الطَّهارةُ: التَّنْزيهُ عن الأدْناسِ، تقولُ: طَهَّرْتُ الثوبَ والأَرْضَ، قال الله تعالى: (وثيابَك فطهر)، أي: لا تلْبسْها على عَذِرَةٍ، ويُقال للرجل النقيِّ الجَيْبِ البريء من العُيوبِ: طاهرُ الثِّيابِ.
وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا). فالطَّهُورُ: العامِلُ للطَّهارةِ في غيرِه، كما يُقال: قَؤول، وشَرُوب، وفَعُول. وربَّما كان اسمًا عَلَمًا لم يدُلَّ على تَكَرُّرٍ ولا غَيْرٍ، إنما يكون اسمًا موضوعًا، كقَوْلِنا: سَحُور، وعَرُوض. والعَروضُ: هو الشِّعْر. وربما كان نعتًا، فإذا كان كذلك على ضَرْبَيْن: نَعْتٌ لا يَتَعَدَّى مِن المَنْعوتِ إلى غيره، كقولنا: نَؤوم. ونَعْتٌ يتعدَّى، كقولِنا: قَؤول وأَكُول. فكذلك الطَّهُور.
[ ٣٣ ]
وسمعتُ محمدَ بنَ هارونَ يقول: سمعتُ ثعلبًا يقول: الطَّهورُ: الطاهِرُ في نَفْسِه، المُطَهِّرُ لِغَيْرِه.
وأما قولُ النبيِّ ﷺ في البحر: "هُوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"، فقد قُلْنا في الطَّهورِ، وقولُه: "الحِلُّ مَيْتَتُه" فهو بفتح الميم، وهو ما مات مما عَيْشُه فيه، وأما المِيتَةُ، بكسر الميم فهو المَوْتُ نفسُه، والحديثُ هو بفتح الميم لا غيرُ، لأنه يريد الذي يموت.
وأما قولُ المُزَنيِّ: فكلُّ ماءٍ من بحر عَذْبٍ أو مالِحٍ. فليست المالحُ لَفْظَةَ الشافِعِيِّ، وإنما ذكَرَ الشافِعِيُّ الْأُجاجَ. والمالحُ في صِفَةِ
[ ٣٤ ]
الماءِ لفظةٌ ليست بالجَيِّدَةِ، إنما يُقال: ماءٌ مِلْحٌ. على أن من أهلِ العلم مَن قد أجاز ذلك، احْتَجَّ بِقَوْلِ القائل: وهو شعر قديم:
ولو تفَلَتْ في البحرِ والبحرُ مالِحٌ لَأَصْبَحَ ماءُ البحرِ من ريقِها عَذْبَا
[ ٣٥ ]