قال المُزَنِيُّ: اختصرتُ هذا من عِلْمِ الشافعيِّ، ومِن مَعْنى قولِه، لأُقَرِّبَهُ على مَن أرادَه، مع إعْلامِيهِ نَهْيَهُ عن تقليدِه وتقليدِ غيرِه.
فالاِختصارُ: أخذُ أوْساطِ الكلام وتَرْكُ شُعَبِهِ، وقَصْدُ معانيه، يُقالُ: اخْتَصَرَ فلانٌ الرَّمْلَ. إذا أخذَ خُصورَه، وهي أوْساطُه.
وناسٌ يُفرِّقون بين الاختصار والإيجاظ، فيقولون: الاختصار إيرادُ
[ ٢٩ ]
اللفظ القليلِ المُشْتَملِ على المعاني الكثيرة. والإيجاز: الإتيانُ باللَّفْظَةِ تحتها معنى واحد.
وقوله: "هذا". فهو إشارةٌ إلى الكتاب، وهذا شائعٌ في الكلام مُسْتَعْمَلٌ، وهو في القرآن كثير، قال الله تعالى: (هذا نزلهم يوم الدين)، وقال: (هذا ما توعدون ليوم الحساب * إن هذا لرزقنا ما له من نفاد). وكتب النبي ﵇ لأهل مكة يوم الحديبية: "هذا ما صالح عليه محمَّدُ بنُ عبدِ الله". وجَرَتْ عادةُ الناسِ في كَتْبِ عَهْدِ بَيْعاتِهم: "هذا ما اشترى فلان".
وقوله: "مِن علم الشافعيّ"، أراد به ما دَوَّنَه في كتابه مِن عِلْمِه، والعِلْمُ قد يكون ما حواهُ الصُّدورُ، فإذا دلَّ ما في الكتابِ على عِلْمِ الرجل، سُمِّيَ عِلْمًا، قال الله تعالى: (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا). والعربُ تسمِّي السَّقْفَ المَحْفوظَ سماءً، ثم تُسَمِّي المطرَ لكَوْنِه من السحابِ سماءً، ثم تُسَمِّي النَّبِتَ الذي يكون عن المطرِ سماءً، فهذا الاتِّساعُ الذي تراه في كلامِ العرب، ومن أعْجبِ ذلك
[ ٣٠ ]
تسْمِيَتُهم الشَّحْمَ نَدًى، لأنَّ الشحمَ عن النَّبْتِ يكونُ، والنَّبْتُ عن النَّدى يكونُ.
وأما قوله: "ومِنْ معنى قولِه"، فإنَّ المعنى حقيقةُ الشيءِ وعِلَّتُهُ الذي لأجِلِه يجبُ الحُكْمُ، يُقال للكلامِ الذي لا فائدة له: هذا كلامٌ لا معنى له. أي: لا شيء يُحْكَمُ مِن أجْلِه بحُكْمٍ، أمرٍ أو نَهْيٍ أو خَبَرٍ أو اسْتِخْبارٍ أو شيءٍ ممَّا يُفيدُه الكلامُ ذو المعنى، والعربُ تقول: لم تَعْنِ هذه الأرضُ شيئًا، أي: لا تُنْبِتُ. فكذلك الكلامُ إذا لم يُفِدْ لم يَعْنِ، فهذه حقيقة المعنى.
وأما قول المُزَنِيِّ: "ومن معنى قوله". فإنه يُريدُ أشياءَ تشْتَرِكُ في ذلك المعنى الذي لِأجْلِه وَقَعَ الحُكْمُ، وإن اختلفتْ أجناسُها، فذَكَر المُزَنِيُّ بعضَ تلك الأشياءِ، لأنَّه إذا ذكر البعضَ وأشارَ إلى المعنى قِيسَ ما ليس بمذْكورٍ على المذكورِ، إذا كان المعنى فيهما واحدًا.
وقوله: "مع إعْلامِيهِ". يريد مع إعْلامي النَّاظِرَ في كتابي هذا نهْيَ الشافعيِّ، كما تقول في المُخاطَبةِ: مع إعْلامِيكَ. فالياء للمُعَلِّم، والكافُ للمُتَعَلِّم.
والتَّقْليدُ: قولُك قَلَّدْتُ فلانًا كذا وكذا. أي: جَعَلْتَه كالقِلادةِ في عُنُقِهِ.
[ ٣١ ]