(ز ك و): بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَالَ الشَّيْخُ - ﵁ - " الْفِطْرُ مَصْدَرًا إعْطَاءُ مُسْلِمٍ فَقِيرٍ لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْؤُهُ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ الْمَقْصُورِ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ " ثُمَّ قَالَ " وَاسْمًا صَاعٌ يُعْطَى مُسْلِمًا " إلَخْ فَأَمَّا الْحَدُّ الْمَصْدَرِيُّ فَيُنَاسِبُهُ الْإِعْطَاءُ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَسِرُّهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الرَّسْمَيْنِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُخْرَجِ وَعَلَى الْإِخْرَاجِ وَقَوْلُهُ " مُسْلِمٍ " أَصْله مَفْعُولٌ فَأُضِيفَ الْمَصْدَرُ اخْتِصَارًا لِيَخْرُجَ بِهِ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ لِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ وَلَا تُسَمَّى زَكَاةَ فِطْرٍ شَرْعًا وَقَوْلُهُ " فَقِيرٌ " اُحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الْغَنِيِّ أَيْضًا قَوْلُهُ " لِقُوتٍ " يَظْهَرُ أَنَّهَا لَامُ عِلَّةٍ لِلْإِعْطَاءِ لِيَخْرُجَ بِهِ إذَا أُعْطِيَ لِغَيْرِ قُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَإِنَّمَا هُوَ لِذَلِكَ لِقَوْلِهِ - ﷺ - «اغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ» وَقَوْلُهُ " صَاعًا " هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِلْمَصْدَرِ أُخْرِجَ مَا أَعْطَى مَا لَيْسَ بِصَاعٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَلَيْسَ بِفِطْرٍ قَوْلُهُ " مِنْ غَالِبِ " صِفَةٌ لِلصَّاعِ اُحْتُرِزَ بِهِ إذَا أَخْرَجَهُ مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى زَكَاةً وَالْغَالِبُ يَأْتِي تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ " أَوْ جُزْؤُهُ " مَعْطُوفٌ عَلَى الصَّاعِ الْمَفْعُولِ وَهَذَا لِيَدْخُلَ بِهِ فِي الْحَدِّ صُورَةُ الشَّرِكَةِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ إذَا كَانَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ فِيهِ نِصْفٌ وَلِآخَرَ ثُلُثٌ وَلِآخَرَ سُدُسٌ فَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْحِصَصِ وَالشَّاذُّ عَلَى الرُّءُوسِ وَقِيلَ يَجِبُ صَاعٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى الرُّءُوسِ فَيَكُونُ أَثْلَاثًا وَإِنْ كَانَ عَلَى الْحِصَصِ فَعَلَى قَدْرِ النِّسْبَةِ فَمَنْ لَهُ نِصْفٌ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي نِصْفِهِ نِصْفُ صَاعٍ وَمَنْ لَهُ ثُلُثٌ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ ثُلُثُ صَاعٍ وَمَنْ لَهُ سُدُسٌ فَالْوَاجِبُ فِي السُّدُسِ سُدُسُ صَاعٍ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْقِسْمَةُ عَلَى الرُّءُوسِ فَالْوَاجِبُ ثُلُثُ صَاعٍ عَلَى قَدْرِ نِسْبَةِ الرُّءُوسِ.
فَقَوْلُهُ " أَوْ جُزْؤُهُ الْمُسَمَّى " إلَخْ الضَّمِيرُ
[ ٧٨ ]
فِي جُزْؤُهُ يَعُودُ عَلَى الصَّاعِ وَجُزْؤُهُ مَفْعُولٌ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَفْعُولِ قَبْلَهُ وَالْمُسَمَّى صِفَةٌ لِجُزْئِهِ وَلِجُزْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسَمَّى وَ" الْمَقْصُورُ " صِفَةٌ " لِلْجُزْءِ " جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ وَ" وُجُوبُهُ " فَاعِلٌ بِهَا وَالضَّمِيرُ الْمُضَافُ إلَيْهِ عَائِدٌ عَلَى جُزْئِهِ الْمَوْصُوفِ بِصِفَتِهِ وَضَمِيرُ " عَلَيْهِ " عَلَى الْجُزْءِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ إمَّا صَاعًا كَامِلًا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَإِمَّا جُزْءَ صَاعٍ سُمِّيَ بِجُزْءٍ قَدْ قَصَرَ وُجُوبَ الْجُزْءِ الْمُسَمَّى عَلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ فَإِنْ كَانَ جُزْءُ الْمِلْكِ ثُلُثًا فَالْجُزْءُ الْمُسَمَّى ثُلُثٌ مِنْ صَاعٍ وَهُوَ الْوَاجِبُ قَصَرُهُ عَلَى الْجُزْءِ الثُّلُثِ وَإِنْ كَانَ نِصْفًا فَنِصْفٌ مِنْ صَاعٍ وَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسَمَّى أَوْ النَّقْصَ مِنْهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّاعِ هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ وَسَيَظْهَرُ لَك بَعْدُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " عَلَيْهِ " يَعُودُ عَلَى الْمُعْطَى وَهُوَ بَعِيدٌ هَذَا حَدُّ الْمَصْدَرِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَ" اسْمَا صَاعٌ " إلَخْ فَيُقَالُ فِيهِ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ الْقُوتِ أَوْ جُزْؤُهُ الْمُسَمَّى لِلْجُزْءِ الْمَقْصُورِ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ يُعْطَى مُسْلِمًا فَقِيرًا لِقُوتِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَمَعْنَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّسْمِ الْمَصْدَرِيِّ وَرَأَيْت بِخَطِّ بَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّ الشَّيْخَ - ﵀ - أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ مَانِعٍ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى صُورَةِ إعْطَاءِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمِ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى هَذَا الْإِعْطَاءِ زَكَاةَ فِطْرٍ.
قَالَ وَكَذَلِكَ إذَا أَعْطَى الْعَبْدُ مُسْلِمًا كَذَلِكَ. قَالَ وَأَجَابَ - ﵁ - بِأَنَّ فِي الْحَدِّ مَا يَخْرُجُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ " الْمَقْصُورُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ " وَالْكَافِرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَظَاهِرُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ يَعُودُ عَلَى الْمُعْطَى الْمَفْهُومِ مِنْ الْكَلَامِ وَالسِّيَاقُ وَفِيهِ بَحْثٌ (فَإِنْ قُلْتَ) هَلْ رَاعَى الشَّيْخُ - ﵀ - الْقَوْلَ بِالْحِصَصِ أَوْ الْقَوْلَ بِالرُّءُوسِ (قُلْتُ) يَظْهَرُ أَنَّهُ رَاعَى الْقَوْلَ بِالْحِصَصِ وَلِذَا قَالَ الْمَقْصُورُ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَيْ إنَّ الْجُزْءَ الْمُخْرَجَ سُمِّيَ لِلْجُزْءِ الَّذِي قُصِرَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُخْرَجِ إمَّا ثُلُثٌ أَوْ رُبْعٌ عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ التَّسْمِيَةُ وَالْقِسْمَةُ (فَإِنْ قُلْتَ) قَوْلُ الشَّيْخِ - ﵁ - فِي الْمَصْرِفِ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ لَمْ يُرَاعِ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى قَوْلِ كَثِيرٍ وَلَمْ يُرَاعِ عَدَمَ قُوتِ الْيَوْمِ عَلَى قَوْلِ أَبِي مُصْعَبٍ (قُلْت) رَاعَى الشَّيْخُ - ﵀ - مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُرَاعَى فَقِيرُ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ وَبِذَلِكَ تَأَوَّلُوا كَلَامَ مَنْ أَطْلَقَ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ فَلِذَا قَالَ مُسْلِمٌ فَقِيرٌ.
(فَإِنْ قُلْتَ) لَمْ يُقَيِّدْ الشَّيْخُ - ﵀ - الصَّاعَ بِالْوُجُوبِ فَهَلْ يَرِدُ عَلَى حَدِّهِ إذَا أَخْرَجَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ صَاعًا إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْدُقُ
[ ٧٩ ]
عَلَيْهِ زَكَاةُ فِطْرٍ شَرْعًا وَإِنَّمَا هِيَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ أَجْنَبِيٍّ (قُلْتُ) لَعَلَّ الْجَوَابَ يُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِ الشَّيْخِ فِي صُورَةِ الْكَافِرِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ بَعْدَ رَسْمِهِ وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ يُورَدُ عَلَى رَسْمِهِ كَمَا نَذْكُرُهُ وَتَقْدِيرُ السُّؤَالِ أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ صَاعًا ثَانِيًا بَعْدَ إخْرَاجِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ يُنْتَقَضُ بِهِ عَلَى الرَّسْمِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ لِدُخُولِ مَا لَيْسَ مِنْهُ فِيهِ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ هِيَ الْأُولَى فَأَجَابَ الشَّيْخُ - ﵀ - بِأَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ بَلْ هِيَ زَكَاةٌ وَقَدْ عَدَّدَهَا كَمَا يُعَدِّدُ الضَّحِيَّةَ وَالْجَامِعُ أَنْ يُقَالَ عِبَادَةٌ مُقَرَّرَةٌ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهَا لِمَعْنًى فِي زَمَنٍ خَاصٍّ فَيَصِحُّ تَعْدَادُهَا أَصْلُهُ الْأُضْحِيَّةُ قَوْلُهُ وَإِلَّا زِيدَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْصُوصَةً أَعْنِي تَعْدَادَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا مَنْصُوصَةٌ وَكَانَ يَمْضِي لَنَا أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَذْهَبَ كَذَلِكَ فَهَذَا الْكَلَامُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ وَعَدَّدَ ثَانِيًا كَذَلِكَ وَأَمَّا إذَا ضَحَّى عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ ضَحَّى عَنْ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يُسَمَّى أُضْحِيَّةً شَرْعِيَّةً بِوَجْهٍ كَمَا إذَا أَخْرَجَ الزَّكَاةَ عَنْ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.