(مشيت حتى أعييت)، أي: كللت وتعبت.
(حبست الرجل عن حاجته)، أي: منعته التصرف فيها.
(وفي الحبس فهو محبوس) يعني في السجن.
(أحبست فرسًا في سبيل الله فهو محبس)، أي: جعلته محبوسًا في سبيل الله، وقالوا: حبست.
فأما قوله: (محبس) فهو أسم المفعول من أفعلت أن يأتي على مفعل، نحو: أكرمت فهو مكرم وأحبسته فهو محبس.
فأما (حبيس) فإنما هو منقول من مفعول وهو محبوس، كما تقول: قتيل، والأصل مقتول، ورحيم، والأصل: مرحوم وإنما كان كذلك لأن الهمزة زائدة وأصله الثلاثي، وربما ردوا اسم الفاعل والمفعول إلى الثلاثي كما قالوا: أجنه الله فهو مجنون، ولم يقولوا: مجن، وأحمه الله فهو محموم، ولم يقولوا: محم، وأيفع الغلام فهو يافع، ولو يقولوا: موفع، لأنهم قدروا الأصل ثلاثيًا، ومن شأنهم أن يردوا الرباعي إلى الثلاثي وليس يعكسون الأمر.
ويحتمل أن يكون حبيس من قولهم: حبست فرسًا في سبيل الله، ولا يكون من أحبست، وأتى بحبيس من حبست وإن كانت إحدى اللغتين أفصح من الأخرى ولا يكون أيضًا مجنون من جن، ومحمود من حم، لأنهم يقولون فيهما وفي نظائرهما: فعل، بغير ألف.
فأما (يافع) من أيفع فقد حكى الأستاذ أبو الحسن بن الأخضر، ﵀: أنهم يقولون: يفع فيكون أيضًا يافع من يفع لا من أيفع.
[ ٧٩ ]
(أذنت للرجل في الشيء) أطلقته له وخيرته فيه.
(وأذنته بالصلاة) اعلمته بها.
(أهديت الهدية) أرسلتها.
(وأهديت إلى البيت هديا) أرسلت الإبل وغيرها إلى البيت ليأكلها المساكين، وتوهم أبو العباس أن الهدي والهدي مصدران مخالفان لمصدر أهديت الهدية وليس كذلك، لأن مصدر أهديت الهدية وأهديت الهدي واحد وهو الإهداء.
وأما الهدي والهدي فاسمان لما أهدي للبيت من إبل وغيرها، كما قالت عائشة ﵂: (كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ [بيدي]) وإنما تفتل قلائد الأنعام والحيوان ولا يفتل المصدر، وواحد الهدي: هدية، مثل: مطية ومطي، وواحد الهدي هدية، مثل: شرية وشري على من جعلهما جمعين، ويقال للعروس أيضًا: هدي، وكذلك الأسير، يقال: كان هديًا في بني فلان، أي: أسيرًا.
(وهديت القوم الطريق) دللتهم عليه.
قال الشارح: هدى يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف الجر، فالقوم هو المفعول الأول، والطريق المفعول الثاني على إسقاط حرف الجر، وهو إلى، قال الله تعالى ﴿أهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦] أي: إلى الصراط، وقال في المعدى بإلى من غير إسقاط: ﴿فأهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ [الصافات: ٢٣] وقال: ﴿واهدنا إلى سواء الصراط﴾ [ص: ٢٢] وقد يعدى أيضًا إلى الثاني باللأم، نحو قوله تعالى: ﴿الحمد لله
[ ٨٠ ]
الذي هدانا لهذا﴾ [الأعراف: ٤٣] وقوله: ﴿قل الله يهدي للحق﴾ [يونس: ٣٥] فهذا الفعل يتعدى بإلى ومرة باللأم، وهو بمنزلة أوحى، قال الله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ [النحل: ٦٨] فعداه بإلى، وقال: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ [الزلزلة: ٥] فعداه باللأم.
فأما قوله تعالى: ﴿ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا﴾ [النساء: ١٧٥] فصراطًا: مفعول بفعل مضمر دل عليه يهديهم، والتقدير: فعرفهم صراطًا مستقيمًا.
(وهديت العروس) يجوز أن يكون من: هديت القوم الطريق، ويجوز أن يكون من السكون والتوءدة والتمهل، تقول: هاديت المرأة، أي: ماشيتها وتهادت هي في مشيها، أي: تمهلت، وقالوا أيضًا: أهديت العروس بالألف.
(أقبست الرجل علمًا) أفدته إياه وقالوا: قبسته.
(وقبسته نارًا) أعطيته إياها في قبس، وهو عود يكون في طرفه نار.
وأقبسته: طلبتها له وأعنته عليها، والقبس: الشعلة من النار.
(أوعيت المتاع في الوعاء) جعلته في خرجٍ أو عدلٍ أو غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿وجمع فأوعى﴾ [المعارج: ١٨].
[ ٨١ ]
أحصرته.
(أدلجت إذا سرت من أول الليل وادلجت إذا سرت من آخره).
قال الأستاذ أبو عبد الله [محمد] بن أبي العافية: على هذا الذي ذكره أبو العباس ثعلب معظم أهل اللغة من الفرق بين أدلج وادلج.
وأما ابن درستويه فزعم أنهما جميعًا بمعنى سير الليل من غير تخصيصٍ لأوله وآخره، وأن الذي استدلوا به من قول الأعشى:
(وادلاجٍ بعد المنام)
البيت.
وقول زهير:
(بكرن بكورًا وادلجن بسحرةٍ)
لا دلالة فيهما، لأن كل واحدٍ منهما إنما وصف ما فعل [هو] خاصة دون ما فعل غيره، ولم يصفا كل ادلاج، وفي قول زهير: بسحرة دليل على أنه قد يكون بغيرها وإلا فذكره بسحرة لا معنى له.
قال الأستاذ أبو عبد الله: ومن الدليل على صحة ما ذكرناه أن الإدلاج والإدلاج افتعال وافعال، وليس كل واحدٍ منهما يدل على شيءٍ من الأوقات: ولو كانت الأمثلة لاختلافها تدل على معنى من اختصاص الأوقات لكان الاستدلاج والاندلاج يدل كل واحد منهما على وقتٍ مخصوص وإنما تدل على ما وضعت له من المعاني.
قال الشارح: ادلج وزنه: افتعل، وهو مما قلب فيه الثاني إلى الأول
[ ٨٤ ]
وليس حكم الإدغام إلا أن يحول الأول إلى جنس الثاني ويدغم فيه إلا أن هذه الكلمة اجتمع فيها دال وتاء وهما من مخرجٍ واحدٍ، والدال مجهورة، والتاء مهموسة، فقلبوا الأضعف، وهو التاء إلى جنس القوي وهو الدال وأدغموها فيها.
(أصفدت الرجل: إذا أعطيته، فهو مصفد وصفدته: إذا شددته، فهو مصفود) والصفد بتسكين الفاء: الغل: وبفتحها: العطاء، والغل في يدٍ واحدةٍ، والصفد في اليدين جميعًا.
(أفصح الأعجمي) إذا صار فصيحًا، والأعجمي: الذي لا يفصح وإن كان نازلًا بالبادية، والعجمي: منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحًا.
وحكى أبو زيد وغيره: أن الأعجم لغة في العجم، واحتجوا بقول الشاعر:
(سلوم لو أصبحت وسط الأعجم)
(في الروم أو فارس أو في الديلم)
(إذا لزرناك ولو لم نسلم)
(فصح اللحان) إذا أعرب كلامه ولم يلحن.
(لممت شعثه) أي: جمعت ما تفرق من أمره وأصلحت ما فسد من حاله
(حصدت الرجل) إذا شكرت له صنيعه.
قال الشارح: الشكر لا يكون إلا مجازاة، والحمد: يكون ابتداء ومجازاة
(أصحت السماء) ذهب غيمها، وكذلك: اليوم والليلة.
(وصحا السكران) أفاق من سكره.
قال الشارح: وكذلك أيضًا: صحا من الحب إذا أفاق، فأما العاذلة،
[ ٨٥ ]
فيقال فيها: صحت وأصحت إذا تركت العدل.
(أقلت الرجل البيع) أبطلته ونقضته.
وقال أبو علي الفارسي: معناه: أنك رددت عليه ما أخذت منه، ورد عليك ما أخذ منك.
وحكى الخليل: قلته البيع.
(قلت من القائلة قيلولة) وهي نوم نصف النهار، ووزن قيلولة عند البصريين: فيعلولة، والأصل: قيلولة، وكذلك: كينونة، ولو كانت فيعولة كما يقول الكوفيون، لقالوا: كونونة، وهم لم يقولوا إلا كينونة.
وزعم الفراء من الكوفيين: أن كينونة وأخواتها أريد بهن (فعلولة) ففتحوا أولها كراهية أن تصير الياء واوًا. ومن أقوى حجج البصريين في ذلك أن الشاعر قد نطق بها على الأصل، فقال:
(يا ليت أنا ضمنا سفينه)
(حتى يعود الوصل كينونة)
(لحمت العظم إذا عرفت ما عليه من اللحم) يعني أخذت ما عليه، يقال: كبش معروق، إذا صار جلدًا أو عظمًا بلا لحمٍ، واللحم واللحم لغتان فصيحتان والجمع: لحمان ولحوم ولحام.
(وتقول: هل أحسست صاحبك) أي: هل علمت به وأدركته بحسك ووجدته،
[ ٨٦ ]
قال الله تعالى: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: وجد.
وحكى الخليل: حس وأحس في غير القتل.
(وحسهم قتلهم) قتلًا شديدًا.
(ملحت القدر أملحها إذا ألقيت فيها من الملح بقدرٍ، وأملحتها: إذا أفسدتها بالملح) ..
قال الشارح: كل ما أتاك في الفصيح بعد إذا فهو مفتوح، ومعناه: أن المصنف للكتاب وإنما أتى به فائدة للمخاطب، فقال: وتقول: يا من أخاطبه ملحت القدر إذا ألقيت فيها من الملح بقدرٍ، وليس يخبر عن نفسه. فالملح المأكول، بكسر الميم. والملح أيضًا الرضاع، وهو بكسر الميم وفتحها. والملح أيضًا: الشحم.
أجبرت الرجل على الشيء يفعله) إذا أكرهته عليه (فهو مجبر) ويقال أيضًا: جبرته، ومنه قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ [ق: ٤٥].
(جبرت العظم) رددته وأقمته.
وجبرت (الفقير) سددت خلته.
(كنفت حول الغنم كنيفًا إذا حظرت عليها) أي: ضربت حولها شبكة أو غيرها وحظيرة كل شيء: ما أحاط به، والزرب والكنيف والعنة والحظيرة: مثل الحاجز يتخذ مما كان من الشجر تدفأ به الغنم، وتحصن فيه من السباع،
[ ٨٧ ]
والوصيد: ما يسد به باب الحظيرة وهو حزمة عظيمة مجموعة من شجرٍ مشدودةٍ بحبلٍ يسد به الباب.
(أعجمت الكتاب) بينته بالشكل والنقط.
(وعجمت العود) عضضته بأسنانك، لتنظر أصلب أم رخو.
(أصدقت المرأة صداقا) أعطيتها صداقًا.
(ترب الرجل إذا افتقر) أي: لصق بالتراب لفقره.
(وأترب [إذا] استغنى) أي: صار له مال كالتراب في الكثرة.
وقوله: (وعجلته سبقته) وهم إنما هو بمعنى أسرعت إليه وبادرت، قال الله تعالى: ﴿وعجلت إليك رب لترضى﴾ [طه: ٨٤] وقد احتج بعضهم لأبي العباس بقوله تعالى: ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ [الأعراف: ١٥٠].
(مد النهر) زاد (ومده نهر آخر) زاد فيه وكثره.
(وأمددت الجيش) جعلت له مددًا ومادة.
(وأمد الجرح إذا صارت فيه المدة) والمدة: ما يجتمع في الجرح من دمٍ وقيحٍ وغيرهما.
قال الشارح: فأما الدواة فيقال مددتها وأمددتها.
(آثرت فلانًا عليك) فضلته.
[ ٨٨ ]
(وأثرت الحديث) طلبت أثره بالرواية وحدثت به عمن تقدمني، وحديث مأثور، أي: مروي.
(وأثرت التراب) رفعته، والأصل: أثورت، نقلت حركة العين إلى الفاء، وحذفت الواو، لسكونها وسكون الراء بعدها.
(وعدت الرجل خيرًا وشرًا) قال الله تعالى: في الخير ﴿ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا﴾ [طه: ٨٦] وقال في الشر ﴿النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير﴾ [الحج: ٧٢] فإذا أدخلت الباء قلت: أوعدت بكذا وكذا، قال الشاعر:
(أوعدني بالسجن والأداهم)
(رجلي ورجلي شثنة المناسم)
قوله: أوعدتي من الوعيد، يعني: التهديد والإخافة.
[ ٨٩ ]