بِسْمِ اللّاهِ الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ*
وعلى نَبيِّه أَفْضلُ التَّسْلِيم المقدمة الحمدُ للّاه الواحدِ القَديم، القادِرِ العَظيم، العزِيزِ العَليم، الصَّانِعِ الحَكِيم، الجَوادِ الكَرِيم، الذي خَلَقَ الْإِنْساانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وهَدَاهُ إِلى الصِّراطِ المُسْتَقيم، ومَنَّ عليه بالعَقْل السَّليم، واللّسانِ الفَصيحِ القَويم، وفضَّلَه على سائِرِ الحَيوانِ باللُّبِّ واللِّسان، والفَصَاحَةِ والبَيان. وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللّاهَ وحْدَه لا شريكَ لَهُ شَهادَةً بالإِيمانِ مُخْلَصة، ومن خُطْراتِ الشّيطانِ مُخلَّصَة، وأَشْهدُ أَنَّ مُحمّدًا عَبْدُه ورَسُولُه المُخْتارُ مِنْ أَوليائه، والمُصْطَفى من أَصْفِيائِه، صَلّى اللّاه عليه وعلى آلِهِ وكافَّةِ أنْبِيائِه.
أَمَّا بَعْدُ؛ فإِنَّ أَفْضَلَ اللُّغاتِ، وأَجَلَّ مَنْطِقِ الأَلْسُنِ المُخْتَلفاتِ، ما نَزلَ به القُرآنُ المَجِيد: وَإِنَّهُ لَكِتاابٌ عَزِيزٌ. لاا يَأْتِيهِ الْبااطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «١». وهُو كلامُ رَبِّ العالَمِين، وخالِقُ الخَلْقِ أَجْمَعين، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ على نَبيّه محمّدٍ خاتَمِ النبيّين، بِلِساانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، فيه قَصَصُ مَنْ قَبلَه منَ الأنبياء والمُرْسَلِين، ومَنْ أُرسِلُوا إِلَيْهِ من القُرون الأوَّلين، وفيه أَبْلَغُ المواعِظِ للمتَّعظِين، وأَنْجَعُ التّخويفِ للخَائِفين، وأَنْفَعُ الهِدَايَةِ للمُهْتَدِين، وأَبْيَنُ السُّبُل إِلى النَّجاةِ في الدّين، وفيهِ تَبْيينُ شريعة الإِسْلام، وما تَشتمِلُ عليه منَ الأحْكام، وتَفْصيلُ الحلالِ والحَرام، وفرُوضُ الصَّلاةِ والزكاةِ والحجِّ والصّيام؛ وغيرُ ذلك مما يجبُ على الأَنام، ولا سبيلَ إِلى معرفَتِه
_________________
(١) سورة فصلت: ٤١/ ٤١ - ٤٢.
[ ١ / ٣٣ ]
وعِلْمِه إِلا بِمعْرِفَةِ هذه اللّغةِ العَرَبِيّة، وشواهِدِها التي هيَ غيرُ خَفِيَّة ولا غَبيَّة؛ وكذلكَ الحَديثُ عنِ الرَسولِ لا يُعرَفُ إِلا بمعرفَةِ هذَا العِلْمِ الجَليل.
قد صَنَّف العُلَماء- رحمهُم اللّاهُ تعالى- في ذلكَ كَثيرًا من الكُتُب، وكَشَفوا عنهُ ما سَتَرَ من الحجُب، واجْتَهدوا في حِرَاسَةِ ما وضعوه، وضَبْط ما حَفِظوه، وصنَّفُوا من ذلكَ وجَمَعوه، ورَوَوْه عنِ الثّقاتِ وسَمِعُوه.
فمنهم مَنْ جَعلَ تصنيفَه حارِسًا للنَّقْطِ، وَضَبَطه أشدَّ الضَّبْط، ومنهم من حَرَس تصنيفَه بالحَركاتِ بأَمْثِلةٍ قَدَّروها وأَوْزانٍ ذكَرُوها. ولم يأتِ أحدٌ منهم بِتَصنِيْفٍ يحرُسُ جميعَ النُّقطِ والحَركات، ويصِفُ كلَّ حرفٍ مما صنَّفه بجميعِ ما يلْزَمُه من الصّفات، ولا حرَس تَصْنيفَه منَ النّقَطِ والحركَاتِ إِلا بأَحدِهما، ولا جَمَعَهما في تأليفٍ لتَبَاعُدِهما.
فلَما رأيتُ ذلكَ ورأيتُ تَصْحِيفَ الكُتَّاب والقُرّاء، وتَغْييرَهُم ما عليهِ كلامُ العَرَب منَ البناء، حَمَلَني ذلكَ على تَصْنيفٍ يأْمَنُ كاتبُه وقارِئُه من التَّصْحِيف، يحرُسُ كلَّ كلمةٍ بنَقْطِها وشَكْلِها، ويجعلها مع جِنْسها وشَكْلِها، ويردُّها إِلى أَصْلِها.
وجَعَلْتُ فيه لكلِّ حَرْفٍ من حُروفِ المعجم كتابًا، ثم جعَلْتُ لهُ ولكلِّ حرفٍ معَهُ من حُروفِ المعجَم بابًا، ثم جَعَلْتُ كلَّ بابٍ من تلكَ الأَبْوابِ شَطْريْن: أَسْماءً وأفْعالًا، ثم جعلت لكل كلمةٍ من تلك الأسماء والأفعال وزنًا ومثالًا.
فحُروفُ المعجمَ تحرُسُ النَّقْطَ وتَحْفَظ الخَطَّ، والأَمْثلةُ حارِسةٌ للحرَكاتِ والشَّكْل، ورَادَةٌ كلَّ كلمةٍ من بنائِها إِلى الأَصْل. فكتابي هذا يحرُسُ النَّقْطَ والحرَكاتِ جميعًا، ويُدْرِكُ الطالِبُ فيه مُلْتَمَسَهُ سَرِيعًا بلا كَدِّ مَطِيَّةٍ غَرِيزيَّة، ولا إِتْعابِ خَاطرٍ ولا رَوِيَّة، ولا طَلَبِ شَيْخٍ يقرأُ علَيْه، ولا مُفيدٍ يَفْتَقِر في ذلكَ إِليه.
[ ١ / ٣٤ ]
فشَرعْتُ في تَصْنيفِ هَذا الكتابِ، مُسْتَعينًا باللّاهِ رَبِّ الأَرْباب، طالِبًا لما عنده من الأجْرِ والثَّوابِ، في نَفْعِ المُسْلمين، وإِرْشادِ المتَعَلِّمين. وكانَ جَمْعِي لهُ بقوَّةِ اللّاهِ﷿- وحَوْلِه، ومُنَّتِهِ وطَوْلِه، لا بِحَوْلي وقوَّتي، ولا بطَوْلي ومُنَّتي، لِما شَاءَ﷿- منْ حِفْظِ كَلامِ العَرَب، وحِراسَته بهَذا الكِتاب على مَرِّ الحِقَب.
وسَمَّيتُه كتاب:
«شَمْسِ العُلوم ودَواءِ كلَامِ العَرَبِ منَ الكلوم، صَحيحِ التَّأليفِ والأَمان منَ التصحيف» «١».
وقُلْتُ في ذَلك:
كِتَابٌ يَمَانٍ يَجْمَعُ العِلْمَ كُلَّهُ ويَعْجَزُ عَنْ مِثْلٍ لَهُ الثَّقَلانِ
ففي سَنَةِ السَّبْعِينَ والخَمْسِ تَمَّ ما جَمَعْتُ من التَّصْنِيفِ في رَمَضَانِ
وأَكْمَلْتُ مِنْ هذَا الكِتَابِ فُصُولَهُ ولَمْ أَنْفَصِلْ عَنْ بَلْدَتي ومَكَاني
وما دُرْتُ لِلأَلْقَابِ مُسْتَوْهِبًا لَها منَ العُجْمِ في مِصْرٍ ولا هَمَذَانِ
وقَدْ صَحَّ من قَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ حَدِيثُ هُدًى يُرْوَى بِكُلِّ لِسَانِ
فَقَالَ رَسُولُ اللّاهِ في العِلْمِ إِنَّهُ يَمَانٍ جَميعًا والرَّسُولُ يَمَانِ
فَهَلْ بَعْدَ هذا مِنْ مَقَالٍ لِقَائِلٍ يُعَارِضُ قَوْلَ الحَقِّ بِالهَذَيَانِ
(وقُلتُ أَيْضًا):
_________________
(١) انظر كلامنا في المقدمة حول صيغة عنوان الكتاب واختلاف النسخ فيها.
[ ١ / ٣٥ ]
هذَا الكِتَابُ لِكُلِّ عِلْمٍ جَامِعٌ ولَهُ مَحَلٌّ في العُلُومِ مُنِيفُ
النَّقْطُ والحَرَكَاتُ والشَّيْخُ الَّذِي تُقْرَا عَلَيْهِ فُصوُلُهُ التَّصْنِيفُ
فإِذَا اهْتَدَيْتَ بِهِ هَدَاكَ فإِنَّهُ مِيزَانُ عَدْلٍ لَيْسَ عَنْهُ يَحِيفُ
وإِذا اكْتَفَيْتَ بِهِ كَفَاكَ ولم يَجِدْ سَبَبًا إِلَيْكَ اللَّحْنُ والتَّصْحِيفُ
وقُلتُ أَيْضًا:
في صَحِيحِ التَّأْلِيفِ تَصْحِيحُ ما قَدْ صَحَّفَتْهُ القُرَّاءُ والكُتَّابُ
في كِتَابٍ للنَّقْطِ والشَّكْلِ أَضْحَى حَارِسًا ما بِهِ يُقَاسُ كِتَابُ
وقد أودَعْتُ كتابي هذا ما سَنحَ من ذكْرِ ملُوكِ العَرَب، أهْلِ الرياسَةِ والحَسَب، منهم مَنْ ملكَ الأرضَ بأسْرِها، واسْتَوْلى على بَرِّها وبَحْرِها، ومنهم مَنْ لم يُقَصّر في المكارِم، ولا عَجِزَ عن حَمْلِ المَغَارم، دُونَ ذكْرِ سِيَرِهم، واسْتِقْصاءِ خَبَرِهم؛ لأنّي لو ذكرتُ ذلك لطالَ به الكتاب، واتّسع به الخِطاب. ورَأَيْتُ أنَّ ذِكْرَهم أُوْلَى ممّا ذكَرَه علماءُ أَهْلِ اللغة في كُتُبهم، من ذكْرِ كَلْبٍ للعرَبِ اسْمُه «ضُمْرَان» وكلبٍ [آخر] «١» اسْمُه «سُخَام». فإِنْ كانُوا ذكَروا أسماءَ الكِلابِ لأنّها وردَتْ في أشْعَارِ العَرَبِ، فذِكْرُ مُلوكِ العَرَب في أشْعارِها أكثرُ من أَنْ يُحْصَى عَدَدُه، أو يُبْلَغَ أَمَدُه. ولولا خَشْيَةُ التّطويل لأَوْرَدْتُ مما ذكَروهُم بِهِ في أشْعارهم كَثِيرًا غيرَ قليل.
_________________
(١) «آخر» ليست في الأصل (س) استدركناها من (ت) و(نش) و(ل ٢) والنسخ الأخرى التي أجتمعت على إثباتها.
[ ١ / ٣٦ ]
وأَوْدَعْتُ كتابي هذَا أيضًا ما عَرَضَ ذكرُه من مَنافِع الأَشْجار، وطَبائع الأَحْجار، ورأيتُ أنَّ مَعْرِفةَ المنافعِ والخَواصِّ أكثرُ فائدةً من معرفَةِ الأَسْماء والأشْخاص.
وضمَّنْتُه من عِلْم القرآن والتفسير أيْسَر اليَسير.
وأوْدَعْتُه ما وافَقَ من الأخْبارِ والأَنْسابِ.
وعرض من عِلْم الحساب.
وضمّنتُه ما عَنَّ من أُصولِ الأَحْكامِ في الحَلالِ والحَرام.
ونسْبتُ ما ذكرتُ من ذلكَ إِلى أَوّلِ من صَنَّفه في الدّفاترِ من فُقهاءِ الإِسْلام، دونَ من رَواهُ وصنَّفه بعدَهم من فَقيهٍ أَو إِمام. وعَلِمتُ أنّ من أَتَى من بعدِهم بقَوْلٍ قَدْ سبقوهُ إِليه، ومَوْرِدٍ لم يُزَاحموا عليه، أنّه اتّبعَ آثارَهم، واقْتَفَى مَنارَهم. وأخَذَ ما اخْتارَ من عِلْمِهم، وحِكَمَ ما اسْتَحْسَن من حُكْمِهم، وقاسَ على ما اسْتصْوَب من قياسهم، وبَنَى على ما ثَبتَ من أَساسِهِمْ. وفَوْقَ كلِّ ذي علْمٍ عَلِيم، ومُدَّعي الكَمالِ منَ البشَرِ مَلِيم، والفَضْلُ للمتقَدِّمِ، وليسَ الغَنِيّ كالمُعْدِم.
وأسْندتُ ما روَيْتُ إِلى أهلِ الفضْلِ والعِلْم والإِيمان، من خِيارِ الصّحابَةِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْساانٍ، الذين رَضِيَ اللّاهُ عَنْهُمْ ومَدَحَهُم في القرآن، واطَّرَحْتُ ما حَملَ أَهْلُ الأَدْيان من العَصَبِيّةِ، والغُلُوِّ والتقليد والحَمِيّة، حَمِيَّةٍ أشدّ منْ حَمِيَّةِ الجاهِليَّة، لأن كلَّ فَريقٍ منهم يَغْلُون في إِمَامهم، ويَنْقمُون على مِثْلِهم في كَلامِهم، ولو اعْتَصموا بعَدْلِ اللّاه﷿- في المُساواةِ بينَ المتعبِّدين، وفَضَّلوا بالأَعمالِ الفَاضِلينَ منهم والمجْتهدِين لَسَلِمُوا من تَقْليدِ المقلِّدين. وضَلالِهِمْ في الدِّين.
[ ١ / ٣٧ ]
وضمَّنْتُ كتابي هذا ما سَنحَ من أُصُولِ عِبارَةِ «١» الأَحْلام، المأْخُوذَةِ من الأَمثالِ المَضْروبَةِ في الكَلام، من كلامِ اللّاهِ تعالى وكلامِ أنْبِيائِه ﵈، وما يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ العَوَام.
وأَودعْتُه ما لا بُدّ من تَفْسيرِه من عِلْم النجوم، الذي هوَ أكبرُ دليلٍ على الحَيّ القَيُّوم.
وهو العِلْمُ الإِلهي الذي أُنْزِلَ على النبيّ إِدْريس، المحْروسِ من الغَلَطِ والتّلْبِيس. وهو معجزتُه﵇- التي كانَ يأخُذُ بها قَوْمَه، فيخبرُهم بالسّارق، وخَفِيّ السِّرِّ والعَبْدِ الآبِق، ويحكُم بهِ بينَ الخُصوم، ويميّزُ ذا الرَّهَق «٢» منَ المَعْصوم. ومن عجائِبِه ﷺ ومُعْجزاتِه: أنّ رجُلَيْن دخلا عليهِ، فسألاه عن المَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ ومِيكائيل، أينَ هُما؟ وأينَ مكانُهما في ذلكَ الحِين؟ فنظرَ في المسألَةِ ثم قال: «هُما في الأرض»، فقالا: «في أيِّ الأرضِ؟». فقَسَم الأَرْضَ أَرْباعًا، ثم قال: «هما في الرُّبْعِ الذي نحنُ فيه»، ثم قَسَمَ الرُّبْعَ أَرْباعًا، وكلَّ رُبْعٍ يجدُهما فيه أَرْباعًا، حتّى انْتَهى إِلى دارِه فوجَدَهما فيها. ثم قَسَم دارَه أرْباعا حتى انتَهى، فقال: «أنتُما المَسْؤولُ عنهما»، فقالا: «أَصَبْت يا نبيَّ اللّاه»، ثم نَظَر إِليهما فلم يَرَهُما.
إِلا أَنَّ هذا العلمَ دَقَّ علَى أكثرِ النَّاس. فَخَلَطُوا جَلِيَّه بالالباس «٣». فكانت معجزتُه﵇- من جِنْسٍ ما كان يتنافَسُ فيه قومُه.
وكذلكَ مُعْجِزَةُ موسى التي فَلَج بها السَّحَرَةَ المقوِّمين للعِصِيِّ والحِبال، هي عَصاهُ التي تلقف ما أَتَوْا به من السِّحرِ والمُحال؛ لأنّهم كانوا يتنافَسُونَ في السِّحر، ويَعُدُّون معرفَتَه من أَعْظَم الفَخْر.
_________________
(١) في اللسان والتاج (عبر): «عَبَرَ الرؤيا يَعْبرُها عَبْرا وعِبارة بالكسر وعبَّرها تعبيرًا: فسرها وأخبر بما يؤول إِليه أمرها».
(٢) الرهق: الكذب والجهل.
(٣) في (ت) و(ل ٢) و(ل ٣) و(صن): «بالتباس»، وأثبتنا ما في الأصل (س).
[ ١ / ٣٨ ]
وكذلكَ معْجِزةُ عِيسى ﵇، هي إِحياؤُه للموتَى، وإِبراءُ الأَكْمَهِ، والأبرَصِ الذي لا يَبْرأ لأنه بُعِثَ إِلى قَوْمٍ يتَفَاخَرُنَ في الطِّبِّ، فَأتَاهُم بما بَهَرَهُم من كلِّ مُعْجِبِ.
وكذلكَ معجِزَةُ نبيِّنا محمدٍ، النبيِّ الأمِّي ﷺ، بُعِثَ إِلى الأُمِّيّين من العَرَب، وهم يَتَبَارَوْن في الفَصاحَةِ في الشّعْرِ والخُطَب، فكانَ معجزتَه القرآنُ الذي عَجِزوا أن يأتُوا بمثْلِه، وأن يُعارِضوا من السُّوَرِ بِشَكْلِه. فخاطَبَهمُ اللّاه﷿- بما يفهمون، لأنّهم أُمّيّون لا يَعْلَمون، ففرَض عليهم الصلاةَ والزَّكاةَ والصّيامَ، وغيرَها من شَرائِع الإِسْلام.
وقال لهم في هِلالِ شَهْرِ رَمَضان، «صُوْمُوا لرؤْيَتِه وأَفْطِروا لرُؤْيَتِه» «١»
، فتُوافِقُ الرؤيةُ حِينًا الحِسابَ، وتُخالِفُ حينًا وهيَ لا تَعْدو الصّواب، لأنّهم أُمِّيون، لا يعرِفُون غير رَؤيةِ الأَبْصار والعُيون. وأكْثَروا سُؤَالَه عن عِلْم السَّاعة، فأجابَهم اللّاه تعالى بجواب مفهم لواحدِهم والجَمَاعة، فقال تَعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّااعَةِ أَيّاانَ مُرْسااهاا قُلْ إِنَّماا عِلْمُهاا عِنْدَ رَبِّي لاا يُجَلِّيهاا لِوَقْتِهاا إِلّاا هُوَ «٢».
وقد روى علماءُ الهند في العِلْم الذي نزّلَه اللّاهُ تَعالى على نَبِيّه إِدْريسَ أنّ اللّاه تعالى أَعْلَمَه بها «٣»، ودَلَّه على بُعْدِها وقُرْبها. فقالوا: إِنّ اللّاهَ تَعالى بعَظِيم قُدْرَتِه، ولَطيفِ حِكْمَتِه، خلَقَ الكَواكِبَ السَبْعةَ كُلَّها وهي: زُحَلُ، والمُشْتَرِي، والمِرِّيخ، والشَّمسُ، والزُّهْرَة، وعُطارِدُ، والقَمَر، في أوَّلِ دقيقةٍ من الحَمَلِ بأَوْجَاتها «٤» وهيَ المواضِعُ التي ترتفع فيها وجَوْزهِرَاتِها وهي المواضِعُ التي يُعرفُ بها عُروضُ الكَوَاكب. ولكل كوكَبٍ منها سَيْرٌ
_________________
(١) هو بلفظه من حديث أبي هريرة عند النسائي في كتاب الصوم (٤/ ١٣٣) وأخرجه أحمد (٤/ ٣٢١) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب؛ وانظر كشف الخفاء (٢/ ٣٣: ١٦٣٠).
(٢) سورة الأعراف: ٧/ ١٨٧.
(٣) أي أعلمه بالساعة وقيام القيامة.
(٤) أوجاتها: جمع أوجٍ، وهو: أعلى نقطة في مدار الكوكب، ويقابله: الحضيض.
[ ١ / ٣٩ ]
معلوم، فلا تزالُ الكواكِبُ تدورُ في أَفْلاكِها في جَوْفِ هذا الفَلَكِ الأَعْظَمِ إِلى أن تجتَمِعَ كلُّها في أوَّلِ دَقيقةٍ من الحَمَل، فيكونُ ذلكَ آخرَ عُمُرِ الدُّنيا، وهو فَناؤُها وانْقِضاؤُها. ويكونُ ذلكَ من عَدَدِ الأيْامِ ألفَ ألف ألف ألف يومٍ، وخمسمائةَ ألْفِ ألْفِ ألْفِ يوم، وسبْعةً وسَبْعينَ ألفَ ألف ألف يومٍ، وتسعمائةَ ألْفِ ألفِ يوم، وستةَ عشرَ ألفَ ألفِ يومٍ، وأربعمائةَ ألفِ يومٍ، وخمسينَ ألْفِ يَوْمٍ. ويكونُ ذلكَ منَ السنين على قَوْلِ علماءِ الهنْدِ أربعمائةَ ألفِ ألفِ سنةٍ، واثنتينِ وثلاثينَ ألفِ ألفِ سنةٍ، وثلاثمائةَ ألفِ سنةٍ وخمسة وخَمْسِينَ أَلْفَ سنةٍ، وسبعمائةٍ وسَبْعًا وستّينَ سنةً، وخمسةً وأرْبعينَ يومًا، على أنّ السنةَ ثلاثُمائةٍ [وخمسةٌ] «١» وسِتّون يَوْمًا.
قالُوا: والَذي مَضى من السِّنينِ إِلى سنَةِ مائتينِ وسَبْعٍ وستِّينَ من الهِجْرَةِ أقلُّ من نصْفِ هذا الدَّوْر. فإِذا اجتمعتِ الكَوَاكِبُ في أوَّلِ دقيقةٍ من الحَمَلِ بسَيْرِها المعلُوم لها، وهو أنَّ للشَمْسِ تِسْعًا وخَمْسِينَ دقيقةً في اليَوْمِ والليلةِ؛ وللقَمَرِ ثلاثَ عشرةَ درَجةً وعَشْرُ دَقائق، ولزُحَلَ دَقيقتان «٢»، وللمُشْتَرِي خَمْسُ دَقَائِق، وللمِرّيخ إِحدَى وثَلاثون دقيقةً، وللزُّهْرَةِ درَجةٌ وسِتٌّ وثلاثون دَقيقَةً، ولعُطارِدَ أَرْبعُ دَرَجاتٍ وعَشْرُ دقائق. فهي تسيرُ في هذا الفَلَكِ على اخْتلافِ سَيْرها، ولا تَجْتَمعُ إِلا عن هذه المدَّة التي وَصَفْنا إِن شاءَ اللّاهُ ﷿. فإِذَا أرَدْنَا «٣» أن نعرف حَقيقةَ الدَّوْرِ ضَربنا مَسيرَ كُلّ كَوكَبٍ من هذه الكَواكب
_________________
(١) ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل (س) (ب)، وهي في (نش) و(ت) و(ل ٢) و(ل ٣) فاعتمدناها لأنها الصواب. أما في (صن) فجاءت: «على أن السنة ثلاثمائة وخمسة وخمسون يومًا» وهو خطأ واضح.
(٢) كذا جاءت على الرفع في الأصل (س) و(نش) و(ب) فاعتمدناه ولم نعتمد العطف على: «تسعًا وخمسين دقيقة» التي سبقت لأن المؤلف اعتمد رفع كل ما جاء بعدها على استئناف الكلام وليس على العطف، أما في (ت) و(ل ٢) و(ل ٣) و(صن) فجاءت «دقيقتين» منصوبة وبقيت الأخريات بعدها فيها على الرفع.
(٣) جاءت في الأصل (س) وحدها: «فإِذا أردت أن تعرف»، وما أثبتناه اجتمعت عليه سائر النسخ الأخرى فاعتمدناه لاتفاقه مع السياق.
[ ١ / ٤٠ ]
في هذا الدَّوْرِ الذي ذَكَرْنا، فإِنّا نَجدُه في أوَّلِ عاشِرةٍ منَ الحَمَلِ كما خَلَقَهُ اللّاهُ﷿- فيه، لا يَجوزُ غير ذلك، ولا يكْمُلُ إِلا بِهِ، فافْهَمْ ذلك.
وهذا عَدَدُ أيَّامِ الدُّنْيا بالهِنْدِي. واللّاهُ أعلمُ: ١٥٧٧٩١٦٤٥٠٠٠٠ يَوْم.
وهذا عَدَدُ السّنين، واللّاهُ أعلم: ٤٣٢٣٥٥٧٦٧ سنَة.
وقد قال بعضُ أهلِ العِلْم في عدَدِ أيَّام الدُّنيا:
يَقُولُونَ مُذْ سَارَ النُّجُومُ بِأَسْرِهَا إِلى مِثْلِ ما كَانَتْ تَعُودُ وتَرْجِعُ
زُهَاءٌ أَتَتْ من بعد تِسْعٍ وسَبْعَةٍ تَقَدَّمَها هَدْوَاءُ والصِّفْرُ أَرْبَعُ «١»
وقال نشوان بن سعيد رحمه اللّاه تعالى «٢» في ذلك:
هِي ايَّامُ «٣» دُنْيَانَا اللَّوَاتي إِذَا انْقَضَتْ أَتَى بَعْدَهَا الأَمْرُ الَّذِي يُتَوَقَّعُ
وأَعْوامُها زُوزٌ وهاءٌ وخَمْسَةٌ وجيمٌ وباءٌ ثم جيمٌ وأَرْبَعُ «٤»
فَذَا عُمُرُ الدُّنْيَا ودَوْرُ سِنِيِّها وشَهْرٌ ونِصْفٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَتْبَعُ
فَإِنْ شِئْتَ فاضْرِبْ لِلْكَوَاكِبِ سَيْرَها في الايَّآمِ «٣» واعْرِفْ حُجَّةً لَيْسَ تُدْفَعُ
تَجِدْهَا كَمَا كَانَتْ بأوَّلِ خَلْقِهَا بِعَاشِرَةٍ في أَوَّلِ الكَبْشِ تُجْمَعُ
_________________
(١) حله بحساب الجُمَّل: الصفر أربع هـد وا تسع وسبعة ز هـأ ٠٠٠٠ ١٦٤٥ ٩ ٧ ١٥٧
(٢) كذا جاءت في الأصل (س) و(نش) (ت) بإِثبات عبارة الترحم فأبقيناها، أما في (ل ٢) و(ل ٣) و(صن) فلم تَرِدْ عبارة الترحم.
(٣) تقرأ بتسهيل همزة أيَّام. وفي البيت الرابع تُسهل الهمزة ويُحذف نطقًا ياء (في).
(٤) حله بحساب الجمَّل: ز وز هـجب جأربع ٥٧٦٧ ٣٢٣ ٤
[ ١ / ٤١ ]
وقد بلغتُ في هذا التَّصْنيفِ من الإِيجازِ والاخْتِصار جَهْدي، وأتَيْتُ بأقْصَى الغايةِ مما عِنْدي، لأنَّه لا يُحِيطُ بعلْمِ اللغةِ وسائرِ العُلُوم غيرُ الواحِدِ الحيِّ القَيُّوم. وهي كلماتُ اللّاهِ﷿- التي لا تَنْفَد، وأسْماءُ معلوماتِهِ التي لا تَنْعدّ؛ ولا يقدرُ عالِمٌ من البَشَر أن يُحْصي لها عَدَدًا، ولو بالغَ في ذلكَ مُجْتَهِدًا، لقوله تعالى: قُلْ لَوْ كاانَ الْبَحْرُ مِداادًا لِكَلِمااتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمااتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْناا بِمِثْلِهِ مَدَدًا «١».
وقد اخْتَرْتُ من ذلكَ نَزْرًا قَلِيلًا من كَثير، وآثَرْتُ ما اسْتَحْسَنْتُ على كُلّ أَثِير. وما أُبَرِّئ نَفْسِي من الخَطأ والزَّلل، ولا أعْتَلّ لخَطَئي بسَقيمِ العِلل، لأنَّه لا يَسلَمُ من الجَهْلِ والخَطأِ أحدٌ منَ البَشَر، وفي هذا بلاغٌ في العُذْرِ لمن اعْتَذَر.
فمَنْ وقف على كتابِي هذَا من العُلماءِ الموثُوقِ بعِلْمِهم، ومعْرِفَتهم وفَهْمِهم، ووجدَ فيه كلمةً في غَيْرِ مَوْضِعها فلْيَرُدَّها إِلى مكانِها، بنَقْطِها وحرَكَاتِها وأَوْزانِها، ولْيُشارِكْني في ثَوابِها بتركِها في مَوْضِعها وبابِها، أوِ استَحْسَنَ كلمةً من كلامِ العَرَبِ لم يجدْها في هذا الكتابِ فلْيُلْحِقْها بما يُشاكِلُها منَ الأَبواب، ولْيطلبْ ما عِنْدَ اللّاه منَ الثّواب.
ومَنْ وقَفَ على كِتابِي هذا من الكُتَّاب والقُرَّاءِ فلا ينسَ مُصَنِّفَه منَ الدُّعاء. غَفَر اللّاهُ- تَعَالى- لنَا وللمُؤمنينَ أجْمَعين، وأعانَنا على ما يُرْضِيه، وهو خيرُ مُعين.
_________________
(١) سورة الكهف: (١٨/ ١٠٩).
[ ١ / ٤٢ ]