قال:
فقلت السلام فاتقت من أميرها فما كان إلا ومؤها بالحواجب
وفي قوله: "الوضوء" يقول الركبي: وتوضأت للصلاة بالماء، بالهمز ولا تقل: توضيت، وبعضهم يقوله (٩).
وفي قوله (٤): "فإذا طرأ" يقول: مهموز، أى: حدث، وأصله: الطرىء: ضد العتيق (٢٦٨).
وظاهر أن ابن بطال متابع إلى أصحاب التنقية اللغوية، ولا يميل إلى استعمال ما هو عامى في مذهبهم، فما ذكره في اتزر: ذكره ابن السكيت في إصلاح المنطق (٥) والزمخشرى في الفائق (٦) وابن الأثير في النهاية (٧) وأنكره الخطابى (٨) في قولهم "اتَّجَرَ" و"اتُّمِنَ" وكذلك أنكره المطرزى في المغرب (٩). غير أنه أجاز "إيتزر" بالياء، ومن الإزار، وبهذا يصح إدغامها في فاء افتعل، كما لو كانت أصلا، كذا ذكر الفيومى (١٠)، ونص الصغانى (١١) على أنه يجوز أن تقول: اتزر بالمئزر أيضًا فيمن أدغم الهمزة في التاء، كما يقال: اتَّمَنْتُهُ، والأصل: أئتمنته والجوهري الذى سبق أنه من الذين لا يجيزون غير الصحيح، يقول: أزَّرته تأزيرًا فتأزر، واتَّزر إزرة حسنة (١٢)، فثبت بهذا صحة هذه اللغة، وإن كانت على غير الأفصح.
وما ذكره في "أومأ" نبه إليه ابن السكيت (١٣)، ولكن ابن قتيبة وضعه في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز بمعنى واحد، وعبارته: أومأت إلى فلان وأوميت (١٤)، وأنشد الأخفش لذى الرمة:
إذا قلَّ مالُ المرءِ قل صديقُهُ وَأوْمَتْ إليه بالعيوب الأصَابعُ
إنما أراد: أومأت، فاحتاج فخفف تخفيف إبدال، ولم يجعلها بين بين، إذ لو فعل ذلك لانكسر البيت؛
_________________
(١) (*) في المهذب ١/ ٢٢٤. (/) السابق ١/ ٢٢٥.
(٢) في المهذب ١/ ١٤٠.
(٣) السابق ١/ ٦٢.
(٤) في النظم المستعذب ٦٧،٦٨.
(٥) في المهذب ١/ ٣٢١.
(٦) ص ٣٧٣.
(٧) ٣/ ٢٦١.
(٨) ١/ ٤٤.
(٩) إصلاح خطأ المحدثين ص ١٤.
(١٠) مادة (أزر).
(١١) المصباح (أزر).
(١٢) التكملة (أزر).
(١٣) الصحاح (أزر).
(١٤) في إصلاح المنطق ١٤٨.
(١٥) أدب الكاتب ٤٧٦.
[ المقدمة / ٢٨ ]
لأن المخففة تخفيفا بين بين في حكم المحققة (١). وقال المطرزى: العرب تقول: أومى برأسه، أى: قال لا، يعنى بترك الهمز. فثبت صمحه ما منعه الركبي.
ونبه إلى أن "طرأ" مهموز، وذلك، لجريان لفظ "الطريان" على ألسنة الفقهاء، وقد ورد كثيرا في الوجيز (٢) للغزالى، كقوله: "طريان ما يغير مقدار الدية" (٣) وقد أجازه النسفى في طلبة الطلبة (٤)، على سبيل تليين الهمزة للتخفيف، ولا وجه لتسهيل الهمزة المفتوحة في مثل الطرآن، وقد خطأ المطرزى هذا التسهيل في قوله: "وأما الطريان فخطأ أصلا" (٥).
ونراه يتابع الجوهرى في إنكار قولهم "توضيت" وهذا على أن اللغة الفصحى: توضأت، وقد تابع الجوهرى (٦) اللغويين المتشددين في تنقية العربية، كابن السكيت (٧) وابن قتيبة (٨)، وقد وضعا هذا القول في جملة كلام العوام ونصوا على أن الأفصح توضأت بالهمز. وفي الكتاب الذى وضعه ابن برى في غلط الضعفاء من الفقهاء (٩) قولهم: توضيت.
وهذا صريح في أن التسهيل خطأ من العوام، غير أن متابعة الهمزة في هذا الموضوع، أى: كونها مفتوحة: ما قبلها مفتوح، فضلا عن تطرفها، ووجود نظائر لها وقع فيها التسهيل، كل هذا يبيح تسهيلها وابن السكيت الذى أنكر مثل هذا التسهيل إباحة في مثل أرجأ، فقال: تقول: هذا رجل مرجىء وهم الرجئة وإن شئت قلت: مرج، وهم المرجية؛ لأنه يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته (١٠).
وابن قتيبة يقر أرجيت، حيث وضع تسهيلها مع تحقيقها على قدم المساواة في أداء المعنى، فقال في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال (١١)، ولا يهمز بمعنى واحد: أرجأت الأمر وأرجيته. وذكر فيه: تأممت وتيممت وابن برى يعترف بأنه يجوز أن يقال: استبريت الجارية، على لغة ضعيفة (١٢) ويقر أيضًا. بأنه: ليس أحد يقول بَدِيت بمعنى بدأت إلا الأنصار، والناس كلهم بَدَيْت وبدأت. وعليه قول شاعرهم ابن رواحة:
باسم الِإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا (١٣)
والفيومى يجعل التسهيل في مثل هذا قياسا، فيقول: إن تسهيل همزة الطرف في الفعل المزيد، وتسهيل الهمزة الساكنة قياس، فيقال: أرجأت الأمر وأرجيته، وأنسأت وأنسيت، وأخطأت وأخطيت، وتوضأت وتوضيت، وهو كثير فالفقهاء جرى على ألسنتهم التخفيف (١٤).
وعن أبي زيد، قال: وقال أبو عمر الهذلي: قد توضيت، فلم يهمز وحولها ياء (١٥). وكل هذا يدل على جواز التسهيل فما منع ابن بطال الفقهاء منه، كما يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه كان يتابع المتشددين في تنقية اللغة العربية.
_________________
(١) اللسان (ومأ ٤٩٢٦).
(٢) أنظر الوحيز ١/ ٨٨، ٣/ ٩٠.
(٣) ٢/ ١٢٩.
(٤) ص ٦٥.
(٥) المغرب (طرأ).
(٦) في الصحاح (وضأ).
(٧) في إصلاح المنطق ١٤٩.
(٨) في أدب الكاتب ٣٦٦.
(٩) لوحة ١.
(١٠) إصلاح المنطق ١٤٦.
(١١) أدب الكاتب ٤٧٥.
(١٢) غلط الضعفاء من الفقهاء لوحة ٢.
(١٣) اللسان (برى ٢٣٥).
(١٤) المصباح (جزأ).
(١٥) اللسان ٢٦ ط دار المعارف.
[ المقدمة / ٢٩ ]