روَى الشافعيُّ حديثَ أنَس بنِ مالك: "هذا فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ". أي: بَيَانُ الصَّدَقَةِ. يُقال: فَرَضْتُ الشَّيْءَ وفَرَّضْتُهُ: إذا بَيَّنْتَهُ. قال اللهُ تعالى: (قد فَرَضَ الله لكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم)، وقولُه: (سورة أنزلناها وفرضناها). هكذا مثلُه، أي: بَيَّنَّاها.
وقولُه: "الصَّدَقَة"، فإنَّما سُمِّيَتْ صَدَقَةً، لأنها عطاءٌ على غَيْرِ ثَوابٍ عاجلٍ، دالَّةٌ على صِدْقِ مُعْطِيها في الطَّاعةِ.
وقولُه: "التي فَرَضَها". أي: أوْجَبَها، "فمَنْ سُئِلَها عَلَى وَجْهِها".
[ ٩٦ ]
أي: على الحَدِّ الذي حَدَّه رسولُ الله، صلَّى الله عليه، "فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطَه"، فالهاءُ التي في قولِه: "فَلا يُعطه" يُمْكِنُ أن تكونَ كنايةً عن قولِه: من سأل فوقَها لا يُعْطَى ما فوقَها، ومُمْكِنٌ أن تكونَ الهاءُ هاءَ وَقْفٍ، كما تقولُ: لا تَمْضِهْ. وكما قال جَلَّ ثَناؤُه: (فبهداهم اقتدِه). كأنه قال: ومَن سَأل فوقَها فلا يُعْطَه. لكنه وَقَفَ على الهاء، لأن أكْثَرَ الوُقوفِ إنَّما يكونُ على ساكِنٍ.
وأمَّا الأسْنانُ التي تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ مِن الإبِلِ، فحدَّثنا عليُّ بن إبراهيم القَطَّانُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبد العزيز، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ، قال: قال الْأصْمَعِيُّ، وأبو زيادٍ الكِلابِيُّ، وأبو زيد الْأنْصارِيُّ، قالوا: إذا وضَعَتِ الناقةُ، فوَلَدُها ساعةَ تَضَعُهُ: سَلِيلٌ.
ثم ذكروا تَنَقُّلَهُ بعد ذلك في أحْوالِه، قالوا: فإذا حُمِلَ على الْأُمِّ فلَقِحَتْ فهي: خَلِفَةٌ، وجَمْعُها: مَخاضٌ، وهو: ابنُ مَخَاضٍ، وذلك لاِسْتِكْمالِ السَّنَةِ مِنْ مُنْذُ وُلِدَ، ودُخولِه في الأخْرى، فإذا نُتِجَتْ أُمُّهُ، وذلك بعدَ سَنَتَيْن ودُخُولِه الثالثةَ، وصار لها ابْنٌ، فهو: ابنُ لَبُون، فإذا فَصَلَ أخوه، وذلك لاِسْتِكْمالِ ثلاثٍ ودُخولِه الرابعةَ فهو: حِقٌّ، حتى يَسْتَكْمِلَ أرْبَعًا، فإذا أتَتْ عليه الخامسةُ، فهو جَذَعٌ، فهذا نهايَةُ السِّنِّ الذي يُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ، وإنَّما لم نَذْكُرْ ما قَبْلَ ابنِ مَخاضٍ، وما بعدَ الجَذَعِ لأنه ليس له ذِكْرٌ في الصدقةِ.
[ ٩٧ ]
وتلخيصُ ذلك، أنه إذا أتَتْ عليه سنةٌ كاملةٌ فهو: ابنُ مَخاضٍ، والأنثى: بنتُ مَخاضٍ، فإذا أتَتْ عليه سنتان كاملتان، فهو ابنُ لَبُون، والأُنْثى: بنتُ لَبُون، فإذا أتَتْ عليه ثَلاثٌ كَوامِلُ، فهو حِقٌّ، والأنثى: حِقَّةٌ، فإذا أتَتْ عليه أرْبَعٌ كَوامِلُ] فهو [: جَذَعٌ، والأنثى: جَذَعَةٌ.
وقَوْلُه: "حِقَّةٌ طَرُوقَة الْجَمَلِ"، فالحِقَّةُ: التي تَسْتَحِقُّ أنْ يُحْمَلَ عليها. والطَّرُوقةُ: التي يَطْرُقُها الجملُ، أي: يَضْرِبُها، يُقال: طَرَقَ الفَحْلُ أُنْثَاهُ. إذا ضَرَبَها.
وأمَّا "الْهُيَام" الذي ذَكَره الشافعيُّ، فحدَّثَنا ابنُ القَطَّانِ، عن عبدِ العزيز، عن أبي عُبَيْدٍ، قال: بَعيرٌ مَهْيُومٌ: إذا أصابَه الْهُيامُ، وهو داءٌ يَأخُذُ الإبِلَ، مثل الحُمَّى.
[ ٩٨ ]