حُذفَتِ الهمزةُ أوّلًا في اسمِ اللّاهِ ﷿ للاستخفافِ وكثرَة الاستعمال. وأصْلُه: إِلَاهٌ، قالَ اللّاهُ تعالى: إِنَّماا الهكُمُ اللّاهُ «١»، وقال الهُذَلي «٢»:
حَمِدْتُ إِلهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا خِرَاشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
فالأَلِفُ واللامُ عِوضٌ منَ الهمزةِ في أحدِ قَوْلَيْ سيبويه «٣». والقَولُ الآخرُ: أنّ أصلُه: لَاهٌ، وهوَ مأخوذٌ من لَاهَ: إِذَا احْتَجب. والأول من الإِلَهة، وهي العِبادَة، وقيلَ من أَلَه: إِذا فَزِعَ وتحيَّر.
وحُذفَتِ الهمزةُ من: أُناس، فقيل: النّاس. وقد جاءَ ذلكَ على الأَصْلِ في قول للشِّاعر «٤»:
أُنَاسٌ إِذا مَا أَنْكَرَ الكَلْبُ أَهْلَهُ أَنَاخُوا فَعَاذُوا بالسُّيُوفِ الضَّوَارِبِ
هذا قَولُ سيبويهِ، ويَحْيَى بنِ زيادٍ «٥» الفَرّاء. وقالَ الكِسائي «٦»: «الناسُ، وأُنَاسٌ:
_________________
(١) من الآية: ٩٨ من سورة طه: ٢٠، وتمامها: إِنَّماا الهكُمُ اللّاهُ الَّذِي لاا اله إِلّاا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا.
(٢) وهو أبو خراش، خويلد بن مُرَّة، شاعر مخضرم، أسلم وسكن المدينة، ثم خرج إِلى إِفريقية وشهد فتحها، وتوفي بمصر في عودته نحو سنة: (٢٧ هـنحو ٦٤٨ م)، قال البغدادي في خزانته: «هو أشعر هذيل من دون مدافعة» ديوان الهذليين: (٢/ ١٥٧). شرح شواهد المغني: (١/ ٤٢٢)، شرح الحماسة للتبريزي: (١/ ٣٢٦)، الخزانة: (١/ ٢٠٣)، الكامل: (٧١٣).
(٣) كتاب سيبويه: (١/ ٣٠٩ و٢/ ١٤٤). وسفر السعادة: (٥).
(٤) هو الفرزدق، همام بن غالب بن صعصعة التميمي، توفي سنة: (١١٠ هـ٧٢٨ م)، والبيت من قصيدة له على روي الميم في ديوانه: (٢/ ٢١٧)، وروايته فيه: أناخوا فعاذوا بالسيوف الصوارم
(٥) الديلمي، إِمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة، ولد سنة: (١٤٤ هـ٧٦١ م) وتوفي سنة: (٢٠٧ هـ٨٢٢ م).
(٦) انظر شرح الملوكي: (٣٦٣).
[ ١ / ٧٥ ]
لغتَان بمعْنًى، وليسَتْ إِحْداهما مأخُوذَةً منَ الأخْرى. والدليلُ على ذلكَ أنّكَ إِذا صَغَّرْتَ النَّاسَ قلْتَ: نُوَيْس، ولو كانَ أصْلُه أُنَاسًا لقلتَ في تَصْغِيره: أُنَيِّس.
وحُذِفتْ للتّخفيفِ في قَوْلِهم: يا با فلان، أي يا أَبا فلان، قال الأَسْودُ «١»:
رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ فَرَّجْتُ بِالْ مَكْرِ منِّي والدَّهَا يابَا المُغِيرَهْ
وقال شاعر الخوارج «٢» يرثي زيدَ بنَ عليِّ بن الحُسَيْن:
يا با حُسَيْنٍ والأُمُورُ إِلى مَدًى أَوْلَادُ دَرْزَةَ أَسْلَمُوكَ وطَارُوا
يا با حُسَيْنٍ لَوْ شُرَاةُ عِصَابَةٍ عَلِقُوكَ كَانَ لِوِرْدِهِمْ إِصْدَارُ
وحُذِفَتِ الهمزَةُ أيضًا في الأمْر من أخَذَ، وأكَلَ، وأمَرَ، فقيل: خُذْ وكُلْ، ومُرْ، الأصلُ اؤخُذْ، واؤْمُرْ، واؤكُلْ، قال اللّاه تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّبااتِ ماا رَزَقْنااكُمْ* «٣»، وقال: خُذُوا ماا آتَيْنااكُمْ بِقُوَّةٍ* «٤». وقد جاء في القرآن على الأصل في قوله تعالى:
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلااةِ «٥».
_________________
(١) هذا ما اجتمعت عليه النسخ كلها، ولعله يريد أبا الأسود الدؤلي، فله بيت في هذا المعنى ورد في شرح نهج البلاغة: (١٨/ ٤١٤)، والخزانة: (١٠/ ٣٤١)، وشرح الملوكي: (٣٦٩)، والممتع: (٦٢٠). وصيغة بيت الدؤلي وروايته في هذه المصادر: يا با المغيرة رب أمر معضل فرجته بالمكر منِّي والدها ويروى أيضًا: «بالنكر» و«بالحزم» انظر أيضًا الحجة: (٣/ ٢١١، ٣٠٧)، وأمالي ابن الشجري.
(٢) في (صن) وحدها: «قال الشاعر» وسقطت من (نش) وشاعر الخوارج هذا هو حبيب بن خدرة (أو جَدرة)، انظر الكامل: ٤/ ١٢. والبيتان فيه بتقديم وتأخير في صدري البيتين.
(٣) من الآية: ٥٧ من سورة البقرة/ ٢، وتمامها: وَظَلَّلْناا عَلَيْكُمُ الْغَماامَ وَأَنْزَلْناا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّبااتِ ماا رَزَقْنااكُمْ وَماا ظَلَمُوناا وَلاكِنْ كاانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
(٤) من الآية ٦٣ من سورة البقرة/ ٢، وتمامها: وَإِذْ أَخَذْناا مِيثااقَكُمْ وَرَفَعْناا فَوْقَكُمُ الطُّورَ، خُذُوا ماا آتَيْنااكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ماا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
(٥) من الآية: ١٣٢ من سورة طه، تمامها: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلااةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهاا لاا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعااقِبَةُ لِلتَّقْوى.
[ ١ / ٧٦ ]
وحُذِفَتِ الهمزة أيضًا وَسطًا في الأمر من: سَأَلَ، فقالوا: سَلْ، أي اسْألْ، قال اللّاه تعالى: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذالِكَ زَعِيمٌ «١»، وقال فيما لم يُحْذَف: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّاا فِيهاا «٢»، ويقرأ بالتخفيف أيضًا، وهي قراءة أبي عمرو، والكسائي، واختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالهَمْز.
وحُذِفَتِ الهمزة أيضًا في مُسْتَقْبَل: رَأَيْت، فقالوا: يَرَى، قال اللّاه تعالى:
أَفَتُماارُونَهُ عَلى ماا يَرى «٣».
وقد جاء على الأَصْل في قول سُرَاقَةَ البارِقيِّ «٤»:
أُرِي عَيْنَيَّ ما لَمْ تَرْأَيَاهُ كِلَانَا عالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ
وحذفت أيضًا عن أبي زيد «٥» في قولهم: سواءٌ سوايَةٌ والأَصْل: سَوَائِيَة، مثل كَرَاهِية.
وحذفت الهمزة أيضًا وسطًا في: أشياء، والأَصْل: أشْيِئَاء، على وزن أَفْعِلَاء مثل:
أنبياء، وأولياء؛ ولو كانتْ على وَزْنِ «أَفْعال» لانْصَرَفَتْ، كأجزاء وأبناء، هذا قول
_________________
(١) الآية: ٤٠ من سورة القلم/ ٦٨.
(٢) من الآية: ٨٢ من سورة يوسف/ ١٢، تمامها: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّاا فِيهاا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْناا فِيهاا وَإِنّاا لَصاادِقُونَ.
(٣) الآية: ١٢ من سورة النجم/ ٥٣.
(٤) هو سراقة بن مرداس بن أسماء بن خالد البارقي الأزدي، شاعر يماني الأصل عاش في العراق وقاتل المختار الثقفي في الكوفة وهجاه، توفي سنة: (٧٩ هـ٦٩٨ م). وقد جاء في (صن): «الباقري» مصحفًا. والبيت في ديوانه:
(٥) والأغاني: (٩/ ١٣) وشرح شواهد المغني: (٢/ ٦٧٧).
(٦) انظر: شرح الملوكي: (٣٧٣)، وهو قول الخليل أيضًا، انظر الكتاب: (٢/ ٣٧٩)، والمنصف: (٢/ ٩١).
[ ١ / ٧٧ ]
الأخفش والفراء:
وللعلماء أقوال في: أشياء، قد ذكرناها في موضعها في (باب الشّين والياء).