معنَى العِدَّةِ، مِن قَوْلِكَ: عَدَدْتُ الشَّيْءَ: إذا أَحْصَيْتَهُ، فسُمِّيَت العِدَّةُ عِدَّةً مِن أنَّها مُحْصاةٌ، لأنَّها ثلاثةُ قُرُوءٍ، وثلاثة أشْهُرٍ، وأربعة أشْهُرٍ وعَشْرًا.
وأمَّا القُرْء، فهو اسْمٌ يَقَعُ عَلَى الحَيْضِ والطُّهْرِ. والعربُ تُسَمِّي الحَيْضَ قُرْءًا، ألا تَرَى أنَّ الشاعِرَ يقولُ:
] له [قُرُوءٌ كقُرُوءِ الْحائِضِ
وتُسَمِّي الطُّهْرَ قُرْءًا، وحُجَّتُهُ قَوْلُ الأعْشَى:
مُوَرِّثَةً مَالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةً لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوءِ نِسائِكَا
[ ١٨٣ ]
قال أبو عمرو بن الْعَلاء: وإنَّما جاز ذلك، لأنَّ القُرْءَ الوَقْتُ، وهو يَصْلُحُ لِلْحَيْضِ، ويَصْلُحُ للطُّهْرِ، يُقال: هذا قَارِئُ الرِّيَاحِ، أي: وَقْتُ هُبُوبِها، وأنْشَدَ:
شَنِئْتُ الْعَقْرَ عَقْرَبَنِي شَلِيل إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّيَاحُ
فهذا ما تقُوله العربُ، وليس الاخْتِلافُ الواقِعُ بين الفُقَهاءِ عَلى اطِّرَاحِ أحَدِ القَوْلَيْنِ، وكلُّهم مُجْمِعُون على أنَّ القُرْءَ اسمٌ يَقَعُ على الْحَيْضِ، كما يَقَعُ على الطُّهْرِ، ولكن كُلاَّ اخْتارَ قَوْلًا، واحْتَجَّ له مِن جِهَةِ المَعْنَى.
ومِثْلُ ذلك أنَّ الجَوْنَ اسمٌ يَقَعُ على الأبْيَضِ، كما يَقَعُ على الأَسْوَدِ، ثم اخْتَلَفَ الناسُ في الشمس، ولم سُمِّيَتْ جَوْنًا؟: فيقُولُ قومٌ: لِبَيَاضِها ونُورِها، ويقولُ آخَرُون: لا، بل لِسَوادِها، لأنَّها إذا غابت اسْوَدَّتْ ثم يَحْتَجُّ كلٌّ لِمَقالَتِه بعدَ إجْماعِهم على أنَّ الجَوْنَ الأبْيَضُ والأَسْوَدُ.
وكذا الفُقَهاءُ مُجْمِعُون على أنَّ القُرْءَ الطُّهْرُ والحَيْضُ.
[ ١٨٤ ]
ولا مَعْنَى لِمَنْ يَحْتَجُّ علينا بالحديثِ "اقْعُدِي أيَّام أَقْرائِكِ"، لأنَّا قد وَافَقْناهُ على أنَّ القُرْءَ يَقَعُ على الْحَيْضِ، ولكنَّا قُلْنا: إنَّ المُرادَ بقَوْلِه: (ثلاثةُ قُرُوءٍ) الأَطْهارَ، لا الحيْضُ، والدليلُ على صِحَّةِ ذلك قَوْلُه: (ثلاثةُ قُرُوءٍ) فدُخُولُ الهاءِ دليلٌ على التَّذْكِيرِ، كأنَّه قال: ثلاثةُ أطْهارٍ، ولو أراد الحيْضَ لَكانَ الْأَشْبَهُ أن يقولَ: ثلاثُ قُرُوءٍ، لأنَّ الحِيْضَ، مُؤَنَّثَةٌ فلا يكونُ إلاَّ بِسُقُوطِ الهَاءِ.
وفي الدَّلِيلِ على ذلك أيْضًا، أنَّ القَرْءَ في اللغةِ الجَمْعُ، وأنَّ قَوْلَهم: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، وإنْ كان قد أُلْزِمَ الياءَ، فهو مِن قَوْلِك: جَمَعْتُ، وقَرَاتُ القُرْآنَ، أي: لَفَظْتُ به مَجْمُوعًا، ويُقال: القِرْدُ يَقْرِي، أي: يَجْمَعُ ما يأكُلُ] في [فيه، والمِقْرَاةُ: الحَوْضُ الذي يُقْرَى فيه الماءُ، أي: يُجْمَعُ، والمقْرَى: الإناءُ الذي يُقْرَى فيه الضَّيْفُ.
فأمَّا القُرْءُ على هذا المعنَى الذي ذكَرْناهُ، اجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ، وذلك إنَّما يكونُ في الطُّهْرِ، وهذا هو المعنَى الذي قالَه الشَّافِعِيُّ، وهو قَوْلُ عائشةَ، وزيدِ بن ثابت، وابنِ عُمَرَ، والقاسِمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمن، وسليمانَ بنِ يَسارٍ، وابنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ.
[ ١٨٥ ]
ومِن الدَّلِيل على ذلك أيْضًا قَوْلُه، جَلَّ ثَناؤُه: (فطلقوهن لعدتهن)، وجاءت السُّنَّةُ أنَّ العِدَّةَ أنْ يُطَلِّقَها طاهِرًا، فذلك دليلٌ على أنَّه لو طَلَّقَ وهيَ حائِضٌ لم يُعَدَّ ذلك مِن عِدَّتِها، وإنَّما الذي يُعْتَدُّ به إنَّما هو الطُّهْرُ.
فإنْ قال قائلٌ: إنَّه إذا طَلَّقَها طاهِرًا، فلا بُدَّ مِن أنْ يكونَ قد مَضَى بعضُ الطُّهْرِ، وإذَا كان كذلك لم يَكْمُلْ ثلاثةُ أطْهارٍ.
قيل له: إنَّ معنَى ذلك بَيِّنٌ في اللغةِ، وهو أنه إذا طَلَّقَها في بعضِ الطُّهْرِ، ثم خَرَجَتْ مِن الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، فقد مَضَى قَرْءٌ، تَسْمِيَةً وحَقِيقَةً، لأنَّ المُبْتَغَى في الطُّهْرِ آخِرُه، فإذا خَرَجَت المرأةُ إلى أوَّلِ الحَيْضِ فقد دَلَّك عَلَى سَلامةِ حَيْضِها إذا اجْتَرَأ رجلٌ قغَشِيَ في الحَيْضِ.
ووَاحِدُ القُروءِ قَرْءٌ، وتَقْدِيرُه أقرؤٌ، وأقرُؤٌ لِمَا دونَ العَشَرةِ، وقروء لكثيره.
وأمَّا الإحْداد، فمِن قَوْلِك: أحَدَّتِ المَرْأةُ على بَعْلِها: إذا مَنَعَتْ نَفْسَها الزِّينَةَ والخِضَابَ. والحَدُّ: المَنْعُ، يُقال لِلْبَوَّابِ: حَدَّادٌ، لأنه يَمْنَعُ من الدُّخُولِ.
[ ١٨٦ ]