اسْتعْمل من وجوهه:
خضع: قَالَ الله جلّ وعزّ: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤) . أَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي جَعْفَر الغسّاني عَن سَلَمة عَن أبي عُبَيْدَة، أَن يُونُس أخبرهُ عَن أبي عَمْرو أَنه قَالَ: خاضعين لَيْسَ من صفة الْأَعْنَاق، إِنَّمَا هُوَ من صفة الْكِنَايَة عَن الْقَوْم الَّذين فِي آخر الْأَعْنَاق، فَكَأَنَّهُ فِي التَّمْثِيل: فظلَّت أَعْنَاق الْقَوْم خاضعين، فالقومُ فِي مَوضِع هم.
وَقَالَ الكسائيّ: أَرَادَ فظلت أعناقُهم خاضِعِيها هم، كَمَا تَقول: يدُك باسطها، تُرِيدُ أَنْت، فاكتفيتَ بِمَا ابتدأتَ من الِاسْم أَن تكُرَّه.
قلت: وَهَذَا غير مَا قَالَ أَبُو عَمْرو.
وَقَالَ الْفراء: الْأَعْنَاق إِذا خضعت فأربابها خاضعون. فجعلَ الفعلَ أوّلًا للأعناق ثمَّ جعل خاضعين للرِّجَال. قَالَ: وَهَذَا كَمَا تَقول: خضعت لَك، فتكتفي من قَوْلك خضعَتْ لَك رقبتي.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق: قَالَ خاضعين وذكّر الْأَعْنَاق، لِأَن معنى خضوع الْأَعْنَاق هُوَ خضوع أَصْحَاب الْأَعْنَاق، لمَّا لم يكن الخضوع إلاّ بخضوع الْأَعْنَاق جَازَ أَن يخبر عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
رَأَتْ مَرَّ السِّنينَ أَخذْنَ منّي
كَمَا أخذَ السِّرارُ من الهلالِ
لمّا كَانَت السنون لَا تكون إِلَّا بمرّ أخبر عَن السنين وَإِن كَانَ أضافَ إِلَيْهَا الْمُرُور. قَالَ: وَذكر بعضُهم وَجها آخر، قَالُوا: مَعْنَاهُ فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين هم، وأضمر (هُمْ) وَأنْشد:
ترى أرباقَهم متقلِّدِيها
كَمَا صَدِىء الحديدُ على الكُماةِ
قَالَ: وَهَذَا لَا يجوز مثلُه فِي الْقُرْآن. فَهَذَا على بدلِ الغلَط يجوز فِي الشّعْر، كَأَنَّهُ قَالَ ترى أرباقهم ترى متقلّديها، كَأَنَّهُ قَالَ: ترى قوما متقلّدي أرباقهم.
وَقلت: وَهَذَا الَّذِي قَالَه الزّجاج مَذْهَب الْخَلِيل. وَمذهب سِيبَوَيْهٍ أنّ بدل الْغَلَط لَا يجوز فِي كتاب الله ﷿.
قلت: وخضَع فِي كَلَام الْعَرَب يكون لَازِما وواقعًا، تَقول خضعتُه فخضَع وَمِنْه قَول جرير:
[ ١ / ١٠٨ ]
أعدّ الله للشعراء منّي
صواعقَ يَخضَعون لَهَا الرقابا
فَجعله وَاقعا مُتَعَدِّيا. وَيُقَال خضع الرجلُ رقبتَه فاختضعَتْ وخضَعت.
وَقَالَ ذُو الرمّة:
يظلُّ مختضِعًا يَبْدُو فتنكرهُ
حَالا ويسطع أَحْيَانًا فينتسبُ
مختضعًا: مطأطىء الرَّأْس. والسُّطوع: الانتصاب، وَمِنْه قيل للرجلِ الأَعنَق: أسطع. وَفِي حَدِيث عمر أَن رجلا فِي زَمَانه مرّ برجلٍ وَامْرَأَة قد خَضَعا بَينهمَا حَدِيثا، فضربَ الرجلَ حتّى شجَّه، فرُفِع إِلَى عُمرَ فأهدرَه.
شِمر عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الْعَرَب تَقول: اللَّهم إِنِّي أعوذ بك من الخُنوع والخضوع. فالخانع: الَّذِي يَدْعُو إِلَى السَّوءة، والخاضع نَحوه. وَقَالَ رؤبة:
مِن خالباتٍ يختلبن الخُضعا
قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: الخُضَّع: اللواتي قد خضَعن بالْقَوْل ومِلْن. قَالَ: وَالرجل يخاضع الْمَرْأَة وَهِي تخاضعه، إِذا خضَع لَهَا بِكَلَام وخضعتْ لَهُ فيطمع فِيهَا. وَمن هَذَا قَول الله ﷿: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِى فِى﴾ (الأحزَاب: ٣٢) . وَقَالَ الْكُمَيْت يصف نسَاء ذواتِ عفاف:
إذْ هُنّ لَا خُضُع الحدي
ث وَلَا تكشَّفت المَفاضِل
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الاختضاع: المرّ السَّرِيع. وَأنْشد فِي صفة فرسٍ جواد:
إِذا اخْتَلَط المسيحُ بهَا تولّت
بسَومٍ بَين جَرْيٍ واختضاعِ
الْمَسِيح: العَرق يَقُول: إِذا عرقت أخرجت أفانينَ جَريها.
أَبُو عبيد: الخَيضَعة: الْبَيْضَة.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن الْأَثْرَم عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ: يُقَال لبيضة الْحَدِيد الخَيضَعَة، والرّبيعة. وَأنْشد:
والضاربون الهامَ فَوق الخيضَعَهْ
وَقَالَ شمر: قَالَ ابْن الأعرابيّ: الخيضعة: الغُبار. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هُوَ صَوت الْقِتَال. قَالَ: وَقَالَ اللَّيْث: الخيضعة حَيْثُ يخضع الأقرانُ بعضُهم لبَعض. قَالَ: وَيُقَال (للسّيوف خَضَعة)، وَهُوَ صَوت وقعها.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد قَالَ: الخَضِيعة: صَوتٌ يخرج من قنْب الْفرس الحِصانِ، وَهُوَ الوقيب. وَأنْشد:
كَأَن خَضِيعةَ بطن الجوا
دِ وعوعةُ الذِّئْب فِي الفدفدِ
والأخضع من الرِّجَال: الَّذِي فِيهِ جَنَأٌ، وَقد خَضِع يخضَع خَضَعًا، فَهُوَ أخضَع.
وخضَعت أَيدي الْكَوَاكِب، إِذا مَالَتْ لِتَغَيُّبٍ. وَقَالَ ابْن أَحْمَر:
تكَاد الشَّمْس تخضع حِين تبدو
لهنَّ وَمَا وَبِدنَ وَمَا لُحِينا
وَقَالَ ذُو الرمة:
إِذا جعلت أَيدي الْكَوَاكِب تخضعُ
وخضعت الْإِبِل، إِذا جَدَّت فِي سَيرهَا. وَقَالَ الكُميت:
[ ١ / ١٠٩ ]
خواضع فِي كلِّ ديمومة
يكَاد الظليم بهَا ينحَلُ
وإنَّما قيل ذَلِك لأنّها خضعت أعناقَها حِين جدّ بهَا السَّير. وَمِنْه قَول جرير:
وَلَقَد ذكرتكِ والمطيُّ خواضعٌ
وكأنهنّ قطا فلاةٍ مَجهلِ
ع خَ ص
ع خَ س
أهملت وجوهها.