اختلفَ الناسُ في الجمعة.
فقال قومٌ: سُمِّيَتْ لاجْتِماعِ الناسِ فيها في المكانِ الجامعِ لصَلاتِهم.
وقال آخرون: إنَّما سُمِّيَتْ الجمعةُ، /لأن خَلْقَ آدمَ ﵇، جُمِعَ فيها.
قال اللهُ تعالى: (إذا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يوم الجمعة)، أي: دُعِيتُم إليها مِن يوم الجمعة (فاسْعَوِا)، أي: فَامْضُوا. والسَّعْيُ قد يكونُ العملَ، ويكونُ العَدْوَ، ويكونُ المُضِيَّ.
وقَوْلُه: "ثمَّ انْفَضُّوا عنه". فإنه يُريد بالاِنْفِضاضِ التَّفَرُّقَ. قال اللهُ تعالى: (ولو كنتَ فَظًّا غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك).
[ ٨٦ ]
وأمَّا الخُطْبَةُ، فاشْتِقاقُها مِن المُخاطبة، ولا تكونُ المخاطبةُ إلاَّ بالكلامِ بين المُخاطَبين، وكذلك خِطْبَةُ النِّكاح.
وقال قومٌ: إنَّما سُمِّيَتْ الخُطْبَةُ، لأنهم كانوا] لا [يَجْعلونَها إلاَّ في الخَطْبِ والْأمْرِ العظيم، فلهذا سُمِّيَتْ خُطْبَةً.
والْمِنْبَرُ، مِن قَوْلِك: نَبَر: إذا عَلا صَوْتُه، وكذلك الخاطِبُ يعْلو صَوْتُه، ومِنْبَر، مِفْعَل منه، ولذلك سُمِّيَتْ الهمزةُ نَبْرَةً، لأن مَن نَبَرَ الْحَرْفَ رَفَع صَوْتَهُ.
وأمَّا قَوْلُه: "لا يُشَبِّكُ بين أصابِعِه" فعَلى ظاهِرِه، كُرِهَ لِلْعامِدِ إلى الصلاةِ أن يُشَبِّكَ بين أَصابِعِه، كما كُرِهَ لِلْمُصَلِّي.
وقال قومٌ مِن أهل العربيَّة: ليس هذا على ظاهِرِه، وذلك أنَّ الناسَ مُجْمِعون أن رجلًا لو شَبَّكَ أصابِعَه وهو في الصَّلاةِ لم يَضُرَّه ذلك. قالوا: فإذا كان التَّشْبيكُ في نَفْسِ الصلاةِ لا يَضُرُّ، فكيف يَضُرُّ العامِدَ إلى الصلاةِ، ولكنَّ التَّشْبيكَ إنَّما هو المُنازَعَةُ والوقوفُ علَى مَوَاقِفِ التَّخاصُمِ، لأن الرَّجُلَ إذا خَاصَم، قيل: قد شَبَّكَ يَدَهُ. وقالوا: العامِدُ إلى الصلاةِ مَأجورٌ عَلَى قَصْدِه، فإذا شَغَلَ نَفْسَه في طريقِهِ بخُصُومةٍ أوْ مُنازَعَةٍ فقد قَطَعَ ذلك القَصْدَ، وانْقَطَعَ أجْرُه، وأنْشَدُوا قولَ القائلِ:
وكَتيبَةٍ لَبَّسْتُها بكَتيبَةٍ حتَّى إذا اشْتَبَكَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي
[ ٨٧ ]
وهذا القولُ عندنا مُحْتَمِلٌ، إلاَّ أنَّ العملَ عندَنا على الْأوَّلِ، وإنْ كُنَّا نَكْرَهُ له التَّشاغُلَ بالمُنازَعاتِ والخُصوماتِ.
وأمَّا العيدُ، فإنَّما سُمِّيَ عِيدًا لاِعْتِيادِ الناسِ له كلَّ حِينٍ، ومُعاوَدَتِهِ إيَّاهُم، ويُقال لِما يُعاوِدُ الْإنسانَ مِنْ هَمٍّ أوْ غيرِه: عِيدٌ، قال الشاعر:
أمْسَى بِأَسْماءَ هذا الْقَلْبُ مَعْمُودَا إذا أثولُ صَحَا يَعْتادُهُ عِيدَا
وأمَّا الكُسوفُ، فَمِن كَسَفَ الشيءُ: إذا ذَهَبَ نورُه وضَوْؤُه، يُقال: نَجْمٌ كَاسِفٌ، وكَسَفَتْ الشمسُ سائرَ الكواكبِ، إذا ذَهَبَتْ بِضَوْئِها. قال الشاعر:
الشمسُ طالِعَةٌ ليستْ بِكاسِفَةٍ تَبْكِي عليكَ نُجومُ اللَّيْلِ والْقَمَرَا
يقول: إنَّها طالعةٌ وهي مع طُلُوعِها لم تَكْسِفِ النُّجومَ والقَمَرَ، أي: ما ذهبتْ بضَوْئِها، لأنها أيضًا مِن الغَمِّ بك لا ضَوْءَ لها، فكيف/ تَكْسِفُ غيرَها؟ وإنَّما تَكْسِفُ غيرَها بتَمامِ نُورِها.
وأمَّا الخُسُوفُ، فالغُيوب. يُقال: خَسفَتِ الأَرْضُ، وخُسِفَ بالْكافِرِ: إذا صارت الْأرْضُ كأنَّها ابْتَلَعَتْه، وانْخَسَفَتِ البئرُ: إذا انْخَسَفَ قَعْرُها.
[ ٨٨ ]
وسمعتُ أبا الحسن القَطَّانَ، يقول: سمعتُ أبا حاتمٍ محمدَ بنَ إدريس، يقول: إذا ذَهَبَ بعضُها فهو الكُسوفُ، وإذا ذَهَبَ كُلُّها فهو الخُسُوفُ.
وأمَّا الاسْتِسْقاءُ، فطَلَبُ السُّقْيا.
وأمَّا الحديثُ: أنَّ النبيَّ، صلَّى الله عليه، كانتْ عليه خَمِيصَةٌ، فإنَّما هو الكِساءُ الْأَسْوَدُ، والعربُ تُشَبِّهُ شُعُورَ النِّساءِ في كَثْرَتِها بالْخَمائِصِ، قال الأعشى:
إذَا جُرِّدَتْ يَوْمًا حَسِبْتَ خَمِيصَةً عليها وجِرْيَالًا يُضيءُ دُلامِصَا
وأمَّا قولُه: "ولا سُقْيا عَذابٍ، ولا مَحْقٍ، ولا بَلاءٍ، ولا هَدْمٍ". فالمَحْق: النَّقْصُ والذَّهاب، قال اللهُ تعالى: (وليُمَحِّصَ اللهُ الذين آمنوا ويمحقَ الكافرين).
[ ٨٩ ]
وأمَّا الظِّرابُ، فجَمْعُ ظَرِب، وهو أُصولُ الجبالِ والْأرَضِين، وهي الخَشِنَةُ الحَزْنَةُ، قال الشاعر:
إنَّ جَنْبِي عن الْفِراشِ لَنَابٍ كَتَجافِي الْأَسَرِّ فوقَ الظِّرابِ
وأمَّا قَوْلُه: "اسْقِنا غَيْثًا"، فكذا الاسْتِحْبابُ، ولا يذكر المَطَرَ، وذلك أنَّ المطرَ لم يُذْكَرْ في كتابِ الله تعالى إلاَّ في مَوْضِعِ عذابٍ، وما سِوَى ذلك مِن الرَّحْمَةِ غَيْثٌ.
والْهَنِيُّ: الذي لا عَناءَ فيه ولا مَشَقَّةَ. والمَرِيّ: الذي لا يَسْتَوْخِمُه آكِلُهُ.
وقوله: مريعًا، يَحْتَمِلُ أن تكون بضَمِّ المِيم، فإن كان كذلك، فهو الذي يَاتِي بالرِّيعٍ، وهو النُّزُل والزِّيادةُ والنَّماءُ، وإن كان بفَتْحِ المِيم، فهو الذي يُصِيِّبُ الأماكِنَ مَرِيعَةً، وهو في نَفْسِهِ مَرِيعٌ، يُقال: مَكان مَرِيعٌ: إذا كان خِصْبًا.
[ ٩٠ ]
والغَدَقُ: الكثير، يُقال: حَوْضٌ مُغْدِقٌ، وقال اللهُ تعالى: (لأسقيناهم ماء غدقا).
وقولُه: "مُجَلِّلًا". أي: يُجَلِّلُ الْأرْضَ بالنَّباتِ كما يُجَلِّلُ الفَرَسُ بِجلالِهِ.
وقولُه: "عَامًّا طَبَقًا". أي: لا يَتَخَلَّلُ، بل يَعُمُّ. والطَّبَقُ: الذي يُطَبِّقُ الْأرْضَ، أي: يَعُمُّها، ويَصيرُ لها كالطَّبَقِ.
والسَّحُّ: الانْصِبابُ، يُقال: دِيمَةٌ سَحٌّ، والسَّحُّ: الصَّبُّ نفسُه، فسُمِّيَتْ بفِعْلِها. وغَيْثٌ سَحُوحٌ.
واللَّاواءُ، والجَهْدُ، والضَّنْكُ: الضَّيْقُ.
[ ٩١ ]