عنق، قنع، قعن، نعق، نقع: مستعملة.
قلت: أما
عقن: فإنّه مهمل، إِلَّا أَن
[ ١ / ١٦٧ ]
يكون العِقْيانُ فِعيالًا مِنْهُ، وَهُوَ الذَّهب، وَالْأَقْرَب إِنَّه فِعلانٌ من عَقى يَعقِي، وَالنُّون زَائِدَة.
عنق: قَالَ الله جلّ وَعز: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤) أَكثر المفسِّرين ذَهَبُوا بِمَعْنى الْأَعْنَاق فِي هَذِه الْآيَة إِلَى الْجَمَاعَات، يُقَال جَاءَ الْقَوْم عُنُقًا عنقًا، إِذا جَاءُوا فرقا، كلُّ جماعةٍ مِنْهُم عُنق. وَمِنْه قَوْله:
إِن العراقَ وأهلهُ
عنقٌ إِلَيْك فهَيْتَ هَيتا
أَرَادَ أنّهم مالوا إِلَيْك جَمِيعًا. وَيُقَال هم عُنُق واحدٌ عَلَيْهِ، وإلبٌ وَاحِد. وَقيل فِي تَفْسِير الْآيَة: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤)، أَي رقابهم، كَقَوْلِك: ذلّت لَهُ رِقَاب الْقَوْم وأعناقهم. وَقد مرَّ تَفْسِير قَوْله ﴿خَاضِعِينَ﴾ (الشُّعَرَاء: ٤) على مَا قَالَ فِيهِ النحويون.
والعُنُق مؤنّثة، وَقد ذكّره بَعضهم، قالهُ الْفراء وَغَيره. يقالُ ضُرِبَتْ عُنُقه. وَقَالَ رؤبة يصف السَّراب أَو الْآل:
تبدو لنا أعلامُه بعد الغَرَقْ
خَارِجَة أعناقُها من مُعتَنَقْ
ذكر السرابَ وانقماس الْجبَال فِيهِ إِلَى مَا دون ذُراها. والمعتنق: مخرج أَعْنَاق الْجبَال من السَّراب، أَي اعتنقت فأخرجت أعناقَها.
وَيُقَال عانق الرجلُ جَارِيَته، وَقد تعانقا. فَأَما الاعتناق فَأكْثر مَا يسْتَعْمل فِي الْحَرْب، وَمِنْه قَول زُهَيْر:
إِذا مَا ضاربوا اعتنقا
وَقد يجوز الاعتناق فِي غير الْحَرْب بِمَعْنى التعانق، وكلٌّ فِي كلَ جَائِز.
وروى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: العُنُق: الْجمع الْكثير من النَّاس. قَالَ: والعُنق: الْقطعَة من المَال. قَالَ: والعنق أَيْضا: الْقطعَة من الْعَمَل، خيرا كَانَ أَو شرا.
وَفِي حَدِيث النَّبِي ﷺ (المؤذّنون أطولُ الناسِ أعناقًا يومَ الْقِيَامَة) . قَالَ ابْن الأعرابيّ: يُقَال لفلانٍ عنقٌ من الْخَيْر، أَي قِطْعَة، فَمَعْنَاه أَنهم أَكثر النَّاس أعمالًا. وَقَالَ غَيره: هُوَ من طول الْأَعْنَاق؛ لِأَن النَّاس يومئذٍ فِي الكرب وهم فِي الرَّوح والنشاط مشرئبّون لما أُعِدَّ لَهُم من النَّعيم.
وَفِي حَدِيث آخر: يخرج عُنُق من النَّار) .
وَقد تخفّف العُنُق فَيُقَال عُنْق
والعانقاء: جُحرٌ من جِحَرة اليربوع يملؤه تُرَابا، فَإِذا خَافَ اندسَّ فِيهِ إِلَى عُنُقه فَيُقَال: تعنَّق.
قَالَ: وَأَخْبرنِي المفضّل أَنه يُقَال لجِحَرة اليربوع: الناعقاء والعانقاء، والقاصعاء، والنافقاء، والراهطاء، والدَّامَاء.
أَبُو عبيد: من أَمْثَال الْعَرَب: (طارت بهم العَنْقاء المُغْرِب) وَلم يفسِّره، وَقَالَ اللَّيْث: العنقاء: اسْم مَلِك، والتأنيث عِنْده للفظ العنقاء. وَقَالَ غَيره: العنقاء من أَسمَاء الداهية. وَقيل العنقاء طَائِر لم يَبقَ فِي أَيدي النَّاس من صفتهَا غير اسْمهَا؛ يُقَال: (ألوَى بِهِ العُنْقاء المُغْرب) . وَقَالَ أَبُو زيد: العنقاء: أكمة فَوق جبل مُشْرف. وَقَالَ الزّجاج: العنقاءُ المُغْرب: طَائِر لم يره
[ ١ / ١٦٨ ]
أحد. وَقَالَ عِكرمة فِي قَول الله جلّ وعزّ: ﴿عَلَيْهِمْ طَيْرًا﴾ (الفِيل: ٣) قَالَ: هِيَ عنقاءُ مُغْرِبة. فَهَذَا جَمِيع مَا جَاءَ فِي العنقاء الْمغرب.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: إِذا خرجَ من النَّهر ماءٌ فَجرى فقد خرجَ عُنُق. قَالَ: والعُنُق من النَّاس الْجَمَاعَة. وَجَاء الْقَوْم عُنقًا عُنقًا، إِذا جَاءُوا أَرْسَالًا. وَقَالَ الأخطل:
وَإِذا المِئونُ تواكَلتْ أعناقُها
فاحملْ هناكَ على فَتى حَمَّالِ
قَالَ ابنُ الأعرابيّ: أعناقها: جماعاتها. وَقَالَ غَيره: ساداتها. وَقَالَ: المِعْنَقة: القلادة. والمَعنَّقة: دويْبَّة. والعَنَق والعَنيق: ضربٌ من السَّير، وَقد أَعْنَقت الدابّة.
وَقَالَ أَبُو زيد: كَانَ ذَلِك على عُنُق الدَّهْر، أَي على قديم الدَّهر. والعَناق: الْأُنْثَى من أَوْلَاد المِعزَى إِذا أَتَت عَلَيْهَا السّنة، وَجَمعهَا عُنُوق، وَهَذَا جمعٌ نَادِر. وَيَقُولُونَ فِي الْعدَد الْأَقَل: ثَلَاث أعنُقٍ وأربعُ أعنُق. وَقَالَ الفرزدق:
دعدِعْ بأعنُقِك التوائِم إنّني
فِي باذخٍ يَا ابنَ المراغة عالِي
وَقَالَ أَوْس بن حجر فِي العُنوق:
يَصُوع عُنوقَها أحوَى زنيمٌ
لَهُ ظَأبٌ كَمَا صَخِب الغريمُ
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: (هَذِه العُنُوق بعد النُّوق)؛ يضْرب مثلا للَّذي يُحَطُّ عَن مرتبته بعد الرّفْعَة، أنَّه صَار يرْعَى العُنوق بعد مَا كَانَ يرْعَى الْإِبِل. وراعي الشَّاء عِنْد الْعَرَب مَهين ذليل، وراعي الْإِبِل قويٌّ مُمْتَنع.
وعَنَاق الأَرْض: دابّة فُويق الْكَلْب الصِّيني يصيد كَمَا يصيد الفهدُ وَيَأْكُل اللَّحمَ، وَهُوَ من السِّباع، يُقَال إنّه لَيْسَ شيءٌ من الدوابّ يوَبِّر أَي يعفِّي أَثَره إِذا عدا غَيره وَغير الأرنب؛ وَجمعه عُنوقٌ أَيْضا، والفُرْسُ تسمِّيه (سياه قُوشْ)، وَقد رَأَيْته فِي الْبَادِيَة أسودَ الرَّأْس أَبيض سائِره. وَرَأَيْت بالدَّهناء شبه منارةٍ عاديّة مبنيَّة بالحجارَة، ورأيتُ غُلَاما من بني كُلَيْب بن يَرْبُوع يَقُول: هَذِه عَنَاقُ ذِي الرمة، لِأَنَّهُ ذكرهَا فِي شعره.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثَعْلَب عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: يُقَال: لقيتُ مِنْهُ أذُنَيْ عَنَاقٍ، أَي داهية وأمرًا شَدِيدا. قَالَ: وَيُقَال جَاءَ فلانٌ بأذنَيْ عنَاق، أَي جَاءَ بِالْكَذِبِ الْفَاحِش. وَيُقَال رجَع فلانٌ بالعَناق، إِذا رجَع خائبًا؛ يوضع العَناقُ مَوضِع الخيبة. وَأنْشد ابنُ الأعرابيّ:
أمِن ترجيعِ قاريَةٍ تركتمْ
سَباياكم وأبتُمْ بالعَنَاقِ
وَصفهم بالجُبْن
والأعنَق: فحلٌ من خيل الْعَرَب مَعْرُوف، إِلَيْهِ تنْسب بناتُ أعنقَ من الْخَيل الْجِيَاد.
وَأنْشد ابنُ الْأَعرَابِي:
تظلُّ بناتُ أعنَقَ مُسْرَجاتٍ
ويروى: (مُسرِجات) . قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: اخْتلفُوا فِي أعنَقَ، فَقَالَ قَائِل: هُوَ اسمُ
[ ١ / ١٦٩ ]
فرَس. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ دِهقانٌ كثير المَال من الدَّهاقين. فَمن جعله رجلا رواهُ: (مُسرِجات)، وَمن جعله فرسا رَوَاهُ (مُسرَجات) .
وَفِي حَدِيث مُعاذٍ وَأبي مُوسَى أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفرٍ وَمَعَهُ أصحابُه فأناخوا لَيْلَة مُعرِّسين، وتوسَّد كلٌّ ذراعَ رَاحِلَته. قَالَا: فانتبهْنَا وَلم نَرَ رَسُول الله ﷺ عِنْد رَاحِلَته، فاتَّبعناه فَأخْبرنَا ج أنّه خُيِّر بَين أَن يدْخل نصفُ أمته الجنّةَ وَبَين الشَّفَاعَة، وأنَّه اخْتَار الشَّفَاعَة. قَالَ: (فانطلقْنا إِلَى النَّاس مَعانِيقَ نبشِّرهم)، قَالَ شمر: قَوْله معانيقَ أَي مُسرعين، يُقَال أعنقْتُ إِلَيْهِ أُعْنِقُ إعناقًا. ورجلٌ مُعْنِقٌ وقومٌ مُعْنِقون ومعانيق. وَقَالَ القُطامي:
طرقَتْ جَنوبُ رِحالَنا من مَطْرَقِ
مَا كنت أحسبها قريب المُعنَقِ
وَقَالَ ذُو الرمّة:
أشاقتك أخلاقُ الرُّسوم الدَّوائِرِ
بأدعاص حَوضَى المُعنِقات النوادرِ
قَالَ شمر: قَالَ أَبُو حَاتِم: المُعْنِقات: المتقدّمات فِيهَا. قَالَ: والعَنَق والعَنيق من السَّير مَعْرُوف، وهما اسمان مِن أعنقَ إعناقًا.
وَفِي (النَّوَادِر): أعلقْتُ فِي الأَرْض وأعنقت، وبلادٌ مُعْلِقة ومُعْنِقة، أَي بعيدَة.
ووادي العَنَاق بالحِمَى فِي أَرض غَنِي.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم: المعَانق هِيَ مُقَرِّضات الأساقي، لَهَا أطواقٌ فِي أعناقها ببياضٍ
وَيُقَال عَنَّقت السحابةُ، إِذا خرجت من مُعظم الغَيم، ترَاهَا بَيْضَاء لإشراق الشَّمْس عَلَيْهَا. وَأنْشد شمر:
مَا الشُّرب إلاّ نَغَباتٌ فالصَّدَرْ
فِي يَوْم غَيمٍ عنَّقَتْ فِيهِ الصُّبُر
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: معانيق الرمال: حِبالٌ صغَار بَين أَيدي الرِّمال، الْوَاحِدَة مُعْنِقة.
وَيُقَال: أَعْنَقت الثريا، إِذا غَابَتْ. وَأنْشد:
كأنّي حِين أعنقَتِ الثريّا
سُقِيتُ الراحَ أَو سُمًّا مَدُوفا
وأعنقت النُّجومُ، إِذا تقدّمت للمغيب. والمُعْنِق: السَّابِق؛ يُقَال جَاءَ الفرسُ مُعْنِقًا. ودابةٌ مِعناقٌ: قد أعْنَقَ.
نعق: قَالَ الله ﷿: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ (البَقَرَة: ١٧١) قَالَ أهل اللُّغة الفراءُ وَغَيره النعيق: دُعَاء الرَّاعِي الشَّاء. يُقَال انعِق بضأنك، أَي ادعُها. وَقد نَعَقَ بهَا ينعق نعيقًا.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن أبي طَالب عَن أَبِيه عَن الْفراء فِي قَول الله ﷿: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ﴾ (البَقَرَة: ١٧١) الْآيَة قَالَ: أضَاف المَثَل إِلَى الَّذين كفرُوا ثمَّ شبههم بالراعي وَلم يقل كالغَنَم. وَالْمعْنَى وَالله أعلم: مثل الَّذين كفرُوا كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تفقه مَا يَقُول الرَّاعِي أَكثر من الصَّوت، فأضاف التَّشْبِيه إِلَى الرَّاعِي وَالْمعْنَى فِي المرعى. قَالَ: وَمثله فِي الْكَلَام: فلانٌ يخافك كخوف الْأسد، الْمَعْنى كخوفه الأسدَ، لِأَن الْأسد مَعْرُوف أنّه الْمخوف.
[ ١ / ١٧٠ ]
قلت: ونحوَ ذَلِك قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِيمَا أَخْبرنِي المنذريّ عَن الغسّاني عَن سَلمَة عَن أبي عبيده:
وَقَالَ الزّجاج: ضرب الله لَهُم هَذَا المثَل وشبَّههم بالغنم المنعوق بهَا بِمَا لَا تسمع مِنْهُ إلاّ الصَّوتَ، فَالْمَعْنى مثلك يَا مُحَمَّد وَمثلهمْ كَمثل الناعق والمنعوق بِهِ بِمَا لَا يسمع، لأنّ سمعهم لم يكن يَنْفَعهُمْ، فَكَانُوا فِي تَركهم قبولَ مَا يسمعُونَ بِمَنْزِلَة من لم يسمع.
وَقَالَ اللَّيْث: يُقَال نَغَق الْغُرَاب ونَعَق، بِالْعينِ والغَين.
قلت: كَلَام الْعَرَب نَغَق بالغين، ونعق الرَّاعِي بالشاء بِالْعينِ، وَلم أسمعهم يَقُولُونَ فِي الْغُرَاب نَعَق، ولكنَّهم يَقُولُونَ نَعَب بِالْعينِ.
والناعقان: كوكبانِ من كواكب الجوزاء، وهما أَضْوَأ كوكبينِ فِيهَا، يُقَال إِن أَحدهمَا رجلُها الْيُسْرَى وَالْآخر منكبها الْأَيْمن الَّذِي يُسمى الهَنْعة.
قعن: قُعَين حيٌّ من بني أسَد. وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة:
فداءٌ خَالَتِي وفِدًى خليلي
وَأَهلي كلُّهمْ لبني قُعَين
وَقَالَ أَبُو بكر بن دُرَيْد: القَعَن: قِصرٌ فَاحش فِي الْأنف. وَمِنْه اسْم قُعَين.
قلت: وَالَّذِي صحّ للثقات فِي عُيُوب الْأنف القَعَم بِالْمِيم. روى أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي: القَعَم: ضِخَم الأرنبة ونتوءُها وانخفاض القَصَبة. وَقَالَ: والقَعَم أحسن من الخَنَس والفَطَس.
قلت: وَقد عَاقَبت العربُ بَين الْمِيم وَالنُّون فِي حُرُوف كَثِيرَة لقرب مخرجيهما، مثل الأيْم والأَيْن، والغَيم والغَين، وَلَا أُبعد أَن يكون القَعَم والقَعَن مِنْهَا.
وَقَالَ اللَّيْث: القَيعون من العُشب مَعْرُوف، على بِنَاء فيعول، وَهُوَ مَا طَال مِنْهُ. قَالَ: واشتقاقه من قَعن. قَالَ: وَيجوز أَن يكون قيعون فعلونًا من القَيع كَمَا قَالُوا زَيْتون من الزَّيْت، وَالنُّون مزيدة.
قنع: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الأعرابيّ قَالَ: أقنَعَ الرجلُ، إِذا صادفَ القِنْعَ، وَهُوَ الرَّمل الْمُجْتَمع. وَقَالَ أَبُو عبيد: القِنْعُ: أَسْفَل الرمل وَأَعلاهُ.
وَقَالَ الأصمعيّ: القِنْع: متَّسَع الحَزْن حَيْثُ يُسهِل. وَقَالَ ذُو الرّمة:
وأبصرنَ أنَّ القِنعَ صَارَت نِطافُه
فَرَاشًا وأنّ البقل ذاوٍ ويابسُ
قَالَ: ويُجمَع القِنع قِنَعةً وقِنْعانًا.
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: القَنَعة من الرمل: مَا اسْتَوَى أسفلُه من الأَرْض إِلَى جَنبه، وَهُوَ اللَّبَبُ وَمَا استرقَّ من الرمل.
وَأَخْبرنِي الْمُنْذِرِيّ عَن أبي الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: قَنِعتُ بِمَا رزقتُ، مَكْسُورَة، وَهِي القَناعة. وقَنَعت إِلَى فلَان، يُرِيد خَضَعت لَهُ والتزقْت بِهِ وانقطعت إِلَيْهِ. وَقَالَ الله جلّ وعزّ: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (الحَجّ: ٣٦) .
وأفادني المنذريّ عَن ابْن اليزيدي لأبي زيد النحويّ قَالَ: قَالَ بعضُهم: القانع
[ ١ / ١٧١ ]
السَّائِل، وَقَالَ بَعضهم: المتعفِّف؛ وكلٌّ يصلُح. وَقَالَ الْفراء: القانع: الَّذِي يَسْأَلك، فَإِذا أعطيتَه شَيْئا قَبِله.
وَقَالَ أَبُو عبيد فِي تَفْسِير حديثٍ رَوَاهُ: (لَا يجوز شَهَادَة كَذَا وَكَذَا، وَلَا شَهَادَة القانع مَعَ أهل الْبَيْت لَهُم) .
قَالَ: القانع الرجل يكون مَعَ الرجل يطْلب فضلَه وَيسْأل معروفه. قَالَ: وَيُقَال قَنَعَ يقنَع قُنوعًا، إِذا سَأَلَ، وقَنِع يقنَع قناعةً، إِذا رَضِي، الأول بِفَتْح النُّون من قنَع، وَالْآخر بِكَسْرِهَا من قِنع. وَأنْشد أَبُو عبيد قَول الشماخ:
لمَالُ الْمَرْء يُصلِحه فيُغِني
مفاقرَه أعفُّ من القُنوع
أَي من الْمَسْأَلَة. وَهَكَذَا قَالَ ابْن السّكيت. وَمن الْعَرَب مَن أجَاز القُنوع بِمَعْنى القِناعة، وَكَلَام الْعَرَب الجيّدُ هُوَ الأوّل.
وَقَول الله جلّ وعزّ: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ﴾ (إِبْرَاهِيم: ٤٣) قَالَ لي أَبُو الْفضل: سَمِعت أَحْمد بن يحيى يَقُول: المُقنِع: الَّذِي يرفع رأسَه ينظر فِي ذلّ. قَالَ: والإقناع: رفعُ الرَّأْس والنَّظرُ فِي ذُل وخُشوع. ويُروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي الدُّعاء: (تُقْنِع يديكَ فِي الدُّعاء) تقنع يَديك فِي الدُّعَاء: أَي ترفعهما. وَقَالَ ابْن السّكيت: يُقَال أقنعَ رأسَه، إِذا رفَعه. قَالَ: وأقنعَني كَذَا وَكَذَا، أَي أرضاني. قَالَ: وقَنعت الْإِبِل والغنمُ للمرتع، إِذا مَالَتْ إِلَيْهِ؛ وأقنعتُها أَنا. وَقَالَ القتيبيّ: المُقْنِع رأسَه: الَّذِي رفَعَه وَأَقْبل بطَرْفه إِلَى مَا بَين يَدَيْهِ. قَالَ: والإقناع فِي الصَّلَاة من تَمامهَا. وَقَالَ اللَّيْث: الْإِقْنَاع: أَن يُقْنع الْبَعِير رأسَه إِلَى الْحَوْض ليشربَ مِنْهُ، وَهُوَ مده رأسَه. قَالَ: وَالرجل يُقنع الْإِنَاء للْمَاء الَّذِي يسيل من شِعْبٍ، ويُقنِع رأسَه نَحْو الشَّيْء إِذا أقبل بِهِ إِلَيْهِ لَا يصرفهُ عَنهُ. وَقَالَ العجاج:
أشرف رَوقاه صَليفًا مُقْنِعَا
يَعْنِي عنق الثَّور فِيهِ كالانتصاب أَمَامه. وأقنع الْإِنَاء فِي النَّهر، إِذا استقبلَ بِهِ جِريةَ المَاء. قَالَ: والمُقْنَعة من الشَّاء: المرتفعة الضَّرع لَيْسَ فِي ضَرعها تصوُّب.
وَأَخْبرنِي المنذريّ عَن ثعلبٍ عَن سَلمَة عَن الْفراء: نَاقَة مقنَعة الضَّرع: الَّتِي أخلافُها ترتفعُ إِلَى بَطنهَا. قَالَ: والمقْنَع من الْإِبِل: الَّذِي يرفع رَأسه خِلقة. وَأنْشد:
بمُقنَعِ من رَأسه جُحاشِرِ
وَقَالَ ابْن شُمَيْل: أقنع فلانٌ رأسَه، وَهُوَ أَن يرفعَ بصرَه ووجهَه إِلَى مَا حيالَ رأسِه من السَّمَاء. قَالَ: والمقْنِع: الرافع رَأسه إِلَى السَّمَاء.
وَقَالَ شِمر: قَالَ الغنويّ: الْإِقْنَاع: أَن تضعَ النَّاقة عُثنونَها فِي المَاء وترفع من رأسِها قَلِيلا إِلَى المَاء، تجتذبه اجتذابًا.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: المُقنَع: الْفَم الَّذِي يكون عطفُ أَسْنَانه إِلَى دَاخل الْفَم، وَذَلِكَ القويّ الَّذِي يقطع بِهِ كلَّ شَيْء؛ فَإِذا كَانَ انصبابُها إِلَى خَارج فَهُوَ أَدْفَق، وَذَلِكَ ضعيفٌ لَا خيرَ فِيهِ. وَقَالَ الشماخ يصف الْإِبِل:
يُباكرنَ العِضاهَ بمُقْنَعَاتٍ
نواجذُهنَّ كالحَدَأ الوَقيعِ
وَقَالَ ابْن ميّادة يصف الْإِبِل أَيْضا:
[ ١ / ١٧٢ ]
تباكر العضاهَ قبل الإشراقْ
بمقنَعاتٍ كقعاب الأوراق
قَالَ: قَوْله كقعاب الأوراق، يَقُول: هِيَ أفتاءٌ فأسنانها بيض. وَأما قَول الرَّاعِي:
زَجِل الحُداء كأنَّ فِي حيزومه
قَصَبًا ومُقنَعةَ الحنينِ عَجولا
فإنّ عُمارة بن عقيل زعمَ أَنه عَنى بمقْنَعة الحنين النأيَ؛ لأنّ الزامر إِذا زمر أقنعَ رَأسه. فَقيل لَهُ: قد ذكر القصَب مَرَّةً، فَقَالَ: هِيَ ضروب. وَقَالَ غَيره: أَرَادَ وَصَوت مُقْنَعة الحنين، فَحذف الصَّوت وَأقَام مقنَعة مقَامه. وَمن رَوَاهُ (ومُقْنِعةَ الحنين) أَرَادَ نَاقَة رفعت حنينها.
وروى الحَدِيث أَن الرُّبيِّعَ بنتَ معوِّذ قَالَت: (أتيتُ النَّبِي ﷺ بقناع من رُطبٍ وأَجْرٍ زُغْب) قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ أَبُو زيد: القُنْع والقناع: الطبَق الَّذِي يؤكَل عَلَيْهِ الطَّعَام. وَقَالَ غَيره: وتجعَل فِيهِ الْفَاكِهَة. وَقَوله (وأجرٍ زُغْب) جمع جَرو، وَأَرَادَ بهَا صِغَار القِثَّاء، شبّهها بأجْرِي الكلابِ لطراءتها.
وَيُقَال رجلٌ مَقْنَع وقُنْعانٌ، وَرِجَال مَقانع وقُنعان، إِذا كَانُوا مرضيِّين. وَأنْشد أَبُو عبيد:
فقلتُ لَهُ بُؤْ بامرىءٍ لستَ مثلَه
وَإِن كنتَ قُنعانًا لمن يطلُب الدَّما
والقِناع والمِقْنعة: مَا تتقنَّع بِهِ الْمَرْأَة من ثوبٍ يغطِّي محاسنَها ورأسَها.
وقنّع فلانٌ فلَانا بالسَّوط، إِذا علا بِهِ رأسَه. وقنَّعه الشيبُ خِمارَه، إِذا علا رأسَه الشَّيب. وَقَالَ الْأَعْشَى:
وقنّعه الشيبُ مِنْهُ خِمارا
وَقَالَ اللَّيْث: القَنوع بِمَنْزِلَة الهَبوط بلغَة هذيلٍ، مؤنّثة. وَقَالَ المفضّل: إنّه للئيمُ القِنْع بِكَسْر الْقَاف، إِذا كَانَ لئيمَ الأَصْل. وَيُقَال أقنعَ فلانٌ الصبيّ فقَبَّله، وَذَلِكَ إِذا وضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ على فأس قَفاهُ وَجعل الْأُخْرَى تَحت ذَقَنه وأماله إِلَيْهِ فقبَّله.
وقَنَعةُ الْجَبَل والسَّنام: أعلاهما؛ وَكَذَلِكَ قَمَعتُهما. وَيُقَال قنَّعت رَأس الْجَبَل وقَنَعته، إِذا علوته.
وَقَالَ اللَّيْث: المِقنَعة: مَا تقنّع بِهِ المرأةُ رأسَها. قَالَ: والقِناع أوسع مِنْهَا.
قلت: وَلَا فرق بَينهمَا عِنْد الْعَرَب، وهما مثل لِحافٍ ومِلحفة، وقِرامٍ ومِقرمة.
أَبُو عبيد عَن الكسائيّ: القِنعان: الْعَظِيم من الوعول.
نقع: أَبُو عبيد عَن الْأَصْمَعِي: النِّقاع، وَاحِدهَا نَقْع، وَهِي الأَرْض الحُرَّة الطِّين الطيّبةُ الَّتِي لَا حزونة فِيهَا وَلَا ارتفاعَ وَلَا انهباط. وَقَالَ: والقاع مثله. وَقَالَ غَيره: النِّقاع: قِيعان الأَرْض. وَأنْشد الْأَصْمَعِي:
يَسُوف بأنفيه النِّقاعَ كأنّه
عَن الرَّوص من فَرط النَّشاط كعيمُ
قَالَ: وَيُقَال صبغَ فلانٌ ثوبَه بنَقُوع وَهُوَ صبغٌ يُجعَل فِيهِ من أَفْوَاه الطِّيب.
قَالَ: وسمٌّ ناقع: ثَابت. وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي: النقيع: السمُّ الثَّابِت. يُقَال سمٌّ منقوع، ونقيع، وناقع. وَأنْشد:
[ ١ / ١٧٣ ]
فبتُّ كَأَنِّي ساورتني ضئيلة
من الرُّقش فِي أنيابها السمُّ ناقعُ
وَقَالَ غَيره: يُقَال سمٌّ مُنْقَع، وموتٌ ناقع: دَائِم.
أَبُو عبيد عَن أبي زيد: نَقَعتُ بِالْمَاءِ وَمِنْه أنقعُ نُقوعًا، إِذا شربَ حَتَّى يرْوى، وَقد أنقعَني المَاء. قَالَ: وَسمعت أَبَا زيد يَقُول: الطَّعَام الَّذِي يُصنع عِنْد الإملاك: النَّقيعة. يُقال مِنْهُ نَقَعت أنقَع نُقوعًا.
وَقَالَ الْفراء: النَّقيعة: مَا صَنَعه الرجلُ عِنْد قدومه من السَّفَر، يُقَال أنقعتُ إنقاعًا. وَأنْشد:
إنّا لنضربُ بالصوارم هامَهم
ضَربَ القُدارِ نقيعة القُدّامِ
وَقَالَ شمر: قَالَ ابْن شُمَيْل: النقيعة طَعَام المِلاك. يُقَال دعَونا على نقيعتهم. قَالَ: وربَّما نقَعوا عَن عدّة من الْإِبِل إِذا بلغَتْها، جَزورًا مِنْهَا، أَي نَحروه، فَتلك النَّقيعة. وَأنْشد:
مَيْمُونَة الطير لم تَنعِقْ أشائمها
دائمة الْقدر بالأفراع والنقُعِ
وَقَالَ خَالِد بن جَنْبة: إِذا زُوِّج الرجل فأطعمَ عَيْبَتَه قُلْنَا: نَقَع لَهُم، أَي نحر.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: النَّقيعة: مَا نُحِر من النَّهب قبل القَسْم.
وَقَالَ ابْن السّكيت: النقيعة: الْمَحْض من اللَّبن يبرَّد. حَكَاهُ عَن بعض الْأَعْرَاب. وَقَالَ الأصمعيّ: يُقَال انتقَعَ بَنو فلانٍ نقيعةً، إِذا جَاءُوا بناقةٍ من نهبٍ فنحروها.
قلت: وَقد ذكرت اخْتلَافهمْ فِي النَّحيرة الَّتِي تُدعَى النَّقيعة، ومأخذها عِنْدِي من النَّقْع والنَّحر وَالْقَتْل، يُقَال سمٌّ ناقع، أَي قَاتل. وَقد نقَعه، إِذا قَتله. وَأما اللبنُ الَّذِي يبرَّد فَهُوَ النَّقيع والنقيعة، وَأَصله من أنقعتُ اللَّبن فَهُوَ نَقِيع، وَلَا يُقَال مُنْقَع وَلَا يَقُولُونَ نقعتُه.
وَهَذَا سَمَاعي من الْعَرَب.
وَوجدت للمؤرّج حروفًا فِي الإنقاع مَا عِجْتُ بهَا، وَلَا علمتُ ثِقَة من رَوَاهَا عَنهُ. يُقَال أنقعت الرجل، إِذا ضربتَ أنفَه بإصبعك. وأنقعت الْمَيِّت، إِذا دفنتَه. قَالَ: وأنقعت الْبَيْت، إِذا زخرفتَه. وأنقعت الْجَارِيَة، إِذا افترعتَها. وأنقعتُ الْبَيْت، إِذا جعلت أَعْلَاهُ أَسْفَله. قلت: وَهَذِه حروفٌ لم أسمعها لغير المؤرّج.
وَرُوِيَ عَن عمر أَنه قَالَ: (مَا على نسَاء بني الْمُغيرَة أَن يسفكن من دموعهنّ على أبي سُلَيْمَان مَا لم يكن نَقعٌ وَلَا لقلقَة) . قَالَ أَبُو عبيد: النَّقع: رفع الصَّوْت. قَالَ لبيد:
فَمَتَى يَنْقَع صُراخٌ صادقٌ
يُحْلِبوها ذاتَ جَرسٍ وزَجَلْ
ويروى (يَجْلبوها)، يَقُول: مَتى سمعُوا صَارِخًا، أَي مستغيثًا، أحلبوا الحربَ، أَي جمعُوا لَهَا.
والنَّقع فِي غير هَذَا: الْغُبَار، قَالَ الله جلّ وعزّ: ﴿صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ﴾ (العَاديَات: ٤) أَي غبارًا. وَقَالَ شمر: قَالَ أَبُو عَمْرو: معنى فَمَتَى ينقع صُراخٌ، أَي يرْتَفع. وَقَالَ غَيره: يَدُوم وَيثبت. وَقَالَ الْفراء: يُقَال نَقَع الصَّارِخ بِصَوْتِهِ وأنقع صوتَه، إِذا تابعَه وأدامه.
[ ١ / ١٧٤ ]
شمر عَن ابْن الْأَعرَابِي: النَّقْع: الْغُبَار الْمُرْتَفع. والنَّقْع: الصُّراخ الْمُرْتَفع. قَالَ شمر: وَقيل فِي قَول عمر: (مَا لم يكن نَقع وَلَا لقلقةٌ) إِنَّه شقّ الْجُيُوب. قَالَ: وَوجدت للمرّار الأسَدي فِيهِ بَيْتا:
نقَعنَ جيوبهنَّ عليّ حيًّا
وأعددنَ المرائيَ والعويلا
وَيُقَال: فلَان مِنْقَع، أَي يُشتَفى بِرَأْيهِ، أَصله من نَقعتُ بالريّ.
وَقَالَ أَبُو عبيد: مِنْقع البُرَم: تَوْرٌ صَغِير، وَجمعه مَناقع، وَلَا يكون إلاَّ من حِجَارَة. وَقَالَ أَبُو عَمْرو: هِيَ المِنْقعة والمِنقع.
وَفِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أنّه (نَهَى أَن يُمنَع نَقْع الْبِئْر)، قَالَ أَبُو عبيد: نقع الْبِئْر: فَضْل مَائه الَّذِي يخرج مِنْهُ أَو من العَين قبل أَن يصيَّر فِي إناءٍ أَو وعَاء. قَالَ: وفسّره الحديثُ الآخر: (مَن مَنَعَ فضْل المَاء ليمنع بِهِ فَضْلَ الْكلأ منَعَه الله فضلَه يَوْم الْقِيَامَة) . قَالَ: وأصل هَذَا فِي الْبِئْر يحتفرها الرجلُ بالفلاةِ من الأَرْض يسْقِي بهَا مواشيَه، فَإِذا سَقَاهَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يمْنَع المَاء الفاضلَ عَن مواشيه مواشي غَيره، أَو شاربًا يشرب بشفته. وَإِنَّمَا قيل للْمَاء نَقْعٌ لِأَنَّهُ ينقَع بِهِ أَي يُروى بِهِ. يُقَال: نَقَع بالريّ وبضَع. وَيُقَال: مَا نقعت بِخَبَرِهِ، أَي لم أشتفِ بِهِ.
وَقَالَ اللَّيْث: النَّقع: الْبِئْر الْكَثِيرَة المَاء، والجميع الأنقعة.
وَيُقَال نقع المَاء غُلّتَه، إِذا أروى عطشَه.
وَمن أَمْثَال الْعَرَب: (إنّ فلَانا لشَرَّابٌ بأنقُع) يضْرب مثلا للرجل الَّذِي قد جرّب الْأُمُور وعَرفها ومارسَها حتّى خبرَها. وَالْأَصْل فِيهِ أنّ الدَّلِيل من الْعَرَب فِي باديتها إِذا عَرَف الْمِيَاه الغامضة فِي الفلَوات ووردها وشرِب مِنْهَا، حَذِق سُلوكَ الطّرق الَّتِي تؤدّيه إِلَى المحاضر والأمواه. والأنقُع: جمع النَّقْع، وَهُوَ كلُّ ماءٍ مستنقِع من ماءٍ عِدٍ أَو غَدِير.
وَقَالَ الْأَصْمَعِي: نقع المَاء ينقع نُقوعًا، إِذا ثَبت. والنَّقوع: مَا أنقعتَ من شَيْء. يُقَال سَقونا نَقوعًا، لدواءٍ أُنقِعَ من اللَّيْل.
وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب القُرظيّ قَالَ: (إِذا استَنقَعتْ نفْسُ الْمُؤمن جَاءَهُ مَلَكٌ فَقَالَ لَهُ السَّلَام عليكَ وليَّ الله. ثمّ نَزَع هَذِه الْآيَة: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ (النّحل: ٣٢) وَقَالَ شمر: قَوْله إِذا استنقعت نفس الْمُؤمن، قَالَ بَعضهم: يَعْنِي إِذا خرجَتْ. قَالَ شمر: وَلَا أعرفهَا. وَقَالَ ابْن مقبل:
مستنقِعان على فضول المِشْفرِ
قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرو: يَعْنِي نابَي النَّاقة، أَنَّهُمَا مستنقعان فِي اللُّغام. وَقَالَ خَالِد بن جَنْبَة: مَعْنَاهُ مصوِّتان.
قلت: قَوْله (إِذا استنقَعَتْ نفسُ الْمُؤمن) لَهُ مخرجان؛ أَحدهمَا أَنَّهَا اجْتمعت فِي فِيهِ كَمَا يستنقع المَاء فِي مَكَان، وَالثَّانِي خرجَتْ، من قَوْله نقعتُه، إِذا قتلتَه.
وَقَالَ اللَّيْث: الأُنقوعة: وَقْبة الثَّرِيد الَّتِي فِيهَا الودَك. وكلُّ شيءٍ سالَ إِلَيْهِ المَاء من مَثْعبٍ وَنَحْوه فَهُوَ أُنقوعة.
قَالَ: والنَّقيع: شراب يُتّخذ من الزَّبِيب
[ ١ / ١٧٥ ]
يُنقَع فِي المَاء من غير طبخ. وَقيل فِي السَّكَر إنّه نَقيع الزَّبيب. والنَّقوع: شرابٌ ينقع فِيهِ زبيب وَأَشْيَاء ثمَّ يصفَّى مَاؤُهُ ويُشرَب. وَذَلِكَ المَاء اسْمه النَّقوع.
وَيُقَال استَنقع الماءُ، إِذا اجتمعَ فِي نِهْي وَغَيره، وَكَذَلِكَ نَقَع ينقَع نُقوعًا.
وَقَالَ النَّضر: يُقَال نقَعه بالشَّتم، إِذا شتَمه شتمًا قبيحًا. قَالَ: والنقائع: خَبارَى فِي بِلَاد بني تَمِيم.
وَيُقَال نقَعتْ بِذَاكَ نَفسِي، أَي اطمأنَّتْ إِلَيْهِ وروِيَتْ بِهِ.
وَفِي حَدِيث المَبْعث (أنّه أتَى رسولَ الله ﷺ مَلَكانِ فأضجعاه وشَقَّا بطنَه، فرجَع وَقد انتُقِع لونُه) فِي حَدِيث طَوِيل. قَالَ أَبُو عُبيدٍ واللِّحياني: يُقَال انتُقِع لَونه وامتُقِع لَونه، إِذا تغيَّر. وَقَالَ النَّضر: يُقَال ذَلِك إِذا ذهب دمُه وتغيَّر لونُ بَشرته، إمّا من خوف، وَإِمَّا من مَرض. حَكَاهُ بالنُّون عَن أبي ذؤابة.