قال الله جلَّ ثناؤُه: (وامسحوا برءوسكم)، واخْتُلِفَ فيه:
فقال الشافعيُّ: إنَّ مَسْحَ بعضِه كافٍ، والحُجَّةُ: أنَّ الباءَ في مثلِ هذا الكلام تدخُلُ لمَعْنَيَيْن: أحدُهما: الاعْتِمالُ، والثاني: الإلْصاقُ.
فأما الاعتمالُ فقَوْلُنا: ضرب فلانٌ بالسيف، وكَتَب بالقلم، فمتى ما ضَرَب فهو ضارِبٌ قليلًا كان ضَرْبُه أو كثيرًا، ومتى ما جَمَع بين حَرْفَيْنِ، فقد كتَب.
وأما الإلْصاقُ، فقَوْلُنا: مَسَحَ يدَه بالْأرِضِ، أي: ألْصَقَ، فمتى
[ ٤٤ ]
ما أتى بالإلصاقِ كَفاهُ ذلك قليلًا كان مسحُه أو كثيرًا، لأنه قد أَتى بالإلْصاقِ.
وأما غَسْلُ الرِّجْلَيْن، فواجِبٌ، لا صلاةَ إلاَّ بغَسْلِهما، والدليلُ على ذلك قولُه: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم). لأنه رَدَّه إلى قوْلِه: (فاغسلوا وجوهَكم وأيديكم)، فإنْ قال قائلٌ: فقد قُرِئَتْ بالخَفْضِ؟ قيل له: إن قُرِئَ، فقد يُعْطَفُ الاسْمُ على الاسْمِ ومَعْناهما مُخْتَلِفٌ، إلاَّ أنَّه عُطِفَ هذا عليه لِقُرْبِه منه، قال الله تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين). ثم قال: (وحور عين)، وهُنَّ لا يُطافُ بهِنَّ على أزْواجِهِنَّ، وقد قال شاعرُ العرب:
ورأيتُ زوجكِ في الوَغى مُتَقلِّدًا سَيْفًا ورُمْحَا
والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، ثم نَظَرْنا فوَجَدْنا القِراءتَيْنِ قَدْ صَحَّتا، ولم يَجُز اطِّراحُ واحدةٍ منهما، فاحْتَجْنا إلى الاحْتياطِ للفَرْضِ، فوجَدْنا الغاسِلَ ماسِحًا غاسِلا، قد جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ، ووَجدْنا الماسِحَ لا يَاتي إلا بأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ، فَأَخَذْنا بالغَسْل.
وأما الكَعْبان: فهما النَّاتِئان، وكذلك كلُّ ناتٍ يُقال له كَعْب، ويُقال لما نَتَأ من الرُّمْحِ كَعْبٌ، وكَعَبَ ثَدْيُ المرأةِ: إذا نَتَأَ، وامرأةٌ كاعِب.
[ ٤٥ ]
وأما قولُه: "والنَّزَعَتان من الرأس"، فإنَّما يريد ما زال عنه الشَّعَرُ مِن جانِبَيِ الرأسِ، ويُقال: فلانٌ أنْزَعُ بَيِّنُ النَّزَعَةِ. والنَّزَعَتان، بفتح النون والزاء، فإن زاد ذَهابُ الشَّعَرِ على ذلك قليلًا، فهو: أَجْلَحُ، وتلك هي الْجَلَحَة.
[ ٤٦ ]