علم اليمن الشامخ، العلامة المجتهد، والسياسي الثائر، والشاعر المناضل عن المبادئ التي آمن بها، نشوان بن سعيد بن سعد بن أبي حمير بن عُبَيْد بن القاسم بن عبد الرحمن بن مفضل بن إِبراهيم ابن سلامة بن أبي حمير الحميري «١»، ينتهي نسبه إِلى القيل الحميري حسان ذي مراثد، قال في قصيدته الحميرية المشهورة بالقصيدة النشوانية:
أو ذو مَرَاثِدَ جدُّنا القيلُ بن ذي سَحَرٍ، أبو الأذواءِ رحبُ الساحِ
وبنوهُ ذوقَينٍ وذو شَقَرٍ وذو عمران، أهلُ مكارمٍ وسماحِ
وللأقيال من بني ذي مراثد ذكر في نقوش المسند، وخاصة تلك النقوش على الألواح البرونزية التي عثر على كثير منها في مدينة عَمران في أعلى البَون.
وذكر الهمداني القيل حسان ذا مراثد في الإكليل ٢/ ٢٧٤، ٢٨٦.
فنشوان يمت بنسب عريق إِلى الأقيال الذين كان لهم المرتبة الثانية بعد الملوك يشاركونهم الحكم أو يحكمون المناطق التابعة لهم.
وتاريخ مولد نشوان غير معروف ولم يذكره أحد ممن ترجم له من المؤلفين اليمنيين والعرب وغيرهم. وكذلك لا نعرف على التحديد القطعي مكان ولادته، ولكننا نرجح مع القاضي إِسماعيل الأكوع أن مولده كان في مدينة حُوْث «٢» الواقعة في حاشد على
_________________
(١) اخترنا هذا الجزء من نسبه من كتاب شرح القصيدة النشوانية (ملوك حمير وأقيالٍ اليمن) الذي طبعه العالمان اليمنيان إِسماعيل الجرافي وعلي المؤيد ص (١٥٩)، وهو أيضًا ما في كتاب (نشوان بن سعيد الحميري) للقاضي العلامة إِسماعيل الأكوع، وهو النسب الأصح، أما أكثر من ترجم له من غير اليمنيين فيغلطون في نسبه.
(٢) انظر كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) ج ١ ص (٥٤١)، وانظر معه كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للدكتور علي محمد زيد ص (١٠٥) لارتيابه في ذلك، وكذلك القاضي إِسماعيل الأكوع في كتاب (نشوان بن سعيد الحميري) ص ١٢ - ١٣.
[ المقدمة / ٢ ]
نصف المسافة بين صنعاء وصعدة، ويعزز هذا قول نشوان نفسه في هذا الكتاب في باب الحاء مع الواو وما بعدهما بناء (فُعْل) في الأسماء عند حديثه عن حُوْث: «وبِحُوث كان مقام نشوان بن سعيد مؤلف هذا الكتاب»، ولهذا فإِنه بعد أن فارقها، وشرَّق في اليمن وغرَّب، ظل يحن إِليها، فقال:
بشاطئ حُوثٍ من ديار بني حربِ لقلبيَ أشجانٌ معذبةٌ قلبي
بل إِن أكثر إِقامته كانت في حُوْث، ففي مقدمته لهذا الكتاب صرح بأنه صنف كتابه وأكمله فيها عام ٥٧٠ هـقال:
وفي سنة السبعين والخمس تمّ ما جمعتُ من التصنيفِ في رمضانِ
وأكملتُ من هذا الكتابِ فصولَهُ ولم أنفصلْ عن بلدتي ومكاني
ولكن هذا لا يعد دليلًا قطعيًا على أن ميلاده كان في حُوْث، فإِنه قد يعني ببلدته ومكانه (اليمن).
أما نشأته الأولى وتلقيه التعليم، فقد كان على الأرجح في مدينة حُوْث وكانت هجرة من هجر العلم، وظلت كذلك إِلى عهد قريب، ولم يتحدث في كتبه المعروفة لدينا عن شيوخه الذين تلقى عنهم، ولا شك في أنه في بداية حياته العلمية درس على عدد منهم، فلما اشتد ساعده شق طريقه بنفسه، فعكف على المكتبات الزاخرة وكانت كثيرة في اليمن، فنهل منها وعلّ، حتى تضلع في جميع العلوم والمعارف والفنون المعروفة في عصره، وأصبح عالمًا في التفسير، والقراءات، والحديث، والأصول، والفروع، والفرائض، والملل، والنحل، والتاريخ، والأنساب، واللغة، والنحو، والصرف، والآداب شعرًا ونثرًا، والمعاني، والبيان، والعروض، والقوافي، وفي علم الفلك، وعلم النبات، وتتجلى هذه المعارف الواسعة أكثر ما تتجلى في كتابه هذا (شمس العلوم).
[ المقدمة / ٣ ]
كل هذا صار له فيه اليد الطولى، حتى عُدّ من أعلم أهل عصره، بل أعلمهم على الإِطلاق.
وقد ترجم لنشوان علماء يمنيون وعرب في عدد من الأقطار العربية والإِسلامية وكتب عنه وعن بعض مؤلفاته عدد من المستشرقين كما سيأتي.
فممن ترجم له من اليمنيين، علي بن الحسن الخزرجي في كتابه (العقد الفاخر الحسن) فقال عنه: «الإِمام العلامة، المعتزلي، النحوي، اللغوي، كان أوحد أهل عصره، وأعلم أهل دهره .. وكان شاعرًا مفوهًا منطيقًا قوي الحبك، حسن السبك» «١».
وتحدث عنه عمارة اليمني في كتابه (المفيد في تاريخ صنعاء وزبيد) بوصفه من الشعراء، فقال: «وهو شاعر فحل، قوي الحبك، حسن السبك، وهو من شعراء أهل الجبال».
ووصفه يحيى بن الحسين بن الإِمام القاسم في (المستطاب)، فقال: «من العلماء الكبار، وله التصانيف المشهورة».
وذكره أحمد بن صالح بن أبي الرجال، فقال: «القاضي العلامة المحقق النحوي اللغوي».
وترجم له أو ذكره طائفة من المؤلفين اليمنيين، هذا إِلى جانب ما جاء من ذكرٍ له فيما دار بينه وبين المتعصبين للإِمامة الهادوية من صراع كُتِبَ فيه كثيرٌ من الشعر والنثر، وسنشير إِلى شيء منه فيما بعد.
أما من ترجم له من غير أهل اليمن، فنذكر منهم ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) ٧/ ٢٠٦ وفي معجم البلدان، عند كلامه على جبل صَبِر المطل على مدينة تعز
_________________
(١) انظر كتاب (هجر العلم ومعاقله في اليمن) للقاضي إِسماعيل بن علي الأكوع ١/ ٥٤١.
[ المقدمة / ٤ ]
حيث حصل لبس عند ياقوت بين جبل صَبِر هذا وبين وادي صبَر- بفتحتين- وهو في صعدة من أراضي قبيلة جماعة، حيث كانت بداية دعوة نشوان إِلى نفسه بالإِمامة كما سيأتي، ومما قاله عنه ياقوت في (معجم البلدان): «وكان نشوان قد استولى على عدة قلاع وحصون هناك، وقدمه أهل تلك البلاد حتى صار ملكًا» ٣/ ٣٩٢.
وترجم له منهم يوسف بن إِبراهيم القفطي الوزير المصري في عهد صلاح الدين الأيوبي، في كتابه (إِنباه الرواة) ٣/ ٣٤٢، والعماد الأصفهاني محمد بن محمد في (خريدة القصر) ٣/ ٢٦٨، والجلال السيوطي في (بغية الوعاة) ٢/ ٣١٢ «١».
وترجم له من المعاصرين المحقق كمال مصطفى ناشر كتاب «رسالة الحور العين» لنشوان ترجمةً جمعت أهم ما جاء في تراجمه المشار إِليها، وأربت عليها، ومما جاء فيها:
«كان أوحد أهل عصره، وأعلم أهل دهره، نبلًا وفضلًا، مِفَنًّا مِعَنًّا، في اللغة، والنحو، والأنساب، والتواريخ، وسائر ما يتصل بفنون الآداب، شاعرًا، وكانت له اليد الطولى في علم الفرائض» «٢».
وقال: «كان نشوان ذا نفس وثابة، طموحةٍ إِلى المعالي، لا ترضى إِلا بالوصول إِلى قمة المجد، والجمع بين شرف العلم وشرف الملك» «٣».
ويتحدث عن طموح نشوان السياسي، ومحاولته تسنم سدة الحكم فيقول: إِن في هذا «ما يدل على عظم مكانته الدينية والعلمية والسياسية، خصوصًا إِذا علمنا أنه يُشترط فيمن يتولى الملك ببلاد اليمن صفات، أهمها: أن يكون محاربًا، قائدًا، خبيرًا
_________________
(١) انظر كتاب (نشوان بن سعيد) للقاضي إِسماعيل الأكوع حاشية ص (١٠).
(٢) مقدمة (رسالة الحور العين) في (التعريف بالمؤلف) ص (١٧).
(٣) مقدمة (رسالة الحور العين) في (التعريف بالمؤلف) ص (٢١).
[ المقدمة / ٥ ]
بضروب الحروب، أهلًا لقيادة الناس وقت الجهاد، عالمًا، متبحرًا في العلوم الدينية بوجه خاص» «١».
إِن هذا التركيز على الجانب السياسي من جوانب شخصية نشوان ذات الأبعاد المتعددة، يفضي بنا إِلى الحديث عن هذا البعد المهم من أبعاد شخصيته.
عاش نشوان في عصر كان اليمن فيه يزخر بفكرٍ ديني خصب ثري، ولكنه متنافر متصارع، تتنازعه اتجاهات سياسية عنيفة ومتصادمة.