يعد هذا الكتاب فتحًا جديدًا في تاريخ المعاجم العربية ودليلًا ناصعًا على أن بلاد اليمن هي سند العروبة والإِسلام، على الرغم من بعدها عن مراكز الخلافة الإِسلامية، ظلت تزاحم بقوة في مجال التأليف العلمي والأدبي غيرها من البلاد الإِسلامية محافظة بذلك على دورها المميز في مسار التاريخ العربي الإِسلامي وفي خدمة العروبة والإِسلام.
عاش نشوان في عصر كان التأليف المعجمي فيه قد قطع شوطًا كبيرًا بحيث يصعب على أي مقتحم لدروب هذا الفن أن يضيف شيئًا جديدًا يتجاوز فيه القدماء سواء في المادة اللغوية أم في المنهج الذي ينبغي أن يؤسس عليه تصنيفه.
ولقد تحدث المرحوم أحمد عبد الغفور عطار في كتيبه عن الجوهري صاحب الصحاح «١»، عن المدارس العربية في وضع المعاجم فتحدث عن أربع منها، هي مدرسة الخليل، ومدرسة القاسم بن سلام، ومدرسة الجوهري، ومدرسة البرمكي، ويختم الأستاذ عطار كلامه بقوله: «ولم نذكر مع المدارس الأربع منهجًا جديدًا لم نعتده مدرسة، وإِن كان صاحب هذا المنهج مبتكرًا ورائدًا لأن المنهج لم يكن متبوعًا، ولم يأت بعده من يهتدي بهديه فبقي فذًا وَحْدَه ومهجورًا، وهو نهج نشوان بن سعيد الحميري في معجمه العظيم (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم)».
وإِذا كان الفارابي (٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م) في معجمه (ديوان الأدب) قد سبق نشوان في تأليف أول معجم عربي يتبع نظام الأبنية في ترتيب الألفاظ فإِن معجم نشوان يظل
[ ١ / ١ ]
هو الأكمل والأشمل، كما يظل معجمًا مميزًا ورائدًا بين المعاجم حيث رتبت الكلمات فيه على الترتيب الهجائي المعروف، ولم يذهب في ذلك مذهب الخليل بن أحمد في كتاب العين.
كما رتب ألفاظه حسب حرفها الأول. وبذلك جمع ميزتين هامتين اعتمدهما فيما بعد، واقتدى بهما الزمخشري في كتابه (أساس البلاغة)، وأصبحتا ميزتين تأخذ بهما كل المعاجم وخاصة الحديثة.
ومعجم نشوان يختلف عن معجم الفارابي في كون هذا لم يرتب ألفاظ معجمه على حسب حرفها الأول كما فعل نشوان، وإِن اشتركا في كون المعجمين يقومان على نظام الأبنية، ويختلف معجم نشوان عن معجم الفارابي في كون أبنيته مرتبة بحسب تسلسل حروف الهجاء وأول الكلمات، وتقسيماته تكون ضمن هذا التسلسل أسماءً وأفعالًا، المجردة والمزيدة. ولكل حرف عند نشوان كتاب وأبواب وشطران. أما عند الفارابي فالأسماء الصحيحة والأفعال الصحيحة زمرتان تؤلفان شطرين لكتاب واحد هو كتاب (السالم).
ونظام الفارابي أكثر تعقيدًا، حيث ينبغي على الباحث أولًا أن يعرف الكتاب الذي فيه الكلمة: السالم أو المضاعف وهكذا، ثم في أي شطر: الاسم أو الفعل، ثم هل هي مجردة أم مزيدة .. إِلخ .. أما نظام نشوان على تعقيده فهو أقرب في مبناه إِلى فكرة المعجم الحديث نسبيًا من معجم الفارابي.
إِن الميزة الأولى لمعجم نشوان عن بقية المعاجم السابقة واللاحقة أن نظام ترتيبه يحرس النّقط ويحرس الحركات تجنبًا للتصحيف، ويمنع الكتّاب والقرّاء معًا من تغيير ما عليه كلام العرب من البناء. ويوضح نشوان هذه الميزة في مقدمة كتابه بقوله:
«وقد صنف العلماء- رحمهم اللّاه- في ذلك كثيرًا من الكتب وضبطوا ما حفظوا وصنفوا من ذلك، وجمعوه ورووه عن الثقات وسمعوه .. ولم يأت أحد منهم بتصنيفٍ يحرس جميع النقاط والحركات ويصف كل حرف مما صنفه بجميع ما يلزمه من الصفات.
[ ١ / ٢ ]
فلما رأيت ذلك، ورأيت تصحيف الكتاب والقرّاء، وتغييرهم ما عليه كلام العرب من البناء، حملني ذلك على تصنيف يأمن كاتبه وقارئه من التصحيف، يحرس كل كلمة بنقطها وشكلها ويجعلها مع جنسها وشكلها ويردها إِلى أصلها، جعلت فيه لكل حرف من حروف المعجم كتابًا، ثم جعلت له ولكل حرف معه من حروف المعجم بابًا، ثم جعلت لكل باب من تلك الأبواب شطرين: أسماءً وأفعالًا، ثم جعلت لكل كلمة من تلك الأسماء والأفعال وزنًا وفعالًا.
فحروف المعجم تحرس النقط وتحفظ الخط، والأمثلة حارسة للحركات والشكل ورادّة كل كلمة من بنائها إِلى الأصل. فكتابي هذا يحرس النقط والحركات جميعًا، ويدرك الطالب فيه ملتمسه سريعا ..»، ولتوضيح المنهج الذي اتبعه نشوان نقول:
لقد اتبع المؤلف- رحمه اللّاه- في الموسوعة هذه منهجًا في الترتيب سهلًا ميسورًا يجعل منها صفحة مفتوحة للباحث يقع فيها على مبتغاه دون عناء.
فقد رتّبها على أبواب- وسمى كل باب منها كتابًا- وكل كتابٍ يحمل اسم حرف من حروف العربية مسلسلة تسلسلًا ألفبائيًا، وسمى الحرف الأول مع الحرف الذي يليه بابًا.
١ - يفتتح كتاب الحرف وليكن (حرف التاء) مثلًا. بالأسماء المضعّفة التي تبدأ بهذا الحرف، معتمدًا على الترتيب الألفبائي ضمن المادة الواحدة: (التَّخّ، التَّلُّ، التَّمُّ، التَّوُّ، ) وهكذا.
- فإذا ما استوفى ما في المضعف المجرد من أسماء انتقل إِلى الأسماء المزيدة فذكر الأوزان التي تبدأ بتاء في الأصل، دونما اهتمام بترتيب ما لهذه الأوزان غير أنه يرتب الأسماء المصوغة على هذا الوزن الواحد وفق ترتيبها الألفبائي مثل: مِفْعَل: (المِتَّلُّ) فِعِّيل: (التِّنِّين).
[ ١ / ٣ ]
- ثم ينتقل في الباب نفسه إِلى الأفعال المضعّفة، فيوردها مرتبة وفق أبواب الميزان الصرفي:
فعَل يفعُل: (ترَّ)، (تَلَّ).
فعَل يفعِل: (تبَّ)، (تَخَّ)، (ترَّ).
ويلاحظ هنا أن الفعل قد يتكرر أكثر من مرة، وفق حركة عينه في المضارع.
- فإِذا ما انتهى من الثلاثي المضعف المجرد انتقل إِلى الثلاثي المضعف المزيد فأورد أوزانه دون ترتيب، معتمدًا المصدر عنوانًا رئيسًا ثم تحت هذا العنوان يسرد الأفعال التي تشتقُّ منه مرتبة ترتيبًا ألفبائيًا.
الأفعال: (أتخّ)، (أتَرَّ)، (أتلَّ)، (أتَمَّ)، (أتنَّ) وهكذا
٢ - يأتي بعد ذلك في باب الحرف نفسه إِلى ذكر الثلاثي غير المضعّف بادئًا بالباب ثم الحرف الذي يليه، مبتدئًا بالباء منتهيًا بالهمزة على أنها آخر حرف في الباب بعد الياء.
مثلًا: باب التاء والباء وما بعدهما، باب التاء والثاء وما بعدهما، باب التاء والجيم باب التاء والياء، باب التاء والهمزة.
ثم يأتي على ذكر الأسماء المجرّدة ثم المزيدة، والأفعال المجردة ثم المزيدة وفق الترتيب الذي ذكرناه آنفًا.
مثال (١): فَعْل: (التَّبل)،
(الأسماء) فِعْل: (التِّبر)، (التِّبن).
مثال (٢): الجبز، الجبس، الجبل
الأفعال: فَعَل يفعُل، (جَزَر)، فَعل يفعِل، (جَزَر). ويلاحظ هنا تكرار الفعل في البابين لأنه يأتي مضموم العين في المضارع ومكسورها.
ثم أخيرًا يختم كل باب مع الحرف الذي يليه:
[ ١ / ٤ ]
ب (الملحق بالرباعي) منه. وهكذا
ومن يقرأ (شمس العلوم) سيجد ولا ريب في نشوان عالمًا واسع الاطلاع في مجال التاريخ والأخبار والآثار، وسيجد فيه إِنسانًا محبًا لوطنه اليمن ولأهل اليمن.
مؤثرًا لهم على من سواهم، خاصة وأنه قد عانى كسلفه الهمداني من عنت الآخرين ومعاودتهم الكرة بعد الكرة من إِنقاص فضل أهل اليمن ودورهم المجيد قبل الإِسلام وبعده.
وبعد، فلم يقصر العلامة نشوان بن سعيد كتابه (شمس العلوم) على الوظيفة المعجمية للغة العربية مفرداتٍ يبين عن معانيها ويحدد دلالاتها بل أغناه بمعارف ومعلوماتٍ زخارة في شتى العلوم الشائعة من علوم الأوائل وعلوم العرب والمسلمين.
قال في مقدمته:
«وقد أودعت في كتابي هذا ما سنح من ذكر ملوك العرب ورأيت أن ذكرهم أولى مما ذكر علماء أهل اللغة في كتبهم من ذكر كَلْبٍ للعرب اسمه ضُمران، وكلب آخر اسمه سخام، فإِذا كانوا ذكروا أسماء الكلاب، لأنها وردت في أشعار العرب، فذكر ملوك العرب في أشعارها أكثر من أن يحصى عدده أو يبلغ أمده.
وأودعت كتابي هذا أيضًا ما عرض ذكره من منافع الأشجار وطبائع الأحجار، ورأيت أن معرفة المنافع والخواص أكثر فائدة من معرفة الأسماء والأشخاص وضمنته من علم القرآن والتفسير أيسر اليسير.
وأودعته ما وافق من الأخبار والأنساب وعرض من علم الحساب، وضمّنته ما عنَّ من أصول الأحكام والحلال والحرام، ونسبت ما ذكرت من ذلك إِلى أول من صنفه في الدفاتر من فقهاء الإِسلام، دون من رواه وصنفه بعدهم من فقيه أو إِمام .. والفضل للمتقدم.
[ ١ / ٥ ]
وأسندت ما رويت إِلى أهل الفضل والعلم والإِيمان من خيار الصحابة وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْساانٍ، الذين رَضِيَ اللّاهُ عَنْهُمْ ومدحهم في القرآن.
وأخرجت ما حمل أهل الأديان العصبية والتقليد والحميّة، وضمّنت كتابي هذا ..
ما سنح من أصول عبارة الأحلام المأخوذة من الأمثال المضروبة في الكلام من كلام اللّاه تعالى وكلام أنبيائه ﵈ وما تجري عليه ألسنة العوام، وأودعته ما لا بد من تفسيره من علم النجوم ».
أما فيما يتعلق باليمن على وجه الخصوص فيمكننا إِجمال المادة التي تضمنها الكتاب فيما يلي:
أولًا: معلومات تاريخية:
١ - أسماء الملوك والملكات وما يتعلق بذلك من أنساب أو قصص، ومثال ذلك:
أذينة، ذو الأنواح، ذو بتع، بلقيس، التبابعة، ذو نواس، ذو يزن.
٢ - أسماء أصول القبائل اليمنية المختلفة وسلاسل أنسابها حسب ما وضعه النسابة.
ومثال ذلك:
حمير، الأزد، همْدان، خولان، الأشاعر، سيْبان، سنْحان، المعافر.
٣ - الروايات الإِخبارية ذات القيمة التاريخية ومثال ذلك: خبر الملكة بلقيس، وأخبار الملك الحميري أبي كرب أسعد، ودور الأنصار وغيرهم من اليمنيين في الأمصار.
ثانيًا- معلومات جغرافية:
١ - أسماء المناطق والمدن والجبال ومثال ذلك:
براش، بينون، روثان، ناعط، مارب، الأحقاف، أبين، المهرة.
[ ١ / ٦ ]
٢ - أسماء المحافد والقصور مثل:
ريدان، غمدان، سلحين ..
ثالثًا- معلومات لغوية:
(١) - مفردات حميرية أوردها في سياق عبارات مثل (وكذا بلغة حمير هو كذا) أو (وحمير تقول في كذا كذا) أو (وكذا بالحميري هو كذا) ونحو ذلك. وهذه المفردات يمكن تصنيفها بما يلي:
١ - كلمات لم ترد فيما بين أيدينا حتى الآن من نقوش المسند، ولم تعد متداولة في اللهجات اليمنية.
٢ - كلمات وردت في نقوش المسند، ولم تعد دائرة في اللهجات اليمنية، ولا هي في معاجم اللغة، وهذه كلمات مفيدة، ومن أمثلتها كلمة: حِنْج، بمعنى: مِثْل، حيث قال: «الحنْجُ: المثْل بلغة حمير، يقولون، هما حِنْجان، أي: مثلان». وفائدة ذكرها مهمة، لأنها تأتي في نقوش المسند مكتوبة بحرفين فحسب هما الحاء والجيم (حج) لأن كتابة المسند تسقط النون الساكنة إِذا جاءت بعد حرف متحرك وتعوض عنها بتضعيف الحرف الذي بعدها، ولعل أوائل القراء لنقوش المسند كانوا يقرؤونها (حِجّ) أو (حجّ) فجاء ذكرها عند نشوان محروسة ببابها وهو (باب الحاء والنون وما بعدهما من الحروف ج) وفي مكانها من الأبنية وهو بناء (فِعْل بكسر الفاء وسكون العين) مزيلًا لكل إِبهام. ومِثْلُها (الصَّرِيفُ: الفضة) ونحوها مما فيه أحد حروف اللين التي لا تكتب متوسطة في المساند.
٣ - كلمات وردت في نقوش المسند، وذكرها نشوان، ولها ذكر في كبريات المعاجم العربية، وهي لا تزال حية دائرة في اللهجات اليمنية، وذلك مثل مادة (صرب) بمعنى حَصَد. وفي مثل هذه الحالة التي تكون فيها الكلمة لا تزال مستعملة فإِنها
[ ١ / ٧ ]
تكون في اللَّهجات اليمنيّة وافيةَ الذِّكر، كاملةَ التّصْريف، واضحَةَ الدلالات في مختلف الاسْتعمالات، كما أنها ترد في الأشعار والأمثال والحِكم الزّراعية، فتكتسب رُوحًا وأبعادًا عميقةً في النُّفوس. فمثلًا قال نشوان مما قال: «وحميرٍ تسمي أيلول: ذا الصِّراب، لأن فيه صِرام الزَّرع» وفي هذا فائدتان، إِحداهما أنه حدَّد شهرًا من شهور السنة وفي ذلك عون لمن بذلوا جهودًا في جمع شهور السنة الحميرية، فهو قد ذكر الشهر الحميري ومقابله من الأشهر المعروفة وهو أيلول (سبتمبر). وثانيتهما أنه بين لنا طريقة نطق اسم هذا الشهر، لأن كتابته في النقوش بموجب قاعدتها في حذف حروف اللين هكذا (ذصربن)، وهي كتابة تترك لكل دارس طريقته في نطقها ولا تقطع به، وقد قام نشوان بنقل أداة التعريف وهي نون في آخر الكلمة وقبلها ألف محذوف، وجعل تعريفه بالألف واللام في أول الكلمة وكتبها بألف بعد الراء، أي أن القراءة الصحيحة التي كان ينطق بها أصحاب النقوش هي (ذو صرابان).
٤ - بعض الأمثال الحميرية باللهجة الدارجة.
٥ - صورة خط المسند، وذكر الكلام الحميري الذي أيدته نقوش المسند التي اكتشفت حديثًا، وكذلك الأخبار والأشعار السابقة.
[ ١ / ٨ ]