حُكْمُ الأذُنَيْن عند الشافعيِّ أنهما مُفْرَدَتان، وأنهما لا يُغْسلان مع الوَجْه، ولا يُمْسَحان مع الرأس، لكنْ يُؤْخَذُ لهما ماءٌ جديد، واحْتَجَّ في ذلك بما دَوَّنَه في كتابه.
فحَدَّثَني علِيُّ بن إبراهيم القَطَّانُ، قال: حدَّثنا أبو بكر المُفَسِّرُ، عن القُتَيْبِيِّ، قال: الذي عندي أنهما من الرأس، لا من الوَجْهِ، لأن الوَجْهَ ما اسْتَقْبَلَك، كما تقول لما يَسْتَقْبِلُكَ مِن وَسَط الجَبَل: وَجْهُه. والأذُنان في الجانِبَيْن، فلا تكون مِن الوَجْهِ، كما أنه لا يكون جانِبَا
[ ٤٧ ]
الجَبَلِ وَجْهَه، ولا جانِبا الحائِطِ مِن وَجْهِه، ومَن اعْتَبَرَ هذا في آذانِ الأنْعامِ وأذانِ السِّباعِ لم يَخْفَ عليه أنَّ آذانَها مِن رُؤوسِها، لا مِن وُجُوهِها. ويدُلُّ على ذلك قَوْلُ الشاعر:
إلى هامَةٍ قد وَقَّرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا وليستْ كأُخْرى سَمْعُها لم يُوَقَّرِ
يقال للقُتَيْبِيِّ: إذا كان الوجهُ هو الذي يُواجِهُك، ولم تكن المواجهةُ بالْأُذُنَيْن، دَلَّ ذلك على أنهما ليسا من الوَجْهِ، فَمِنْ أين لك أنهما من الرأس؟ وذلك أن الرأس ما عَلاَ، ولا نعلم أحدًا سَمَّى جَانِبَيِ الجبلِ رأسَ الجبل، فلَا نُلْزِمُ مَن قال: إنَّهما مِن الوَجْهْ شيئًا إلاَّ وقد لَزِمَك مِثْلُه في قولِك: إنهما مِن الرأس، لأن جَانِبَيِ الجبلِ ليسا وَجْهَه، فكذلك جَانِباه ليسا رأسَه. وإذا كان الآذانُ في الجانِبَيْن دَلَّ أنهما ليسا مِنَ الوَجْهِ ولا مِنَ الرَّاس، على ما أصَّلْتَهُ.
وأمَّا احْتِجاجُك بقَوْلِ القائِل:
إلى هامَةٍ قد وَقَّرَ الضَّرْبُ سَمْعَهَا
فإنَّ العربَ تُضيفُ السمعَ والبصرَ إلى الراس، لأنهما في الرَّاس، ثم لا يدُلُّ ذلك على أنَّ حُكْمَ العَيْنَيْنِ حُكْمَ الأُذُنَيْن، ألا تَرى الشَّنْفَرَى يقول:
[ ٤٨ ]
إذا ضَرَبوا رأسي وفي الرَّأسِ أَكْثَري وغُودِرَ عندَ المُلْتَقَى ثَمَّ سائِرِي
وإنما أراد بالأكثرِ: السمعَ والبصرَ واللسانَ، فتقول على هذا: إنَّ البصرَ والفَمَ مِن الرأس، ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ ذلك كلَّه مِن الهامَةِ، ولكنْ لكلِّ واحدٍ حُكْمًا على حِدَةٍ، ولو جاز لك أنْ تَحْتَجَّ كما تقول، لَجازَ لخَصْمِك أن يقول: الْأُذُنان مِن الوَجْهِ، لأنَّ النبيَّ ﵇، قال: "سَجَدَ وَجْهي للَّذي خَلَقَهُ وَشَقَّ سَمْعَه وبَصَرَهُ". وإذَا اضْطَرَبَ قولان كما هذا الاِضْطِراب قُلْنا: إنَّهما لَيْسا مِن الوَجْهِ، ولا مِنَ الرَّاسِ في الحُكْمِ حتى يَدُلَّ الدليلُ على أنَّهما من أَحَدِ هَذَيْن.
[ ٤٩ ]