قال اللهُ جَلَّ ثَناؤُه: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل).
فأما الفقراء، فالزَّمْنَى الضِّعَافُ الذين لا حِرْفَةَ لهم، ولا يَسْألُون الناسَ أوْ يَسْأَلُون.
وبعضُ أهلِ اللغةِ يَذْهَبُ إلى أن الفقيرَ الذي له بُلْغَةٌ مِن العَيْشِ، ويَحْتَجُّ بِقَوْلِ القائل:
أمَّا الفقيرُ الذي كانتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيالِ فلم يُتْرَكْ له سَبَدُ
[ ١٦٢ ]
ألا تَرَى أنه جَعل له حَلُوبَةً، وجعَلها وَفْقًا لِعِيَالِهِ، أي: قُوتًا لا فَضْلَ فيه.
والْمَساكينُ: السُّؤَّالُ، ومَنْ لا يَسْألُ مِمَّنْ له حِرْفَةٌ ولا تَقَعُ منه مَوْقِعًا، ولا تُغْنِيهِ ولا عِيالَهُ، وقد كان سائِلًا أوْ غيرَ سائِلٍ.
وقال بعضُ أهلِ اللغةِ: المسكينُ الذي لا شَيْءَ له.
وإنَّما يُحْكَى مَقالُ الشَّافِعِيِّ فيما يُشْبِهُ هذا المعنَى، لأنَّه ليس في عِلْمِ اللِّسانِ بدُونِ واحِدٍ مِمَّنْ يُذْكَرُ.
وأمَّا العامِلُون عليها، فمَن وَلَّاهُم الوَالِي قَبْضَها، ومَنْ لا غِنَى بالوَالِي عن مَعُونَتِه عليها.
وأمَّا المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم، فقَوْمٌ تَألَّفَهُم النبيُّ، ﵇، علَى الْإسْلامِ، وكانوا رُؤَساءَ قَوْمٍ، وهو مِنْ قَوْلِك: ألَّفْتُ الشَّيْءَ: إذا جَمَعْتَهُ، فكأنَّ قُلُوبَهم أُلِّفَتْ على الإسْلامِ بِبَذْلٍ بُذِلَ لهم.
وأمَّا الرِّقابُ، فالرِّقابُ المُكاتَبُون مِنْ جِيرَانِ الصَّدَقَاتِ، وإنَّما عَبَّرَ عن الذَّاتِ بالرَّقَبَةِ، وإلاَّ فالْعِتْقُ يَقَعُ على النَّفْسِ كُلِّها.
[ ١٦٣ ]
وأمَّا الْغَارِمُون، فقومٌ كانوا في مَصْلَحَةِ نُفُوسِهم، لا في مَعْصِيَةٍ، ثم عَجَزُوا عن أداءِ ذلك، فيُعْطَوْنَ في غُرْمِهم لِعَجْزِهم، وقَوْمٌ كانوا في حَمالاتٍ يَحْمِلُونَها في دِماءٍ لإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ وحَقْنِ الدِّماءِ.
وفي سَبيلِ اللهِ، أراد الْغُزَاةَ.
وابن السَّبيلِ، أراد المُسافِرَ الذي يُريدُ بَلَدًا غيرَ بَلَدِه، لِأمْرٍ لا بُدَّ له منه، وهو مِنْ جيران الصدقة، وإنَّما سُمِّيَ ابن السَّبيل لأنَّ السَّبيلَ الطَّرِيقُ، فنُسِبَ سالِكُ السبيلِ إلى السبيلِ، كأنَّه ابْنُهُ.
[ ١٦٤ ]