إنَّما سُمِّيَتِ القِبْلَةُ مِن قولِك: أقْبَلْتُ على الشيءِ: إذا واجَهْتَه، وهذه الدارُ قُبالةُ دارِ فلانٍ، أي: مُواجِهتُها.
وقَوْلُه: "لو تَأخَّى القبلةَ". أي: تَحَرَّاها، وقَصَدَ قَصْدَها اجْتِهادًا، يُقال: فُلانٌ يَتَأخَّى صاحِبَه، أي: يَقْصِدُ مَقْصِدَه.
ورَوى الشافعيُّ عن سعيد بن سالم، عن الثَّوْرِيِّ، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن محمد بن عليّ بن الحَنَفِيَّةِ، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله، صلَّى الله عليه، قال: "مِفْتاحُ الصَّلاةِ الوُضوءُ، وتَحْريمُها التَّكْبيرُ، وتَحْليلُها التَّسْليمُ".
[ ٧٥ ]
فالمِفْتاحُ مِن قولِك: فتحتُ البابَ المُغْلَقَ، وذلك أنَّ الصَّلاةَ لا تَحِلُّ لِمُحْدِثٍ، فالأمْرُ عليه فيها مُغْلَقٌ، فإذا تَوَضَّأ حَلَّ له ما كان عليه مُحَرَّمًا.
وقولُه: "تحريمُها التَّكْبيرُ" فإنَّ التَّكْبيرَ يُحَرِّمُ على المُصَلِّي ما كان له مُباحًا قبلَ ذلك، مِن الكلام وغيرِه، وصورةُ التكبيرِ أن يقول: "اللهُ أكبرُ واللهُ الأكبرُ"، ولا يجوز أن يقولَ: "اللهُ كبيرٌ"، وذلك أنَّ "أكْبَرَ" موضوعٌ لِبُلوغِ الغايةِ في العَظَمَةِ، وكذلك إذا قُلْنا: هو أَعْلَمُ أوْ أمْجَدُ، قال الفَرَزْدَقُ:
إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بَنَى لنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ
وليس كذلك قولُنا: "كبيرٌ".
وأمَّا قولُ النبيِّ، ﵇: "وكُلُّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَا فيهَا بِفاتِحَةِ
[ ٧٦ ]
الكِتابِ فَهِيَ خِداجٌ". فَإنَّه يُريدُ النَّاقِصةَ. يُقال: خَدَجَتِ النَّاقَةُ: إذا ألْقَتْ وَلدَها لِغَيْرِ تَمامٍ.
فأمَّا التَّأمينُ، فأنْ يقول بعدَ قراءتِه لفاتحةِ الكتاب: آمينَ. وآمينَ فيما يُقال هو اسمٌ مِن أسماء اللهِ، ويُقال: إنَّ معْناها: اللَّهُمَّ افْعَلْ بنا ذلك. كذا رُوِيَ عن الحسن، وآمين: بالمَدِّ والقَصْرِ مع تَخْفيفِ الميم.
وأمَّا تَرِتيلُ القراءةِ، فإنَّ التَّرْتيلَ ما لا بَغْيَ فيه. وهو مِن قولِنا: ثَغْرٌ رَتْلٌ. إذا اسْتَوَتِ الأسنانُ، وكذلك القِراءةُ الرَّتْلَةُ، فإنَّ التَّرْتيلَ ما لا بَغْيَ فيه.
[ ٧٧ ]
قال الشافعيُّ: "ولا يبلُغُ بالقراءةِ تَمْطيطًا". فالتَّمْطيطُ: المَدُّ المُفْرِط، والعرب تقولُ: مَطَّ الشيءَ، أي: مَدَّهُ.
وأمَّا التَّمْتَمَةُ، فأن يَتَرَدَّدَ الرجلُ في التَّاءِ، فإن تردَّدَ في الفاءِ فهو: فَأفَأةٌ.
واللَّثْغَةُ: أن يجعل السِّينَ ثاءً، والرَّاءَ غَيْنًا.
وقولُه: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ". أي: تَوَجَّهْتُ أنا، ورُبَّما عُبِّرَ عن الذَّاتِ بالوَجْهِ، قال اللهُ ﷿: (ويبقى وجهُ ربِّك). أي: ويَبْقى اللهُ.
وقولُه: "فطر السماوات والأرض". أي: أنْشَأها وابْتَدَأها وابْتَدَعَها لا على مِثالٍ، وفَطَرَ فلانٌ البِئْرَ: إذا أنْشَأ حَفْرَها.
وأمَّا قَوْلُ المُصَلِّي: (إنَّ صلاتي ونُسُكي). فقد قُلْنا في الصلاة. والنُّسُكُ: الذَّبيحَةُ. وقال قَوْمٌ: الطَّاعَةُ.
[ ٧٨ ]
وأمَّا الرُّ كوعُ: فالانْحِناءُ، يُقال للشيخِ المُنْحَني: راكِعٌ.
وأمَّا السُّجودُ: فالتَّطامُنُ، يُقال: سَجَدَ البعيرُ. إذا خَفَضَ رأسَهُ، وكذا تقول للواضِع جَبْهَتَه بالأرضِ لِتَطامُنِهِ: ساجِدٌ، والدَّليلُ على ذلك قولُ القائل:
بِخَيْلٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ في حَجَراتِهِ تَرى الْأَكْمَ فيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
يقول: إنَّه جَيْشٌ لَجِبٌ تتطامَنُ له الأكابِرُ لمرورِه عليها.
والإسْجادُ: إدامَةُ النَّظَرِ. والقِياسُ فيه واحِدٌ، لأن] الساجد [النَّاظِرَ لا يكونُ طامِحَ الطَّرْفِ.
ويُقال: سَجَدَ الظِّلُّ. وهو سُقوطُه بالأرضِ.
وقولُه: "ويُجافي مِرْفَقَيْهِ عن جَنْبَيْهِ". يقول: يُباعِد بهما ويُبينُ، يُقال: تتَجافى عن كذا: إذا تَنَاءى عنه، قال اللهُ تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع).
وقَوْلُه: "حتَّى يرى مَنْ خَلْفَه عُفْرَةَ إبطَيْه"، فالعُفْرَةُ: البَياضُ،
[ ٧٩ ]
وأصلُه مِن العَفَرِ، وهو التراب، يُقال: عَفَرَ وَجْهَهُ.
وأمَّا التَّشَهُّدُ، فإنَّما سُمِّيَ بذلك لقولِ القائِل: أشهد أنْ لا إله إلاَّ الله، أشْهد أنَّ محمدًا رسولُ الله، وليس ذلك على الاسْتِقْبالِ، ولا على المُعْتاد، ولكنْ مَعْناه أنا شاهِدٌ، وشَهِدْتُ.
والتَّحِيَّاتُ، جَمْعُ تَحِيَّةٍ، والتحيةُ: المُلْكُ. قال عَمرُو بنُ مَعْدِيكَرِب:
أُسَيِّرُها إلى النُّعْمانِ حتَّى أُنيخَ على تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
والتَّحِيَّةُ: البقاءُ والسَّلام، يقول: حَيَّيْتُ فُلانًا، وإنَّما سُمِّيَ بذلك، لأنه يسْتَقْبِلُ به مُحَيَّاهُ، ومُحَيَّاهُ: وَجْهُه.
وقال النبيُّ، ﵇: "وتحليلُها التَّسْليمُ". والتحليلُ: فَتْحُ ما كان مُنْغَلِقًا عليه، لأنَّ الكلامَ والعملَ مُحَرَّمٌ على المُصَلِّي، فإذَا سَلَّمَ فكأنَّه أُحِلَّ له ما كان مَحْظورًا عليه، لأنَّ هذا قياسُ الحلالِ والحرام، لأنَّ الحلالَ مِن حَلَلْتُ: إذا فَتَحْتَ. والحرامَ مِن قولِنا: هذا سَوْطٌ مُحَرَّمٌ: إذا لم يكنْ لَيِّنًا، ومُهْرٌ مُحَرَّم: إذا لم يكنْ قد رِيضَ.
وأمَّا الوِتْرُ: فمِن قولِك: أَوْتَرْتُ: إذا أَفْرَدْتَ، واللهُ جَلَّ ثَناؤُه هو الوِتْرُ، وهو الفَرْدُ.
وأمَّا قولُه تعالى: (والشَّفْعِ والوَتْرِ). فالشَّفْعُ: الخَلْقُ، والوَتْرُ: اللهُ، وقال قومٌ: الشَّفْعُ رَكْعَتا الفجر] والوَتْر [: ثلاثُ المغرب، وكُلُّ
[ ٨٠ ]
مُفْرَدٍ وَتْرٌ، فكذلك الوِتْرُ إنَّما سُمِّيَتْ وِتْرًا، لأنَّها واحدةٌ أوْ ثلاثٌ على قَوْلِ مَن يَراها ثلاثًا.
وأمَّا القُنُوتُ، فطُولُ القِيام، وفي بعضِ الحديث: ما أفْضَلُ الصلاةِ؟ قال: "طولُ القُنوتِ".
والقُنوتُ: السُّكوتُ، والقُنوتُ: الدُّعاء، وكذلك القُنوتُ في صلاةِ الصُّبْحِ إنَّما هو دُعاءٌ.
وأمَّا السَّلام، قال: "السلامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ ﷿". فقال بعضُ أهلِ التَّأويلِ: إنَّما سُمِّيَ سَلامًا لِسَلامَتِهِ ممَّا يَلْحَقُ
[ ٨١ ]
الْمَخْلوقينَ مِن الْفَناءِ، وغير ذلك، قال اللهُ تعالى: (واللهُ يَدْعو إلى دارِ السَّلامِ). فالسَّلامُ اللهُ ﷿، ودارُه الجَنَّةُ. ومعنَى قَوْلِ القائلِ: السلامُ عليكم: أي: اللهُ القائمُ على مَصْلَحَةْ أُمورِكم.
وأمَّا النَّهْيُ عن الصَّلاةِ في أعْطانِ الإبِلِ، ففيه قولان، قال قومٌ: مَعاطِنُ الإبِلِ: مَرابِضُها حَوْلَ الماءِ، وهي مَحابِسُها بعدَ الوُرودِ، وكذلك كُلُّ مَنْزِلٍ مَالَفٍ للإبلِ، فهو عَطَنٌ، بمَنْزِلَةِ الوطنِ للنَّاس، وذلك المكانُ يُقال له: العَطَنُ والمَعْطَنُ، قال الشاعر:
ولا تُكَلَّفُني نَفْسي ولا هَلَعي حِرْصًا أُقيمُ به في مَعْطَنِ الْهُونِ
أفَلا تَراهُ جعلَ لنَفْسِه مَعْطَنًا.
والقولُ الثاني: أنَّ أعْطانَ الإبلِ لا تكونُ إلاَّ على الماءِ، فأمَّا مَبارِكُها في البَرِيَّةِ وعندَ الحَيِّ، فهو المَأوَى والمَراحُ والمَبارِكُ، وقال لَبيد:
إنَّما يُعْطِنُ مَن يَرْجو الْعَلَلْ
[ ٨٢ ]
أَفَلا تَراهُ جَعَلَ عَطَنَها عندَ الماءِ بعدَ وُرودِ الأوَّلِ، إذا رَجا لها ساقيها السَّقْيَ الثاني، والعَلَلُ: هو الشُّرْبُ الثَّاني.
ويدُلُّ على هذا التَّأويلِ: "صَلَّوا في مَرابِضِ الغَنَمِ، ولا تُصَلُّوا في أعْطانِ الإِبِلِ".
وأمَّا المَرابِضُ، فحيث تَرْبِضُ، يُقال: رَبَضَتْ الشَّاةُ: إذا نَامَتْ.
وقولُه: "جِنٌّ مِن جِنٍّ خُلِقَتْ". فإنَّما أريدَ به تَهْويلُ خِلْقَتِها، وسُرْعَةُ نِفارِها، وما فيها مِن رُعْبِ الإنسانِ عندَ نِفارِها وعَدْوِها.
وقد فَرَّقَ الشَّافعيُّ بنفْسِه بين المَعْطَن والْمُراح، فقال: "ومُراح
[ ٨٣ ]
الغنم] الذي [تجوزُ فيه الصلاةُ، الذي لا بَوْلَ فيه ولا بَعْرَ، ولا يُعْرَفُ العَطَنُ إلاَّ مَوْضِعٌ قُرْبَ الْبِئْرِ الذي يُنَحَّى إليه الْإِبِلُ لِيَرِدَ غيرُها الماءَ، لا المُراحُ الذي تَبيتُ فيه"، وإنَّما أراد – واللهُ أعلمُ- أنها تكونُ بذلك المَوْضِع أكْثَرَ أبْوالًا وأبْعارًا.
[ ٨٤ ]