(تقول: إذا عز أخوك فهن)
قال الشارح: أخذ عليه أبو إسحاق الزجاج في ضم الهاء من هن، وقال: إنما الكلام: إذا عز أخوك فهن، بكسر الهاء، من: هان يهين، إذا لان، ومنه قيل: هين لين؛ لأن هن بضم الهاء من: هان يهون، وهان يهون من الهوان، والعرب لا تأمر بذلك، ولا معنى هذا الكلام يصح لوقالته.
قال الشارح: أما إنكار أبي إسحاق هن، بضم الهاء؛ فهكذا رواه أبو عبيد في الأمثال ولم يذكر غيره، وفسره على الضم، ومن ثم نقله أبو العباس ثعلب، وأنشد المبرد:
(ولو لم يفارقني عطية لم أهن ولم أعط أعدائي الذي كنت أمنع)
وحكى الروايتين جميعًا في قوله: هن، بضم الهاء، وكسرها، وفسره على الوجهين جميعًا، وقال: أحسن الإنشادين عندي لم أهن، بالكسر، ولم ينكر الضم كما أنكره أبو إسحاق، وقال عمرو بن أحمر أيضًا:
(دببت لها الضراء وقلت أبقى إذا عز ابن عمك أن تهونا)
هكذا صحت رواية هذا البيت بلا اختلاف بين الرواة، وكل هذا تقوية
[ ٢١٥ ]
لرواية أبي العباس، قال أبو عبيد: ومعنى المثل أن مياسرتك صديقك ليس بضميم ركبك فتدخلك الحمية منه، إنما هو حسن خلق وتفضل، فإذا عاسرك فياسره.
قال الشارح: ألا ترى إلى قوله: (ليس بضيم ركبك فتدخلك الحمية منه، والضيم: هو الهوان بعينه)، وقال ابن درستويه: معنى إذا عز أخوك فهن، أي: إذا صار عزيزًا ملكًا قويًا عليك قاطعه، وتذلل له، واخضع تسلم منه، ولا يظلمك لعزه.
قال الشارح: فهذا وجه الرواية بالضم، فأما من روى بالكسر فهو من: هان يهين إذا لان، ومعنى عز علي هذه الرواية: ليس من العزة، التي هي القوة والرفعة، وإنما هي من قولك: عز الشيء، إذا اشتد، وكذلك تعزز واستعز، ومنه العزاز من الأرض: وهو الصلب الذي لا يبلغ أن يكون حجارة، يقال: عز يعز عزًا إذا صار عزيزًا وعز يعز عزًا، إذا غلب، قال الله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، أي: غلبني، ومنه قولهم: (من عزيز) أي: من غلب وسلب، قال زهير:
( وعزته يداه وكاهله)
ومعناه: إذا صلب أخوك واشتد فذل له، بالكسر من الذل، كما تقول: إذا صعب أخوك فلن له، قال أبو عبيد: والمثل للهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان سببه أنه أغار على بني ضبة فغنم وأقبل بالغنائم، فقال له أصحابه: أقسمها بيننا
[ ٢١٦ ]
فقال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب، فأبوا عندهما قال: إذا عز أخوك فهن، فذهبت مثلًا، فنزل فقسم بينهم الغنائم.
قوله: (وعند جهينة الخبر اليقين، وقال ابن الأعرابي جفينة)
قال الشارح: قد اختلف العلماء في هذا المثل، فكان الأصمعي يقول: جفينة، بالجيم والفاء، وقال: هو خمار، وهو قول ابن الأعرابي، وكان (أبو عبيدة يقول: حفينة) بحاء غير معجمة، وكان ابن الكلبي يقول: جهينة، بالجيم والهاء، وهو الصحيح، وذلك أن أصل هذا المثل أن حصين بن عمرو بن معاوية بن كلاب خرج بسفر ومعه رجل من جهينة، يقال له: الأخنس بن شريق، فنزلا في بعض منازلهما فقتل الجهني الكلابي وأخذ ماله، وكانت لحصين أخت تسمى: صخرة، فكانت تبكيه في المواسم، وتسأل عنه، ولا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس:
(وكم من فارس لا تزدريه إذا شخصت لموقعه العيون)
(يذل له العزيز وكل ليث حديد الناب مسكنه العرين)
(علوت بياض مفرقه بعضب يطير لوقعه الهام السكون)
(وأضحت عرسه ولها عليه هدوًا بعد رقدتها أنين)
(٢٣ ب) (كصخرة إذ تسائل في مزاج وفي جرم وعلمها ظنون)
(تسائل عن حصين كل ركب وعند جهينة الخبر اليقين)
قوله: (افعل ذلك وخلاك ذم)
قال الشارح: أي: افعله، وقد خلوت من أن تذم، وأصله: خلا منك ذم، فلما
[ ٢١٧ ]
سقط الحافض تعدى الفعل، فنصب، قالت ليلى:
(فإنك لو فعلت خلاك ذم وفارقك ابن عمك غير قال)
وهذا المثل يضرب في الإعذار في طلب الحاجة، يقال: إنما عليك أن تجتهد في الطلب وتعذر لكي لا تذم فيه، وإن تقض الحاجة، والمثل لقصير بن سعد اللخمي قاله لعمرو بن عدي حين أمره أن يطلب الزباء بثأر خاله جذيمة بن مالك، قال: أخاف ألا أقدر عليها، فقال له: اطلب الأمر وخلاك ذم، فذهبت مثلًا.
(وتقول: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، أي لا تكون ظئرًا لقوم)
قال الشارح: أي دابة لإنسان تسقي لبنها لغير ابنها، وتأخذ على ذلك الأجرة، والظئر: المرضعة غير ولدها من الناس والإبل، والحرة: الكريمة الحسيبة والعامة تقول: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، أي: لا تأكل لحم الثدي، وذلك خطأ لا وجه له، ولكن يجوز ولا تأكل ثدييها على تأويلين: أحدهما: أن يراد أجر ثدييها، أو ثمن ثدييها، ويحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، وهذا كثير، والتأويل الثاني: على غير حذف ويكون المعنى: أنها إذا أكلت أجر ثدييها كأنها قد أكلت الثديين أنفسهما، ونحو من هذا قول الشاعر:
(إذا صب ما في القعب فاعلم بأنه دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أودعا)
[ ٢١٨ ]
يعني: رجلًا قتل أبوه فأخذ ديته إبلًا، يقول: إذا شربت لبن الإبل التي أخذتها في دية أبيك، فكأنك إنما شربت دمه، وهذا يضرب مثلًا للذي تصيبه الحاجة والفقر، فيبذل وجهه، وإنما يعرف الشريف بصبره عند الحاجة، كما قال الشاعر:
(وإني لعف الفقر مشترك الغنى سريع إذا لم أرض داري احتماليا)
قال أبو عبيد في الأمثال: وذكر بعض أهل العلم أن المثل للحارث بن السليل الأسدي قاله لامرأته ريا، وكان شيخًا كبيرًا فنظرت يومًا إلى فتية شباب فتنفست صعدًا ألا تكون امرأة لأحدهم، فعندما قال لها الحارث: ثكلتك أمك قد تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، قال الزبير والتي تقول:
(مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ)
قوله: (تحسبها حمقاء وهي باخس هكذا جرى المثل وإن شئت قلته بالهاء)
قال الشارح: يريد بقوله وهي باخس: أنها تبخس الناس حقوقهم وتظلمهم، قال الله تعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].
قال الشاعر:
(فأكرمه لدى الأزمات جهدي وأعطي الحق منه غير بخس)
(٣٣ أ) وحذفت الهاء على معنى النسب، أي: ذات بخس، كما تقول: طالق وحائض، أي: ذات طلاق، وذات حيض، وإن جعلته جاريًا على فعله أثبت الهاء
[ ٢١٩ ]
فقلت: باخسة والهاء في تبسخها: هي المفعول الأول لتحسب، وحمقاء: المفعول الثاني، وقوله: هي باخس: مبتدأ وخبر، وهذا المثل يضرب للرجل يطيل الصمت حتى يحسب مغفلًا، وهو ذو فكر.
قوله: (الكلاب على البقر، ترفع الكلاب وتنصبها)
قال الشارح: يضرب هذا المثل في قلة عناية الرجل، واهتمامه بشأن صاحبه، وأصله: أن يخلى بين الكلاب وبين بقر الوحش، وحكى الخليل وابن دريد: أن منهم من يقول: الكراب على البقر، وكراب الأرض: حرثها، أي: حرث الأرض وإثارتها على البقر، فيرتفع الكراب على هذا الوجه بالابتداء، وعلى البقر: في موضع الخبر، وذكر سيبويه في المنصوبات: الظباء على البقر، أي: خل الظباء على البقر، فتكون الكلاب على هذا منصوبة بفعل مضمر تقديره: خل الكلاب على البقر كما قدر سيبويه، ومن رفع الكلاب رفعها بالابتداء، وكان الخبر محذوفًا، والتقدير: الكلاب متروكة على البقر.
قوله: (أحمق من رجلة) وقد تقدم الكلام عليها.
(وتقول: أحشفأ وسوء كيلة)
قال الشارح: هذا المثل يضرب للرجل يسرق في الكيل، وهو في ذلك يبيع أردأ المتاع، وترجم أبو عبيد على هذا المثل، وما شاكله [في] باب الظلم في الخلتين من الإساءة لا يجتمعان على الرجل، والحشف: اليابس من التمر الذي لا خير
[ ٢٢٠ ]
فيه وحشفا: مفعول بفعل مضمر، وسوء كيلة: معطوف عليه، والتقدير: الجمع على أن تعطيني حشفًا، وأن تسيء الكيل والكيلة: مثل القعدة والركبة، أي: الحال التي تقعد فيها وتركب فيها.
(وتقول: ما اسمك اذكر، ترفع الاسم وتجزم اذكر)
قال الشارح: اذكر فيه روايتان: اذكر بوصل الألف لأنه أمر، والمعنى: ما اسمك اذكره لي حتى أعرفه.
وقوله: (وتجزم اذكر) مذهب كوفي؛ لأن الأمر عندهم معرب، واذكر على مذهبه يجزم بلام الأمر، والتقدير: لتذكر، ثم حذف اللام، وأبقي عملها، والقول الأخر وهو الصواب: ما اسمك اذكره أنا، بفتح الألف لأنها ألف المخبر عن نفسه، وكان ينبغي أن يرفع الفعل وإنما جزم لأنه جواب الاستفهام.
قوله: (وتقول همك ما أهمك وأهمني الشيء حزنني وهمني أذابني)
قال الشارح: معنى قوله همك ما أهمك، أي: أذاب جسمك هذا الحديث الذي يقلقك ويحزنك، ويقال: همك المرض إذا أذابك، وانهمت الشحمة، إذا ذابت وما هاهنا بمعنى: الذي وهي فاعلة، وأهمك: صلة لها، والعائد [عليها] المضمر في أهمك والتقدير: أذابك الشيء الذي أقلقك وأحزنك، ومن روى همك ما أهمك، بالرفع كان همك ما همك، فيكون همك: مبتدأ، وما: زائدة، وهمك الثاني: الخبر، والتقدير: همك [همك، فيكون همك: مبتدأ]، يضرب لمن لا يهتم بشأن صاحبه إنما اهتمامه بغير ذلك.
قوله: (تسمع بالمعيدي لا أن تراه وإن شئت قلت لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)
قال الشارح: (حذف إن من المثل أشهر عند العلماء، فيقولون: تسمع بالمعيدي
[ ٢٢١ ]
بضم العين، وتسمع بنصبها على إضمار أن، وأكثرهم يقول: لا أن تراه) قال أبو عبيد: وأخبرني ابن الكلبي: أن هذا المثل إنما ضر للصقعب بن عمرو النهدي، قاله فيه النعمان بن المنذر، وأما المفضل فحكي عنه: أنه قال (٣٣ ب): المثل للمنذر بن ماء السماء قاله لشقة بن ضمرة التميمي، وكان يسمع به فلما رأه اقتحمته عينه، فقال: (تسمع بالمعيدي لا أن تراه) فقال شقة: أبيت اللعن: (إنما المراء بأصغريه لسانه وقلبه، إذا نطق نطق ببيان، وإذا قاتل قاتل بجنان) فعظم في عينه وأجزل عطيته، وسماه باسم أبيه، فقال له: أنت ضمرة بن ضمرة، فقوله: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، تسمع: منزل منزلة سماعك، وهو مرتفع بالابتداء، ولا أن تراه: معطوف عليه، قال الشاعر:
(نفاك الأغر بن عبد العزيز وحقك تنفى من المسجد)
والتقدير: حقك النفي، وقال امرؤ القيس:
(فدمعهما سكب وسح وديمة ورش وتوكاف وتنهملان)
والتقدير: وانهمال، ولولا ذلك لما جاز عطف (لا أن تراه) على (تسمع) لأن (أن) مع الفعل بتأويل المصدر والمصدر اسم ولا يعطف اسم على الفعل وخبر تسمع محذوف والتقدير: سماعك بالمعيدي أعظم وأكثر لا رؤيته، أي: خبره أعظم من رؤيته، ومن روى: (لأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) كانت اللام لام الابتداء، لأنها مع الفعل بتأويل المصدر، والتقدير: لسماعك بالمعيدي متعلق بالسماع، وخبر: خبر السماع، ومن روى: (تسمع بالمعيدي) بنصب الفعل، أضمر أن ونصب بها
[ ٢٢٢ ]
وموضع أن مع الفعل: رفع كما قدمنا، قال أبو سعيد السيرافي: والمعيدي تصغير معدي إلا أنه لما اجتمع التشديد في الدال وتشديد ياء النسبة مع ياء التصغير ثقل ذلك في الكلام فخفف الدال، فقيل: المعيدي، قال النابغة:
(ضلت حلومهم عنهم وغرهم سن المعيدي في رعي وتعزيب)
وقال سيبويه: فإن حقرت معديًا ثقلت الدال، فقلت: معيدي فأما تسمع بالمعيدي لا أن تراه، فإنما جاز فيه تخفيف الدال؛ لأنه مثل، قال سيبويه: وهو أكثر في كلامهم يعني التخفيف من تحقير معدي، يعني تثقيل الدال.
قوله: (الضيف ضيعت اللبن)
قال الشارح: كان المفضل يذكر أن صاحبه عمرو بن عمرو بن عدس بن زيد التميمي وكانت عنده دختنوس ابنه لقيط بن زرارة وكان ذا مال كثير، إلا أنه كبير السن، فقلته فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، وتزوجها بعده عمير بن معبد بن زرارة ابن عمها، وكان شابًا إلا أنه معدم، فمرت إبل عمرو بن عمرو ذات يوم بدختنوس، فقالت لخادمتها: انطلقي فقولي له: يسقينا من اللبن، فأبلغته فعندها قال: الصيف ضيعت اللبن، وبعث إليها بلقوحين، ورواية من لبن، فأتاها الرسول وقال: إنا أبا شريح أرسل إليك بهذا يقول لك: (الصيف ضيعت اللبن) فقالت وعندها
[ ٢٢٣ ]
عمير وحطأت بين كتفيه: (وهذا ومذقة خير) فأرسلتها مثلًا.
وروى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن دختنوس بنت لقيط كانت تحت عمرو ابن عمرو بن عدس وكان شيخًا أبرص، فوضع رأسه ذات يوم في حجرها فأغفى فسال لعابه فانتبه فألفى دختنوس بنت لقيط تأفف، أي تقول: أف أف، فقال: أيسرك أن أفارقك؟ قالت: نعم، فطلقها (٣٤ أ) فنكحت فتى ذا جمال وشباب من بني زرارة، ثم إن بكر بن وائل أغارت على [بني] دارم، فأخذوا دختنوس سبية، وقتلوا زوجها، فأدركهم الحي فقتل عمرو بن عمرو ثلاثة منهم، وكان في السرعان، وسل منهم دختنوس، وجعلها أمامه، وهو يقول:
(أي خليليك رأيت خيرًا أألعظيم فيشة وأيرا)
(أم الذي يأتي العدو سيرًا)
فتزوجت شابًا آخر منهم وهو عمير بن معبد بن زرارة، ثم إنهم أجدبوا فبعثت دختنوس إلى عمرو خادمها، وقالت لها: قولي لأبي شريح يبعث لنا حلوبة، فقال لها عمرو: الصيف ضيعت اللبن فذهبت مثلًا، قال أبو عبيد: يعني أن سؤالك إياي الطلاق كان في الصيف، فيومئذ ضيعت اللبن بالطلاق، وقيل معناه: أن الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيعًا لألبانها حينئذ، ويروى: (الصيف ضيحت اللبن) بالحاء بدلًا من العين، من الضياح، وهو اللبن الممذوق الكثير الماء، يريد: في الصيف أفسدت اللبن وحرمته نفسك، والصيف: منصوب على الظرف، أو على أنه مفعول على السعة والعامل فيه: ضيعت اللبن في الصيف، والمثل أتى على مخاطبة المؤنث فهو يستعمل على هذه الصورة في المذكر والمؤنث،
[ ٢٢٤ ]
لأن المثل لا يغير، وهذا المثل يضرب عند التفريط في الحاجة وهي ممكنة ثم تطلب بعد الفوت، وحكى بعض الرواة: أن أول من قال هذا المثل العيوق العبدية، وكانت تحت الأسود العبدي، فرغب عنها، وطلقها، وتزوج أخرى، فلم يحمدها، فبعث إلى الأولى يخطبها، فقال:
(ألم تعلمي أني وإن كنت مذنبًا أخو كرم ما إن يذم على عهد)
(ظلمت وضيعت الذي كلن بيننا وخنتك صفو الود عمدًا على عمد)
(فيا حزني ماذا فعلت وربما يعود على ذي الذنب ذو الفضل والمجد)
فأجابته:
(أتركتني حتى إذا غلقت أبيض كالشطن)
(أنشأت تطلب وصلنا الصيف ضيعت اللبن)
قال الشارح: فعلى هذه الرواية تفتح التاء لأن المثل خوطب به مذكر والله أعلم بحقيقة ذلك، والشطن: الحبل الطويل.
(وتقول: فعل ذاك عودًا وبدءًا)
قال الشارح: معناه أولًا وآخرًا، والعود: مصدر عاد يعود عودًا، البدء: مصدر بدأ يبدأ بدءًا، فإذا بدأ الرجل بعمل شيء، ثم عاد له، فقد فعله عودًا وبدءًا.
قوله: (رجع عوده على بدئه)
قال الشارح: معناه رجع من حيث جاء، كما تقول: رجع فلان في حافرته ورجع أدراجه وإن شئت رفعت، فقلت: عوده على بدئه، فترفع عوده بالابتداء وعلى بدئه: الخبر، والجملة: في موضع نصب على الحال من الضمير في رجع، والعامل فيه:
[ ٢٢٥ ]
رجع، والتقدير: رجع وهذه حالته، والنصب على وجهين، أحدهما: أن يكون مفعولًا كقولك: رد عوده على بدئه، والوجه الآخر: أن يكون حالًا في قول سيبويه، لأن معناه: رجع ناقصًا (٣٣ ب)، مجيئه، ووضع هذا في موضعه، كما تقول: كلمته فاه إلى في، أي: مشافهة وبايعته يدًا بيد، أي: نقدًا ويجوز أن تقول: فوه إلى في، أي: وهذه حاله، ومن نصب فمعناه: في هذه الحال وأما بايعته يدًا بيد، فلا يكون فيه إلا النصب لأنك لست تريد بايعته ويد بيد، كما كنت في الأول، إنما تريد لنقد ولا تبالي أقريبًا كان أم بعيدًا ورجع عوض على بدئه عند سيبويه من الأحوال التي أتت معارف نحو: أرسلها العراك، وطلبته جهدك، والحال عند ابن السراح وأبي علي وهو الفعل الذي وقع المصدر موقعه، والتقدير فيه عنده: رجع يعود على بدئه وكذلك يقدر نظائره، نحو: أرسلها تعترك وطلبته تجتهد، فهذه الأفعال هي الأحوال ومصادرها وهي: العود والعراك والجهد دالة عليها، والكوفيون لا يجيزون الحال إذا كان معرفة، فقيل لهم: بم نصبتم: كلمت زيدًا فاه إلى في، فقالوا: بإضمار فعل والتقدير: كلمت زيدًا جاعلًا فاه إلى في، وهذا التقدير لا يطرد لهم في أكثر هذه المسائل.
قوله: (شتان زيد وعمرو وشتان ما هما نون شتان مفتوحة، وإن شئت قلت شتان ما بينهما)
قال الشارح: هذا الذي ذكر هو قول الجمهور، وقال الأصمعي فأجاز شتان ما هما، واحتج بقول الأعشى:
(شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر)
ولم يجز شتان ما بينهما، ورد بيت ربيعة الرقي؛ لأنه من المحدثين والبيت:
(لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيد سليم والأعز بن حاتم)
[ ٢٢٦ ]
ولا وجه لرده؛ لأنه صحيح في معناه، وشتان: اسم للفعل مبني على الفتح، لوقوعه موقع الفعل الماضي، وكان الفراء يجيز فيه الكسر، وزيد: فاعل شتان كأنه قال: بعد زيد وعمرو كذلك ما أيضًا: فاعله بشتان في قوله: شتان ما بينهما، كأنك قلت: بعد ما بينهما، وهي بمعنى: الذي والظرف الذي بعدها: صلتها، وأما قوله: شتان ما هما، فما هنا: زائدة، وهما: فاعل بشتان، كما كانت زائدة في بيت الأعشى المتقدم أعني:
(شتان ما يومي على كورها)
وشتان مما استعمل في الخبر، وكذلك: (سرعان ذي إهالة) وهيهات زيد، وأما سائر أسماء الأفعال فإنما استعملت في الأمر نحو: تزال ودراك ووريد وبله وما أشبه ذلك.
وقوله: (ما هذا بضربة لازب وبالميم إن شئت)
قال الشارح: أما الأفصح فالباء والعرب تبدل الباء ميمًا نحو قولهم: سيد رأسه وسمده إذا حلقه وأغبطت عليه الحمى وأغمطت، إذا دامت وهو ركبة سوء وركمة سوء أي: ولد سوء، ومعناه بالميم: ليس بمفروض ولا واجب، ومعناه بالباء: بلا حق، والضرب هنا معناه: وجوب الحق، والتقدير: ما هذا بضربة لازب، قال القطامي:
(فلما بدا حرمانها الضيف لم يكن على مناخ السوء ضربة لازب)
وحكى الفراء: ما هذا بضربة لاتب بالتاء.
وقوله: (وهو أخوه بلبان أمه)
[ ٢٢٧ ]
قال الشارح: (٣٥ أ) يقال: بلبان وبلبن أمه، قال أبو الأسود الدؤلي:
(فإن لا يكنها أو يكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها)
وقال الأعشى:
(رضيعي لبان ثدي أم تحالفا بأسحم داج عوض لا نتفرق)
وقد روي عن رسول الله ﷺ: (في لبن الفحل أنه يحرم) كذا رواه الفقهاء وتفسيره: الرجل تكون له المرأة، وهي مرضع بلبنة فكل من أرضعته بذلك اللبن فهو ابن زوجها محرمون عليه وعلى ولده من تلك المرأة وغيرها لأنه أبوهم جميعًا، والصحيح في هذا أن يقال: إن اللبان للمرأة خاصة واللبن لكل شيء، وحكى ابن جني: أن اللبان جمع اللبن.
وقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
قال الشارح: أي دع ما شككت فيه، وخذ الأمر الواضح، والريب: الشك، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي: لا شك فيه، ويقال: رابني هذا الأمر وأرابني بمعنى واحد، وقال قوم: رابني فلان، إذا علمت منه الريبة وأرابني، إذا ظننت به الريبة، قال الراجز:
(كنت إذا أتوته من غيب يمس رأسي ويشم ثوبي)
(كأنني أربته بريب)
[ ٢٢٨ ]
وقال علي بن حمزة وابني فلان إذا علمت منه الريبة وأرابني إذا أوهمني [بريبة]، قال الشاعر:
(أخوك الذي إن ربته قال إنما أربت وإن عاتبته لان جانبه)
وهذا نحو مما تقدم.
وقوله: (ما رابك من فلان)
قال الشارح: أي: أي شيء كرهته منه.
وقوله: (ما أربك) إلى هذا أي: ما حاجتك.
قال الشارح: الأرب: الحاجة، وكذلك الإربة، قال الله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الإِرْبَة من الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١]، والإرب أيضًا: العضو، تقول: قطعته إربًا إربًا، أي: عضوًا عضوًا، والإرب أيضًا: بكسر الهمزة: العقل والدهاء.
قوله: (وقد أراب الرجل إذا أتى بريبة وألام إذا أتى بما يلام عليه)
قال الشارح: واسم الفاعل منهما مريب ومليم، قال الله تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]، فأما الملوم فهو الذي يلام والملئم الملام، مفعل ومفعال، وهو الذي يقوم بعذر اللئام.
[ ٢٢٩ ]
وقوله: (وتقول ويل للشجي من الخلي، ياء الشجي مخففة وياء الخلي مشددة)
قال الشارح: الشجي: وهو الحزين، والخلي: هو الفارغ الخالي من الحزن، وهو الخلو أيضًا، والمعنى: ويل للمهموم من الفارغ، قال الأستاذ أبو محمد بن السيد: قد أكثر اللغويون من إنكار التشديد في الشجي، وذلك عجب منهم لأنه لا خلاف بينهم أنه يقال: شجوت الرجل أشجوة إذا أحزنته، وشجي يشجي شجى، إذا حزن، وإذا قيل: شج بالتخفيف كان اسم الفاعل من شجي يشجى فهو شج، كقولك: عمي يعمى فهو عم، وإذا قيل: شجي بالتشديد كان اسم المفعول من شجوته أشجوه فهو مشجو وشجي، كقوله: مقتول وقتيل، ومجروح وجريح، وقد روي: أن ابن قتيبة قال لأبي تمام الطائي يا أبا تمام أخطات في قولك:
(أيا ويل الشجي من الخلي وويل الدمع من إحدى بلي)
(٣٥ ب) فقال أبو تمام: ولم قلت ذلك قال: لأن يعقوب قال شج بالتخفيف ولا يشدد، فقال له أبو تمام: من من أفصح عندي ابن الجرمقانية يعقوب أم أبو الأسود الدؤلي حيث يقول:
(ويل الشجي من الخلي فإنه نصب الفؤاد بشجوه مغموم)
قال أبو محمد بن السيد الذي قاله أبو تمام صحيح قد طابق فيه
[ ٢٣٠ ]
السماع القياس، وقد قال أبو دؤاد الإيادي وناهيك به حجة:
(من لعين بدمعها موليه ولنفس بما عراها شجيه)
قوله: (وهو أحر من القرع وهو جدري الفصال)
قال الشارح: قال ابن قتيبة: وهو بثر يخرج بالفصلان تحت أوبارها، وقال يعقوب: القرع يخرج بالفصال أبيض ود واؤه الملح وجباب ألبان الإبل، والجباب شيء يعلو ألبان الإبل كالزبد، ليس للإبل زبد، وقال الأصمعي: إذا لم يقدروا على الملح نضح جلد الفصيل الذي به القرع بالماء وجر في الأرض السيخة، وحكى الأصبهاني في كتاب أفعل من كذا، أنه يقال: (أحر من القرع) بفتح الراء وتسكينها، وفسر القرع المتحرك الراء بنحو من تفسير ابن قتيبة، قال: وأما القرع بسكون الراء: فإنهم يعنون قرع الميسم وأنشدوا:
(كأن على كيدي قرعة حذارًا على البين ما تبرد)
وقال القرع أيضًا: الضراب يريد قرع الفحل الناقة.
قال الشارح: والذي يذهب إليه العامة بقولهم: (أحر من القرع) بسكون الراء إنما هو القرع المأكول، وإنما يضربون به المثل في الحر، وإن كان باردًا في طبعه؛ لأنه يمسك حر النار إذا طبخ إمساكًا شديدًا، فلا يزال عنه إلا بعد مدة.
قوله: (وتقول: افعل ذاك آثرًا ما أي: أول كل شيء)
قال الشارح: ما هاهنا مجهولة، كما تقول: جئتك يومًا ما، ولست تريد يومًا
[ ٢٣١ ]
بعينه، وانتصاب آثرًا على الحال، وهو بمعنى: مؤثرًا [له على غيره] والتقدير: افعل هذا مؤثرًا له على غيره، ومقدمًا له ومبتدئًا به، ويقال أيضًا: فعلته آثر ذي أثير، قال الشاعر:
(وقالت ما تشاء فقلت ألهو إلى الإصباح آثر ذي أثير)
ويقال أيضًا: افعله إثر ذي أثير أو ذي بدء، أي: أول كل شيء.
قوله: (خذ ما صفا ودع ما كدر) قال معناه: خذ ما خلص وأتاك عفوًا سهلًا، ودع ما تكدر عليك وصعب، في كدر ثلاث لغات: كدر بكسر العين، وهي أفصحها، وكدر بفتح العين، وكدر بضمها، واسم الفاعل منه: كدر، ولم يقولوا: كادر ولا كدير.
قوله: (تقول: ما يحلي وما يمر)
قال الشارح: هو من الحلاوة والمرارة، أي: إنه لا يحلو للأحباء ولا يمر للأعداء، فهو لا يصلح لخير ولا لشر، وهو كقول الشاعر:
(سليخ مليخ كلحم الحوار فلا أنت حلو ولا أنت مر)
فالسليخ والمليخ: هو الذي لا طعم له، وإنما المحمود عندهم أن يكون كقول الآخر:
(أمر على الأعدا ويخشن جانبي وذر الود أحلولي له وألين)
(٣٦ أ) وقال الشاعر:
[ ٢٣٢ ]
(وله طعمان أري وشري وكلا الطعمين قد ذاق كل)
وقوله: (وما هم عندنا إلا أكلة رأس)
قال الشارح: يقال ذاك عند استقلال عدد القوم، أي: إنهم لقلتهم يقوم بهم في الأكل رأس، والأكلة: جمع آكل، مثل: كافر وكفرة، وفاسق وفسقة وحاقد وحقدة.
قوله: (أساء سمعًا فأساء جابة)
أصل هذا المثل فيما روى محمد بن سلام: أنه كان لسهيل بن عمرو ابن مضعوف، فقال له الأخنس بن شريق يومًا: أين أمك- يريد أن تؤم-؟ فظن أنه يقول: أين أمك، قال: ذهبت تشتري دقيقًا، فقال سهيل: (أساء سمعًا فأساء جابة) فأرسلها مثلًا، فلما رجع إلى زوجه أخبرها بما قال ابنها، فقالت: أنت تبغضه، قال: (أشبه امرؤ بعض بزه) فأرسلها مثلًا أيضًا، قال أبو عبيد: هكذا تحكى هذه الكلمات- جابة- بغير ألف، وذلك أنه اسم موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنة، فإذا أرادوا المصدر قالوا: إجابة بالألف.
قال الشارح: الجابة اسم للجواب كالطاقة والطاعة، فإذا أرادوا المصدر قالوا: إطاقة وإطاعة، قال الشاعر:
(وما من تبتغين به لنصر بأسرع جابة لك من هذيل)
أي: بأقرب جواب، وسمع: مفعول بأساء الأول، وجابة: مفعول بأساء الثاني.
[ ٢٣٣ ]