[﵀]
٨٣٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبي هريرة» أنه أردف غلامه خلفه، فقيل له: لو أنزلته يسعى خلفك. فقال: «لأن يسير معى ضغثان من نار يحرقان منى ما أحرقا أحب إلى من أن يسعى غلامى خلفى».
قال: حدثناه «هشيم»، عن «أبى بلج»، عن «صالح بن أبى سليمان»، عن «أبى هريرة».
قال «أبو عبيد»: كان «الكسائى» [وغيره] يقول في الضغث: هو كل شئ جمعته، فحزمته من عيدان، أو قصب، أو غير ذلك.
قال «أبو عبيد»: وهكذا يروى في قوله [- تعالى -]: ﴿وخذ بيدك ضغثًا﴾: أنه كان حزمة من أسل ضرب بها امرأته، فبر بذلك يمينه، فترى أن الرماح إنما سميت الأسل لتحددها.
[ ٥ / ٢٠١ ]
ويقال في أضغاث الأحلام إنما سميت بذلك، لأنها أشياء مختلطة يدخل بعضها في بعض، وليست كالرؤيا الصحيحة، فكان «أبا هريرة» إنما أراد نيرانًا مجتمعة تسير عن يمينه وعن شماله.
٨٣٩ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «إن الشيطان إذا سمع الأذان خرج وله خصائص».
قال: حدثنيه «حجاج»، عن «حماد بن أبى النجود»، عن «أبى صالح»، عن «أبى هريرة» قال: قال «حماد»: فقلت لعاصم: ما الحصاص؟ فقال: أما رأيت الحمار إذا صر بأذنيه، ومصع بذنبه، وعدا؟ فذلك حصاصه.
وقال «الأصمعى»: الحصاص: شدة العدو وسرعته.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
ويقال: هو الضراط في قول بعضهم، وقول «عاصم» أعجب إلى، وهو قول «الأصمعى» أو نحوه.
٨٤٠ - وقل «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «أن رجلًا ذهبت له أينق، فطلبها، فأتى على واد خجل، مغن، معشب، فوجد أينقه فيه».
قال «أبو عبيد»: يقال: إن الوادى الخجل: الكثير العشب الملتف، ومنه قيل: ثوب خجل [٥٦٢] إذا كان طويلًا.
والخجل في أشياء سوى هذا.
وأما المغن: فإنه الذى فيه صوت الذباب، ولا يكون الذباب إلا في وادٍ مخصب معشب، وإنما قال: مغن، لأن فى أصوات الذباب عنه، وهى شبيه بالبحة، ومنه قيل للظبى: أغن، وقال بعض الناس: ولهذا قيل للقرية الكثيرة الأهل والعشب: غناء.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
٨٤١ - وقال «أبو عبيد» - في حديث «أبى هريرة» - قال: «لما نزل تحريم الخمر، كنا نعمد إلى الحلقانة، وهى التذنوبة، فتقطع ما ذنب منها، حتى يخلص إلى البسر ثم تفتضخه».
قال: حدثناه «مروان بن معاوية»، عن «حاتم بن أبى صغيرة»، عن «أبى مصعب المدنى»، عن «أبى هريرة».
قال «الأصمعى»: يقال للبسر إذا بدا فيه الإرطاب: بسر موكب، فإن كان ذلك من قبل ذنبها فهو المذنب، فإذا لان البسر، فهو ثعد، وواحدته ثعدة، فإذا بلغ الإرطاب نصفه فهو مجزع، فإذا بلغ ثلثيه فهو حلقان ومحلقن.
٨٤٢ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق».
[ ٥ / ٢٠٤ ]
قال: حدثناه «يحيى بن سعيد»، عن «ثور»، عن «خالد بن معدان»، قال: قال «ثور»: حدثنيه رجل عن «أبى هريرة» يرفعه.
قال «أبو عمرو»: الصوى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافى المجهولة، فيستدل بتلك الأعلام على طرقها، وواحدتها صوة.
وقال «الأصمعى»: الصوى: ما غلظ وارتفع من الأرض، ولم يبلغ أن يكون جبلًا، وقول «أبى عمرو» أعجب إلى فى هذا، وهو أشبه بمعنى الحديث، لأن الأرض المرتفعة لا تكون أعلامًا، وعلى هذا تأويل الأشعار، قال «لبيد»:
ثم أصدرناهما في وارد صادر وهم صواه قد مثل
[مثل]: يعنى اتنصب في وارد، الوارد والصادر يعنى به الطريق، وقال الشاعر:
ودوبة غبراء خاشعة الصوى لها قلب عفى الحياض أجون
[ ٥ / ٢٠٥ ]
يعنى البرية، [ويروى: قلب عادية وصحون] خاشعة الصوى، يقول:
صواها قد خشعت، وتواضعت من طول الزمان، وقال «أبو النجم»:
* بين طريق الرفق القوافل *
* وبين أميال الصوى المواثل *
[وهو كثير في الشعر].
قال «أبو عبيد»: فأراد أن للإسلام صوى: يعنى علامات وشرائع يعرف الإسلام بها كمنار الطريق، فذكر شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وغير ذلك من الشرائع.
٨٤٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «إذا قام أحدكم من النوم، فليفرغ على يديه [ثلاثا] قبل أن يدخلها في الإناء».
[ ٥ / ٢٠٦ ]
قال: فقال له «قيس الأشجعى»: فإذا جئنا مهراسكم هذا فكيف نصنع به؟ فقال «أبو هريرة»: أعوذ بالله من شرك».
قال: حدثناه «إسماعيل بن جعفر»، عن «محمد بن عمرو»، عن «أبى سلمة»، عن «أبى هريرة» يرفعه.
[ ٥ / ٢٠٧ ]
قال «الأصمعى» وغيره: المهراس: حجر منقور مستطيل عظيم كالحوض يتوضأ الناس منه، لا يقدر أحد على تحريكه.
٨٤٤ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» أنه سئل عن القبلة للصائم، فقال: «إنى لأرف شفتيها، وأنا صائم».
قال: حدثناه «ابن أبى عدى»، عن «حبيب بن شهاب العنبرى»، عن «أبيه» عن «أبى هريرة».
قوله: أرف: الرف: [هو] مثل المص والترشف ونحوه. يقال منه: رففت الشئ أرفعه رفًا. فأما برف - بالكسر - فهو من غير هذا، يقال: رف الشئ يرف رفًا ورفيفا: إذا برق لونه، وتلألأ، قال «الأعشى» يذكر ثغر امرأة:
ومها ترف غروبه يشفى المتيم ذا الحراره
وقد روى عن «أبى هريرة» فى حديث آخر أنه سئل: أتقبل، وأنت صائم؟
[ ٥ / ٢٠٨ ]
فقال: «نعم، وأكفحها»، وبعضهم يرويه: «نعم، وأقحفها».
فمن قال: أكفحها [٥٦٤] أراد بالكفح: اللقاء، والمباشرة بالجلد، وكل من واجهته، ولقيته كفة كفة، فقد كافحته كفاحًا ومكافحة، وقال «ابن الرقاع [العاملى]»:
تكافح لوحات الهواجر والضحى مكافحة للمنخرين وللفم
قال «أبو عبيد»: المنخرين - بالكسر - لا نعرف لها نظيرا في الكلام.
فهذا البيت قد فسر قول «أبى هريرة».
ومن رواه: أقحفها، فإنه [أراد] شرب الريق وترشفه.
ومنه يقال: قد قحف الرجل الإناء: إذا شرب ما فيه.
[ ٥ / ٢٠٩ ]
٨٤٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: أنه مر «بمروان» وهو يبنى بنيانا له، فقال: «ابنوا شديدًا، وأملوا بعيدًا، واخضموا، فسنقضم»
قوله: «اخضموا فسنقضم»،: الخضم: أشد في المضغ، وأبلغ من القضم، وهو بأقصى الأضراس، والقضم بأذنابها، وقال «أيمن بن خريم الأسدى» يذكر أهل العراق حين سار «عبد الملك» إلى «مصعب»، فقال:
رجوا بالشقاق الأكل حضمًا فقد رضوا أخيرًا من أكل الخضم أن يأكلوا القضما يعنى: حين ظهر عليهم «عبد الملك».
وإنما أراد «أبو هريرة» بهذا مثلًا ضربه يقول: استكثروا من الدنيا، فإنا سنكتفى منها بالدون، وهذا شبيه بقول «أبى ذر»: «عليكم [معشر] قريش بدنياكم، فاغذموها».
[ ٥ / ٢١٠ ]
٨٤٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «لو حدثتكم بكل ما أعلم لرميتمونى بالقشع».
قال: حدثناه «إسماعيل بن جعفر»، عن «محمد بن عمرو»، عن «أبى سلمة»، عن «أبى هريرة».
قال «الأصمعى» وغيره: القشع: الجلود اليابسة، [ولا يكون القشع أبدًا إلا يابسًا] والواحد منها قشع.
قال «أبو عبيد»: وهذا على غير قياس العربية، ولكنه هكذا يقال.
ومنه حديث «سلمة بن الأكوع» - في غزاة بنى فزارة - قال: «أغرنا عليهم فإذا
[ ٥ / ٢١١ ]
امرأة عليها قشع لها، فأخذتها، فقدمت بها المدينة».
ومما يحقق ذلك قول «متمم بن نويرة» يرثى أخاه، [قال]:
ولا يرما تهدى النساء لعرسه إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا
[ ٥ / ٢١٢ ]
٧٤٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «لتخرجنكم «الروم» منها كفرًا كفرا إلى سنبك نم الأرض، قيل: وما ذلك السنبك؟ قال: «حسمى جذام».
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «على بن الحكم»، قال: حدثنى «أبو حسن»، عن «أبى أسماء الرحبى»، عن «أبى هريرة».
قوله: كفرًا كفرًا: يعنى قرية قرية، وأكثر من يتكلم بهذه الكلمة «أهل الشام» يسمون القرية الكفر، ولهذا قالوا: «كفرتوثا» و«كفر تعقاب» و«كفر أبياء» وغير ذلك، إنما هى قرى نسبت إلى رجال.
[ ٥ / ٢١٣ ]
وقد روى عن «معاوية» أنه قال: «أهل الكفور هم أهل القبور»: يعنى بالكفور القرى، يقول: إنهم بمنزلة الموتى، لا يشاهدون الأمصار والجمع، وما أشبهها.
وأما قوله: سنبك من الأرض: فإنك السنبك أصله من سنبك الحافر، فشبه الأرض التى يخرجون إليها بالسنبك في غلظه، وقلة خيره.
٨٤٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «أنه كانت رديته التأبط».
قال: حدثناه «معاذ»، عن «ابن عون»، عن «عمير بن إسحاق»، عن «أبى هريرة».
قوله: التأبط: هو أن يدخل رداءه تحت يده اليمنى، ثم يلقيه على عاتقه الأيسر كالرجل يريد أن يعالج الشئ فيتهيأ لذلك.
[ ٥ / ٢١٤ ]
قال «أبو عمرو»: والاضطباع بالثوب مثله.
يقال: قد اضطبعت بثوبى، وهو مأخوذ من الضبع، والضبع: العضد، ولهذا قيل: أخذ بضبعى الرجل.
والالتفاع بالثوب: هو مثل الاشتمال، قال «الأصمعى»: هو أن يتجلل بالثوب كله.
والاحتجاز: أن يشد ثوبه في وسطه، وإنما هو مأخوذ من الحجرة، ومنه حديث «النبى» - ﵇ - أنه رأى رجلًا محتجزًا بحيل أبرق وهو محرم، فقال: «ويحك ألقه. ويحك ألقه».
قال: حدثناه «أبو معاوية»، عن «ابن أبى ذئب»، عن «صالح بن أبى حسان»، رفعه.
والاعتجار: لى الثوب [٥٦٦] على الرأس مع الجسد، وبه سمى معجر المرأة.
والتلبب: أن يحترم بثوبه، ويجمعه عليه، ومنه حديث «عمر» [- ﵀ -]: «أنه رنى ملتببًا».
[ ٥ / ٢١٥ ]
والاضطغان: كالشئ تأخذه تحت حضنك، قاله «الأحمر»، وأنشدنى:
* كأنه مضطغن صببًا *
أى حامله في حجره.
واشتمال الصماء: أن يتجلل بثوب واحد، ثم يرفع أحد جانبيه على عاتقه.
هذا تفسير الفقهاء، وهو عند العرب أن يشتمل [بثوب واحد] فلا يرفع شيئًا بواحدة.
٨٤٩ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» أنه دخل على «عثمان» [- ﵀ -] وهو محصور، فقال له: «طاب امضرب».
قال: فأمره «عثمان» أن يلقى سلاحه.
قال «الأصمعى»: أراد: طاب الضرب: يعنى أنه [قد] حل القتال،
[ ٥ / ٢١٦ ]
وطاب، قال: وهذه لغة اليمن، أو قال: لغة حمير، قال: وأنشدنى:
ذاك خليلى وذو يعاتبنى يرمى ورائى بامسهم وأم سلمه
يريد: بالسهم [والسلمة]، والسلمة: واحدة السلام.
ومنه الحديث المرفوع: «ليس من أمير أم صيام في امسقر»: يريد ليس من البر الصيام في السفر، وبعضهم يرويه [هكذا] بإظهار اللامات.
٨٥٠ - وقال أبو عبيد في حديث «أبى هريرة» - أنه ذكر «النبى» - ﵇ - في حديث له قال: «فنشغ»
قال «أبو عمرو» وغيره: النشغ: الشهيق، وما أشبهه حتى يكاد يبلغ به
[ ٥ / ٢١٧ ]
الغشى. يقال منه: قد نشغ ينشغ نشفًا.
وقال «أبو عبيد»: وإنما يفعل ذلك الإنسان شوقًا إلى صاحبه، وأسفًا عليه، وحبًا للقائه، فنشغ، بالغين ليس فيه اختلاف.
وقال «رؤبة» يمدح رجلًا، ويذكر شوقه إليه:
[٥٦٧] *عرفت أنى ناشغ في النشغ*
* إليك أرجو من نداك الأسبغ *
وأما قول «ذى الرمة»:
إذا مرئية ولدت غلاما فالأم مرضع نشغ المحارا
[ ٥ / ٢١٨ ]
و«الأصمعى» ينشده بالعين «نشع المحارا» وهو إيجارك الصبى الدواء أو غيره.
قال «الأصمعى»: واسم ذلك الدواء: النشوع، وهو الوجور.
[قال «أبو عبيد»: وغير «الأصمعى» ينشده بالغين - معجم -] والمحار:
الصدف، واحدته محارة.
٨٥١ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: أنه كره السراويل المخرفجة».
قال: حدثناه «القاسم بن مالك» بإسناد لا أحفظه.
قال «الأموى»: يقال: تفسير المخرفجة في الحديث: أنها التي تقع على ظهور القدمين.
قال «أبو عبيد»: وهذا تأويلها، وإنما أصل هذا مأخوذ من السعة.
قال «الأموى»: ولهذا قيل: عيش مخرفج، إذا كان واسعًا رغدًا: قال «العجاج»:
[ ٥ / ٢١٩ ]
* غراء سوى خلقها الخبرنجا *
* مأد الشباب عيشها المخرفجا *
قال «أبو عبيد»: وبعضهم يقول: المخرفشة، بالشين، وليس هذا بشئ، إنما المحفوظ بالجيم، والذى يراد من هذا الحديث أنه كره إسبال السراويل، كما يكره إسبال الإزار، والحديث في هذا قليل.
٨٥٢ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «أن رجلًا سأله، فقال: إنى رجل مصراد، أفأدخل المبولة معى في البيت؟ فقال: نعم، وادخل في الكسر»
من حديث «ابن علية»، عن «الجريرى».
[ ٥ / ٢٢٠ ]
قوله: مصراد: هو الذى يشتد عليه البرد، ويقل صبره عليه.
وأما قوله: «وادحل» فإنه مأخوذه من الدحل، وهو: هوة تكون فى الأرض، وفي أسافل الأودية، فيها ضيق، ثم تتسع، قاله «الأصمعى».
يقال: دحلت فيها أدخل دحلًا، وجمعها أدحال ودحلان [٥٦٨]
فشبه «أبو هريرة» جوانب الخباء ومداخله بذاك، يقول: صر فيها كالذى يصير في الدحل.
وقوله: في الكسر: هو الشقة التى تلى الأرض من الخباء، ويقال: هى الشقة التى تكون في أقصى الخباء، وقال «الأخطل» [بذكر رجلًا]:
وقد غبر العجلان حينا إذا بكى على الزاد ألقته الوليدة في الكسر
وفيه لغتان: الكسر والكسر.
٨٥٣ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «أن امرأة مرت به
[ ٥ / ٢٢١ ]
متطيبة لذيلها عصرة، فقال: أين تريدين يا أمة الجبار؟ فقالت: أريد المسجد» وبعض أصحاب الحديث يروى: «عصرة».
[قوله: لذيلها عصرة] أراد الغبار أنه قد ثار من سحبها، وهو الإعصار، قال الله - ﵎ -: ﴿فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت﴾. وجمع الإعصار: أعاصير، [قال] وأنشدنى «الأصمعى»:
وبينما المرء في الأحياء مغتبط إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير
[ ٥ / ٢٢٢ ]
وقد تكون العصرة من فوح الطيب، وهيجه، فشبهه بما تثير الريح من الأعاصير، فلهذا كره لها «أبو هريرة» إتيان المسجد.
٨٥٤ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «أبى هريرة»: «مثل المؤمن الضعيف كمثل خافت الزرع يميل مرة، ويعتدل أخرى».
قال: حدثناه «يزيد»، عن «عمران بن حدير»، عن «بحر بن سعيد»، عن «بشير بن نهيك»، عن «أبى هريرة».
قوله: الخافت: يعنى الذى قد لان ومات، ولهذا قيل للميت: قد خفت: إذا انقطع كلامه وسكت، قال الشاعر:
حتى إذا خفت الدعاء وصرت قتلى كمنجدل من الغلان
وهذا مثل الحديث المرفوع: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تميلها الريح مرة
[ ٥ / ٢٢٣ ]
هكذا ومرة هكذا». يعنى الفضة الرطبة [٦٩ م].
قال «أبو عبيد»: وإنما يراد من هذا الحديث أن المؤمن مرزًا، تصيبه المصائب في نفسه، وأهله، وماله، وليس كما جاء الحديث في الكافر: «مثله كالأرزة المجذبة على الأرض حتى يكون اجعافها مرة». والأرزة شجر طويل يكون في جبل اللكام، وكذلك الجبال.
وبعضهم يروى حديث «أبى هريرة»: «كمثل خافة الزرع» بالهاء، فإن كان هذا هكذا، فلا أدرى ما هو، ومن روى: «خافته الزرع» فهو مثل خافت، وهو الصواب.
٨٥٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» أنه قال لرجل:
[ ٥ / ٢٢٤ ]
«أحسن إلى غنمك، وامسح الرعام عنها، وأطب مراحها».
قوله: الرعام: يعنى ما سال من أنوفها، يقال: شاة رعوم، والمراح: الموضع الذى يريحها إليه إذا أمسى.
٨٥٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: أنه سئل عن الضبع، فقال: «الفرعل تلك نعجة من الغنم».
قال: حدثناه «محمد بن ربيعة الرؤاسى»، عن «نصر بن أوس»، عن «عمه»، عن «أبى هريرة».
قال «أبو عبيد»: أما الحديث فإنه هكذا: يروى أنه جعل الضبع الفرعل.
وأما عند العرب: فإن الفرعل: ولد الضبع، وجمعه الفراعل،
[ ٥ / ٢٢٥ ]
قال «الأعشى» يذكر رجلًا قتل رجلًا:
غادرته متجدلًا بالقاع تنهسه الفراعل
وقال «الكميت»:
وتجمع المتفرقو ن من الفراعل والعسابر
فالفراعل: أولاد الضباع بعضها من بعض، والعسابر: أولاد الضباع من الذناب، واحدها عسبارة وعسبار.
والذى يراد من هذا الحديث قوله: نعجة من الغنم، يقول: إنها حلال بمنزلة الغنم توكل.
٨٥٧ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» أنه قال: «لما افتتحنا «خيبر» إذا [٥٧] أناس من يهود مجتمعون على خبزة [لهم] يملونها، فطردناهم عنها، فأخذنها، فاقتسمناها،
[ ٥ / ٢٢٦ ]
فأصابنى كسرة، وقد كان بلغنى أنه من أكل الخبز سمن، فلما أكلتها جعلت أنظر في عطفى هل سمنت؟».
قال: حدثناه «إسماعيل بن جعفر»، عن «الربيع بن صبيح»، عن «يزيد الرقاشى»، عن «أبى هريرة».
قال «الأصمعى»، وغير واحد: قوله خبزة: هى التى عند العامة الملة، وإنما الملة عند العرب: الحفرة التى فيها الخبزة، ولهذا قيل: يملونها: إذا عملوها في الملة، قلت: مللتها أملها ملا.
قال «الأصمعى»: وإنما قيل: فلان يتملل على فراشه: إذا كان يتضور عليه، ولا يقر لأنه مأخوذ من الملة: أى كأنه على ملة، فهو قلق.
٨٥٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «لم يكن يشغنلى عن رسول الله - ﷺ - غرس الودى ولا صفق
[ ٥ / ٢٢٧ ]
بالأسواق».
قال: حدثناه «هشيم» قال: أخبرنا «يعلى بن عطاء»، عن «الوليد بن عبد الرحمن»، عن «أبى هريرة».
قال «الأصمعى»: قوله: الودى: هى صغار النخل، واحدتها ودية، وقال الشاعر:
نحن بغرس الودى أعلمنا منا بركض الجياد في السدف
ويروى: في السلف.
وهو أيضًا الفسيل، واحدته فسيلة، وجمع الفسيل فسلآن، وهو جمع الجمع.
والأشاء أيضًا: صغار النخل، واحدته أشاءة، مهموز، وقال «العجاج»:
* لاث بها الأشاء والعبرى *
[ ٥ / ٢٢٨ ]
٨٥٩ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «أنه كان يسبح بالنوى المجزع»، [وبعضهم يرويه المجزع].
قال: حدثنيه «محمد بن ربيعة»، أو غيره، عن «عباد بن منصور»، عن شيخ صحب «أبا هريرة»، عن «أبى هريرة».
قوله: المجزع: يعنى الذى قد حك بعضه حتى ابيض شئ منه، وترك الباقى على لونه، وكذلك كل أبيض مع أسود، فهو مجزع، وإنما أخذ من الجزع شبه به. والذى يراد من الحديث أنه كان يحصى تسبيحه، ويسبح بالنوى كنحو من فعل النساء.
٨٦٠ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» في «يأجوج» و«مأجوج»: «أنه يسلط عليهم النغف فيأخذ في رقابهم».
[ ٥ / ٢٢٩ ]
قال: حدثنيه «ابن أبى عدى»، عن «حبيب بن شهاب»، عن «أبيه»، عن «أبى هريرة».
قال «االأصمعى»: هو الدود الذى يكون في أنوف الإبل والغنم، قال: وهو أيضًا الدود الأبيض الذى يكون فى النوى إذا أنقع، والواحدة نغفة، قال: وما سوى ذلك من الدود، فليس بنغف.
٨٦١ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» حين ذكر حديثًا عن «النبى» - ﷺ -، فقيل له: أسمعته من رسول الله [ﷺ] فقال: «أنا من طهوى؟».
قال «أبو عبيد»: هذا عندنا مثل ضربه، لأن الطهو في كلامهم إنضاج الطعام، يقال منه: طهوت اللحم أطهاه طهوًا، وهو رجل طاه من قوم طهاة، قال «امرؤ القيس»:
[ ٥ / ٢٣٠ ]
فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قديرمعجل
قال «أبو عبيد»: فنرى أن «أبا هريرة» جعل إحكامه للحديث، وإتقانه إياه، كالطاهى المجيد المنضج لطعامه، يقول: فما كان عملى إن كنت لم أحكم [أنا] هذه الرواية التى حكيتها عن «النبى» [- ﷺ -] كإحكام ذلك الطاهى للطعام؟
قال «أبو عبيد»: وكان وجه الكلام أن يقول: فما طهوى، أو فما كان إذًا طهوى، ولكن الحديث جاء على هذا اللفظ.
٨٦٢ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «يوشك أن يعمل عليكم بقعان أهل الشام».
[ ٥ / ٢٣١ ]
قوله: بقعان: أراد البياض، لأن الخدم بالشام إنما هم الروم، والصقالبة، فسماهم بقعان للبياض، ولهذا قيل للغراب،: الأبقع، إذا كان فيه بياض وهو أخبث ما يكون من الغربان، فصار مثلًا لكل خبيث.
٨٦٣ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة»: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين، ذلف الأنلف».
[ ٥ / ٢٣٢ ]
قال «أبو عبيد»: هى التى فيها قصر.
٨٦٤ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى هريرة» أنه قال: «إذا رأيتك يا رسول الله قرت عينى، وإذا لم أرك تبغثرت نفسى».
من حديث «عبد الوارث» [٥٧٢] قال: حدثنا «هشام [بن أبى عبد الله] الدستواثى»، عن «قتادة» أن «أبا هريرة» قال: ذلك.
قوله: تبغثرت نفسى: يعنى جاشت، وخبثت، ولقست.
[ ٥ / ٢٣٣ ]