قال الشَّافِعِيُّ: قال اللهُ ﷿: (ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا يكْثُرَ مَن تَعُولون. وهذا قَوْلُ زَيْدِ بنِ أسْلَمَ.
وكان عبدُ الرحمن بنُ زَيْدٍ سُئِلَ عنها، قال: أقولُ: مَعْناه اقْتَصِدُوا. ثم قال: لَنَفَقَتُكَ الواحدةُ خَيْرٌ مِن اثْنَتَيْن، ونَفَقَةُ جارِيَتِكَ خيرٌ مِن نَفَقَةِ حُرَّةٍ، وألاَّ تَعُولَ أهْوَنُ عليكَ مِن الْعِيالِ.
وناسٌ يقُولون: معناها، ذلك أدْنَى أن لا تَجُورُوا. واحْتَجُّوا في ذلك بأشْعارٍ كثيرةٍ.
[ ١٨٨ ]
والأمْرُ في ذلك قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْناه في القُرْءِ، وذلك أنَّا لا نُنْكِرُ أنَّ العَوْلَ قد يَقَعُ على الجَوْرِ، فلا حاجةَ بهم إلى الاسْتِشْهادِ الكثيرِ، ولكنَّا نَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: (ذلك أدنى ألا تعولوا) إنَّما أريدَ به كثرةُ الْعِيالِ، وذلك أنَّ زيدَ بنَ أسْلَمَ قد قالَهُ، وعبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ، وَوَافَقَهما على ذلك الشَّافِعِيُّ، ومَن قال بمَقالَتِهِ، والشَّافِعِيُّ مِن اللغةِ بالْمَكانِ الذي كان به، فهذا مِن جِهَةِ التَّوْقِيفِ.
وأمَّا اللُّغَةُ، فقد قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: إنَّ العربَ تقولُ: عالَ الرجلُ، إذا كَثُرَ عِيالُه، وأعَالَ بمعنًى واحدٍ. وقال: إنَّ معنَى عالَ يَعُولُ –وإن كان مَرْجِعُه إلى مَالَ يَمِيلُ- فهو يعُودُ إلى كَثْرَةِ الْعِيالِ، وذلك أنَّ الرجلَ إذا كَبُرَ ضَعُفَ عن عَيْلِهِنَّ وعَجَزَ، فيُقال: عَالَ عن ذلك. أي: ضَعُفَ.
وذهب بعضُ أصحابِ هذه الْمَقالةِ إلى أنَّ معنَى الآيةِ: (ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا تَمُونُوا عَدَدًا كثيرًا مِن الْعِيالِ، فلعلَّكم لا تُطِيقُون ذلك، يُقال: الرجلُ عالَ عِيالَه: إذا مَانَهم، قال النبيُّ ﵇: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كان عنْ ظَهْرِ غِنًى، وابْدَأ بِمَنْ تَعُولُ"، وأنْشَدَنِي أبو منصور الْقَطَّانُ، قال: أنْشَدَنِي الهَجَرِيُّ بمكةَ، فقال:
[ ١٨٩ ]
يا عَمْرُو نِعْمَ الْأُمُّ أُمُّكَ في الْغِنَى أبَدًا ونِعْمَ العِرْسُ عِرْسُ المُعْدِمِ
غَرًّا تُجَمِّعُ قُوتَها لِعِيالِها ويُعِيشُها في الْعَوْلِ مِلْءُ الْمِحْجَمِ
ومن الدَّليلِ على صِحَّةِ قَوْلِنا، أنَّ العربَ تقُولُ: عالَ الرجلُ: إذا كان ذا عِيالٍ، قَوْلُ جَرِيرٍ:
واللهُ أنْزَلَ في الْكِتابِ فَرِيضَةً لابْنِ السَّبِيلِ ولِلْفَقِيرِ الْعائِلِ
أراد به ذَا الْعِيالِ الذي يَعُولُ عِيالَه، لا مَعْنَى أنْ يقُولَ "ولِلْفَقِيرِ" فعُلِمَ أنه أراد به ذَا الْعِيالِ.
وخَالَفَنا في هذا التَّاوِيلِ ناسٌ كثيرٌ عَدَدُهم، فَمِمَّنْ تَصَدَّى للرَّدِّ الشَّدِيدِ وقَصَدَ الطَّعْنَ أبو بكر بنُ داود، وكان أوَّلُ ما احْتَجَّ به إجْماع النَّاسِ على أنَّ العَوْلَ الجَوْرُ.
فيُقال لابنِ داوُد: ومَنْ ذا حَكَمَ بهذا الإجْماعِ، وقد أعْلَمْناك أنَّ زَيْدًا وعبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ كانا يقُولانِ: ذلك مِن كَثْرَةِ الْعِيَالِ؟
ثم يُقال له: وكيف يكونُ ذلك إجْماعًا، وقد قال بعضُ أهلِ العِلْمِ: معناه ذلك أدْنَى، لأنَّ اللهَ وَعَدَهم الغِنَى، ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَه:
[ ١٩٠ ]
(إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) فهذا مِثْلُ قَوْلِه: (ذلك أدنى ألا تعولوا)، وقد قال عُمَرُ، ﵁: عَجَبًا لِمَنْ لا يطلبُ الغِنَى بالْبَاهِ. فأيْنَ الإجْماعُ الذي ذَكَرْتَهُ؟
قال ابنُ داود: في إجْماع العربِ، عَالَ الرجلُ يَعُولُ عَيْلَةً: إذا افْتَقَرَ، وأعَالَ، يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عِيالُه، وعالَ، يَعُولُ، عَوْلًا: إذا جَارَ. ولا نَعْلَمُ لِلْعَوْلِ مَعنًى غيرَ الجَوْرِ.
فيُقال له: أَفَتُجَوِّزُ أنْ يكونَ لِلْعَوْلِ معنَى الْجَوْرِ؟
فإنْ قال: نعم. قيلَ له: فإذا كان له معنًى غيرُ الجَوْرِ، فأينَ إنْكارُكَ الشَّدِيدُ في قَوْلِنا بِبَعْضِ ما يَحْتَمِلُه معنَى القَوْلِ؟
وإنْ قال: لا معنَى لِلْعَوْلِ إلاَّ الجَوْرُ، قِيلَ له: أغْفَلْتَ، وذلك أنَّ العَوْلَ: الجَوْرُ، والعَوْلُ مصدرُ عالَ عليه بسَيْفِهِ عَوْلًا، إذا حَمَلَ، والعَوْلُ: المَوْنُ والْقِيامُ بأَمْرِ الْعِيالِ، والعَوْلُ: المُجاوَزَةُ، يُقال: عال، يَعُول، عَوْلًا: إذا جاوَزَ، والعَوْلُ الفَرائِضُ، والعَوْلُ: المَشَقَّةُ، ومنه قولُه: وَيْلُه وعَوْلُه، والعَوْلُ: الغَلَبَةُ. فَأيْنَ قَوْلُك: إنَّ العَوْلَ لا يَحْتَمِلُ إلاَّ وَجْهًا واحدًا؟
[ ١٩١ ]
وقال بعضُ أهلِ الأدبِ: إنَّ قَوْلَ مَن قال: (ذلك أدنى ألا تعولوا). أي: لا يَكْثُرَ مَن يَعُولُون غَلَطٌ، وذلك أنَّ الرجلَ إذا كانتْ له امرأةٌ واحدةٌ، أو مِلْكُ يَمِينٍ فهو يَعُولُها، فكيف يكونُ "ألاَّ يَعُول"، وهو في هذه الحالةِ المَوْصُوفَةِ يَعُول؟ وهذا غَلَطٌ على لَفْظِ الآيةِ.
فيُقال له: إنَّ الرجلَ إذا كانتْ له واحدةٌ، فهو يَعُولُها كما ذكرتَ، ولكنَّا إنَّما قُلْنا بكَثْرَةِ الْعِيالِ اعْتِبَارًا بالآية، وذلك أنه جَلَّ وعَزَّ، قال: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ونحن نعلمُ أنَّ أرْبَعًا عِيالٌ كثيرٌ، ثم قال: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)، أي: لا تَعُولُوا مَن قد مَضَى ذِكْرُهُنَّ مِن الْأَرْبَعِ، ويَلْزَمُكم أنْ تَعُولُوهُنَّ، فإنْ خِفْتُمْ، فاقْتَصِرُوا على واحدةٍ، فهو أدْنَى ألاَّ تَعُولُوا العددَ الذي قد مَضَى ذِكْرُه، والعربُ قد تُسْقِطُ الْإِضْمارَ، فيقُولون: عَمْروٌ ضَرَبْتُ. معناه: ضَرَبْتُه. ومِثْلُه: (وإذا رَأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) فأَسْقَطَ إضْمار المَذْكُورِين، وهذا كثيرٌ في الكلامِ.
قال هذا القائلُ: وكيف يَحْظُرُ اللهُ] على [أحدٍ أن يَكْثُرَ عِيَالُه، وقد تَكَفَّلَ بالْأرْزاق.
[ ١٩٢ ]
فيُقال له: هذا كَلامٌ واهٍ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بِحِفْظِ أمْوالِنا، ونَهانا عن التَّبْذِيرِ، فقال: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)، وقال: (ولا تبذر تبذيرا). فقد أمَرَنا بالْحِفْظِ، ونَهانا عن التَّبْذِيرِ، وهو المُتَكَفِّلُ بالأرْزَاق، فما تُنْكِرُ أنْ يَنْهانا عن كَثْرَةِ الْعِيالةِ، وهو المُتَكَفِّلُ بالأرْزَاقِ.
ولنا في هذا المسألة "كتاب مفرد" بحِكايَةِ قَوْلِ الخُصُومِ، وفيما ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ، واللهُ المُوَفِّقُ.
[ ١٩٣ ]