أصل الوُضوء: مِن النَّظافة، يُقال: تَوَضَّأ. كأنه نَظَّف نفسَه.
والوَضاءةُ: الحُسْنُ والنَّظافة، يُقال: هو وَضيءُ الوَجْهِ.
فالوَضوء: الماءُ، وهو بفتح الواو، والوُضوء، بضم الواو: فِعْلُ المُتَوَضِّىءِ.
وأما النِّيَّةُ: فهو القَصْدُ والعَزِيمة، يُقال: نَوَيْتُ الشيءَ، وانْتَوَيْتُه.
قال رسولُ الله ﷺ: "إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ". أي:
[ ٤٠ ]
بالقُصود والعزائم.
وكان أهلُ العراقِ لا يُجيزون التَّيَمُّمَ إلا بالنِّيَّةِ، مع إجازَتِهم الوُضوءَ بغيرِ نِيَّةٍ، مُحْتَجِّين بِقَوْلِه جَلَّ ثَناؤُه: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا). قالوا: والتَّيَمُّمُ هو القَصْدُ، فيُقال لهم: قد عَلِمْنا أن قَصْدَ التُّرابِ تَيَمُّمٌ للتُّرابِ، فإذا قَصَدْنا التُّرابَ، فأين إيجابُ نِيَّةِ الفَرْضِ في الآية؟
وأما قولُه: "ثُمَّ عَزَبَتْ نِيَّتُه". فالعُزوبُ: الغَيْبَةُ، قال الله تعالى: (لا يعزب عنه مثقال ذرة)، أي: لا يَغيب عنه، ورَوْضَةٌ عازِبة. أي: بعيدة.
وأما التَّسْمِية على الوُضوء فاسْتِحْباب، وكان بعضُ أهل العِلْم
[ ٤١ ]
يقول: التسميةُ واجِبةٌ، لأن النبيَّ ﵇، قال: "لا صلاةَ إلَّا بوُضوءٍ. ولا وُضوءَ إلاَّ بِتَسْمِيَةٍ". فيُقال له: قد يُعْطَفُ الواجبُ على ما ليس بواجبٍ، كقَوْلِه: (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من مال الله). فالكِتابَةُ عندنا وعندَك غيرُ واجبةٍ، والإيتاءُ واجبٌ، فقد عُطِفَ الواجبُ على غير واجبٍ، وأمَّا عطْفُ ما ليس بواجبٍ على الواجبِ، فكَقَوْلِه: (وأقيموا الصلاة وءاتوا الزكاة وأقرضوا الله). فالصلاةُ والزكاةُ واجِبتان، وما بعدَ ذلك نَدْبٌ، فكذلك التَّسْمِيَةُ نَدْبٌ، وإن كانت قد عُطِفَتْ على واجبٍ.
وسُئِلَ أحمدُ بنُ حَنْبَلَ عن مَن توَضَّأ ولم يُسَمِّ، فقال: لا أعلمُ فيه حديثًا له إسْنادٌ جَيِّد.
وبعدُ، فإنَّ الذِّكْرَ قد يكون بالإضمارٍ، فإن كان كذلك فيَحْتَمِلُ أن يكون إشارةً إلى نِيَّةِ الفَرْضِ، لأنَّ ناوِي أداء الفَرائضِ ذاكرٌ اللهَ ﷿.
[ ٤٢ ]
وأما المَضْمَضَةُ، فَمِن قَوْلِكَ: مَضَّنِي الْأَمْرُ، ومَضْمَضَني: إذا أَضْغَطَكَ، واشْتَدَّ عليك. فكذلك الأخْذُ للماءِ في فَمِهِ يُضْغِطُه.
والاسْتِنْشاق: هو الاسْتِنْثار، وهو مِن نَشَقْتُ الرائحةَ، إذا أَدْخَلْتَها في أَنْفِك. وقد يُدْعى الاستنشاقُ استنثارًا، لأنه مِن إدْخالِ الماءِ في النَّثْرَةِ، والنَّثْرَةُ: هي الأنْفُ، ويُقال لِنَجْمٍ في السماء النَّثْرَةُ، وهم يقولون: إنه أنفُ الأسَدِ.
فأما الخَياشيمُ، فجمع خَيْشوم، وهي أَعالِي الْأَنْفِ، قال بعضُ أهلِ اللغة: والْأَنْفُ كلُّه يُسَمَّى خَيْشومًا، والذي أرادَه الشافِعيُّ هو الأوَّلُ.
[ ٤٣ ]