[قال المفسر: كان حقه أن يقول: باب ما يقال للمؤنث بغير تاء، ولكنه أتى بالبال على مذهب الكوفيين؛ لأن الهاء عندهم أصل، والتاء فرع، ومذهب البصريين أن التاء أصل والهاء فرع، وهو الصحيح؛ لأن الوصل: هو الأصل والوقف عارض، وقد ثبت أن التاء إنما تكون في الوصل دون الوقف والهاء في الوقف دون الوصل، ولذلك فعل في البابين وقد تابعنا في العبارة بعد تنبيهنا على الصحيح من ذلك].
قوله: (تقول: امرأة طالق وحائص وطاهر وطامث بغير هاء)
قال الشارح: الطامث: تكون الحائض، تقول: حاضت المرأة ونفست وضحكت وطمثت تطمث وتطمث، ويقال أيضًا: طمث الرجل المراة إذا جامعها، قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وهذه الصفات التي تجري على المؤنث بغير هاء، إنما كان ذلك فيها؛ لأنها أريد بها النسب، ولم تجر على الفعل، فإذا جرت على الفعل ثبتت فيها تاء التأنيث، تقول: طلقت المرأة فهي طالقة، قال الأعشى:
( أيا جارتا بيني فإنك طالقة)
ويقال: أرضعت فهي مرضعة، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، وتقول: عصفت الريح فهي عاصفة، قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١]، فأما قوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ [يونس: ٢٢]، فهو محمول على النسب، أي: ريح ذات عصف، كما تقول: ذات طلاق، وذات حيض، وذات طهر،
[ ٢٠٠ ]
وذات طمث، وليس قول من قال في طالق وطامث وحائض إنما لم يؤنث؛ لأنه لا مشاركة للمذكر فيه بشيء، ألا ترى أنه قد جاء ما يشترك فيه النوعان: ناقة ضامر، وجمل ضامر، قال [الشاعر] وهو الأعشى:
(عهدي بها في الحي قد سربلت هيفاء مثل المهرة الضامر)
[وقالوا: رجل حاسر، وامرأة حاسر]
قال الشاعر:
(لو أن لقمان الحكيم تعرضت لعينيه مي حاسرًا كاد يبرق)
(٢٩ ب) وقالوا: رجل عاشق، وامرأة عاشق، وجمل بازل، وناقة بازل، وهو كثير، وقد أفرد فيه الأصمعي كتابًا.
قوله: (وكذلك امرأة قتيل وكف خضيب وعنز رمي وعين كحيل ولحية دهين)
قال الشارح: كل ما كان على فعيل نعتًا للمؤنث، وهو في تأويل مفعول، فهو بغير هاء، نحو: امرأة قتيل، بمعنى: مقتولة، وكف خضيب، بمعنى مخضوبة، وعنز رمي بمعنى: مرمية، وأصلها: مرموية ثم وقع الإدغام، وعين كحيل بمعنى: مكحولة، ولحية دهين، بمعنى: مدهونة، وملحفة جديد، بمعنى: مجدودة، أي: مقطوعة حين قطعها الحائك، قال الشاعر:
(أبى حبي لسلمى أن يبيدا وأمسى حبلها خلقًا جديدًا)
أي: مقطوعًا.
قوله: (وخلق)
قال الشارح: يقال خلق الثوب وخلق وخلق وأخلق، وكذا أنهج
[ ٢٠١ ]
وأسحق، إذا تقطع وإنما استعمل بغير هاء؛ لأن خلقًا في الأصل مصدر، والمصادر لا تؤنث ولا تثنى ولا تجمع؛ لأنها تدل على القليل والكثير من جنسها إلا أن تصير محدودة فتضارع المفعول به، أو تختلف أجناسها.
قال الشارح: وبما جاءت بالهاء فذهب بها مذهب الأسماء نحو: النطيحة والذبيحة والفريسة وأكيلة السبع، وكذلك قوله: رأيت قتيلة بني فلان؛ لأنه أجري مجرى الأسماء، وإذا لم يجر فيه مفعول فهو بالهاء نحو: فريضة وكبيرة وصغيرة وظريفة، وما أشبه ذلك، وقد شذت أشياء من هذا القليل فقالوا: ناقة سديس، وريح خريف، فإن كان فعيل في تأويل فاعل كان مؤنثه بالهاء أيضًا، نحو: رحيمة وعليمة وكريمة وما أشبه ذلك.
قوله: (وكذلك امرأة صبور وشكور).
قال الشارح: متى كان فعول في تأويل فاعل كان مؤنثه بغير هاء، تقول: امرأة صبور، بمعنى: صابرة، وشكور بمعنى: شاكرة، وغفور بمعنى: غافرة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمّك بَغِيًّا﴾ ﴿مريم: ٢٨]، وهو على وزن: فعول في الأصل، ولام الفعل ياء من بغى يبغي، فاجتمعت الواو والياء وقد سبقت إحداهما بالسكون، فوجب البدل والإدغام، وبغيًا هنا بمعنى: باغية، كما تقول: صبور بمعنى صابرة، ولذلك حذفت الهاء، ولو كان فعيلًا بمعنى فاعل، لثبتت الهاء، فلما لم تثبت الهاء علمنا أنه فعول، وأنه بمعنى: فاعل، وكذلك ما أشبهه، وقد جاء حرف شاذ، قالوا: هي عدوة
[ ٢٠٢ ]
الله، قال سيبويه: شبهوا عدوة بمعنى صديقة.
قال الشارح: وإن كانت في تأويل مفعول جاءت بالهاء، نحو: الحلوبة والركوبة والحمولة، فالحلوبة: بمعنى المحلوبة، والركوبة بمعنى: المركوبة، والحمولة بمعنى: المحمولة.
قوله: (وكذلك امرأة معطار ومذكار ومئناث)
قال الشارح: المعطار الكثيرة التعطر، وضدها: المتفال، قال امرؤ القيس:
( إذا انفلتت مرتجة غير متفال)
والمذكار: التي عادتها أن تلد الذكور، والمئناث: التي عادتها أيضًا أن تلد الإناث.
قال الشارح: (٣٠ أ) وما أتى على مفعال نحو ما تقدم فهو بغير هاء، وكذلك ما أتى على مفعيل بغير هاء أيضًا، نحو: امرأة معطير ومئشير، وشذ حرف، قالوا: امرأة مسكينة شبهوها بفقيرة، وقالوا أيضًا: امرأة مسكين، بغير هاء على القياس.
قوله: (وكذلك مرضع ومطفل وامرأة حامل)
قال المفسر: هذا عند البصريين على معنى النسب، أي: ذات رضاع وذات طفل وذات حمل، قال الله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذات انفطار، وقد بينا فساد قول الكوفيين فيما قبل، فأغنى [ذلك] عن إعادته.
[ ٢٠٣ ]
قوله: (كذلك امرأة خود وضناك وناقة سرح)
قال الشارح: الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة، وقيل: الناعمة، والجمع خودات وخود، والضناك: الكثيرة اللحم اللينة، والناقة السرح، بالحاء غير معجمة هي: الحسنة المشي، وقيل: هي الخفيفة رفع اليدين.
قوله: (وعجوز وأتان ورخل وفرس)
قال الشارح: هذا الذي ذكر أيضًا ضرب اختص مؤنثه باسم انفصل به من مذكره، نحو: شيخ وعجوز وحمل للذكر من أولاد الضأن والأنثى رخل، وفرس [للذكر]، والأنثى حجر، وحمار وأتان وربما ألحقوا التاء في هذه الأسماء الموضوعة للمؤنث، وإن كانت مستغنية عنها ذهبوا إلى الاستيثاق للتأنيث، نحو شيخ وعجوزة وكبش ونعجة وجمل وناقة.
قال الشارح: وربما بنوا المؤنث على المذكر فألزموا المؤنث الهاء نحو شيخ وشيخة، قال الشاعر:
(وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا)
وعجوز وعجوزة، وفرس وفرسة، حكاها يونس بن حبيب، وأتان وأتانة، ورجل ورجلة، قال الشاعر:
(خرقوا جيب فتاتهم لم يبالوا حرمة الرجلة)
[ ٢٠٤ ]
وغلام وغلامة، قال الشاعر:
(ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلام)
وامرئ وامرأة، وطائر وطائرة، ووعل ووعلة، وهر وهرة، وعقرب وعقربة، وجؤذر وجؤذرة، وسنور وسنورة، وأشباهها كثيرة فقس عليها.
[ ٢٠٥ ]