أما «فَعَل» بفَتْح العَيْن منَ الماضِي فمستَقْبَلُهُ على ثلاثةِ أَضْرُب:
«فَعَل يَفْعُلُ»، مثل: قَتَل يَقْتُل قَتْلًا، وخَرَجَ [يَخرُج] «١» خُروجًا؛
و«فَعَل يَفْعِل»، مثل: ضَرَب يضرِبُ ضَرْبًا، وجَلَس يجلِس جلُوسًا.
و«فَعَلَ يَفْعَل»، مثلُ: مَنَع يَمْنَع مَنْعًا وخَضَع يخْضَع خُضوعًا.
إِلا أنّ مفتوحَ العَيْنِ في الماضِي والمُسْتَقبل لا يصِحُّ إِلا بعلَّةٍ تلْحَقُه وشَرْطٍ يلزَمُه، وهوَ أن يكونَ في موضِع العَيْن أو اللَّامِ منه حَرْفٌ من حُروفِ الحَلْق، وهي: الهَمْزَةُ، والهَاءُ، والعَيْن، والحَاءُ، والغَيْن، والخاء «٢». إِلا حرفًا واحِدًا، وهو قولهم: أَبَى يَأْبَى، وزادَ أبُو عَمروٍ «٣»: رَكَنَ يَرْكَن. وزادَ بعضُهم: قَلَى يَقْلَى: إِذا أبغض. وطيّئٌ تُجيزُ ذلكَ فيما خَلا من حُروفِ الحَلْقِ في لُغَتِهم. فيقولونَ: فَنَى يَفْنَى، وبَقَى يَبْقَى، وما شاكَلَ ذلك.
والمصْدَرُ السّالِمُ من جميعِ هذه الأَفْعالِ الثّلاثة على: «الفَعْل» بفَتْحِ الفَاءِ وسُكونِ العَيْن أو «الفُعُول» بضَمّ الفَاءِ والعَيْن: «الفَعْل» للمتعدّي، و«الفُعُول» للّازم. وقد يَجْتَمِعان معًا، وقد يُبْدَلُ بعْضُهما منَ الآخرَ.
_________________
(١) ساقطة من (س) و(ت) و(ب) و(نش) و(صن) و(ل ٣) وأضفناها من (ل ٢).
(٢) كذا في (س) و(ب) وبقية النسخ جعلت الهمزة آخرهن.،
(٣) أبو عمرو: ابن العلاء: زبان بن عمار التميمي المازني البصري، من أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء السبعة، ولد بمكة سنة: (٧٠ هـ١٥٤ م) ونشأ بالبصرة ومات بالكوفة سنة: (١٥٤ هـ٧٧١ م). (الوفيات: ١/ ٣٨٦، غاية النهاية: ١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٩٦ ]
قالَ الفَرّاء: «١» «ما ورَدَ عليكَ من بابِ «فَعَل يفعُل» أو «فَعَلَ يفعِل» مضْمومُ العَيْن في المسْتَقْبَل، أو مكسورها «٢» ولم يُسمَعْ له مَصْدَر، فاجْعلْ مصدرَه على «الفَعْل» أو على «الفُعُول»، «الفَعْل» لغةُ أهْلِ الحِجاز، و«الفُعُول» لُغَةُ أهْلِ نَجْد، مثل قولِهم:
سَكَتَ سَكْتًا وسُكُوتًا، وصَمَتَ صَمْتًا وصُمُوتًا.
وحكَى الخليلُ وسِيبَويه «٣» أنّ كلَّ فعلٍ ثُلاثيّ فَمَصْدَرُهُ «فَعْل» بفَتْحِ الفاء وسكون العين، واستدلّا على ذلك بأنه إِذَا رَدَدْتَه إِلى المرَّةِ الواحِدَة جاءَ مَفْتوحًا، نحو:
قَام قَوْمةً، وذَهبَ ذَهْبَةً. فإِذا قلتَ: ذَهَب ذَهابًا، وقَام قِيامًا، فإِنّما هوا اسمٌ للمصدر.
وقد يأتي «فَعِل» بكَسْرِ العَيْن «يَفْعَل» بفتحِها على «الفَعْل» أو «الفُعُول»، مثل:
جَهِلَ جَهْلًا، ورَكِنَ إِليه رُكونًا.
وكذلكَ «فَعُل يَفْعُل» بالضمّ فيهما يأْتي على «فَعْل». وهو شاذٌّ قَليل، مثلُ: مَجُدَ الرجلُ مَجْدًا (ونتُن اللحمُ نَتْنًا، ومَحُتَ اليوم مَحْتًا) «٤»؛ ويأتي على «فُعُولة» بالهاء، مثل: شَطُرَ الرجلُ شُطُورةً فهو شاطِر، ونحو ذلك. وهو من مصادر «فعُل يفعُل»، مثل:
حَمُضَ يَحْمُضُ حُمُوضَةً وصَعُبَ الأمرُ صُعُوبةً، ونحوِ ذلك.
وقد يأتِي للأفْعالِ مصادِرُ غيرَ هذه. منها ما يختصُّ به بعضُها دونَ بعضٍ، ومنها ما تشتَرِكُ فيه، وبعضُها أغْلبُ عليهِ من الآخَرِ، وإِن كانَ قد جاءَ فيه شاذًّا، ومنها ما جاءَ قلِيلًا شاذًّا في البَعْضِ منها أو في كُلِّها. منها ما ذكَرْناه في هذَا الموضِعِ، ومنها ما ذكرْناهُ في موْضِعِه عندَ ذكرِ البَاب الذي هُوَ له.
_________________
(١) انظر: شرح الشافية: (١/ ١٥١ - ١٥٢، ١٥٧).
(٢) هذا ما جاء في الأصل (س) و(ب)، وفي بقية النسخ: «أو مكسور العين فيه».
(٣) انظر: الكتاب: (٢/ ٢٢٩).
(٤) ما بين القوسين جاء في الأصل (س) وفي (ب) وحدهما. ومَحُتَ اليومُ: اشتد حره.
[ ١ / ٩٧ ]
فممّا اشتركَتْ فيه «فَعْلَة» بالهاء، مثلُ: نَضَر وجْهُه ينضُرُ نَضْرَةً، أي حَسُنَ، قال اللّاه تعالى: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ «١»، ومثلُ: رَجَع يَرْجِعُ رَجْعَةً، ونَكَهَ يَنْكَهُ نَكْهَةً، ورَحِمَ يَرْحَم رَحْمَةً، وبهجَ الشيءُ- أي حَسُنَ- بهْجَةً.
و«فُعْلٍ» بضمّ الفاءِ، مثل: حَكَمَ الحاكِمُ عليه حُكْمًا، وجَرَمَ جُرْمًا: أي أذنب، ونَصَحَ له نُصْحًا، وغَرِمَ له غُرْمًا، وضَعُفَ الشيءُ ضُعْفًا.
وقد جاء على «فُعْلَة» بالهاءِ، مثلُ: خَطَبَ على المِنْبَرِ خُطْبَةً، ورَقَى يَرْقِي رُقْيَةً، وسَخِنَتْ عينُه سُخْنَةً، وهو ضدُّ قَرَّت.
وعلى «فِعْلٍ» بكسْرِ الفاءِ، مثل: صَدَقَ صِدْقًا، ومَلَكَ الشيءَ مِلْكًا، وفَعَلَ فِعْلًا، وحَفِظَ الشيءَ حِفْظًا، وحَلُم عن العُقُوبة حِلْمًا.
وعلى «فِعْلةٍ» بالهاء، مثل خَدَمَ خِدْمَةً، وعَصَمَ عِصْمَةً، ومَهَنَ مِهْنَةً أي خَدَم، وفَطِنَ فِطْنَةً.
وعلى «فَعَال»، مثل: ثبَت ثَبَاتًا، وهَلَكَ هَلاكًا، وذهَبَ ذَهابًا، وسَمِعَ سَمَاعًا، وجَمُل جَمَالًا، وَوَفِقَ أمرَه وَفَاقًا.
وعلى «فَعَالَة» بالهاء، مثل: شطُر الرجلُ شَطَارَةً: إِذا أَعْيا أهلَه خُبْثًا، وغَوَى الرجلُ غَوَايَةً: إِذا ضَلَّ، وَجَعَلَ له جَعَالَةً، وكَرِهَهُ كراهَةً، وهي من مصادرِ: «فَعُل يَفْعُل» بالضَّمّ فيهما «٢»، مثل: سَمُجَ سَمَاجَةً، وقَبُحَ قَبَاحَةً، ونحو ذلك.
ويأتي على «فَعَالِيَة» بزيادة ياء، وهي قليلةٌ، نحو: عَلَنَ الشيءُ عَلَانِيَةً، وكَرِهَهُ
_________________
(١) الآية: ٢٤ من سورة المطففين/ ٨٣.
(٢) في (ت) و(نش) و(ل ٢) و(ل ٣)، (صن) «بضم العين في الماضي والمستقبل».
[ ١ / ٩٨ ]
كَرَاهِيَةً. قال الفَرَّاء: «هذه الياء لا تلحق من المصادر إِلا ما كان ثالثهُ ألفًا مع فتح أوَّله ولحَاقِ الهاءِ في آخره».
وعلى «فُعال» بضمِّ الفاء، مثل: صَمَتَ صُمَاتًا. وأكثرُ ما يكونُ للأصوات، مثل:
صَرَخَ صُرَاخًا، وبَغَمَ بُغَامًا. وقد جاءَ في «فَعَل يَفْعِل» مثل: نَحَبَ نُحابًا، وبَكَى بُكاءً.
ومثل: لَهَثَ الكَلبُ لُهاثًا، وسَهِدَ سُهادًا: إِذا أرِقَ.
وعلى «فِعَال» بكسر الفاء، مثل: كَتَبَ كِتابًا، ونَزَعَ إِلى أهله نِزَاعًا، إِذا اشتاق، وجَمَح جُمُوحًا وجِمَاحًا، ونَفِسَتِ المرأةُ نِفَاسًا، لغة في نُفِسَتْ.
وعلى «فِعَالَة» بالهاء، مثل: حَرسَ حِرَاسَةً، وجَنَى جِنَايَةً، ورَعَى رِعَايَةً «١»، وفَرُسَ الرجل فِرَاسَةً، ووَرِثَ وِرَاثَةً.
وعلى «فُعْلان» بضم الفاء، مثل: بَطَلَ بُطْلانًا، وغَفَرَ غُفْرانًا، وطَغَى طُغْيانًا، وغَنِيَتِ المرأةُ غُنْيَانًا، إِذا استَغْنَتْ بزوجها.
وعلى «فِعْلان» بكسر الفاء، نحو: كَتَمَ كِتْمانًا، وحَرَمَه حِرْمانًا، وجَحَدَه جحْدانًا، وغَشِيَه غِشْيانًا.
وعلى «فَعَلَان» بفتح الفاء والعَيْن، وأكثرُ ما يَجيء إِذا كان بمعنى المجيء والذَّهاب، والحركة، والاضْطِراب، مثل: خَفَقَ القلبُ خَفَقانًا، وعَسَل الذئبُ عَسَلانًا، ولمعَ البَرقُ لَمَعانًا. وقد جاء لغير مَعْنَى المجيء، والذهاب في قولهم: شَنِئَه شَنآنًا: إِذا أَبْغَضَهُ، قال اللّاه تعالى: وَلاا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ* «٢».
_________________
(١) في (ت) و(نش) و(ل ٢) و(ل ٣)، (صن) «بضم العين في الماضي والمستقبل».
(٢) من الآية: ٢، ومن الآية: ٨ من سورة المائدة/ ٥.
[ ١ / ٩٩ ]
وقد يجيءُ على «فَعِيل»، وهو من مصادر «فَعَلَ يَفْعِلُ» بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، مثل: زحَر زَحِيرًا، ودَبَّ دبيبًا. وقد جاء في مضموم العَيْنِ في المستقبل، وهو قَليلْ، مثل: خَبَّ الفرسُ خَبِيبًا. وقد جاء في «فَعَل يَفْعَل» بالفتح فيهما، مثلُ: نَعَبَ الغُرابُ نَعِيبًا وشَحَجَ شَحِيجًا.
وقد يأتي على «فَعِيلَةٍ» بالهاء، مِثل: قطع رحِمَه قَطيعة، ووقع في النّاس وَقِيعَةً، ونحو ذلك.
ويأتي على «فَعَل» بالفتح، وهو من مصادر «فَعِل يَفْعَل» بكسر في الماضي، وفتحٍ في المُسْتَقْبَل، مثل: فَزِعَ فَزَعًا، وطَمِع طَمَعًا. وقد جاء في «فَعُلَ يَفْعُل» بالضمِّ فيهما، مثلُ: شَرُف شَرَفًا، وكَرُمَ كَرَمًا.
وقد جاء في «فَعَل» بالفتح «يفعُلُ» بالضم، مثل: طَلَبَ طَلَبًا، وهَرَبَ هَرَبًا، وسَلَبَ سَلَبًا، وحَلَبَ حَلَبًا، ونحو ذلك. وقد جاء في مكسور العين من المستقبل قول اللّاه تعالى:
وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ «١». وقال الفراء «٢»: «أصله: غَلَبَةً، بالهاء، فحُذفتِ الهاء، واحتج بقول الشاعر «٣»:
إِنَّ الْخَلِيطَ أَجَدُّوا الْبَيْنَ فَانْجِرَدُوا وأَخْلَفُوكَ عِدَ «٤» الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا
ومثلُه: السَّرَقُ. حُذفَتْ منهُ الهاءُ، وأصْلُه: السَّرَقَة.
_________________
(١) من الآية: ٣ من سورة الروم/ ٣٠. وتمامها: فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ.
(٢) في معاني القرآن له: (٢/ ٣١٩).
(٣) البيت للفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، كما في أوضح المسالك: (٣/ ٣٤٦)، وهو في اللسان: (وعد) دون عزو، وشرح شواهد الشافية: (٦٤ - ٦٥). وهو بلا نسبة في معاني القرآن للفراء: (٢/ ٢٥٤).
(٤) قال الفراء: يريد: عدةَ الأمر، فاستجاز إِسقاط الهاء حين أضافها.
[ ١ / ١٠٠ ]
ويأتي على «فَعَلَةٍ» بالهاءِ، وهوَ مما تفرَّد بِه «فَعَل» «١» بالفتح، يَفْعِلُ، بالكَسْر مثلُ: هَلَكَ هَلَكَة، وغَلَبَ غَلَبَةً.
ويأتي على «فَعِل» بفَتْح الفاءِ وكَسْرِ العين مثلِ: كذَب كَذِبًا، وسَرقَ سَرِقًا، لُغَةٌ في السَّرَق. وقد جاء في «فَعِلَ» بالكسر يفعَل بالفتح، مثلِ: لَعِبَ لَعِبًا، وضَحِكَ ضَحِكًا.
ويأتي على «فِعَل» بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِ العَيْن، وهو من مَصادِرِ: «فَعُل يَفْعُل» بالضَّمِّ فيهما، مثلُ: ضَخُم، ضِخَمًا، وثَقُلَ ثِقَلًا، ونحو ذلك. وقد جاء في «فَعَلَ» بالفتح «يَفْعِلُ» بِالكسر مثل: قَرَاه قِرىً، وقَلَاه قِلًى، وفي «فَعِلَ» بالكَسرِ «يَفْعَل» بالفتح مثل:
شَبِعَ شِبَعًا.
ومما تفرد به «فَعَلَ» بالفتح «يَفْعِل» بالكسر «فُعَل» بضم مثل: هَدَاهُ هُدىً وسَرَى سُرىً.
وممَّا تفرَّدَ به «مَفْعِلَة» بفتح الميم وكسر العين، مثل: المَغْفِرَة والمَعْرِفَة.
وإِذَا أرَدْتَ الموضعَ من مكْسورِ العَيْن في المستقبلِ فهو: «مَفْعِل» بكسر العين، مثل المجلِس، والمنزِل، وما شاكل ذلك. فأما غيرُ هذا البابِ فالمصدرُ منه والموضِعُ مفتوحُ العين، إِلا حُرُوفًا محدودةً جاءَتْ عَنِ العَرَب مكسورة العَيْن، وهي، المَسْكِن، والمَسْجِد، والمَنْبت، والمَنْسِك، والمَطْلِع، والمَفْرِق، والمَجْزِر، والمَسْقِط، والمَشْرِق، والمَغْرب، والمَحْشِر.
وقد فُتحَ بعضُها، قالوا: مَسْكِن ومَسْكَن، ومَنْسِك ومَنْسَك، ومفرِق ومفرَق، ومطلِع ومطلَع. وقد قرئَ بكَسْرِ اللّام وفتحها في قوله تعالى: حَتّاى إِذاا بَلَغَ مَطْلِعَ
_________________
(١) من ههنا حتى البناء: (مَفْعِلة) ومثليها: (المغفرة والمعرفة) ضبطت الأبنية كلها في (س) ضبط كلمة وتبعتها علَى ذلك (ب) أما في (ت) و(نش) و(صن) و(ل ٢) و(ل ٣) فقد جاءت الأبنية فيها مقيدة بالحركات فقط دون الضبط بالكلمة.
[ ١ / ١٠١ ]
الشَّمْسِ «١». وقيل: مَطْلِع، بكسرِ اللام: موضِعُ الطلوع، ومطلَع بفتْحِ اللام: هو الطُّلوع.
وربما أتتِ العربُ بفعلٍ ماضٍ وأماتُوا مستقبلَه، كقولهم: أَحْزَنَني الشيء، وقالوا في مستَقبِله: يَحْزُنُني، قال اللّاه تعالى: فَلاا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ «٢» وقال: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ «٣». قيل: إِن أصلَه كان: أَحْزَنَ، فأماتوا مستقبلَه كما كانَ أصلُ يَحْزُنُ:
حَزَن، فأماتوا ماضيَه. (وربَّما أتَوْا بمستقْبَلٍ وأماتُوا ماضيَه، مثل: يَذَر، ويَدَع، ونحوِ ذلك.
والنعتُ من الأَبْوابِ الثلاثةِ: «فاعل» سواءٌ في المتعدّي واللازم) «٤».
وأَما «فَعِلَ» بالكَسْرِ «يَفْعَل» بالفتح «٥» فمصدرُه على «فَعَل» بفَتْح الفَاءِ والعَيْن إِذا كان لازمًا، مثلُ: خَجِلَ خَجَلًا، وطَرِبَ طَرَبًا. وعليه القياسُ إلا الشاذَّ القَليل، مثل: لَبِثَ لُبثا، وحَنِثَ في يمينه حِنْثًا. فإِن كان متعديًا فهو ساكنُ الحَشو كالأبْنيةِ الأُولى، كقولكَ:
جَهِلَ الشيءَ جَهْلًا، وعَلِمَه عِلْمًا، إِلا ما شذ منه، كقولهم، رَهِبَه رَهَبًا: أي خافَه، ورَهِقَه الدَّيْن رَهَقًا: أي غَشِيَه.
_________________
(١) سورة الكهف (١٨/ ٩٠) وتمامها حَتّاى إِذاا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهاا تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهاا سِتْرًا. و(مَطْلِعَ): بالكسر قراءة الجمهور والفتح قراءة الحسن وابن محيصن وعيسى بن عمر ورويت عن ابن كثير وأهل مكة (انظر: البحر ٦/ ١٦١).
(٢) من الآية: ٧٦ من سورة يس/ ٣٦.
(٣) من الآية: ١٣ من سورة يوسف/ ١٢.
(٤) ما بين القوسين جاء في هامش (س) وفي نهايته كلمة (صح) وهو في متن: (ب) ولم نجده في بقية النسخ.
(٥) هكذا جاءت صيغة هذه العبارة في (س) و(ب) أما في النسخ الآخرى فجاءت صيغتها: «وأما فَعِلَ بكسر العين في الماضي فمصدره ».
[ ١ / ١٠٢ ]
وقد جاءَ في المتعدِّي واللازِم مصادرُ قد ذكَرْناها، نحو: لَزِم الشيءُ لُزُومًا، وسَمِعَ سَمَاعًا، وضَمِنَ ضَمانًا، وطَمِع طَمَاعِيَةً، وكَرِه كراهِيَةً، وسَفِه سَفَاهةً، وسَخِيَ سَخَاوَةً، وغَنِمَ غُنْمًا، وغَرِمَ غُرْمًا، وشَبِعَ شِبَعًا، وسَمِنَ سِمَنًا، ونَزِهَ نُزْهَةً، وَسَخِنَتْ عينُه سُخْنَةً، ونحو ذلك.
وما كان متعديًا من هذا الباب فَنَعْتُه على: «فَاعِل»، مثل: لَزِمَ الشيءَ فهو لَازِمٌ، وسَمِعَ القولَ فهو سَامِعٌ؛ وقد يأتي على «فَاعِل» و«فَعِل» بكسر العين «١»، مثل: حَذِرَ الأمرَ فهو حاذِرٌ وحَذِرٌ، وقُرئ في قول اللّاه تعالى: وَإِنّاا لَجَمِيعٌ حذِرُونَ «٢» وحااذِرُونَ، وقال الشاعر «٣»:
حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأَقدارِ
وما كان لازمًا فنعتُه على: «فَعِل» بكسر العين، مثلُ: تَعِبَ فهو تَعِبٌ، وطَرِبَ فهو طَرِبٌ. وربّما جاءَ على: «فَاعِل»، مثل: لَبِثَ فهو لَابِثٌ، قال اللّاه تعالى: لاابِثِينَ فِيهاا أَحْقاابًا «٤»، وقرأَ حمزةُ لبثين والباقُون لاابِثِينَ بالأَلف، وهو رأي أَبي عبيد.
ويأتِي النعتُ منه أيضًا على: «أَفْعَل»، مثل: الأَجْلَح، والأَصْلَع، والأمرد، والأكحل.
ويأتي أيضًا علَى: «فعيل» مثل: سَلِمَ فهو سَلِيمٌ، وعَلِمَ فهو عَلِيمٌ، وغَبِنَ رأيَه فهو
_________________
(١) الضبط بالكلمة هذا انفردت به (س) وتابعتها: (ب) فقط.
(٢) من الآية: ٥٦ من سورة الشعراء/ ٢٦، وانظر قراءتها في فتح القدير للإِمام محمد بن علي الشوكاني: ٤/ ١٠١، ط. دار الفكر.
(٣) البيت في الكتاب: (١/ ٥٨)، والمقتضب: (٢/ ١١٦)، والخزانة: (٣/ ٤٥٦). وقال المبرد: «إِنه بيت موضوع محدَث. وحكي أن أبانًا اللاحقي وضعه لسيبويه»، وقيل: هو لابن المقفع. وانظر: شرح ابن عقيل: (٢/ ١١٤).
(٤) الآية: ٢٣ من سورة النبأ/ ٧٨.
[ ١ / ١٠٣ ]
غَبِين الرأي. (وقد يأتي على: «فَعْلَان» مثل: عَطِش فهو عَطْشان، وظَمِئ فهو ظَمْآن، ونحو ذلك) «١».
وأما «فَعُلَ، يفعُلُ» بالضَّمَ فيهما فمصدره «٢» على «فَعَالة» مثل: سَمُح سَمَاحَةً، وفَصُحَ فَصَاحَةً، وشَجُعَ شَجَاعَةً، وقَبُحَ قَبَاحَةً؛ وعلى: «فُعُولة» بالضم، مثل حَمُضَ حُمُوضَة، وجعُد جُعُودةً؛ وعلى: «فِعَل» بكسر الفاءِ وفتح العين، مثل: عظُم عِظَمًا، وغَلُظَ غِلَظًا. فأما غيرُ هذه الثلاثةِ المصادِرِ فَشَاذٌّ نحو: كرُم كرمًا، وشَرُفَ شَرفًا، ومَجُدَ مَجْدًا، ونَتُن نَتْنًا، وظَرُف ظُرْفًا، وحَسُن حُسْنًا.
وهذا البابُ لازِمٌ للطباع، لم يأت منه متعديًا إِلا كلمة واحدة رواها الخليل، وهي:
رَحُبَتْك الدارُ، والنعت من «فَعُل يَفْعُل» على «فَعِيل» مثل: كرُم فهو كريمٌ، وعليه القياس، و«فَعْل» بسكون العين مثل: صَعُبَ فهو صَعْبٌ. وقد جاء على: «أَفْعَل» مثل:
الأَسْمَر، والأَعْجَف، والأَحْمَق، والأَعْجَم، والأرْعَن؛ وعلى غير ذلك مما هو شاذٌّ على غير قياس.
وأما «فَعِل، يَفْعِل» بالكسر فيهما فهو قليل شاذٌّ لم يأت عليه إِلا عشر كلمات، وهي: وَرِثَ الشيءَ وِراثةً، ووَرِعَ من الوَرَع، ووَبِقَ: أي هَلَك، ووَثِقَ به، ووَفِقَ أمرَه، [ووَمِقَ] «٣»، وَوَرِمَ، ووَرِيَ الزند، وَوَلِيَ الوالي، ويَبِسَ. وقد جاء في بعضها لغة أخرى، قالوا: وَرُعَ، بضم العين في الماضي والمستقبل، ووَبِقَ بكسر الباء يَوْبَق بفتحها، (ووَرَى
_________________
(١) ما بين القوسين انفردت به (س) وتابعتها عليه (ب) وسقط من بقية النسخ.
(٢) هكذا جاءت صيغة العبارة في (س) و(ب) وحدهما. أما في بقية النسخ: (ت) و(نش) و(صن) و(ل ٢) و(ل ٣): فصيغتها فيها جميعًا: «وأما فَعُل بضم العين من الماضي والمستقبل فمصدره ».
(٣) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل (س) ومن (ب) أثبتناه من النسخ الأخرى التي اجتمعت على إِثباته. وليكمل بها الكلمات العشر التي أشار إِليها.
[ ١ / ١٠٤ ]
الزَّنْدُ: بفَتْح الراء يَرِي: بكسرها، ويَبِسَ: بكسر الباء، يَيْبَس: بفتحها، ومصادرها «١»:) وَرِثَ وِرَاثةً، ووَلِيَ وَلايةً، ووَرِعَ وَرَعًا، ووَبِقَ وُبُوقًا، ووَثِقَ ثِقَةً، وَوَفِقَ أمرَه وِفاقًا، وَوَمِقَ مِقَةً، ووَرِمَ وَرَمًا، ووَرِيَ الزَّنْدُ وَرْيًا، ويبسَ الشيءُ يُبْسًا.
(واللّاه أعلم، وبه التوفيق، يَهْدِي مَنْ يَشااءُ إِلى صِرااطٍ مُسْتَقِيمٍ*، وعلى نبيه محمد وآله أفضل التسليم.
وهذا أول الكتاب، والحمد للّاه المليك الوهاب؛ وصلواته على نبيه المنتاب، محمد وآله الأتقياء النجاب) «٢».
_________________
(١) ما بين القوسين: صيغة ما جاء في الأصل (س) وفي (ب)، أما في النسخ الأخرى فقد جاءت الصيغة فيها: «ويَبِسَ ييبس، ووَرَى الزند بفتح الراء يَرِي بكسرها، ومصادرها:».
(٢) ما بين القوسين خاتمة أنهى بها ناسخ النسخة الاسكوريالية (س)، وتابعتها عليها النسخة البرلينية (ب). أما النسخ الأخرى: (ت) و(نش) و(صن) و(ل ٢) و(ل ٣) فقد خلت من هذه الخاتمة.
[ ١ / ١٠٥ ]
" ج ١"
[ ١ / ١٠٦ ]
الجزء الأول شمس العلوم
أ