قال اللهُ ﷿: (الحجُّ أشهُرٌ معلومات). فقال بعضُ أهلِ التَّفْسيرِ: مَعْناه أَشْهُرُ الحَجِّ أشهرٌ معلوماتٌ. قال: وإن كان شَهْرَيْن وعَشْرَةَ أيَّامٍ جائزٌ أن تُخْبِرَ عنه بالْأشْهُرِ، لأنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ، كما قال اللهُ تعالى: (فإن كان له إخوة)، وإنما المعنى: أخَوان، لأن التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ.
وأمَّا الحَجُّ، فلا اخْتِلافَ في وُجُوبِه. واخْتَلَفُوا في العُمْرَةِ، فقال قومٌ: ليست بفَرِيضَةٍ.
وقال ابنُ عُمَرَ: ليس أحدٌ مِن الناسِ إلاَّ عليه حَجٌّ وعُمْرَةٌ واجِبَتان.
وقال عَطاء: الحَجُّ والعُمْرَةُ واجِبَتان.
وقال ابنُ جُبَيْرٍ: العُمْرَةُ واجِبَةٌ.
[ ١١٣ ]
وقيلَ لِقَيْس بن رُومان: فإنَّ الشَّعْبِيَّ يقول: ليست بواجبةٍ. فقال: كذب الشَّعْبِيُّ، إنَّ اللهَ يقول: (وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله).
قُلْنا: فظاهِرُ اللَّفْظِ دليلٌ على الفَرْضِ، ألا تَرَى أن اللهَ، جَلَّ ثَناؤُهُ، لم يَأمُرْ بإتْمامِ شَيءٍ إلاَّ وذلك الشيءُ واجِبٌ، كقولِه: (ثُمَّ أتِمَّوا الصيام إلى الليل)، وكقولِه: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم). فكان الوفاءُ بالعَهْدِ الذي أمَرَ الله بمُعاهَدَةِ المشركين إليه واجِبًا.
وبعدُ، فالحَجُّ والعُمْرَةُ مَأخُوذٌ مِنْ مَعنًى واحدٍ، لأن الحَجَّ هو الزِّيارَةُ والقَصْدُ، وكذلك العمرةُ هو الزيارة، يُقال: أتانا فلانٌ مُعْتَمِرًا، أي: زائِرًا. قال الشاعر:
وراكِبٌ جاء مِن تَثْلِيثَ مُعْتَمِرَا
أي: زائرًا.
[ ١١٤ ]
وقال قومٌ: اعْتَمَرَ: قَصَدَ، قال الشاعر:
لقد سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ جينَ اعْتَمَرْ
مَغْزًى بَعِيدًا مِن بعيدٍ وضَبَرْ
وقد قال قومٌ: سُمِّيَت العمرةُ عُمْرَةً لأنَّه يَقْصِدُ لعملٍ في مَوْضِعٍ عامِرٍ.
[ ١١٥ ]