ويبدى تلميحات ذكية تنبىء عن حس النحوى المحقق، فيعلق على الحديث "الحج عرفة" بأنه لا يجوز في العربية أن يخبر بالاسم عن المصدر، ويحمل مثل هذا على حذف مضاف، كأنه أراد: الحج الوقوف بعرفة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٣) قالوا: تقديره: البر بر من آمن بالله (٢١٤) ويعلل منع اللغويين للقول "صحراءة" بأنه إدخال تأنيث على تأنيث (٦٧).
ويوجه جمع الخضراء على الخضراوات في الحديث: "ليس في الخضراوات صدقة" (٤) بأن العرب تقول للبقول: الخضراء ومنه الحديث "إياكم وخضراء الدمن" وهو اسم للبقول، وليس بصفة، فلذلك جمع بالألف والتاء،. كالمسلمات، ولو كان صفة لجمع جمع الصفات على خضر وصفر (٤١٩).
وهذا التخرج ذكره الرضى، وابن سيده، وابن الطيب الناسى، والزبيدي، والفيومي (٥). بعد أن
_________________
(١) المهذب ١/ ٢٦١.
(٢) سورة الحج آية ١٩.
(٣) سورة البقرة آية ١٧٧.
(٤) الفائق ١/ ٣٨٠ وغريب ابن الجوزى ١/ ٢٨٤ والنهاية ٢/ ٤١.
(٥) شرح الشافية ٢/ ١٧٢ والمحكم ٥/ ٢٦ وإضاءة الراموس، وتاج العروس، والمصباح (خضر).
[ المقدمة / ٤٧ ]
تعرض هذا الجمع لانتقاد بعض اللغويين.
وفي قولهم: "الصلاة خير من النوم" يقول: المخايرة والمفاضلة تكون بين متفاضلين، أو متساويين، لأن لفظة أفعل تستعمل في شيئين يشتركان في الفعل، ويكون لأحدهما على الآخر مزية، فكيف يقال: "الصلاة خير من النوم"؟ ومعلوم أن النوم ليس مساويا للصلاة، ولا مناضلا لها، فيحتمل أن يكون ها هنا محذوف تقديره: اليقظة للصلاة خير من النوم. وقيل: إن النوم فيه الراحة، وهى معنى السبات الذي من الله به على عباده بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ (١) أى: راحة لأبدانكم. فمعنى "الصلاة خير من النوم" أى: الراحة التى تعتاضونها يوم القيامة من شدة وطء قيام الليل ومكابدته خير من راحة النوم الذى هو أخو الموت. وقيل: المعنى: الخير في الصلاة لا في النوم، مثل قوله تعالى ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ومعلوم أن الهدى مع النبي ومن معه (٦٠، ٦١).
ويقف القاريء على فروق نادرة لا يعرفها إلا الخاصة، وذلك في قول الشيرازي: وتقف إمامة النساء وسطهن (٢) فينبه إلى أن وسْط بالتسكين، لأنه ظرف، يقال: جلست وسْط القوم بالسكون؛ لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك، لأنه اسم ويقول: كل موضع صلح فيه "بين" فهو وسط بالتسكين، وإن لم يصلح فيه "بين" فهو وَسَط- بالتحريك، وربما سكن وليس بالوجه (١٠٣).
هذا إضافة إلى ما بثه في الفروق، وما هو منثور بين دفتى الكتاب من درر يحتاج اليها الفقيه فضلا عن اللغوى معرفتها وتحصيلها لكى تتم به الفائدة.