بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
[وصلَّى الله على سيِّدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم]
أخبرنا الشَّيخ الإمام الأوحد، رئيس الدِّين تاج الإسلام أبو بكر عبد الرزَّاق بن على ابن الحسين الكرمانىُّ، متَّعنا الله ببقائه، قال: أخبرنى أبو علىّ محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان الكاتب "ببغداد" في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسمائة، قال: أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، قال: أخبرنا أبو محّمد دعلج ابن أحمد السِّجستانىُّ، قال أخبرنا أبو الحسن على بن عبد العزيز البغوىُّ، قال:
[ ١ / ١١٥ ]
١ - قال أبو عبيد [القاسم بن سلام -﵀-] في حديث النبيِّ -ﷺ-:
"زويت لى الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمَّتى ما زوى لى منها" [قال] حدثناه إسماعيل بن إبراهيم، ثنا أيُّوب، عن أبى قلابة، أنَّ رسول الله -ﷺ- قال ذلك في حديث فيه طول.
قال أبو عبيد: سمعت أبا عبيدة معمر بن المثنى التيمى -من تيم قريش مولًى لهم -
[ ١ / ١١٦ ]
يقول: زويت: جمعت، ويقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض: إذا تدانوا، وتضاُّموا، وانزوت الجلدة في النار: إذا انقبضت، واجتمعت.
قال أبو عبيد: ومنه الحديث الآخر: "إنَّ المسجد لينزوى من النُّخامة كما تنزوى الجلدة في النَّار" إذا انقبضت واجتمعت
قال أبو عبيد: ولا يكاد يكون الانزواء إلا بانحراف مع تقبُّض، قال "الأعشى":
يزيد يغضُّ الطرف عنى كأنَّه زوى بين عينيه علَّى المحاجم
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقنى إلاَّ وأنفك راغم
[ ١ / ١١٧ ]
٢ - [و] قال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-.
"إنَّ منبرى هذا على ترعة من ترع الجنَّة".
[قال] حدَّثناه إسماعيل بن جعفر [المدنىُّ]، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبى سلمة بن عبد الرَّحمن، [عن أبى هريرة]، عن النَّبيِّ -ﷺ-، أنَّه قال ذلك.
قال أبو عبيدة: التُّرعة: الرَّوضة تكون على المكان المرتفع خاصًة، فإذا كانت في المكان المطمئنِّ، فهي روضة.
[و] قال أبو زياد الكلابىَّ: أحسن ما تكون الرَّوضة على المكان الذي فيه غلظ وارتفاع ألم تسمع قول "الأعشى":
[ ١ / ١١٨ ]
ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل
قال [أبو زياد]: والحزن: ما بين "زبالة" إلى ما فوق ذلك مصعِّدًا في بلاد "نجد" وفيه ارتفاع وغلظ.
[و] قال أبو عمرو الشَّيبانىُّ: التُّرعة: الدَّرجة.
قال أبو عبيد: وقال غيرهم: الترعة: الباب، كأنَّه قال: منبرى هذا على باب من أبواب الجنَّة.
[قال]: حدَّثنا حسان بن عبد الله، [قال حدَّ] ثنا يعقوب بن عبد الرَّحمن القارى، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد [الساعدىِّ]، أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "إنَّ منبرى هذا على ترعة من [٢/ب] ترع الجنَّة".
قال: فقال سهل بن سعد: أتدرون ما التُّرعة؟ هي الباب من أبواب الجنَّة.
[ ١ / ١١٩ ]
قال أبو عبيد: وهو الوجه عندنا.
[قال]: وحدَّثنى علُّى بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن بعض [بنى] أبى المعلَّى -رجل من الأنصار- عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ رسول الله -ﷺ- قال:
"إنَّ قدمىَّ على ترعة من ترع الحوض"
[أى درجة من درج الحوض]
٣ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبيِّ -ﷺأنَّه قال:
[ ١ / ١٢٠ ]
"خير النَّاس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله، كلَّما سمع هيعًة طار إليها" ويروى: "من خير معاش رجل ممسك بعنان فرسه [فى سبيل الله] "
[قال]: حدَّثناه عبد الله بن جعفر، عن أبى حازم، عن بهجة بن عبد الله بن بدر، [عن أبى هريرة]، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال أبو عبيدة: الهيعة [٦]: الصَّوت الَّذى تفزع منه، وتخافه من عدو.
[وقال]: وأصل هذا من الجزع.
يقال: رجل هاع لاع، وهائع لائع: إذا كان جبانًا ضعيفًا.
وقد هاع يهيع هيوعًا وهيعانًا.
[ ١ / ١٢١ ]
قال أبو عبيد: وقال الطرمَّاح بن حكيم [الطائيُّ]:
أنا ابن حماة المجد من آل مالك إذا جعلت خور الرِّجال تهيع
أى تجبن، والخور: الضِّعاف، والواحد خوَّار.
[قال أبو عبيد]: وفي الحديث:
"أو رجل فى شعفة فى غنيمته حتَّى يأتيه الموت"
قوله: شعفة: يعنى رأس الجبل.
٤ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ -:
"ليس فى الجبهة، ولا فى النَّخَّة، ولا فى الكسعة صدقة".
قال: حدَّثناه ابن أبى مريم، عن حَّماد بن زيد، عن كثير بن زياد الخراسانى
[ ١ / ١٢٢ ]
يرفعه.
وعن غير حمَّاد [بن زيد]، عن جوبير، عن الضَّحَّاك يرفعه.
قال أبو عبيدة: الجبهة: الخيل، والنَّخَّة: الرَّقيق، والكسعة: الحمير.
قال الكسائىُّ وغيره فى الجبهة والكسعة مثله.
وقال الكسائىِّ: هى النَّخَّة -برفع النون- وفسَّرها هو وغيره فى مجلسه: البقر العوامل.
[و] قال الكسائىُّ: [و] هذا كلام أهل تلك الناحية كأنَّه يعنى أهل الحجاز وما وراءها إلى اليمن.
وقال الفرَّاء: النَّخَّة: أن يأخذ المصَّدِّق دينارًا بعد فراغه من الصَّدقة.
قال وأنشدنا:
[ ١ / ١٢٣ ]
عمِّى الَّذى منع الدِّينار ضاحيًة دينار نخَّة كلب وهو مشهود
قال أبو عبيد: وحدَّثنا نعيم بن حَّماد، عن ابن الدَّراودىِّ المدينىِّ، عن أبى حرزة القاصِّ يعقوب بن مجاهد، عن سارية [٧] الخلجىِّ، عن النَّبىِّ -ﷺ- قال:
"أخرجوا صدقاتكم، فإن الله [-﷿-] قد أراحكم من الجبهة، والسَّجَّة، والبجَّة"
وفسَّرها: أنَّها كانت آلهة يعبدونها فى الجاهليَّة.
[ ١ / ١٢٤ ]
وهذا خلاف ما [جاء] فى الحديث الأول، والتفسير فى الحديث، والله أعلم أيهما المحفوظ من ذلك.
٥ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ - أنَّ رجلًا أتاه، فقال: يا رسول الله! "إنِّى أبدع بى فاحملنى".
قال: حدَّثناه أبو اليقظان عمَّار بن محمَّد، عن الأعمش، عن أبى عمرو الشَّيبانىِّ، عن أبى مسعود الأنصارىِّ، عن النَّبىِّ -ﷺ - أنَّ رجلًا أتاه، فقال: "يا رسول الله! إنىِّ أبدع بى، فاحملنى".
[ ١ / ١٢٥ ]
قال أبو عبيدة: يقال للرَّجل إذا كلَّت ركابه، أو عطيت، وبقى منقطعًا به: قد أبدع به.
وقال الكسائىُّ مثله، وزاد فيه: ويقال: أبدعت الرِّكاب: إذا كلَّت، وعطبت.
وقال بعض الأعراب: لا يكون الإبداع إلاَّ بظلع.
يقال: أبدعت به راحلته: إذا ظلعت.
[قال أبو عبيد]: وهذا ليس باختلاف، وبعضه شبيه ببعض.
٦ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- أنَّ "قريشًا"
[ ١ / ١٢٦ ]
كانوا يقولون: "إنَّ محمَّدًا صنبور"
قال: حدَّثناه محمَّد بن أبى عدىٍّ -لا أعلمه إلاَّ عن داود بن أبى هند- الشَّكُّ من أبى عبيد- عن الشَّعبىِّ، عن النَّبىِّ -ﷺ-
قال أبو عبيدة: الصُّنبور: النَّخلة تخرج من أصل النَّخلة الأخرى لم تغرس.
وقال الأصمعىُّ: الصُّنبور: النُّخلة تبقى منفردة، ويدقُّ أسفلها، قال: ولقى رجل رجلًا من العرب، فسأله عن نخله، فقال: صنبر أسفله [٨] وعشَّش أعلاه: يعنى دق أسفله، وقلَّ سعفه، ويبس.
قال أبو عبيد: فشبَّهوه بها، يقولون: إنَّه فرد ليس له ولد ولا أخ، فإذا مات انقطع ذكره.
[ ١ / ١٢٧ ]
قال [أبو عبيد]: وقول الأصمعىِّ فى الصُّنبور أعجب إلىِّ من قول أبي عبيدة لأنَّ النَّبىِّ -ﷺ- لم يكن أحد من أعدائه من مشركى العرب، ولا غيرهم يطعن عليه فى نسبه، ولا اختلفوا [فيه] أنه أوسطهم نسبًا [-ﷺ-].
[قال أبو عبيد: و] قال أوس بن حجر، يعيب قومًا:
مخلَّفون ويقضى الناس أمرهم غسُّ الأمانة صنبور فصنبور
[ ١ / ١٢٨ ]
[قال أبو عبيد: فى غسُّو ثلاثة أوجه: غسو، وغش، وغشى، ويروى غش الملامة قال: ويروى: أهل الملامة أيضا]
وقال أبو عبيد: والصُّنبور أيضًا فى غير هذا: القصبة الَّتى تكون فى الأداوة من حديد أو رصاص يشرب منها [بها].
٧ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "أنَّه سأل رجلًا أراد الجهاد معه [فقال له]: هل فى أهلك من كاهل؟ -ويقال: من كاهل- فقال: نعم.
قال: حدَّثناه إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد الحذَّاء، عن أبى قلابة، عن
[ ١ / ١٢٩ ]
مسلم بن يسار، عن النَّبىِّ -ﷺ-
قال أبو عبيدة: هو مأخوذ من الكهل، يقول: هل فيهم من أسنَّ، وصار كهلًا؟
قال أبو عبيدة: يقال منه: رجل كهل، وامرأة كهلة، وأنشدنا [العذافر]:
* ولا أعود بعدها كريَّا *
* أمارس الكهلة والصَّبيَّا *
٨ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال:
[ ١ / ١٣٠ ]
"ما يحملكم على أن تتايعوا فى الكذب كما يتتايع الفراش فى النار" قال: حدَّثناه ابن أبى مريم، عن داود [٩] العطَّار، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، عن النَّبىِّ -ﷺ- أنه قال:
"ما يحملكم على أن تتايعوا فى الكذب كما يتتايع الفراش فى النَّار".
قال أبو عبيدة: التَّتايع: التَّهافت فى الشَّيء، والمتابعة عليه.
يقال للقوم: قد تتابعوا فى الشَّئ: إذا تهافتوا فيه، وأسرعوا إليه.)
قال أبو عبيد: ومنه قول الحسن بن علىِّ [-﵄-]: "إنَّ عليَّا أراد أمرًا، فتتابعت عليه الأمور، فلم يجد منزعًا": يعنى فى أمر الجمل.
[ ١ / ١٣١ ]
ومنه الحديث المرفوع فى الرَّجل يوجد مع المرأة.
قال: حدَّثنا هشيم بن بشير، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: لمَّا نزلت [هذه الآية]: ﴿والَّذين يرمون المحصنات، ثمَّ لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدًة، ولا تقبلوا لهم شهادًة أبدًا﴾ قال سعد بن عبادة: يا رسول الله! "أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلًا، فقتله، أتقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين؟ أفلا يضربه بالسَّيف؟ فقال رسول الله -ﷺ-:
"كفى بالسَّيف شا".
قال أراد أن يقول: شاهدًا، ثمَّ أمسك، وقال:
"لولا أن يتتايع فيه الغيران والسَّكران".
[ ١ / ١٣٢ ]
قال أبو عبيد: كره أن يجعل السيف شاهدًا، فيحتجَّ به الغيران والسَّكران، فيقتلوا، فأمسك عن ذلك.
قال أبو عبيد: ويقال فى التَّتابع: إنَّه اللَّجاجة، وهو يرجع [١٠] إلى هذا المعنى. وقال أبو عبيد: ولم نسمع التتابع فى الخير إنَّما سمعناه فى الشَّرِّ.
٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "من أزلَّت إليه نعمة فليشكرها".
قال: حدَّثناه يحيى بن سعيد، عن السَّائب بن عمر، عن يحيى بن عبد الله بن صيفى، عن النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال ذلك.
قال أبو عبيدة: قوله: أزلَّت إليه: يقول: أسديت إليه، واصطنعت عنده.
يقال منه: أزللت إلى فلان نعمًة فأنا أزلها إزلالًا.
[ ١ / ١٣٣ ]
وقال أبو زيد الأنصارى مثله، وأنشدنا أبو عبيدة لكثيِّر [عزَّة]
وإنىِّ، وإن صدَّت لمثن وصادق عليها بما كانت إلينا أزلَّت
قال أبو عبيد: و[يروى]: لدينا [أزلَّت].
قال: وقد رواه بعضهم: "من أنزلت إليه نعمة" وليس هذا بمحفوظ ولاله وجه فى الكلام.
١٠ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنه مر بقوم يربعون حجرًا"
قال: حدَّثنيه محمد بن كثير، عن حمَّاد بن سلمة، عن ثابت البنانىِّ، عن عبد الرَّحمن بن عجلان رفعه:
"أنَّه مرِّ بقوم يربعون حجرًا".
[ ١ / ١٣٤ ]
وفى بعض الحديث يرتبعون [حجرًا]، فقالوا: "هذا حجر الأشدَّاء"
فقال:
"ألا أخبركم بأشدِّكم؟
"من ملك نفسه عند الغضب".
قال أبو عبيدة: الرَّبع أن يشال الحجر باليد، يفعل ذلك؛ لتعرف به شدَّة الرَّجل، يقال ذلك فى الحجر خاصًة.
قال أبو محمّد الأموىُّ: أخو يحيى بن سعيد، فى الرَّبع مثله.
قال أبو عبيد: ومن هذا الباب حديث ابن عبّاس، الذى يرويه ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس:
[ ١ / ١٣٥ ]
"أنَّه مرَّ بقوم [وهم] يتجاذون حجرًا -ويروى: يجذون حجرا، فقال: عمَّال الله أقوى من هؤلاء".
وكلُّ هذا من الرَّفع والإشالة، وهو مثل الرَّبع.
قال [أبو عبيد]: وحدَّثنا أبو النَّضر، عن اللَّيث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عامر بن سعد، أنَّ النَّبىِّ -ﷺمرَّ بناس يتجاذون مهراسًا، فقال:
"أتحسبون الشِّدَّة فى حمل الحجارة؟
إنَّما الشِّدَّة أن يمتلئ أحدكم غيظًا، ثمَّ يغلبه".
وقال الأموىُّ: المربعة أيضًا: العصا التى تحمل بها الأحمال حتى توضع على ظهور الدَّوابّ.
[ ١ / ١٣٦ ]
قال [أبو عبيد]: وأنشدنا الأموىُّ:
* أين الشِّظاظان وأين المربعه *
* وأين وسق النَّاقة المطبَّعه *
قوله: الشَّظاظان: هما العودان الَّلذان يجعلان فى عرى الجوالق، المطبَّعة: المثقَّلة [ويروى الجلنفعة].
١١ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "أنَّه نهى عن الصَّلاة إذا تضيَّفت الشَّمس للغروب".
[ ١ / ١٣٧ ]
قال: حدَّثناه ابن مهدى، عن موسى بن علِّى بن رباح -قال أبو عبيد: أهل مصر، يقولون: علىّ. وأهل العراق، يقولون: على -عن أبيه، عن عقبة بن عامر [الجهنى] قال:
"ثلاث ساعات كان رسول اللهﷺ- ينهانا أن نصلِّى فيها، وأن نقبر فيها موتانا: إذا طلعت الشَّمس حتَّى ترتفع، وإذا تضيَّفت للغروب، ونصف النهار".
قال أبو عبيدة: قوله: تضيَّفت: [يعنى] مالت للمغيب.
يقال منه: قد ضاقت، فهى تضيف ضيفا: إذا مالت.
قال أبو عبيد: ومنه سمِّى الضَّيف ضيفًا.
يقال منه: ضفت فلانًا: إذا ملت إليه، ونزلت به.
وأضفته، فأنا أضيفه: إذا أملته إليك، ونزلته عليك؛ ولذلك قيل:
[ ١ / ١٣٨ ]
هو مضاف إلى كذا وكذا: أى [هو] ممال إليه، قال امرؤ القيس:
فلمَّا دخلناه أضفنا ظهورنا إلى كلِّ حارىٍّ جديد مشطَّب
[٤/ب]: أى أسندنا ظهورنا إليه، وأملناها، ومنه قيل للدَّعىِّ: مضاف؛ لأنَّه مسند إلى قوم ليس منهم
ويقال: ضاف السَّهم يضيف: إذا عدل عن الهدف، وهو من هذا.
وفيه لغة أخرى ليست فى الحديث: صاف السَّهم بمعنى ضاف، قال أبو زبيد [الطائى] يذكر المنيَّة:
كلُّ يوم ترميه منها برشق فمصيب أوصاف غير بعيد
فهذا بالصاد، وأمَّا الذى فى الحديث فبالضَّاد.
قال أبو عبيد: الرِّشق: الوجه من الرَّمى: إذا رموا وجهًا بجميع سهامهم،
[ ١ / ١٣٩ ]
قالوا: رمينا رشقًا، والرَّشق: المصدر. يقال [منه]: رشقت رشقًا.
١٢ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنه نهى عن الكالئ بالكالئ".
حدَّثنيه زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن [عبد الله] بن عمر، عن النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنَّه نهى عن الكالئ بالكالئ".
قال أبو عبيدة: يقال: هو النَّسيئة بالنَّسئة، مهموز.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: أنسأ الله فلانًا أجله، ونسأ [الله] فى أجله -بغير ألف- قال [وقال] أبو عبيدة: يقال فى الكالى: تكلَّات كلاة: إذا استنسأت نسيئة والنسيئة، التأخير أيضا، ومنه قوله [تعالى]: ﴿إنما النسئ زيادة فى الكفر﴾. إنما هو تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر.
[ ١ / ١٤٠ ]
وقال الأموىُّ فى الكلأة مثله.
وقال الأموىُّ: يقال: بلَّغ الله بك أكلأ العمر: يعنى آخره وأبعده.
وهو من التأخير [أيضا].
قال أبو عبيد: [و] قال الشاعر يذمُّ رجلًا:
وعينه كالكالئ الضِّمار ..
يعنى بعينه: حاضره وشاهده، فالحاضر من عطيَّته كالضمَّار، وهو الغائب الذى لا يرجى قال: أبو عبيد: وقوله: النسيئة بالنَّسيئة فى وجوه كثيرة من البيع منها: أن يسلِّم الرَّجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنة فى كرٍّ من طعام، فإذا انقضت السَّنة، وحلَّ الطَّعام عليه، قال الَّذى عليه الطَّعام للدَّافع ليس عندى طعام، ولكن بعنى هذا الكرَّ بمائتى درهم إلى شهر، فهذه نسيئة انتقلت إلى نسيئة، وكلُّ ما أشبه هذا.
ولو كان قبض الطَّعام منه، ثمَّ باعه منه أو من غيره بنسيئة لم يكن كالئًا بكالئ.
[ ١ / ١٤١ ]
قال أبو عبيد: ومن الضمار قول "عمر بن عبد العزيز" فى كتابه إلى "ميمون بن مهران" فى الأموال التى كانت فى بيت المال من المظالم أن يردَّها، ولا يأخذ زكاتها: "فإنَّه كان مالًا ضمارًا" (٥/ ١): يعنى لا يرجى.
[قال]: سمعت كثير بن هشام يحدِّث عن جعفر بن برقان، عن ميمون.
قال أبو عبيد: [و] قال الأعشى:
أرانا إذا أضمرتك البلا دنجفى، وتقطع منَّا الرَّحم
١٣ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين قال لعبد الله بن عمرو بن العاص، وذكر قيام اللَّيل، وصيام النَّهار، فقال:
"إنَّك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك، وتفهت نفسك".
[ ١ / ١٤٢ ]
قال أبو عبيدة: قوله: تفهت نفسك: أعيت، وكلَّت، ويقال للمعنى: منفَّة، ونافه، وجمع النَّافه نفَّه.
قال أبو عمرو: وهجمت [١٤] عينك: غارت ودخلت.
قال أبو عبيد: ومنه [قيل]: هجمت علىَّ وهجمت على القوم: إذا دخلت عليهم، وكذلك هجم عليهم البيت: إذا سقط عليهم.
قال أبو عمرو: [و] نفهت نفسك: أى أعيت [وكلَّت] مثل قول أبى عبيدة.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال رؤبة [بن العجَّاج] يذكر بلادًا والمهارى:
* به تمطَّت غول كلِّ ميله *
- بنا حراجيج المهارى النُّفَّه *
يعنى المعيية، واحدتها نافه ونافهة، وقوله: [كل] ميله: يعنى البلاد التى تولِّه النَّاس فيها، كالإنسان الواله المتحير.
١٤ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: أنَّ رجلًا سأله، فقال:
"يا رسول الله! إنَّا نصيب هوامى الإبل".
قال: حدَّثناه يحيى بن سعيد، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبيه، عن النَّبىِّ -ﷺأنَّه سئل عن
[ ١ / ١٤٤ ]
ذلك، فقال: "ضالَّة المؤمن أو المسلم حرق النَّار".
قال أبو عبيدة: قوله: الهوامى: المهملة التى لا راعى لها، ولا حافظ.
يقال منه: ناقة هامية، وبعير هام، وقد همت تهمى هميًا: إذا ذهبت على وجوهها فى الأرض لرعى أو غيره.
وكذلك كلُّ ذاهب وسائل من ماء أو مطر، وأنشد لطرفة، ويقال للمرقِّش:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الربيع وديمة تهمى
أى تسيل، وتذهب.
[ ١ / ١٤٥ ]
وقال أبو عمرو مثله، أو نحوه.
[وقال] الكسائىُّ، وأبو زيد: همت عينه تهمى هميًا: إذا سألت، ودمعت، وهو من ذلك أيضًا.
قال أبو عبيد: وليس هذا من الهائم.
إنَّما يقال من الهائم: هام يهيم، وهى إبل هوائم، وتلك الَّتى فى الحديث هوامى، إلَّا أن تجعله من المقلوب، كما قالوا: جذب وجبذ، وضبَّ وبضَّ: إذا سال الماء وغيره، وأشباه ذلك.
١٥ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
[ ١ / ١٤٦ ]
"أنَّه أتى بكتف مؤرَّبة، فأكلها، وصلَّى، ولم يتوضَّأ".
يروى عن حاتم بن أبى [١٥] صغيرة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، يرفعه: أنَّ النَّبىِّ -ﷺ- فعل ذلك.
قال أبو عبيدة، وأبو عمرو: المؤرَّبَّة: هى الموفَّرة الَّتى لم ينقص منها شئ
قال أبو عبيد: يقال منه: أربَّت الشَّيء تأريبًا: إذا وفَّرته، ولا أراه أخذ إلاَّ من الإرب، وهو العضو.
يقال [منه]: قطعَّته إربًا إربًا: أى عضوًا عضوًا، قال أبو زبيد فى المؤرَّب:
وأعطى فوق النصف ذو الحقِّ منهم وأظلم بعضًا أو جميعًا مؤرَّبا
قال أبو عبيد: ويروى: وأظلم نصفًا.
[ ١ / ١٤٧ ]
وقال الكميت بن زيد الأسدىُّ.
ولانتشلت عضوين منها يحابر وكان لعبد القيس عضو مورّب
قال أبو عبيد: عضو وعضو لغتان مؤرَّب: أى نامُّ لم ينقص منه شيء، والشِّلو أيضًا: العضو.
ومنه حديث "علِّى" فى الأضحيَّة:
"إيتى بشلوها الأيمن".
١٦ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر".
[ ١ / ١٤٨ ]
قال: حدَّثنيه يزيد، عن الدستوائىِّ، عن يحيى بن أبى كثير، عن ابن المسيَّب، عن سعد، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
وليس فى حديث "سعد" الصَّفر
قال: وحدَّثنى حجَّاج، عن حماد بن سلمة، وابن جريج، عن أبى الزُّبير، عن جابر [بن عبد الله]، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
وزاد فيه: "ولا غول".
وفسَّر "جابر" الصَّفر: دوابَّ البطن.
قال: وحدَّثنى شجاع بن الوليد [١٦]، عن ابن شبرمة، عن أبى زرعة، عن أبى هريرة، عن النَّبىِّ [-ﷺ-].
قال: وحدَّثنيه إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة يرفعه.
دخل حديث بعضهم فى بعض.
[ ١ / ١٤٩ ]
قال أبو عبيدة: سمعت يونس يسأل رؤبة بن العجَّاج عن الصَّفر، فقال: هى حيَّة تكون فى البطن تصيب الماشية والناس.
قال: وهى أعدى من الجرب عند العرب.
قال أبو عبيد: فأبطل النبىُّ -ﷺ- أنَّها تعدى.
ويقال: إنَّها تشتد على الإنسان إذا جاع، وتؤذيه، قال أعشى باهلة يرثى رجلًا:
لا يتأرَّى لما فى القدر يرقبه ولا يعضُّ على شرسوفه الصَّفر.
قال أبو عبيد: ويروى:
لا يشتكى الساق من أين ولا وصم ولا يعضُّ على شرسوفه الصَّفر
ويروى: ولا وصب.
[ ١ / ١٥٠ ]
قال أبو عبيدة فى الصَّفر أيضًا: يقال: إنه [هو] تأخيرهم المحرَّم إلى صفر فى تحريمه.
قال: وأمَّا الهامة: فإنَّ العرب كانت تقول: إنَّ عظام الموتى تصير هامًة، فتطير.
وقال أبو عمرو فى الصَّفر مثل قول "رؤية" وقال فى الهامة مثل قول أبى عبيدة، إلاَّ أنَّه قال: كانوا يسمُّون ذلك الطائر الذى يخرج من هامة الميِّت إذا بلى: الصَّدى.
قال أبو عبيد: وجمعه أصداء، وكلُّ هذا قد جاء فى أشعارهم، قال أبو دؤاد الإيادىِّ:
سلِّط الموت والمنون عليهم فلهم فى صدى المقابر هام
فذكر الصَّدا والهام جميعًا.
وقال لبيد يرثى أخاه أربد:
فليس النَّاس بعدك فى نقير ولا هم غير أصداء وهام
[ ١ / ١٥١ ]
وهذا كثير فى أشعارهم [لا يحصى].
فردَّ النَّبىُّ -ﷺ- ذلك.
[و] قال أبو زيد فى الصَّفر: مثل قول أبى عبيدة الأول.
[و] قال أبو زيد: الهامَّة -مشدَّدة الميم- يذهب إلى واحدة الهوام، وهى دوابُّ الأرض.
قال أبو عبيد: ولا أرى أبا زيد حفظ هذا، وليس له معنى.
ولم يقل أحد منهم فى الصَّفر إنَّه من المشُّهور غير أبى عبيدة، والوجه فيه التَّفسير الأول.
١٧ - قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال للنِّساء: "لا تعذِّبن أولادكنَّ بالدَّعر".
[ ١ / ١٥٢ ]
وهو من حديث ابن عيينة، عن الزهرىِّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أمِّ قيس بنت محصن، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال أبو عبيدة: هو غمز الحلق، وذلك أنَّ الصَّبىَّ تأخذه العذرة، وهو وجع يهيج فى الحلق [وذلك] من الدَّم، فإذا عولج منه صاحبه، قيل: عذرته فهو معذور، قال جرير بن الخطفى:
*غمز الطَّبيب نغانغ المعذور*
والنَّغانغ: لحمات تكون عند اللَّهوات، واحدتها تغنغ.
والدَّغر: أن ترفع المرأة ذلك الموضع بأصبعها.
يقال منه: دغرت أدغر دغرًا.
قال أبو عبيد: ويقال للنَّغانغ أيضًا اللَّغانين، واحدها لغنون، واللغاديد واحدها لغدود، ويقال: لغد
فمن قال لغد للواحد، قال للجميع ألغاد.
[ ١ / ١٥٣ ]
ومن الدَّغر حديث علىِّ [بن أبى طالب -﵁-]:
"لا قطع فى الدَّغرة".
[قال]: حدَّثناه الأنصارى عن عوف، عن خلاس، عن على.
والمحدِّثون يقولون: الدَّغرة -بفتح الغين- ويفسِّرها الفقهاء أنَّها الخلسة.
قال أبو عبيد: وهى مأخوذة عندى من الدَّفع أيضًا، وهى الدَّغرة -بجزم الغين- وإنَّما هو توثب المختلس، ودفعه نفسه على المتاع، ليختسله ويقال فى مثل: "دغرا لاصفَّا" يقول: ادغروا عليهم، ولا تصافُّوهم.
ويروى: "دغرى لاصفَّى" مثل "عقرا خلقًا"، و"عقرى حلقى".
[ ١ / ١٥٤ ]
١٨ - (و) قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"لا يترك فى الإسلام مفرج".
(قال): هو من حديث حفص، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جدَّه.
قال: وحدَّثنى حمَّاد بن عبيد، عن جابر، عن الشَّعبىِّ، أو عن أبى جعفر محمَّد ابن علىٍّ -الشَّك من أبى عبيد- عن النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال: "العقل على المسلمين عامَّة، ولا يترك فى الإسلام مفرج".
قال: حمَّاد: فقلت [٦ - ب/د] لجابر: ما المفرج؟
قال: هو الرجل يكون فى القوم من غيرهم، فحقَّ عليهم أن يعقلوا عنه، وقال غير حمَّاد: مفرح -بالحاء.
[وقال]: حدَّثنا حجاج، عن ابن جريج، أن رسول الله -ﷺ-
[ ١ / ١٥٥ ]
قال: "وعلى المسلمين ألا يتركوا مفدوحًا فى فداء أو عقل".
وقال فى حديث غيره: مفروحًا.
قال الأصمعىُّ: والمفرح -بالحاء- هو الذى قد أفرحه الدين: يعنى أثقله.
يقول: يقضى عنه دينه من بيت المال، ولا يترك مدينًا، وأنكر قولهم: مفرج -بالجيم- وقال أبو عمرو: المفرح [-بالحاء-] هو المثقل بالدَّين أيضا، وأنشد [نا]:
إذا أنت لم تبرح تؤدِّى أمانة وتحمل أخرى أفرحتك الودائع
يعنى أثقلتك.
وقال الكسائىُّ فى لمفرح: مثله، أو نحوه.
قال [أبو عبيد]: وسمعت محّمد بن الحسن يقول: هو يروى بالحاء والجيم.
[ ١ / ١٥٦ ]
فمن قال: مفرح -بالحاء- فأحسبه قال فيه مثل قول هؤلاء.
ومن قال: مفرج -بالجيم- فإنَّه القتيل يوجد فى أرض فلاة [و] لا يكون عند قرية. [يقول]: فإنَّه يودى من بيت المال، ولا يبطل دمه.
وعن أبى عبيدة: المفرج -بالجيم- أن يسلم الرَّجل، ولا يوالى أحدًا. يقول: فتكون جنايته على بيت المال؛ لأنَّه لا عاقلة له، فهو مفرج [-بالجيم-]
وقال بعضهم: هو الذى لا ديوان له.
١٩ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى الثَّوب المصلب: "أنَّه كان إذا رآه فى ثوب قضبه".
[ ١ / ١٥٧ ]
قال: حدَّثنيه ابن عليه، عن سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين قال: نبئت عن دفرة أمِّ عبد الله بن أذينة، أنَّها قالت:
كنَّا نطوف مع "عائشة" فرأت ثوبًا مصلَّبًا، فقالت:
إنَّ رسول اللهﷺ- كان إذا راه فى ثوب قضبه.
قال الأصمعى: يعنى قطع موضع التصليب، والقضب: القطع.
[قال]: ومنه قيل: اقتضبت الحديث: إنَّما هو انتزعته، واقتطعته.
قال أبو عبيد: وإياه عنى "ذو الرُّمَّة" بقوله يصف الثَّور:
كأنَّه كوكب فى إثر عفرية معوَّم فى سواد اللَّيل منقضب
[٢٠] أى متقطع من مكانه.
وقال القطامىُّ يصن الثَّور أيضًا:
فغدا صبيحة صوبها متوجِّسا شئز القيام يقضِّب الأغصانا
[يعنى يقطعها].
[ ١ / ١٥٨ ]
٢٠ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين قال لعائشة، وسمعها تدعو على سارق سرقها، فقال:
"لا تسبِّخى عنه بدعائك عليه".
قال: حدَّثناه ابن مهدىٍّ، عن سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن عطاء، عن عائشة، عن النَّبىِّ -ﷺ-
قال الأصمعى: [لا تسبِّخى] يقول: لا تخفِّفى عنه بدعائك عليه.
وهذا مثل الحديث الآخر:
"من دعا على من ظلمه، فقد انتصر".
وكذلك كلُّ من خفِّف عنه شيء فقد سبِّخ عنه.
[قال]: يقال: اللَّهمَّ سبِّخ عنى الحمَّى: أى سلَّها، وخفِّفها.
[ ١ / ١٥٩ ]
قال أبو عبيد: ولهذا قيل لقطع القطن إذا ندف: سبائخ، ومنه قول "الأخطل" يصف القنَّاص والكلاب.
فأرسلوهنَّ يذرين التُّراب كما يذرى سبائخ قطن ندف أوتار
يعنى ما يتساقط من القطن.
قال أبو زيد والكسائى: يقال سبَّخ الله عنا الأذى: يعنى كشفه وخفَّفه.
ويقال لريش الطائر الذى يسقط: سبيخَّ؛ لأنه يغسل، فيسقط عنه.
٢١ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-
"لأن يمتلئ جوف أحدكم قبحًا حتَّى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا" يروى [ذلك] عن عوف، عن الحسن يرفعه.
[ ١ / ١٦٠ ]
قال: وحدَّثنيه أيضًا حجَّاج، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن محّمد بن سعد، عن أبيه سعد بن أبى وقاص، عن النَّبىِّ -ﷺ-. مثل حديث "عوف" سواء.
قال الأصمعىُّ: قوله: حتَّى يريه: هو من الورى على مثال الرَّمى.
يقال منه: رجل مورى [مشدَّد] غير مهموز [٢١] وهو أن بدوى جوفه، وأنشد:
*قالت له وريا إذا تنحنح*
*تدعو عليه بالورى*
وأنشدنا الأصمعى أيضًا "للعجَّاج" يصف الجراحات:
*عن قلب ضجم تورِّى من سبر*
[ ١ / ١٦١ ]
يقول: إن سبرها إنسان أصابه منها الورى من شدَّتها.
والقلب: الآبار، واحدها قليب، وهى البشر شبَّه الجراحة بها.
[و] قال "أبو عبيدة" فى الورى مثله إلا أنَّه قال: هو أن يأكل القيح جوفه وأنشدنا غيره لعبد بنى الحسحاس يذكر النِّساء:
وراهنَّ ربى مثل ما قد وريتنى وأحمى على أكبادهن المكاويا
[قال أبو عبيد]: وسمعت يزييد بن هارون يحدِّث [بحديث] عن الشَّرقى ابن القطامىِّ، عن مجالد، عن الشَّعبىَّ أن النَّبىِّ -ﷺ- قال:
"لأن يمتلىَّ جوف أحدكم قيحًا حتَّى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا".
يعنى من الشعر الذى [قد] هجى به النَّبىِّ -ﷺ-.
قال أبو عبيد: والذى عندى فى هذا الحديث غير هذا القول؛ لأنَّ الذى هجى به النَّبىِّ -ﷺ- لو كان شطر بيت لكان كفرًا، فكأنَّه إذا حمل وجه
[ ١ / ١٦٢ ]
الحديث على امَّتلاء القلب منه، أنَّه قد رخص فى القليل منه.
ولكن وجهه عندى أن يمتلئ قلبه [من الشِّعر] حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن، وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه من أىِّ الشِّعر كان.
فأما إذا كان القرآن والعلم الغالب عليه، فليس جوف هذا عندنا ممتلئا من الشعر.
٢٢ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"إن الإسلام ليأرز إلى [٢٢] المدينة كما تأزر الحيَّة إلى حجرها".
قال الأصمعى: قوله: يأزر: ينضمُّ إليها، ويجتمع بعضه إلى بعض فيها وأنشدنا لرؤية يذم رجلًا:
[ ١ / ١٦٣ ]
*فذاك بخال أروز الأرز*
يعنى أنَّه لا ينبسط للمعروف، ولكنَّه ينضمُّ بعضه إلى بعض.
قال الأصمعىُّ: وأخبرنى عيسى بن عمر -عن أبى الأسود الدُّولىِّ أنَّه قال:
إنَّ فلانًا إذا سئل أرز، وإذا دعى اهتزَّ -أو قال: انتهز، شكَّ أبو عبيد -قال: يعنى أنَّه إذا سئل المعروف تضامَّ، وإذا دعى إلى طعام أو غيره ممَّا يناله اهتزَّ لذلك، [و] قال "زهير":
بآرزة الفقارة لم يخنها قطاف فى الرِّكاب ولا خلاء
الآرزة: الشديدة المجتمع بعضها إلى بعض: يعنى الناقة، والفّقارة: فقارة
[ ١ / ١٦٤ ]
الصلب.
قال أبو عبيد: سمعت الكسائىَّ يقول: الدُّولىَّ، وقال ابن الكلبىِّ: الدِّيلىَّ، وهو الصَّواب عندنا.
٢٣ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين قال لابن مسعود:
"إذنك علَّى أن ترفع الحجاب، وتستمع سوادى حتَّى أنهاك".
قال: حدَّثناه حفص، عن الحسن بن عبيد الله النَّخعىِّ، عن إبراهيم بن سويد، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عن عبد الله [بن مسعود] عن النَّبىِّ -ﷺ- قال الأصمعىُّ: السِّولد: السِّرار.
يقال منه: ساودته مساودًة وسوادًا: إذا ساررته، ولم يعرفها -برفع السِّن. سوادًا.
قال أبو عبيد: ويجوز الرَّفع، وهو بمنزلة جوار وجوار، فالجوار المصدر، والجوار: الاسم
[ ١ / ١٦٥ ]
وقال الأحمر: هو من إدناه سوادك من سواده، وهو الشَّخص.
قال أبو عبيد: وهذا [٢٣] من السِّرار أيضًا؛ لأنَّ السِّرار لا يكون إلاَّ بإدناء السّواد من السواد، [و] أنشدنا الأحمر:
من يكن في السِّواد والدَّد والإغرا م زيرًا فإنَّنى غير زير
قوله: زيرًا: هو الرَّجل يحبُّ مجالسة النِّساء ومحادثتهنَّ.
[قال أبو عبيد]: وسئلت بنت الخسِّ: لم زنيت، وأنت سيِّدة نساء قومك؟
قالت: قرب الوساد، وطول السِّواد، والدَّد، والَّلهو، واللَّعب.
[قال أبو عبيد: والدَّدُّ: الَّلهو والَّلعب].
ومنه حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"ما أنا من دد، ولا الدَّد منِّى".
قال: حدَّثناه نعيم بن حمَّاد، عن ابن الدَّراوردىِّ، عن عمرو بن أبى عمرو،
[ ١ / ١٦٦ ]
عن رجل قد سمَّاه، عن النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال ذلك.
قوله: الدَّد: هو الَّلعب والَّلهو.
قال الأحمر: وفى الدَّد ثلاث لغات:
يقال: هذا دد على مثال يد ودم.
وهذا ددًا [على] مثال قفًا وعصا
وهذا ددن [على] مثال حزن.
قال الأعشى:
أترجل من ليلى، ولمَّا تزوَّد وكنت كمن قضى الُّلبانة من دد
وقال عدىُّ بن زيد:
أيُّها القلب تعلَّل بددن إنَّ همى فى سماع وأذن
٢٤ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ
فى أشراط الساعة.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال الأصمعىُّ: هى علاماتها، قال: ومنه الاشتراط الذى يشترط الناس بعضهم على بعض، إنَّما هى علامة يجعلونها بينهم؛ ولهذا سمِّيت الشُّرط؛ لأنَّهم جعولا لأنفسهم علامًة يعرفون [٢٤] بها.
وقال غيره فى بيت أوس بن حجر، وذكر رجلًا تدلىَّ من رأس جبل بحبل إلى نبعة؛ ليقطعها، ويتَّخذ منها قومًا:
فأشرط فيها نفسه، وهو معصم وألقى بأسباب له وتوكَّلا
قال: هو من هذا أيضًا، يريد أنَّه جعل نفسه علمًا لذلك الأمر.
٢٥ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنّه أتى على بئر ذمَّة".
قال: حدَّ ثنيه أبو النَّصر، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن يونس، عن البراء بن عازب، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
[ ١ / ١٦٨ ]
قال الأصمعىُّ: الذَّمَّة: القليلة الماء، يقال: هى بئر ذمَّة، وجمعها ذمام.
قال أبو عبيدة: قال ذو الرُّمَّة يصف عيون الإبل أنَّها قد غارت من طول السَّير:
على حميريَّات كأنَّ عيونها ذمام الرَّكايا أنكرتها المواتح
قوله: أنكزتها: يعنى أنفدت ماءها، والمواتح: المستقية.
وفي الحديث: قال "الراء بن عازب": "فنزلنا فيها ستَّة ما حًة".
قال: والماحة واحدهم ماتح، وهو الذى إذا قلَّ ماء الرَّكيَّة حتى لا يمكن أن يعترف منها بالدَّلو، نزل رجل، فغرف منها بيديه، فيجعله فى الدَّلو، فهذا المائح، قال ذو الرُّمَّة:
ومن جوف ماء عرمض الحول فوقه متى يحس منه ما تح القوم يثفل
وقال الشَّاعر:
* يأيَّها المائح دلوى دونكا *
* إنِّى رأيت الناس يحمدونكا *
والمائح فى أشياء سوى هذا.
[ ١ / ١٦٩ ]
٢٦ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- أنَّ رجلًا أتاه، فقال:
يا رسول الله [٢٥] إنَّا نركب أرماثًا فى البحر، فتحضر الصَّلاة، وليس معنا ماء إلاَّ لشفاهنا، أفنتوضَّأ بماء البحر؟
فقال:
"هو الطَّهور ماؤه، الحلُّ ميتته".
قال: حدثناه هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن المغيرة، عن عبد الله بن أبى بردة، عن رجل من بنى مدلج، عن النَّبىِّ -ﷺ-
قال أبو عبيد: وغير "هشيم" يجعل فى هذا الإسناد مكان رجل من بنى مدلج، عن "أبى هريرة" عن النَّبىِّ -ﷺ-
[ ١ / ١٧٠ ]
قال الأصمعىُّ: الأرماث: خشب يضمُّ بعضها إلى بعض، ويشدُّ، ثمَّ تركب، يقال لواحدها: رمث وجمعها أرماث.
والرَّمث فى غير هذا أن تأكل الإبل الرِّمث، فتمرض عنه.
قال الكسائى: يقال منه إبل رمثة ورماثى.
ويقال: إبل طلاحى وأراكى: إذا أكلت الأراك والطَّلح، فمرضت عنه.
وأنشدنا أبو عبيد لبعض الهذليين، ويقال: إنَّه لأبى صخر:
تمنَّيت من حبىِّ بثينة أنَّنا على رمث فى البحر ليس لنا وفر
قال أبو عبيد: أى مال، ويروى: على رمث فى الشَّرم، وهوموضع فى البحر، يقال: إنه لجَّة البحر.
٢٧ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنا فرطكم على الحوض".
[ ١ / ١٧١ ]
قال: حدَّثناه إبراهيم بن سليمان أبو إسماعيل مؤدب آل [أبى] عبيد الله، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت جندب بن سفيان، يقول: قال رسول الله -ﷺ-: "أنا فرطكم على الحوض".
وقال بعضهم: جندب بن عبد الله، وهو هذا.
قال الأصمعىُّ الفرط والفارط: المتقدِّم فى طلب الماء، يقول: أنا أتقدَّمكم إليه.
ويقال: منه: فرطت القوم فأنا أفرطهم، وذلك إذا تقدَّمهم [٢٦]؛ ليرتاد لهم الماء، ومن هذا قولهم فى الدُّعاء فى الصَّلاة على الصَّبىَّ [الميِّت]: اللَّهمَّ اجعله لنا فرطًا: أى أجرًا متقدِّما، [و] قال الشَّاعر:
فأثار فارطهم غطاطًا جثَّمًا أصواته كتراض الفرس
[ ١ / ١٧٢ ]
يعنى أنه لم يجد فى الركيَّة ماءً، إنَّما وجد غطاطًا، وهو القطا، وجمع الفارط فرَّاط، قال القطامىُّ:
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا كما تعجَّل فرَّاط لورَّاد
[و] قال أبو عبيد: يقال: صحاب وصحابة وصحبة وصحب، فإذا كسرت الصاد فلا هاء فيه. ويقال: أفرطت الشَّئ: [أى] نسيته [وأخَّرته]، قال الله ﵎ -: ﴿وأنَّهم مفرطون﴾.
وفرط الرَّجل فى القول: [إذا تعجَّل]، قال الله [-﵎]: ﴿إنَّنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى﴾.
٢٨ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه أعطى النِّساء
[ ١ / ١٧٣ ]
اللَّواتى غسَّلن ابنته حقوه، فقال:
"أشعرنها أيَّاه".
قال: حدَّثناه هشيم، عن منصور وخالد، وهشام أو عن اثنين من هؤلاء، عن حفصة، عن أمِّ عطيَّة، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال أبو عبيد: قال الأصمعىُّ: الحقو: الإزار، وجمعه حقىُّ
[ ١ / ١٧٤ ]
قال أبو عبيد: ولا أعلم الكسائىَّ إلاَّ وقد قال لى مثله أو نحوه
ومن ذلك حديث "عمر" [﵁]:
"لا تزهدن فى جفاء الحقو، فإن يكن ما تحته جافيًا فإنَّه أستر له، وإن يكن ما تحته لطيفًا فهو أخفى له".
يحدثه ابن عليَّة عن، أيُّوب، عن ابن سيرين، عن عمر.
[قال أبو عبيد]: أراد "عمر" بالحقو الإزار: يعنى أن تجعله المرأة جافيا تضاعف عليه الثِّياب؛ لتستر مؤخَّرها.
وقوله فى الحديث الأوَّل [٢٧] أشعرنها إيَّاه، يقول: اجعلنه شعارها الذى يلى جسدها.
٢٩ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- أنَّ رجلا أتاه، فقال: "يا رسول الله! تخرَّقت عنَّا الخنف، وأحرق بطوننا التَّمر".
[ ١ / ١٧٥ ]
قال: حدَّثناه أبو معاوية عن داود بن أبى هند، عن أبى حرب بن أبى الأسود، رفعه.
[قال أبو عبيد]: وقد خولف أبو معاوية فى إسناده فى داود بن أبى هند، عن رجل آخر يقال: إنَّه طلحة بن عبيد الله بن كريز، وطلحة رجل من خزاعة.
قال الأصمعىِّ: الخنف واحدها خنيف، وهو جنس من الكتَّان أرادأ ما يكون منه، قال الشَّاعر يذكر طريقًا:
علا كالخنيف السَّحق يدعو به الصَّدى له قلب عفَّى الحياض أجون
ويروى له قلب عاديَّة وصحون
يعنى الطريق شبَّهه بالخنيف: أى علا طريقًا كالخنيف. والسَّحق: الخلق من الثِّياب.
ومنه قول "عمر":
"من زافت عليه دراهمه، فليأت به السُّوق، فليقل: من يبيعنى بها سحق ثوب أو كذا وكذا؟ ولا يخالف النَّاس عليها أنَّها جياد".
[ ١ / ١٧٦ ]
وقال أبو زبيد [الطائىُّ]:
وأباريق شبه أعناق طير الما ء قد جيب فوقهنَّ خنيف
يعنى الفدام الَّذى تقدم به الأباريق، [و] قوله: [قد] جيب شبَّهه بالجيب.
ومن الفدام حديث "بهز".
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبىِّ -ﷺ- قال:
"إنَّكم مدعوُّون يوم القيامة مقدَّمًة أفواهكم بالفدام".
[ ١ / ١٧٧ ]
يعنى أنَّهم منعوا الكلام حتَّى تكلَّم أفخاذهم، فشَّه ذلك بالفدام الذى يشدُّ [٢٨] [به] على الفم.
قال أبو عبيد: وبعضهم يقول: الفدام -بالفتح- ووجه الكلام الفدام -بكسر الفاء-. وفى الحديث: "ثمَّ إنَّ أولَّ ما يبين عن أحدكم لفخذه ويده".
٣٠ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-.
"أنَّه دخل على "عائشة أم المؤمنين" وغى البيت سهوة عليها ستر".
قال الأصمعىُّ: السَّهوة كالصُّفَّة تكون بين يدى البيت.
وقال غيره من "أهل العلم": السَّهوة شبيه بالرَّفِّ أو الطَّاق، يوضع فيها الشئ
قال أبو عبيد: وسمعت غير واحد من "أهل اليمن" يقول: السَّهوّة عندنا بيت
[ ١ / ١٧٨ ]
صغير منحدر فى الأرض، وسمكه مرتفع من الأرض شبيه بالخزانة الصَّغيرة يكون فيه المتاع.
[قال أبو عبيد: وقول "أهل اليمن" عندى أشبه ما قيل فى السَّهوة]
[و] قال أبو عمرو فى الكنَّة والسدَّة نحو قول الأصمعىِّ فى السَّهوة، وقال: هى الظلَّة تكون بباب الدَّار، قال: والكنَّة مثل ذلك.
[و] قال الأصمعىُّ فى الكنَّة: هو الشئ يخرجه الرَّجل من حائطه كالجناح ونحوه.
قال أبو عبيد: ومن السُّدُّة حديث أبى الدَّرداء الذى يحدِّثه ابن المبارك، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدَّرداء، عن أبى الدَّرداء، قال: "من يغش سدد السُّلطان يقم ويقعد".
[ ١ / ١٧٩ ]
ومنه حديث عروة بن المغيرة: "أنَّه كان يصلِّى فى السُّدَّة"
يعنى سدَّة المسجد الجامع، وهى الظِّلال الَّتى حوله: يعنى صلاة الجمعة مع الإمام.
قالوا: وإنَّما سمِّى إسماعيل السدِّىَّ: لأنَّه كان تاجرًا يبيع فى سدَّة المسجد الخمر.
قال أبو عبيد: وبعضهم يجعل السُّدَّة الباب نفمه.
٣١ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنَّه نهى عن حلوان الكاهن"
قال: حدَّثناه ابن مهدىٍّ، عن مالك عن الزُّهرىِّ، عن أبى بكر بن عبد الرَّحمن بن
[ ١ / ١٨٠ ]
الحارث بن هشام، عن أبى مسعود الأنصارىِّ، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال: وحدَّثناه الواقدى عن معمر بإسناده
قال الأصمعىُّ: الحلوان: هو مايعطاه الكاهن، ويجعل له على كهانته.
يقال منه: جلوت الرَّجل [أحلوه] حلوانًا: إذا حبوته بشيء، وأنشد [نا] الأصمعىُّ لأوس بن حجر يذمُّ رجلًا
كأنِّى حلوت الشِّعر يوم مدحته صفا صخرة صمَّاء يبسًا بلالها
ألا تقبل المعروف منى تعاورت منولة أسيافًا عليك ظلالها
فجعل الشعر حلوانًا مثل العطاء، ومنولة أمَّ شمخ وعدىٍّ ابنى فزارة، وأظن مازنًا أيضًا.
[و] قال أبو عبيدة: الحلوان: الرِّشوة والرُّشوة
[ ١ / ١٨١ ]
يقال منه حلوت: أى رشوت، قال الشاعر:
فمن راكب ألوه رحلًا وناقًة يبلِّغ عنى الشِّعر إذ مات قائله
[و] قال غيره: والحلوان أيضًا أن يأخذ الرَّجل من مهر ابنته لنفسه، قال: وهذا عار عند العرب، قالت امرأة تمدح زوجها:
لا يأخذ الحلوان من بناتيا
٣٢ - قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى صفة أهل الجنَّة: "ومجامرهم الألوَّة".
قال]: حدَّثناه ابن أبى مريم، عن ابن لهيعة، عن أبى يونس مولى أبى هريرة، عن أبى هريرة، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
[ ١ / ١٨٢ ]
قال [أبو عبيد]: وحدَّثنا أبو الأسود، عن "ابن لهيعة" عن بكير، عن نافع، قال: كان "ابن عمر" يستجمر بالألوَّة غير مطرَّاة، والكافور يطرحة مع الألوَّة. ثمّ يقول: هكذا رأيت النَّبىِّ -ﷺ- يصنع.
قال الأصمعىُّ: هو العود الذى يتبخَّر به، وأراها كلمًة فارسيَّة عرِّبت.
قال أبو عبيد: وفيها لغتان [٣٠]: الألوَّة والألوَّة -بفتح الألف وضمِّها-
٣٣ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى الحيَّات:
[ ١ / ١٨٣ ]
"اقتلوا ذا الطُّفيتين والأبتر".
قال: حدَّثناه أبو اليقظان، عن ليث بن أبى سليم-، عن ابن بريدة، عن أبيه.
قال: وحدّثناه أبو صالح، عن اللَّيث بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال الأصمعىُّ: الطُّفية: خوصة المقل، وجمعها طفى، قال: وأراه شبَّه الخطَّين اللَّذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل، وأنشد لأبى ذؤيب:
[ ١ / ١٨٤ ]
عفت غير نوى الدار ما إن تبينه وأقطاع طفى قد عفت فى المعاقل
وقال غيره: الأبتر: القصير الذَّنب من الحيَّات [وغيرها].
٣٤ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين قال لأبى بردة بن نيار فى الجذعة التى أمره أن يضحِّى بها:
"ولا تجزى عن أحد بعدك".
قال: أخبرناه هشيم وإسماعيل، ويزيد هؤلاء أو بعضهم، عن داود بن أبى هند، عن الشَّعبىِّ، عن البراء [بن عازب]، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
[ ١ / ١٨٥ ]
قال الأصمعى: هو مأخوذ من قولك: قد جزى عنِّى هذا الأمر، فهو يجزى عنِّى -ولا همز فيه -ومعناه: لا تقضى عن أحد بعدك، يقول: لا تجزى: لا تقضى، وقال الله -﵎-: ﴿واتَّقوا يومًا لا تجزى نفس عن نفس شيئًا﴾ هو من هذا.
ومنه حديث يروى عن عبيد بن عمير أنَّ رجلًا كان يداين النَّاس، وكان له كاتب ومتجاز، فكان يقول له: إذا رأيت الرَّجل معسرًا، فأنظره، فغفر الله له.
[قال أبو عبيد]: والمتجازى: المتقاضى.
قال الأصمعىُّ: "أهل المدينة" يقولون [٣١]: أمرت فلانًا يتحازى [لى] دينى على فلان: أى يتقاضاه.
قال: وأمَّا قوله: أجزأنى الشَّئ إجزاءً، فمهموز، ومعناه: كفانى، وقال الطَّائىُّ:
[ ١ / ١٨٦ ]
لقد آليت أعذر فى جداع وإن منِّيت أمَّات الرِّباع
بأنَّ الغدر فى الأقوام عار وأنَّ المرء يجزأ بالكراع
جداع: الَّسنة الَّتى تجدع كلَّ شيء: أى تذهب به. [وقوله] يجزأ [بالكراع] أى يكتفى بها. ومنه قول النَّاس: اجتزأت بكذا وكذا، وتجزأت به: أى اكتفيت به.
٣٥ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين سئل: متى تحلُّ لنا الميتة؟ فقال: "ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا، أو تحتفئوا بها بقلًا، فشأنكم بها".
[ ١ / ١٨٧ ]
قال: حدَّثناه محمَّد بن كثير، عن الأوزاعىِّ، عن حسَّان بن عطية، عن أبى واقد اللَّيثىَّ، أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله!: إنَّا نكون فى الأرض، فتصيبنا بها المخمصة، فمتى تحلُّ لنا الميتة؟ فقال: "ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلًا، فشأنكم بها".
قال الأصمعىُّ: لا أعرف تحتفئوا، ولكنىِّ أراها تختفوا بها بقلًا: أى تقتلعونه من الأرض.
ويقال: اختفيت الشئ: [أى] أخرجته.
قال أبو عبيد: ومنه سمِّى النَّبَّاش المختفى؛ لأنَّه يستخرج الأكفان
وكذلك: خفيت الشئ: أى أخرجته، قال امرؤ القيس [بن حجر] يصف حضر الفرس، وأنَّه استخرج الفأر من حجرتهنَّ، كما يستخرجهنَّ المطر:
خفاهنَّ من أنفاقهنَّ كأنَّما خفاهنَّ ودق من سحاب مركَّب
[ ١ / ١٨٨ ]
قال أبو عبيد: وقد كان الكسائىُّ يحدِّث عن محمَّد بن سهل الأسدىِّ، عن وقاء ابن إياس، عن سعيد بن جبير أنَّه كان يقرأ: "إنَّ السَّاعة آتية أكاد أخفيها" [-بفتح الألف-]: أى أظهرها.
قال أبو عبيد: وسألت عنها أبا عمرو، فلم يعرف [فيها بالحاء] تحتفئوا، وسألت أبا عبيدة، فلم يعرفها.
قال أبو عبيد: ثم بلغنى عن أبى عبيدة أنَّه قال: هو من الحفا، والحفأ مقصور مهموز، وهو أصل البردىِّ الأبيض الرَّطب منه، وهو يؤكل، فتأويله أبو عبيدة فى قوله "تختفئوا" يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه، فتأكلوه.
قال [أبو عبيد]: وأخبرنى الهيثم بن عدىٍّ أنه سأل عنها أعرابيًّا، فقال: فلعلَّها: تجتفئوا -بالجيم-.
قال أبو عبيد: يعنى أن يقتلع الشَّئ، ثم يرمى به.
[ ١ / ١٨٩ ]
يقال: جفات الرَّجل: إذا صرعته، وضربت به الأرض -مهموز.
قال أبو عبيد: وبعضهم يرويه: ما لم تحتفُّوا بها، يشدِّد الفاء، فإن كان هذا محفوظًا، فهو من احتففت الشئ كما تحفُّ المرأة وجهها من الشَّعر.
[قال]: وأمَّا قوله: ما لم تصطبحوا أو تعتبقوا: فإنَّه يقول: إنَّما لكم منها الصَّبوح وهو الغداء، أو الغبوق، وهو العشاء، يقول فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة.
٣٦/ ومن ذلك الحديث سمرة بن جندب.
قال [أبو عبيد]: حدَّثنا معاذ [بن معاذ]، عن ابن عون قال: رأيت عند الحسن كتاب سمرة لبنيه: إنَّه يجزئ من الاضطرار أو الضَّارورة صبوح أو غبوق.
٣٦ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين قال [٣٣] للأنصاريَّة، وهو يصف لها الاغتسال من المحيض:
"خذى فرصًة ممسَّكًة، فتطهَّرى بها".
[ ١ / ١٩٠ ]
فقالت "عائشة" أم المؤمنين: يعنى تتبَّعى بها أثر الدَّم.
قال: حدَّثناه عبد الرَّحمن، عن أبى عوانة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن صفيَّة بنت شيبة، عن عائشة أنَّها ذكرت نساء الأنصار، فأثنت عليهنَّ خيرًا، وقالت لهنَّ معروفًا، وقالت: لمَّا نزلت سورة النُّور عمدن إلى حجز أو حجوز مناطقهنَّ، فشققنها، فجعلن منها خمرًا وأنَّه دخلت منهنَّ امرأة على النَّبىِّ -ﷺ- فسألته عن الاغتسال من المحيض، ثم ذكر الحديث.
[ ١ / ١٩١ ]
قال الأصمعىُّ: الفرصة: القطعة من الصُّوف أو القطن أو غيره، وإنَّما أخذ من فرضت الشَّئ: أى قطعته، ويقال للحديدة التى تقطع بها الفضَّة مفراض؛ لأنها تقطع، وأنشد الأصمعىُّ للأعشى:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم لسانًا كمفراص الخفاجىِّ ملحبا
يعنى بالملحب كلَّ شيء يقشر ويقطع [الَّلحم والخفاجىُّ: رجل من بنى خفاجة].
٣٧ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين دخل عليه عمر [﵁].
فقال: يا رسول الله: لو أمرت بهذا البيت فسفر.
[ ١ / ١٩٢ ]
[قال]: وكان فى بيت فيه أهب وغيرها.
قال الأصمعىُّ: قوله: سفر: يعنى كنس.
ويقال: سفرت البيت وغيره: إذا كنسته، فأنا أسفره سفرًا.
ويقال للمكنسة: المسفرة.
قال: ومنه سمِّى ما سقط من الورق: السَّفير؛ لأنَّ الرِّيح تسفره: أى تكنسه [٣٤] قال "ذو الرمة":
وحائل من سفير الحول جائله حول الجراثيم فى ألوانه شهب
[ ١ / ١٩٣ ]
ويروى:
وحائل من شفير الحول حائله
يعنى الورق، وقد حال: تعيَّر لونه وأبيضَّ، والجائل: ما جال بالريح فذهب وجاء والجراثيم: كل شيء مجتمع، والواحدة جرثومة.
قال أبو عبيد: وقد تكون الجرثومة أصل الشيء.
منه الحديث المرفوع:
قال: حدَّثناه عفيف بن سالم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، يرفعه، قال:
"الأزد جرثومة العرب، فمن أضلَّ نسبة فليأتهم".
قال أبو عبيد (: وقد روى فى الأهب حديث آخر: "أنَّ عمر دخل على النَّبىِّ -ﷺ- وفى البيت أهب عطنة) ".
[ ١ / ١٩٤ ]
وهى الجلود واحدها إهاب. والعطنة: المنتنة الرّيح، وجاء فى حديث آخر: أنَّه دخل عليه، وعنده أفيق".
والأفيق: الجلد الَّذى لم يتم دباغه، وجمعه أفق.
يقال: أفيق وأفق مثل أديم وأدم، وعمود وعمد، وإهاب وأهب.
قال: ولم نجد فى الحروف فعيلًا ولا فعولًا يجمع على فعل إلاَّ هذه الأحرف.
[و]: إنما تجمع على فعل مثل: صبور وصبر، [وشكور وشكر].
٣٨ - وقال أبو عبيد فى حديث النبىِّ -ﷺ-:
"كل صلاة ليست فيها قراءة فهى خداج".
[ ١ / ١٩٥ ]
قال: حدَّثناه إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة عن النبىِّ -ﷺ-.
قال الأصمعىُّ: الخداج: النُّقصان مثل خداج النَّاقة: إذا ولدت ولدًا ناقص الخلق، أو لغير تمام.
ويقال: أخدج الرَّجل صلاته [٣٥] فهو مخدج، وهى مخدجة، ومنه قيل لذى الثُّديَّة: [إنَّه] مخدج اليد: يعنى [أنَّه] ناقصها.
قال: حدَّثناه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علىٍّ [﵁] فى ذى الثُّديَّة: "أنَّه مخدج اليد"
قال: يعنى ناقصها.
[ ١ / ١٩٦ ]
ويقال: خدجت النَّاقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان النِّتاج، وإن كان تامَّ الخلق، وأخدجت الناقة: إذا ألقته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل. وإنَّما أدخلوا الهاء فى ذى الثُّديَّة، وأصل الثَّدى ذكر، لأنَّه كأنَّه أراد لحمًة من ثدى، أو قطعه من ثدى، فصغَّر على هذا المعنى، فأنَّث. وبعضهم يرويها ذا اليدية -بالياء-.
قال أبو عبيد: ويقال: ولد تمام وتمام، وقمر تمام وتمام، وليل تمام لاغير.
٣٩ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى صدقة النخل: "ما سقى منه بعلًا قفيه العشر".
[ ١ / ١٩٧ ]
قال: حدَّثنيه أبو النَّضر، عن اللَّيث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشجِّ، عن بسر بن سعيد، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال الأصمعىَّ: البعل: ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقى سماء ولا غيرها، فإذا سقته السَّماء، فهو عذى.
قال: ومن البعل قول النَّابغة فى صفة النَّخل:
من الواردات الماء بالقاع تستقى بأذنابها قبل استقاء الحناجر
فأخبر أنَّها تشرب بعروقها، فأراد بالأذناب: العروق.
قال: وقال عبد الله بن رواحة:
هن لك لا أبالى نخل سقى ولا بعل وإن عظم الأتاء [٣٦]
يقال: سقىى وسقى، فالسَّقى -بالفتح- الفعل، والسِّقى -بالكسر- الشّرب
قال: والأتاء: ما خرج من الأرض من الثَّمر أو غيره.
[ ١ / ١٩٨ ]
يقال: هى أرض كثيرة الأتاء: أى كثيرة الرَّيع من الثَّمر وغيره
قال: وأمَّا الغيل، فهو ما جرى فى الأنهار، وهو الفتح أيضًا.
قال: والغلل: الماء بين الشَّجر.
وقال أبو عبيدة والكسائى فى البعل: هو العذى، و[هو] ماسقته السَّماء.
قال أبو عمرو: والعثرى: العذى أيضًا.
وقال بعضهم: السَّيح: الماء الجارى مثل الغيل، سمِّى سيحًا:؛ لأنَّه
[ ١ / ١٩٩ ]
يسيح فى الأرض: أى يجرى:
[ ١ / ٢٠٠ ]
٤٠ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى قوم يخرجون من النَّار "فينبتون كما تنبت الحبَّة فى حميل السَّيل".
قال الأصمعىُّ: الحميل: ما حمله السَّيل من كلِّ شئٍ، وكلُّ محمول فهو جميل، كما يقال للمقتل قتيل، ومنه قول عمر [بن الخطاب -﵀-]:
"فى الجميل لا يورَّث إلاَّ ببيِّنة"
إنَّما سمِّى جميلًا؛ لأنَّه يحمل من بلاده صغيرًا، ولم يولد فى الإسلام.
[ ١ / ٢٠١ ]
وأمَّا الحبَّة، فكل نبت له حبُّ، فاسم الحبِّ منه الحبَّة.
وقال الفرَّاء: الحبَّة بذور البقل.
وقال أبو عمرو: الحبَّة: نبت ينبت فى الحشيش صغار.
وقال الكسائىُّ: الحيَّة: حبُّ الرَّياحين.
وواحدة الحبَّة حبَّة
قال: وأمِّا الحنطة، ونحوها، فهو الحبُّ لا غير.
[قال أبو عبيد] وفى الحميل تفسير آخر هو أجود من هذا.
يقال: إنّما سمِّى الحميل الذى قال "عمر" حميلًا؛ لأنه محمول النَّسب، وهو أن يقول الرجل: هذا أخى أو أبى أو ابنى فلا يصدَّق عليه إلاَّ ببينة؛ لأنه يريد بذلك أن يدفع ميراث مولاه الذى أعتقه، ولهذا قيل للدَّعىِّ جميل، قال الكميت [٣٧]
علام نزلتم من غير فقر ولا ضرَّاء منزلة الحميل
[ ١ / ٢٠٢ ]
يعاتب "قضاعة" فى تحوَّلهم إلى اليمن"
هذا هو الصَّحيح عندنا.
٤١ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"مازالت أكلة "خيبر" تعادُّنى، فهذا أوان قطعت أبهرى".
[ ١ / ٢٠٣ ]
قال: حدِّثت به عن سفيان بن عيينة، عن العلاء [بن أبى العلاء، عن ابن] أبى العبَّاس، عن أبى جعفر يرفعه.
قال الأصمعىُّ: هو من العداد، وهو الشَّئ الذى يأتيك لوقت.
وأصله من العدد لوقت، مثل الحمَّى الرِّبع والغبِّ، وكذلك السَّمُّ الَّذى يقتل لوقت.
وقال أبو زيد مثل ذلك أو نحوه.
قال أبو عبيد: [وكلُّ شئٍ معلوم، فإنَّه يعادُّ صاحبه لأيَّام، وأصله من العدد حتَّى يأتى وقته الذى يقتل فيه]، ومنه قول الشَّاعر:
يلاقى من تذكُّر آل نيلى كما يلقى السَّليم من العداد
يعنى اللَّديغ.
قال الأصمعىُّ: إنَّما سمِّى اللَّديغ سليمًا؛ لأنَّهم تطيَّروا. من اللديغ، فقلبوا المعنى، كما قالوا للحبشىِّ أبو البيضاء، وكما قالوا للفلاة: مقارة تطيرَّوا إلى الفوز، وهى
[ ١ / ٢٠٤ ]
مهلكة [ومهلكة].
وذلك؛ لأنُّهم تطيَّروا.
والأبهر: عرق مستبطن الصُّلب، والقلب متصل به، فإذا انقطع لم تكن معه حياة، وأنشد الأصمعىُّ لابن مقبل:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
شبَّه وجيب قلبه بصوت حجر، واللدم: الضَّرب، وقال بعضهم: وإنَّما سمِّى التدام النساء من هذا.
٤٢ - [و] قال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى قوله للذى تخطَّى رقاب النَّاس يوم الجمعة:
"رأيتك آذيت وآنيت"
[ ١ / ٢٠٥ ]
قال: حدَّثناه هشيم، قال: أخبرنا منصور، ويونس، عن الحسن أنَّ رجلًا جاء يوم الجمعة، ورسول [٣٨] الله -ﷺ- يخطب، فجعل يتخطىَّ رقاب الناس حتى صلَّى مع النَّبىِّ -ﷺ- فلما فرغ من صلاته، قال له: "ما جمَّعت يا فلان؟
فقال: يا رسول الله! أما رأيتنى جمَّعت معك؟
فقال: "رأيتك آذيت، وآنيت".
قال الأصمعىُّ: قوله: آنيت: يعنى أخرت المجئ، وأبطأت، قال: ومنه قول الحطيئة:
وآنيت العشاء إلى سهيل أو الشِّعرى فطال بى الأناء
ومنه قيل للمتمكِّث فى الأمور: متأنٍّ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
ويقال: جمعة، وجمعة.
٤٣ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنَّه نهى أن يقال: بالرِّفاء والبنين".
قال: حدَّثناه أبو النَّضر هاشم بن القاسم، عن شيخ له قد سمَّاه، عن الحسن، عن عقيل بن أبى طالب، عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال الأصمعىُّ: الرِّفاء يكون فى معنيين، يكون من الاتفاق، وحسن الاجتماع.
قال: ومنه أخذ رفء الثَّوب؛ لأنَّه يرفأ، فيضمُّ بعضه إلى بعض، ويلأم بينه ويكون الرِّفاء من الهدوء، والسُّكون، وأنشد لأبى خراش الهذلىِّ:
رفونى وقالوا يا خويلد لم ترع فقلت وأنكرت الوجوه هم هم
[رفونى] يقول: سكَّنونى.
[ ١ / ٢٠٧ ]
[و] قال أبو زيد: الرِّفاء: الموافقة، وهى المرافاة بلا همز، وأنشد:
ولمَّا أن رأيت أبا رويم يرا فينى، ويكره أن يلاما
٤٤ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنَّه كان إذا مرَّ بهدف مائل، أو صدف مائل أسرع المشى".
قال: حدَّثناه ابن عليَّة، عن حجَّاج بن أبى عثمان الصَّوَّاف قال:
حدثنا يحيى [٣٩]- ابن أبى كثيرٍ، قال: بلغنى ذلك عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال الأصمعىُّ: الهدف كلَّ شئٍ عظيم مرتفع.
[و] قال غيره: وبه شبِّه الرَّجل العظيم، فقيل له هدف، وأنشد:
[ ١ / ٢٠٨ ]
إذا الهدف المعزال صوَّب رأسه وأعجبه ضفو من الثَّلَّة الخطل
والثَّلة: جماعة الغنم، والضَّفو: من الضَّافى، وهو الكثير، والخطل: المسترخية الآذان، وبها سمِّى الأخطل.
وقال غير الأصمعىِّ: الصَّدف نحو من الهدف، ومنه قول الله -جلَّ ثناؤه-.
["حتَّى إذا] ساوى بين الصَّدفين".
٤٥ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أنَّه نهى عن لحوم الجلالة".
قال الأصمعىُّ: هى التى تأكل العذرة من الإبل.
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقال: هى الجلَّة [بالفتح، قال]: وأصل الجلَّة: البعر، فكنَّى بها عن العذرة. ويقال منه: خرج الإ ماء يجتللن: إذا خرجن يلتقطن البعر.
٤٦ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى الغائط:
"اتَّقوا الملاعن وأعدُّوا النُّبل".
قال: حدَّثناه محمد بن الحسن، عن عيسى بن أبى عيسى الحنَّاط، عن الشَّعبىّ
[ ١ / ٢١٠ ]
عمَّن سمع [عن] النَّبىِّ -ﷺ- يقول ذلك.
قال الأصمعىَّ أراها كذا -بضمِّ النون، وبفتح الباء-
قال: ويقال: تبِّلنى أحجار الاستنجاء: أى أعطنيها، ونبِّلنى [٤٠] عرقًا أى أعطنيه، لم يعرف منه الأصمعىُّ إلَّا هذا.
قال [أبو عبيد]: سمعت محمد بن الحسن يقول: النبل: هى حجارة الاستنجاء.
قال أبو عبيد: والمحدِّثون يقولون: النَّبل -بالفتح- ونراها إنَّما سمِّيت نبلًا لصغرها، وهذا من الأضداد فى كلام العرب أن يقل للعظام نبل وللصِّغار نبل.
قال وحدَّثنى إسحاق بن عيسى [الطَّباع] قال: سمعت القاسم بن معن يقول: إنَّ رجلًا من العرب توفِّى فورثه أخوه إبلًا، فعَّيره رجل بأنَّه قد فرح بموت أخيه؛ لما ورثه، فقال الرَّجل:
إن كنت أزننتنى بها كذبًا جزء فلا قيت مثلها عجلا
[ ١ / ٢١١ ]
أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذودًا شصائصا نبلا
والشَّصائص: الَّتى لا أّلبان لها، والنبل فى هذا الموضع: الصِّغار الأجسام، فنرى أنَّه إنَّما سمِّيت حجارة الاستنجاء نبلًا لصغرها.
والعرق: القدرة من اللَّحم.
٤٧ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"عائد المريض على مخارف الجنَّة حتَّى يرجع".
[ ١ / ٢١٢ ]
قال: حدَّثناه أبو إسماعيل المؤدِّب، عن عاصم الأحول، عن أبى قلابة، عن أبى الأشعث الصَّنعانىِّ، عن أبى أسماء الرَّحبِّى، عن ثوبان رفعه.
قال الأصمعُّى: المخاوف واحدها مخرف، وهو جنى النَّخل، وإنَّما سمِّى مخرفًا؛ لأنَّه يخترف منه: أى يجتنى منه.
ومنه حديث أبى ضلحة حين نزلت: ﴿من ذا الَّذى يقرض الله قرضًا حسنًا﴾:
قال: "إنَّ لى مخرفًا: وإنِّى قد جعلته [٤١ [صدقًة".
قال: حدَّثناه الأنصارىُّ، عن حميد عن أنس، قال:
قال أبو طلحة: "إن لى مخرفًا، وإنِّى قد جعلته صدقًة".
[ ١ / ٢١٣ ]
قال: فقال النَّبىِّ -ﷺ-:
"اجعله فى فقراء قومك".
قال الأصمعىُّ: وأمَّا قول عمر [-﵀-]:
"تركتم على مثل مخرفة النَّعم".
فليس من هذا فى شئٍ إنَّما أراد بالمخرفة الطَّريق قال أبو كبير الهذلىُّ:
فأجزته بأقلَّ تحسب أثره نهجًا أبان بذى فريغ مخرف
[ ١ / ٢١٤ ]
أفلَّ: سيف به فلول [وأثره: الوشى الَّذى فيه] ونهجًا ونهجًا [واحد، والنَّهج، أجود].
قال أبو عمرو فى مخارف النَّخل مثله أو نحوه، قال: ويقال منه: اخرف لنا: أى اجن لنا.
٤٨ - وقال أبو عبيد فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- "أنَّه سار ليلًة حتَّى
[ ١ / ٢١٥ ]
ابهار الليل، ثم سار حتى تهور الليل."
[ ١ / ٢١٦ ]
قال: حدثناه هاشم بن القاسم، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت البنانيّ عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، عن النبيّ -ﷺ-.
قال الأصمعي: قوله ابهار الليل: يعني انتصف الليل، وهو مأخوذ من بهرة الشيء أي وسطه.
وقوله: ثم سار حتى تهور الليل: يعني أدبر، وانهدم، كما يتهور البناء وغيره، فيسقط.
قال غيره: ومنه قول الله -جل ثناؤه-: "على شفا جرف هار فانهار به".
٤٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- أنه قال للشفاء: "علمىّ حفصة رقية النّملة".
قال: حدثناه إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة أن النبي -ﷺ- أمر الشفاء بذلك:
[ ١ / ٢١٧ ]
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: هي قروح تخرج في الجنب وغيره.
قال: وأما النملة: فهي النميمة [٤٢] يقال: رجل نمل إذا كان نمامًا
٥٠ - [و] قال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"أنه سئل عن الأضبط".
قال الأصمعي: هو الذي يعتمل بيديه جميعًا، يعمل بيساره كما، يعمل بيمينه وقال أبو عمرو: مثله.
قال أبو عبيد: يقال من ذلك للمرأة ضبطاء، وكذلك كل عامل بيديه جميعا، قال معن بن أوس يصف الناقة:
عذا فرة ضبطاء تخدي كأنها فنيق غدا يحمى السّوام السّوارحا
[قال]: وهو الذي يقال له: أعسر يسر، والمحدثون يقولون: أعسر أيسر
[ ١ / ٢١٨ ]
وكذلك يروى أن عمر [بن الخطاب -﵁] كان كذلك.
٥١ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- أنه قيل له لمّا نهى عن ضرب النسلء: "ذئر النساء على أزواجهن".
يحدث به ابن عيينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب، عن النبي -ﷺ- أنه قال ذلك.
قال الأصمعيّ: يعني نفرن ونثرن، واجترأن.
يقال منه: امرأة ذائر على مثال فاعل، مثل الرجل، [و] قال عبيد بن الأبرص:
[ ١ / ٢١٩ ]
ولقد أتانا عن تميم أنهم ذئروا لقتلى عامر وتغضّبوا
يعني نفروا من ذلك، وأنكروه، ويقال: أنفوا.
٥٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّﷺ- أنه قال: "يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره".
قال أبو عبيد: وفي هذا الحديث اختلاف [وبعضهم يرفعه و] بعضهم لا يرفعه.
يقول عن مطرف بن عبد الله بن الشخير.
قال الأصمعي: قوله: [ذهب] حبره وسبره: هو الجمال والبهاء.
يقال: فلان [٤٣]-حسن الحبر والسبر، وقال ابن احمر، وذكر زمانًا قد مضى:
لبسنا حبره حتى اقتضينا لأعمال وآجال قضينا
[ ١ / ٢٢٠ ]
ويروي: حتى اقتنصنا: يعني لبسنا جماله وهيئته.
وقال غيره: فلان حسن الحبر والسبر: إذا كان جميلًا حسن الهسئة -بالفتح جميعًا.
قال أبو عبيد: وهو عندي بالحبر أشبه؛ لأنه مصدر حبرته حبرًا: أي حسنته.
قال الأصمعي: وكان يقال لطفيل الغنوى في الجاهلية المحبّر؛ لأنه كان يحسن الشعر ويحبره.
قال: وهو مأخوذ عندي من التحبير، وحسن الخطّ والمنطق.
[قال]: والحبار: اثر الشيء، وأنشد:
* لا تملأ الدّلو وعرّق فيها
* ألا ترى حبار من يسقيها
قوله: عرق فيها: أي اجعل فيها ماءً قليلًا، ومنه قيل: طلاء معرّق، [معرق. ويقال: أعرق، وعرق].
[ ١ / ٢٢١ ]
وأما الحبر من قول [الله جل ثناؤه: "من] الأحبار والرهبان" فإن الفقهاء يختلفون فيه. فبعضهم يقول: حبر، وبعضهم يقول حبر.
وقال الفراء: إنما هو حبر، يقال ذلك: للعالم.
قال وإنما قيل: كعب الحبر لمكان هذا الحبر اذلي يكتب به، وذلك أنه كان صاحب كتب.
قال الأصمعي: لا أدرى هو الحبر أو الحبر للرجل العالم.
٥٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- حين قال في عمر [بن الخطاب رحمه اللخ]:
"فلم أر عبقريًّا يفرى فريه".
قال حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمر و، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٢٢ ]
قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري، فقال:
يقال: هذا عبقري قوم، كقولك: هذا سيد قوم وكبيرهم [وشديدهم] وقويهم، ونحو من هذا [٤٤]
قال أبو عبيد: [و] إنما أصل هذا فيما يقال: أنه نسب إلى عبقر، وهي أرض تسكنها الجن، فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع، قال زهير [بن أبي سلمى]:
بخيل عليها جنة عبقرية جديرون يومًا أن ينالوا فيستعلوا
وقوله: يفرى فريه، كقولك، يعمل عمله، ويقول قوله، ونحو هذا، وأنشد الأحمر:
قد أطعمتي دقلًا حوليّا
مسوسّا مدودا حجريّا
قد كنت تفرين به الفريا
[ ١ / ٢٢٣ ]
أي كنت تكثرين فيه القول، وتعظمينه، ومنه قول الله -﵎- " [لقد جئت] شيئا فريا": أي شيئًا عظيمًا.
ويقال في عبقر: إنها أرض يعمل فيها البرود؛ ولذلك نسب الوشى إليها، قال ذو الرمة يدكر ألوان الرياض:
حتى كأن رياض القفّ ألبسها من وشى عبقر تجليل وتنجيد
ومن هذا قيل للبسط عبقرية، إنما نسبت إلى تلك البلاد.
ومنه حديث عمر: "أنه كان يسجد على عبقري".
[قيل له: على بساط؟ قال نعم].
٥٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ:
[ ١ / ٢٢٤ ]
"وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم".
قال: حدثناه يزيد، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير. أسنده "يزيد"، ورواه: يقتل خبطًا -بالخاء
قال الأصمعي: الحبط: هو أن تأكل الدابة، فتكثر حتى ينتفخ لذلك بطنها، وتمرض عنه.
[ ١ / ٢٢٥ ]
يقال منه: [قد] حبطت تحبط حبطًا.
وقال أبو عبيدة مثل ذلك أو نحوه.
و[قال]: إنما سمى الحارث بن مازن بن تميم الحبط [٤٥]، لأنه كان في سفر، فأصابه مثل هذا، وهو أبو هؤلاء الذين يسمون الحبطات من بنى تميم، فينسب فلان الحبطى.
[قال: و] إذا نسبوا إلى الحبط: حبطى، وإلى سلمة: سلمى، وإلى شقرة: شقرى، وذلك أنهم كرهوا كثرة الكسرات، ففتحوا.
وأما الذي رواه "يزيد": يقتل خبطًا -بالخاء-، وهذا ليس بمحفوظ، إنّما ذهب إلى التخبط، وليس له وجه.
قال أبو عبيد: وأما قوله: أو يلم: فإنه يعني يقرب من ذلك.
ومنه الحديث [الآخر] في ذكر أهل الجنة قال:
"فلولا أنه شيء قضاه الله له لألمّ أن يذهب بصره".
يعني لما يرى فيها، يقول: لقرب أن يذهب بصره.
[ ١ / ٢٢٦ ]
٥٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- في الحساء:
"إنه برتو قؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم".
قال: حدثناه إسماعيل بن إبراهيم، عن محمد بن السائب بن بركة، عن أمه، عن عائشة [-رحمها الله-] عن النبيّ -ﷺ-.
قال الأصمعي: يعن يبقوله: يرتو [فؤاد الحزين]: يشده ويقويه
قال أبو عبيد: ومنه قول "لبيد" يذكر كتيبة، أو درعًا:
فخمة ذفراء ترتي بالعرى قردمانيا وتركًا كالبصل
يعني الدروع أن لها عرًى في أوساطها، فيضم ذيلها إلى تلك العرى، وتشد
[ ١ / ٢٢٧ ]
لتشمر عن لابسها، فذاك الشد هو الرتو، وهو. معنى قول "زهير":
ومفاضة كالنهي تنسجه الصب بيضاء كفت فضلها بمهند
يعني أنه علق الدرع بمعلاق في السيف.
وقوله: يسرو: [أي] يكشف عن فؤاده، ولهذا قيل: سريت الثوب عن [٤٦] الرجل إذا كشفته، ويقال: سريت، سروت، قال "ابن هرمة":
سرًا ثوبه عنك الصبا المتخايل [وقرب للبين الخليط المزامل]
[ ١ / ٢٢٨ ]
٥٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"أنه نهى أن يستطيب الرجل بيمينه".
قال: الاستطابة: الاستنجاء، وإنما سمى استطابة من الطيب.
يقول: يطيب جسده مما عليه من الخبث بالاستنجاء.
يقال منه: [قد] استطاب الرجل، فهو مستطيب، وأطاب نفسه، فهو مطيب [و] قال "الأعشى" يذكر رجلًا:
* يا رخمًا قاظ على مطلوب
* يعجل كف الخارئ المطيب
[ ١ / ٢٢٩ ]
٥٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
أنه بعث "ابن مربع الأنصاريّ" إلى "أهل عرفة"، فقال: "اثبتوا على مشاعركم هذه، فإنكم على إرث من إرث إبراهيم".
قال [أبو عبيد]: حدثنيه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن يزيد بن شيبان، قال:
"أتانا ابن مربع، ونحن وقوف بالموقف بمكان يباعده "عمرو" فقال: أنا رسول الله إليكم، ثم ذكر ذلك".
قال أبو عبيد: الإرث أصله من الميراث [و] إنما هو ورث، فقلبت الواو ألفًا مكسورة لكسرة الواو، كما قالوا للوسادة: إسادًة، وللوشاح: إشاح، وللو كاف:
[ ١ / ٢٣٠ ]
إكاف، وقال الله -﵎-: "وإذا الرسل أقتت" وأصلها من الوقت، فجعلت الواو ألفًا مضمومًة لضمة الواو، كما كسرت في تلك الأشياء لكسرة الواو [٤٧]، فكأنّ معنى الحديث:
أنكم على بقية من ورث إبراهيم، وهو الإرث، وقال الحطيئة [يمدح قومًا]:
فإن تك ذا عز حديث فإنهم ذوو إرث مجد لم تخنه زوافره
٥٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- حين ذكر أيام التشريق فقال: "إنها أيام أكل وشرب وبعال"
[ ١ / ٢٣١ ]
قال [أبو عبيد]: البعال: النكاح، وملاعبة الرجل أهله.
يقال للمرأة: هي تباعل زوجها بعالًا ومباعلة: إذا فعلت ذلك معه، وقال "الحطيئة" يمدح رجلًا.
وكم من حصان ذات بعل تركتها إذا الليل أدجى لم تجد من تباعله
يقول: إنك قد قتلت زوجها، أو أسرته.
قال "الكسأييّ": أيام أكل وشرب.
[قال أبو عبيد]: وكان يحدث فيه بحديث سمعته يخبره عن يحيى بن سعيد -شيخ له- عن جعفر بن محمد أن رسول الله - ﷺ- بعث مناديًا، فنادى في أيام التشريق: "إنها أيام أكل وشرب [وبعال] ".
[قال أبو عبيد]: وكذلك كان "الكسائي" يقرأ: "فشاربون شرب الهيم".
[ ١ / ٢٣٢ ]
٥٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- حين ذكر فضل إسباغ الوضوء في السبرات.
قال [أبو عبيدة]: السبرة: شدّة البر، وبها سمى الرجل سبرة، وجمعها سبرات، وقال "الحطيئة" يذكر إبله، وكثرة شحومها:
عظام مقيل الهام غلب رقابها يباكرن حد الماء في السبرات
مهاريس يروى رسلها ضيف أهلها إذا النار أبدت أوجه الخفرات
[ ١ / ٢٣٣ ]
يعني شدة الشتاء مع الجدوبة.
يقول: فهذه الإبل لا تجزع من برد الماء، لسمنها، واكتناز لحومها.
وقد كان ذكر في هذه القصيدة قومه، فنال منهم، ففيها يقول له عمر [﵀] فيما يروى: "بئس الرجل أنت، [٤٨] تهجو قومك، وتمدح إبلك"
٦٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"أنه نهى عن القزع". قال: حدثناه أبو النضر، عن أبي خيثمة، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، يرفعه.
قال أبو عبيد: القزع [هو] أن يحلق رأس الصبي، وتترك منه مواضع فيها الشعر متفرقة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وكذلك كل شيء يكون قطعًا متفرقة، فهو قزع، ومنه قيل لقطع السحاب في السماء قزع.
وكذلك حديث علي [-﵁-] حين ذكر فتنة تكون، قال:
"فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف".
يعني قطع السحاب، وأكثر ما يكون ذلك في زمن الخريف، وقال "ذو الرمة" يذكر ماءً، وبلادًا مقفرًة ليس فيها أنيس، ولا شيء إلا القطا:
ترى عصب القطا هملا عليه كأن رعالة قزع الجهام
والجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.
٦١ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- قال:
"يقول الله [-﵎ي: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعتهم عليه".
[ ١ / ٢٣٥ ]
قال: حدثناه أبو اليقظان عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-.
قال "الأحمر" وغيره: قوله: بله معناه: كيف ما أطلعتهم عليه.
وقال "الفراء": معناه: كيف ما أطلعتهم عليه، ودع ما أطلعتهم عليه.
قال أبو عبيد: وكلاهما معناه جائز، [و] قال في ذلك "كعب بن مالك الأنصاري" يصف السيوف:
تذر الجماجم ضاحيًا هاماتها بله الأكف كأنها لم تخلق [٤٩]
قال "أبو عبيد": والأكف تنشد بالخفض والنصب، والنصب على معنى: دع الأكف. [ودع أجود]، قال "أبو زبيد الطائ":
حمال أثقال أهل الود آونة أعطيهم الجهد منى بله ما أسمع
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقال "ابن هرمة":
تمشي القطوف إذا غنىّ الحداة بها مثى النجيبة بله الجلة النجبا
٦٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- أنه بعث سرية أة جيشًا، فأمرهم: "أن يمسحوا على المشاوذ والتساخين"
قال: سمعت "محمد بن الحسن" يحدثه عن ثور بن يزيد، عن راشد بن سعد، عن ثوبان، عن النبي -ﷺ-.
قال: وسمعت يحيى بن سعيد القطان يحدثه بهذا الإسناد [مثله] إلا أن "يحيى" قال: على العصائب والتساخين.
[ ١ / ٢٣٧ ]
قال: التساخين: الخفاف. والمشاود: العمائم، وأحدها مشوذ، قال "الوليد بن عقبة بن أبي معيط":
إذا ما شددت الرأس منى بمشوذ فغيك منى تغلب ابنة وائل
وكان ولي صدقات "بني تغلب".
قال أبو عبيد: والعصائب هي العمائم أيضا، وقال "الفرزدق":
وركب كأن الريح تطلب منهم لها سلبًا من جذبها بالعصائب
يعني أن الريح تنقض لي عمائمهم من شدتها، فكأنها تسليهم إياها
[ ١ / ٢٣٨ ]
٦٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"أيما سرية غزت فأخفقت كان لها أجرها مرتين".
قال: حدثناه مروان بن معاوية، عن إبراهيم بن أبي حصن، عمن حدثه، يرفع الحديث.
قال: الإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئا، وقال عنترة يذكر فرسه:
فيخفق مرة، ويفيد أخرى ويفجع ذا الضغائن بالأريب [٥٠]
يقول: إنه يغنم مرة، ولا يغنم أخرى، وكذلك كل طالب حاجة إذا لم يقضها، فقد أخفق يخفق إخفاقًا، وأصل ذلك في الغنيمة.
٦٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
[ ١ / ٢٣٩ ]
"من سأل وهو غنى جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو حموشًا أو كدوحا في وجهه"
قيل: وما غناه؟
قال: "خمسون درهمًا أو عدلها من الذهب".
قال: حدثينه الأعجمي، عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن ابن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله، عن النبي -ﷺ-.
قوله: الخموش هي مثل الخدوش في المعنى أو نحو منها.
يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشة خمشًا وخموشًا.
قال أبو عبيد: تخمشه وتخمشه جميعًا، قال "لبيد" يذكر نساءً في مأتم عمه "أبي براء":
* يخمشن حر أوجه صحاح
* في السلب السود وفي الأمساح
[ ١ / ٢٤٠ ]
قوله: السلب واحدها سلاب، يريد الثياب السود التي تلبسها النساء في المآتم وقوله: كدوحًا يعني آثار الخدوش، وكل أثر من خدش أو عضّ أو نحوه، فهو كدح ومنه قيل لحمار الوحش مكدح:؛ لأن الحمر يعضضنه.
وفي هذا الحديث من الفقه أن الصدقة لا تحل لمن له خمسون درهمًا أو عدلها من الذهب لا يعطى من زكاة، ولا غيرها من الصدقة خاصًة.
وقال أبو عبيد في حديث آخر مرفوع:
"من سأل [الناس] وله أوقية، فقد سأل الناس إلحافًا".
قال: أخبرنيه يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد يرفعه إلى النبيّ -ﷺ-.
قال أبو عبيد: فالأوقية أربعون درهمًا [٥١].
[ ١ / ٢٤١ ]
فهذان الحديثان أصل لمن تحل له الصدقة، ولمن لا تحل.
قال أبو عبيد: وحدثنا ابو يوسف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: يعطي من الزكاة من له المسكن والخادم، وشك أبو عبيد في الفرس.
قال أبو عبيد: وذلك إذا لم يكن به غنى عنه.
٦٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- في وصىّ اليتيم:
"أنه يأكل من ماله غير متأثل مالًا".
[ ١ / ٢٤٢ ]
قال: حدثناه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، يسنده قال [أبو عبيد]: المتأثل: الجامع.
وكل شيء له أصل قديم أو جمع حتى يصير له أصل، فهو مءثل، ومأثل، قال لبيد [بن ربيعة].
لله نافلة الأجل الأفضل وله العلا، وأثيث كل مؤثل
وقال "امرو القيس":
ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
وأثلة الشيء: أصله، وأنشد للأعشى:
ألست منتهيًا عن نحت أئلتنا ولست ضائرها ما أطت الإبل
ومن ذلك حديث عمر [-رضي الله عن-] في أرضه "بخيبر" التي أمره رسول الله -ﷺ- أن يحبس أصلها، ويجعلها صدقة، ففعل،
[ ١ / ٢٤٣ ]
واشترط، فقال:
"ولمن وليها أن يأكل منها، ويوكل صديقًا غير متأثل فيه".
قال: حدثنيه معاذ، والأنصاري، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ- إلا أنهما قالا: غير متمول، وغيرهما يقول: متأثل.
وفي هذا الحديث من الفقه أن الرجل إذا وقف وقفًا، فأجب أن يشترط لنفسه، أو لغيره فيه شرطًا سوى الوجه الذي جعل الوقف [٥٢] فيه، كان له ذلك بالمعروف.
ألا تراه يقول: ويؤكل صديقًا.
فهذا ليس من الوقف في شيء.
[ ١ / ٢٤٤ ]
ثم اشترط شرطًا آخر، فقال: غير متأثل، أو قال [غير] متمول فيه، فإنما هو بالقصد والمعروف، وكذلك الشرط على والى اليتيم.
٦٦ - [و] قال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"أن رجلًا أوصى بنيه، فقال: إذا مت فأحرقوني بالنار، حتى إذا صرت حممًا فاسحقوني، ثم ذروني في الريح لعلى أضل الله".
[ ١ / ٢٤٥ ]
قال: حدثناه ابن عليه، عن بهز بن حكم، عن أبيه، عن جده، عن النبي -ﷺ-:
قال أبو عبيد: الحمم: الفحم واحدتها حممة، وبه سمى الرجل حممة، [و] قال "طرفة":
أشجاك الربع أم قدمه أم رماد دارس حممه
[وقوله: أضل الله، يقول: أضل عنه، فلا يقدر على].
٦٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"لا فرعة، ولا عتيرة".
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال: حدثناه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، يرفعه.
قال أبو عمرو: هي الفرعة والفرع -بنصب الراء- قال: وهو أول ولد تلده الناقة، وكانوا يذبحون ذلك لألهتهم في الجاهلية، فنهوا عنه، وقال أوس بن حجر يذكر أزمًة في سنة شديدة البرد:
وشبه الهيدب العبام من ال أقوام سقبًا مجللًا فرعا.
يعني أنه قد لبس جلده من شدة البرد.
ويقال: قد أفرع القوم: إذا فعلت إبلهم ذلك.
قال "أبو عبيد": وأما العتيرة: فإنها الرجبية، وهي ذبيحة كانت تذبح في رجب يتقرب بها أهل الجاهلية، ثم جاء الإسلام، فكان على ذلك حتى نسخ بعد.
قال "أبو عبيد": ومنه حديث "مخنف بن سليم".
قال: حدثينه معاذ، عن ابن عون، قال: حدثني أبو رملة، عن مخنف بز سليم [٥٣] قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:
[ ١ / ٢٤٧ ]
"إن على كل مسلم في كل عام أضحاة وعتيرة".
قال: والحديث الأول فيما نرى ناسخ لهذا.
يقال منه عترت أعتبر عترًا، [و] قال الحارث بن حلزة اليشكرى يذكر قومًا أخذوهم بذنب غيرهم، فقال:
عننا باطلًا وظلمًا كما تعـ تر عن حجرة الربيض الظباء
قوله: عننًا: يعني اعتراضًا. وقوله: كما تعتر: يعني العتيرة في رجب، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا صلب أحدهم أمرًا نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، وهي العتائر، فإذا ظفر به، فربما ضن بعنمه، وهي الربيض
[ ١ / ٢٤٨ ]
فيأخذ عددها ظباء، فيذبحها في رجب مكان الغنم، فكانت تلك عتائره، فضرب هذا مثلًا، يقول: أخذتمونا بذنب غيرنا كما أخذت الظباء مكان الغنم.
٦٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة بهمًا".
قال أبو عمرو: البهم واحدها يهيم، وهو الذي لا يخلط لونه سواه من سواد كان أو غيره.
قال "أبو عبيد": فمعناه عندي أنه أراد بقوله: بهمًا، يقول: ليس فيهم شيء من الأعراض والعاهات التي تكون في الدنيا من العمى، والعرج والجذام والبرص، وغير ذلك من صنوف الأمراض والبلاء، ولكنها أجساد مبهمة مصححة لخلود الأبد. وفي بعض الحديث تفسيره: قيل: وما البهم؟
قال: ليس معهم شيء.
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال أبو عبيد: وهذا أيضًا من هذا المعنى.
يقول [٥٤]: إنهم أجساد لا يخالطها شيء من الدنيا، كما أن البهم من الألوان لا يخلطه غيره.
٦٩ - [و] قال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"أنه كان إذا أراد سفرًا ورى بغيره".
قال أبو عمرو: [و] التورية: الستر.
يقال منه: وريت الخبر أوريه توريه: إذا سترته، وأظهرت غيره.
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال أبو عبيد: ولا أراه إلا مأخوذًا من وراء الإنسان؛ لأنه إذا قال وريته، فكأنه إنما جعله وراءه حيث لا يظهر.
قال أبو عليد: وحدثنا ابن عليه، عن داود، عن الشعبي في قول [الله ﷿]: "ومن وراء إسحاق يعقوب" قال: الوراء: ولد الولد.
٧٠ - [و] قال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- في صلح الحديبية حين صالح "أهل مكة"، وكتب بينه وبينهم كتابا، فكتب فيه:
"ألا إغلال ولا إسلال، وأن بينهم عيبة مكفوفة".
قال أبو عمرو: الإسلال: السرقة، يقال: في بني فلان سلة إذا كانوا يسرقون. والإغلال: الخيانة.
وكان أبو عبيدة يقول:
[ ١ / ٢٥١ ]
يقال: رجل مغل مسل: أي صاحب سلة وخيانة.
ومنه قول "شريح":
"ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان يعني الخائن.
وقال "النمر بن تولب" يعاتب امرأته "جمرة" في شيء كرهه منها، فقال:
جزى الله عنا جمرة ابنة نوفل جزاء مغل بالأمانة كاذب
قال أبو عبيد: وأما قول النبيّ -ﷺ-:
"ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن".
[ ١ / ٢٥٢ ]
فإنه يروي: لا يغل، ولا يغل.
فمن قال: يغل -بالفتح- فإنه يجعله من الغل وهو الضغن والشحناء.
ومن قال: يغل -بضم الياء- جعله من الخيانة من الإغلال.
وأما الغلول [٥٥] فإنه من المغنم خاصة.
يقال منه: قد غل يغل غلولًا، ولا نراه من الأول ولا [من] الثاني.
ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة: أغل يغل.
ومن الغل: غل يغل.
ومن الغلول: غل يغل بضم الغين.
فهذه الوجوه مختلفة.
قال الله [-﷿-]: "وما كان لنبي أن يغل".
ولم نسمع أحدًا قرأها بالكسر.
وقرأها بعضهم: "يغل"، فمن قرأها بهذا الوجه، فإنه يحتمل معنيين:
[ ١ / ٢٥٣ ]
أن يكون يغل: يخان: يعني أن يؤخذ من غنيمته.
ويكون يغل ينسب إلى الغول.
وقد قال بعض المحدثين: قوله: لا إغلال: أراد لبس الدروع، ولا إسلال: أراد سل السيوف.
ولا أعرف لهذا وجهًا، ولا أدرى ما هو؟
٧١ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
[ ١ / ٢٥٤ ]
"من نوقش الحساب عذب".
قال: المناقشة: الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء.
ومنه قول الناس: انتقشت منه جميع حقي، وقال الحارث بن حلزة يعاتب قومًا: أو نقشتم فالنقش يجشمه القوم وفيه الصحلح والأبراء
يقول: لو كانت بيننا وبينكم محاسبة ومناظرة عرفتم الصحة والبراءة.
[قال]: ولا أحسب نقش الشوكة من الرجل إلا من هذا، وهو استخراجها حتى لا يترك في الجسد منها شيء، قال الشاعر:
لا تنقشن برجل غيرك شوكة فتقى برجلك رجل من قد شاكها
قوله: شاكها: يعني دخل في الشوك.
[ ١ / ٢٥٥ ]
يقال: شكت الشوك فأننا أشاكه: إذا دخلت فيه.
فإن أردت أنه أصابك، قلت: شاكني الشوك، فهو يشوكني شوكًا.
وإنما سمى المنقاش؛ لأنه [٥٥] ينقش به، أي يستخرج به الشوك.
٧٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"إن الجفاء والقسوة في الفدادين".
قال أبو عمرو: هي الفدادين -مخففة- واحدها فدان- مشدد- وهي البقر التي تحرث.
يقول: إن أهلها أهل قسوة وجفاء، لبعدهم من الأمصار والناس.
فال أبو عبيد: ولا أرى "أبا عمرو" حفظ هذا، وليس (الفدادين) من
[ ١ / ٢٥٦ ]
هذا في شيء، ولا كانت العرب تعرفها، إنما هذا للروم وأهل الشام، وإنما افتتحت الشام بعد النبيّ -ﷺ-.
ولكنهم الفدادون -بالتشديد- وهم الرجال، والواحد فداد.
وقال "الأصمعي": هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم، وأموالهم، ومواشيهم، وما يعالجون منها.
وكذلك قال "الأحمر".
قال: ويقال منه: فد الرجل يفد فديدًا: إذا اشتد صوته [قال]: وأنشدنا
* أنبئت أخوالي بني يزيد
* ظلمًا علينا لهم فديد
وكان أبو عبيدة يقول غير ذلك كله.
قال: الفدادون: المكثرون من الإبل الذي يذك أحدهم المائتين منها إلى الألف يقال له: فداد إذا بلغ لك، وهم مع هذا جفاة أهل خيلاء.
[ ١ / ٢٥٧ ]
قال أبو عبيد: ومنه الحديث الذي يروى أن الأرض إذا دفن فيها الإنسان قالت له: "ربّما مشيت على فدادًا ذا مال كثير وذا خيلاء".
قال أبو عبيد: وفي حديث آخر عن زياد بن أبي زياد الجصاص، عن الحسن، عن قيس بن عاصم المنقرى، عن النبي -ﷺ- في الحديث الأول أنه قال: "إلا من أعطى في نجدتها ورسلها" [٥٧]
قال أبو عبيدة: فنجدتها أن تكثر شحومها، وتحسن حتى يمنع ذلك
[ ١ / ٢٥٨ ]
صاحبها أن ينحرها نفاسة بها، فصار ذلك بمنزلة السلاح لها تمتنع به من ربها، فتلك نجدتها.
وقد ذكرت العرب ذلك في أشعارها، قال "النمر بن تولب":
أيام لم تأخذ إلى رماحها إبلى بجلتها ولا أبكارها
فجعل شحومها وحسنها رماحًا نمتنع بها من أن تتسر.
وقال "الفرزدق" يذكر أنه نحر إبله [على عجلة]:
فمكنت سيفي من ذوات رماحها غشاشًا ولم أحفل بكاء وعائيا
[قوله غشاشًا: يعني على عجلة]
[وقال أبو عبيدة]: وأما قوله: رسلها فهو أن يعطيها، وهي تهون عليه؛
[ ١ / ٢٥٩ ]
لأنه ليس فيها من الشحوم، والحسن ما يبخل به، فهو يعطيها رسلًا، كقولك: جاء فلان على رسله، وتكلم بكذا وكذا على رسله: أي مستهينًا به.
[قال أبو عبيد]: فمعنى الحديث، أنه أراد: من أعطاها في هاتين الحالتين في النجدة والرسل: أي على مشقة من النفس، وعلى طيب منها، وهذا كقولك: في العسر واليسر، والمنشط والمكره.
قال أبو عبيد: ظن بعض الناس أن الرسل ها هنا اللبن، وقد علمنا أن الرسل اللبن، ولكن ليس هذا بموضعه، ولا معنى له أن يقول: في نجدتها ولبنها، وليس هذا بشيء.
٧٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
[ ١ / ٢٦٠ ]
"أنه نهى عن المجر".
قال: حدثنيه زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عسر، عن النبي -ﷺ-.
قال أبو زيد: المجر: أن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة.
يقال منه: أمجرت في البيع إمجارًا.
قال أبو عبيد: [و] قال أبو عمرو: والغدوى: أن يباع البعير أو غيره بما يضرب هذا الفحل في عامه، [قال]: وأنشدني للفرزدق يذكر قومًا [٥٨]:
[ ١ / ٢٦١ ]
ومهور نسوتهم إذا ما أنكحوا غدوى كل هبنقع سبال
وقال غير "أبي عمرو": غدوى- بالذال-.
قال أبو عبيد: وأما حديثه أنه: "نهى عن [بيع] الملاقيح والمضامين" فإن الملاقيح ما في البطون، وهلا الأجنة، والواحدة منها ملقوجة، وأنشدني، "الأحمر"، "لما لك بن الريب":
* إنا وجدنا طرد الهوامل
* خيرًا من التأنان والمسائل
* وعدة العام وعام قابل
* ملقوحة في بكن ناب حائل
[ ١ / ٢٦٢ ]
يقول: هي ملقوحة فيما يظهر لي صاحبها، وإنما أمها حامل، فالملقوحة هي الأجنة التي في بطونها.
وأما المضامين: فما في أصلاب الفحول، [و] كانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة، وما يضرب الفحل في عامه، أو في أعوام.
[قال أبو عبيد]: وأما حديثه: أنه "نهى عن حبل الحبلة".
فإنه ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة.
قال: "حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله -ﷺ-: نهى عن بيع حبل الحبلة".
قال ابن علية: هو نتاج النتاج.
[ ١ / ٢٦٣ ]
[قال أبو عبيد]: والمعنى في هذا كله واحد، أنه غرر، فنهى النبي -ﷺ- عن هذه البيوع كلها؛ لأنها غرر.
٧٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- في الرحم، قال: "هي شجنة من الله".
قال "أبو عبيدة": يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
قال أبو عبيد: وكأن قولهم: "الحديث ذو شجون" منه، إنما هو تمسك بعضه ببعض. وقال غيره من أهل العلم: يقال: هذا شجر متشجن: إذا التف بعضه ببعض، وهو من هذا. قال: وأخبرني يزيد بن هارون، عن حجاج بن أرطاة: قال: الشجنة كالغصن [٥٩] يكون من الشجرة، أو كلمة نحوها.
[ ١ / ٢٦٤ ]
قال أبو عبيد: وفيه لغتان شجنة وشجنة، وإنما سمى الرجل شجنة بهذا.
٧٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-: "أنه نهى عن الإقعاء في الصلاة"
[حدثنا يزيد بن هارون، وابن أبي عدى، أو أحدهما، عن حسين المعلم، عن بديل ابن ميسرة، عن أبي الجوزاء، عن عائشة، عن النبي -ﷺ-].
وقال "أبو عبيدة": الإقعاء: جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع.
[ ١ / ٢٦٥ ]
قال أبو عبيد: وأما تفسير أصحاب الحديث، فإنهم يجعلون الإقعاء: أن يضع الرجل أليتيه على عقبيه بين السجدتين.
وهذا عندي هو الحديث الذي فيه عقب الشيطان الذي جاء فيه النهي عن النبي -ﷺ- أو عن "عمر": "أنه نهى عن عقب الشيطان".
قال أبو عبيد: وتفسير أبي عبيدة في الإقعاء أشبه بالمعنى؛ لأن الكلب إنما يقعى كما قال.
وقد روى عن النبي -ﷺ-: "أنه أكل مقعيًاش
فهذا يبين لك أن الإقعاء هو هذا، وعليه تأويل كلام العرب
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأما القرفصاء: فإنه أن يجلس الرجل كجلوس المحتبي، ويكون احتباؤخ بيديه يضعهما على ساقيه، كما يحتبى الثوب تكون يداه مكان الثوب، وهذا في غير صلاة ومما يبين [لك] أن عقب الشيطان هو أن يجلس الرجل على عقبيه حديث يروى عن "عمر" [رحمة الله]
حدثنا عمر بن سعيد، عن محمد بن شعيب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري بن هشام، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن "عمر" قال: "لا تسدلوا ثيابكم في الصلاة، ولا تخطوا نحو القبلة، فإنها خطوة الشيطان، وإذا سلمتم فانصرفوا، ولا تقدموا".
٧٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: "أنه كتب لوائل بن حجر الحضرميّ" ولقومه:
[ ١ / ٢٦٧ ]
من محمد رسول الله [ﷺ] إلى الأقيال العباهلة من "أهل حضر موت" بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة على التّيعة شاة، والتيمة لصاحبها، وفي السيوب الخمس، لا خلاط، ولا وراط، ولا شناق، ولا شعار، ومن أجبى فقد أربى، وكل مسكر حرام".
قال حدثناه سعيد بن عفير، عن ابن لهيعة، عن أشياخه من "حضر موت" يرفعونه.
وقال: حدثنيه: يحيى بن بكير، عن بقية، يسنده.
قال "أبو عبيدة" وغيره من أهل العلم -دخل كلام بعضهم في بعض، في الأقيال العباهلة.
قال: الأقيال: ملوك باليمن دون الملك الأعظم، وأحدهم قيل، يكون ملكًا على قومه، ومخلافه، ومحجره.
والعباهلة: الذين قد أقروا على ملكهم لا يزالون عنه، وكذلك كل شيء أهملته فكان مهملًا لا يمنع مما يريد، ولا يضرب على يديه، فهو معبهل ومتعبهل، قال تأبّط شرّا:
[ ١ / ٢٦٨ ]
متى تبغني ما دمت حيًّا مسلمًا تجدني مع المسترعل المتعبهل
فالمسترعل: الذي يخرج في الرعيل، وهي الجماعة من الخيل وغيرها.
والمتعبهل: الذي لا يمنع من شيء، وقال الراجز يذكر الإبل أنها قد أرسلت على الماء ترده، كيف شاءت، فقال:
عباهل عبهلها الوارد
وقوله: في التيعة شاة، فإن التيعة الأربعون من الغنم.
والتيمة، يقال: إنها الشاة الزائدة على الأربعين حتى تبلغ الفريضة الأخرى.
ويقال: إنها الشاة تكون لصاحبها في منزله يحتلبها، وليست بسائمة، وهي الغنم الربائب التي يروى فيها عن "إبراهيم" أنه قال: "ليس في الربائب صدقة".
قال: حدثناه "هشيم" عن "مغيرة" عن "إبراهيم" أنه كان لا يرى في الربائب صدقة.
[ ١ / ٢٦٩ ]
[و] قال أبو عبيد: وربما احتاج صاحبها إلى لحمها، فيذبحها، فيقال عند ذلك: قد تام الرجل [٦١] واتّامت المرأة، [و] قال الحطيئة يمدح "آل لأى":
فما تتّام جارة آل لأي ولكن يضمنون لها قراها
يقول: لا تحتاج إلى أن تذبح تيمتها.
[و] قال: والسيوب: الركاز.
[قال]: ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية، يقول هو من سيب الله [-﷿- ومن] عطائه.
و[أما] قوله: لاخلاط ولا وراط: فإنه يقال: إن الخلاط إذا كان بين الخليطين عشرون ومائة شاة: لأحدهما ثمانون، وللآخر أربعون، فإذا جاء المصدق، فأخذ منها شاتين، رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين -أراه قال- ثلث شاة، فتكون عليه شاة وثلث، وعلى الآخر ثلثا شاة.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وإن أخذ المصدق من العشرين والمائة شاة واحدة رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلث شاة، فتكون عليه ثلثا شاة، وعلى الآخر ثلث شاة. هذا قوله: لا خلاط.
قال أبو عبيد: والقول فيه عندي أنه لا يأخذ من العشرين والمائة إذا كانت بين نفسين أو ثلاثة إلا شاة واحدة؛ لأنه إن أخذ شاتين، ثم ترادّا كان قد صار على صاحب الثمانين شاة وثلث، وهذا خلاف سنة رسول الله -ﷺ-؛ لأن رسول الله -ﷺ- جعل في عشرين ومائة إذا كانت ملكًا لواحد شاة، وهؤلاء يأخذون من صاحب الثمانين شاة وثلثًا.
وهذا في المشاع والمقسوم سواء، [عندي] إذا كانا خليطين، أو كانوا خلطاء. فهذا تفسير قوله: لا خلاط، وهو تفسير قوله في الحديث الآخر: "وما كان من خليطين، فإنهما يترادّان بينهما بالسوية".
[ ١ / ٢٧١ ]
والوارط: الخديعة والغش.
ويقال: إن قوله: لا خلاط ولا وراط كقوله: لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع.
وقوله: لا شناق: فإن الشنق ما بين الفريضتين [٦٢] وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى العشر، وما زاد على العشر إلى خمس عشرة.
يقول: لا يؤخذ من ذلك شيء.
وكذلك جميع الأشناق [يعني في الصدقة والدّيات]، وقال "الأخطل" يمدح رجلا:
قرم تعلق أشناق الديات به إذا المئون أمرت فوقه حملا
[ ١ / ٢٧٢ ]
وقوله: من أجى فقد أربى، فالإجباء: بيع الحرث قبل أن يبدو صلاحه.
٧٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: "أنه دخل على عائشة [﵂] وعلى الباب قرام: ستر".
ال: القرم: الستر الرقيق، فإذا خيط فصار كالبيت، فهو كلة، وقال "لبيد" يصف الهودج:
من كل محفوف يظل عصيه زوج عليه كلة وقرامها
فالعصي: عيدان الهودج، والزوج: النمط، ويقال للستر الرقيق أيضًا: الشف، وكذلك كل ثوب رقيق يستشف ما خلفه، فهو شف.
ومنه حديث "عمر": "لا تلبسوا نساءكم الكتان، أو قال: القباطيّ، فإنه إلا يشف، فإنّه يصف".
[ ١ / ٢٧٣ ]
يقول: إن لم ير ما خلفه، فإنه يصف خلقها لرقته.
ومنه حديث "ابن عباس"
قال: أخبرني به أبو معاوية، عن أبي حيان التيمى، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: "رأيت على ابن عباس ثوبًا سابريّا أستشف ما وراء"
وجمع الشف شفوف، [و] قال "عدى بن زيد":
زانهن الشفوف ينضحن بالمس ك وعيش مفانق وحرير:
٧٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- أنه كان إذا سافر سفرًا، قال: "اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكون، وسوء المنظر في الأهل والمال".
[ ١ / ٢٧٤ ]
قال: حدثنيه عباد بن عباد، وأبو معاوية، عن عاصم الأحوال، عن عبد الله [٦٣] بن سرجي المخزومي، عن النبيّ -ﷺ-.
أما قوله: من وعثاء السفر: فإن الوعثاء شدة النصب والمشقة، وكذلك هو في المأثم، قال "الكميت" يعاتب "جذامًا" على انتقالهم بنسبهم من "خزيمة ابن مدركة". وكان يقال: نه جذام بن أسدة بن خزيمة أخي أسد بن خزيمة، فانتقلوا إلى اليمن فيما أخبرني "ابن الكلبي" فقال "الكميت":
وأين أبنها منا ومنكم وبعلها خزيمة والأرحام وعثاء حوبها
يقول: إن قطيعة الرحم مأثم شديد
وإنما أصل الوعثاء من الوعث، وهو الدهس والمشي يشتد فيه على صاحبه فصار مثلا لكل ما يشق على فاعله.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وقوله: وكآبة المنقلب، يعني أن ينقلب من سفره إلى منزله بأمر يكتئب منه، أصابه في سفره، أو مما يقدم عليه.
وقوله: الحور بعد الكون: هكذا يروى بالنون.
قال: وأخبرني عباد بن عباد، قال: سئل "عاصم" عن هذا، فقال: ألم تسمع قوله: حار بعد ما كان؟
يقول: إنه [كان] على حال جميلة، فحار عن ذلك، أي رجع. وهو في غير هذا الحديث: الكور - بالراء-.
وزعم "الهيثم" أن "الحجاج بن يوسف" بعث فلانًا -قد سماه- على جيش، وأمره عليهم إلى الخوارج، ثم وجهه بعد ذلك إليهم تحت لواء غيره، فقل له الرجل: هذا الحوار بعد الكور.
فقال له "الحجاج": ما قولك: الحور بعد الكور؟
فقال: النقصان بعد الزيادة.
ومن قال هذا أخذه من كور العمامة، يقول: قد تغيرت حاله، وانتقضت
[ ١ / ٢٧٦ ]
كما ينتقض كور العمامة بعد الشد، وكل هذا قريب بعضه من [٦٤] بعض في المعنى.
٧٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-: "أنه كان يصّلى، ولجوفه أزير كأزيز المرجل من البكاء".
قال: حدثني ابن مهديّ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخير، عن أبيه، أنه رأى ذلك من النّبي -ﷺ-.
قوله: الأزيز، يعني غليان جوفه بالبكاء، وأصل الأزيز الالتهاب والحركة. وكأن قوله [﷿]: "إنّا أرسلنا الشّياطين تؤزهم أزا" من هذا، أي تدفعهم وتسوقهم، وهو من التحريك.
[ ١ / ٢٧٧ ]
٨٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: أنه رأى في إبل الصدقة ناقًة كوماء، فسأل عنها، فقال المصدّق: إنّى ارتجعتها بإبل فسكت".
قال: حدثناه هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن النبيّ -ﷺ- إلا أن هتسيمًا، قال: أخذتها، وقال غيره: ارتجعتها بإبل.
قال أبو عبيدة: الارتجاع أن يقدم الرجل المصر بإبله، فيبيعها، ثم يشترى
[ ١ / ٢٧٨ ]
بثمنها مثلها، أو غيرها، فتلك هي الرجعة التي ذكرها "الكميت" [في شعره] وهو يصف الأثافى، فقال:
جرد جلاد معطّفات على الـ أورق لا رجعة ولا جلب
وإن ردّ إبلة إلى منزله من غير أن يشتري بها شيئًا، فليس برجعة.
وكذلك هذا في الصدقة إذا وجبت على رب المال أسنان من الإبل، فأخذ المصدّق مكانها أسنانًا [٦٥] فوقها، أو دونها، فتلك التي أخذ رجعة؛ لأنه ارتجعها من التي وجبت على ربّها.
٨١ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: "إذا مشا أمتى المطيطاء، وخدمتهم "فارس" و"الروم" كان بأسهم بينهم".
[ ١ / ٢٧٩ ]
[قال أبو عبيد]: وهذا الحديث حدثينه الحجّاج [بن محمد]، عن الفرج ابن فضالة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، يرفعه.
قال "الأصمعي" وغيره: المطيطاء: التبختر، ومد اليدين في الممشى، والتمطة من ذلك؛ لأنه إذا تمطى مد يديه.
ويروى في تفسير قوله [جل وعز]: "ثم ذهب إلى أهله يتمطّى" أنه التبختر، ويقال للماء الخاثر في أسفل الحوض: المطيطة؛ لأنه يتمطط: يعنى يتمدد، وجمعه مطائط.
[و] قال حميد الأرقط:
* خبط النهال سمل المطائط
ومن جعل التمطى من المطيطة، فإنه يذهب بها مذهب تظنيت من الظن، وتضقيت من التقضض، كقول "العجاج":
* تقضى البازى إذا البازى كسر
يريد تقضض البازى، وكذلك يقول: التمطّى، يريد التمطّط.
[ ١ / ٢٨٠ ]
٨٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: "أنه نهى أن يبال في الماء الدائم، ثم يتوضّأ منه".
قال: حدثناه "أبو يوسف" عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبيّ -ﷺ-.
قال: وحدثناه، يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله -ﷺ-: "نهى أن يبال في الماء الرّاكد، وأن يغتسل فيه من جنابه".
قال "الأصمعى" وبعضه عن "أبي عبيدة": الدائم: هو الساكن، وقد دام الماء يدوم، و[قد] أدمته أنا إدامًة: إذا سكنته، وكل شيء سكنته، فقد أدمته، وقال الشاعر:
[ ١ / ٢٨١ ]
تجيش علينا قدرهم، فنديمها ونفثؤها عنا إذا جميها غلا
قوله: فنديمها: نسكنها، ونفثؤها: نكسرها بالماء أو غيره.
وهذا مثل ضربة، [أي] إنا نطفئ شرهم عنا.
ويقال للطائر: إذا صف جناحيه في الهواء وسكنهما، ولم يحركهما كطيران الحدإ والرخم: قد دوم الطائر تدويمًا، وهو من هذا أيضًا؛ لأنه إنما سمى بذلك لسكونه، وترك الخفقان بجناحيه.
٨٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: "أنه نهى عن لبس القسىّ".
[ ١ / ٢٨٢ ]
قال: حدثنى به يزيد، عن محمد بن عمرو، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن "علّى" يرفعه.
قال [أبو عبيد]: وحدثني القاسم بن مالك، عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة، نحو حديث "يزيد".
قال "عاصم": فسألنا عن القسي، فقيل: هي ثياب يؤتي بها من "مصر" فيها حرير وكان "أبو عبيدة" يقول: نحوًا من ذلك، [ولم يعرفها الأصمعي].
وأصحاب الحديث يقولون: القسي.
قال أبو عبيد: أما أهل مصر فيقولون: القسي تنسب إلى بلاد يقال لها القس وقد رأيتها.
وقال الأصمعى: وأمّا الخمائص، فإنّها ثياب من خز أو صوف معلم، وهي سود كانت من لباس النّاس.
قال: والمسانق: فراء طوال الأكمام واحدتها مستقة، قال: وأصلها بالفارسية مشتة، فعربت.
[ ١ / ٢٨٣ ]
وعن "أبي عبيدة" قال: وأما المروط، فإنها أكسية من صوف أو خزّ كان، يؤتزر بها.
قال "الأصمعي": وأما المطارف، فإنها أردية خز مربعة لها أعلام.
قال أبو عبيد: [٦٧] فإذا كانت مدورة على خلقة الطيلسان، فهي التي كانت تسمى الجنية، وتلبسها النساء.
[و] قال "الأمويّ": والقراقل: فمص النساء، واحدها قرقل، وهو الذي يسميه الناس قرقرًا.
وقال "الكسائي": والثياب الممشقة هي المصبوغة بالمضق، وهو المغرة قال: والثياب الممصرة هي التي فيها شيء من صفرة ليس بالكثير.
وقال "أبو زيد الأنصاري": والسيراء: برود يخالطها الحرير.
وقال غير هؤلاء: القهز ثياب بيض يخالطها حرير أيضًا، وقال "ذو الرمة"
[ ١ / ٢٨٤ ]
يصف البزاة، أو الصقورة بالبياض، فقال:
من الزرق أوصقع كأن رؤوسها من القهر والقوهى بيض المقانع
قال "أبو عبيد": وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي، فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير. وأما الحلل: فإنها برود اليمن من مواضع مختلفة منها.
والحلة إزار ورداء، لا تسمى حلة حتى تكون ثوبين؛ ومما يبين ذلك حديث "عمر" أنه رأى رجلا عليه حلة قد ائتزر بأحدهما، وارتدى بالأخرى فهذان ثوبان. ومن ذلك حديث "معاذ بن عفراء" أن "عمر" [-﵀-] بعث إليه بحلة، فباعها، واشترى بها خمسة أرؤس من الرقيق، فأعتقهم، ثم قال: إن رجلًا آثر قشرتين يلبسها على عتق هؤلاء لغبين الرأي
[ ١ / ٢٨٥ ]
قال: حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم، عن ابن سيرين، عن أفلح -مولى أبي أيوب- أن عمر بعث إلى "معاذ بن عفراء" بحلة.
قال "أفلح": تأمرني أن أبيعها، وأشترى بها رقيقًا، فبعتها، واشتريت له خمسة [٦٨] أروس، قال: فأعتقهم، ثم قال: إن رجلا اختار قشرتين على عتق هؤلاء لغبين الرأي".
فقال: قشرتين: يعني ثوبين.
٨٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: "أ، هـ نهى عن المحاقلة والمزابتة".
قال: حدثناه هشيم، قال: أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن النبي -ﷺ- "نهى عن المحاقلة والمزابنة".
[ ١ / ٢٨٦ ]
قال [أبو عبيد]: سمعت غير واحد ولا اثنين من أهل العلم ذكر كل واحد منهم طائفة من هذا التفسير.
قالوا: المحاقلة [والحقل]: بيع الزرع، وهو في سنيله بالبر، وهو مأخوذ من الحقل، والحقل: هو الذي يسميه أهل العراق "القراح"، وهو في مثل يقال-: "لا تنبت البقلة إلا الحلقة".
قالوا: والمزابنة: بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر.
وإنما جاء النهي في هذا؛ لأنه في الكيل، وبس يجوز شيء من الكيل والوزن إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثل، ويدًا بيد، وهذا مجهول لا يعلم أيهما أكثر.
[قال]: ورفض في العراب.
قال: والعرايا: واحدتها عرية، وهي التخلة يعربها صاحبها رجلًا محتاجًا.
والإعراء: أن يجعل له ثمرة عامها.
[ ١ / ٢٨٧ ]
يقول: فرخص لرب النخل أن يبتاع ثمر تلك النخلة من النعرى بتمر لموضع حاجته.
وقال بعضهم: بل هو الرجل تكون له نخلة وسط نخل كثير لرجل آخر، فيدخل رب النخلة إلى نخلته، فربما كان مع صاحب النخل الكثير أهله في النخل، فيؤذيه بدخوله، فرخص لصاحب النخل الكثير أن يشتري ثمر تلك النخلة من صاحبها قبل أن يجده يتمر؛ لئلا يتأذى به.
قال "أبو عبيد" والتفسير الأول أجود؛ لأن هذا ليس فيه إعراء، إنما هي نخلة يملكها ربها؛ فكيف تسمى عرية؟ ومنه الحديث [٩٦] الآخر أنه كان يأمر الخراص أن يخفضوا في الخرص، ويقول: "إن في المال العربة والوصية"
[ ١ / ٢٨٨ ]
قال: حدثناه يزيد، عن جرير بن حازم، عن قيس بن سعد، عن "مكحول" قال: كان النبي -ﷺ- إذا بعث الخراص، قال:
"خففوا في الخرص، فإن في المال العرية والوصية".
ومما يبين ذلك قول شاعر الأنصار يصف النخل:
ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن عرايا في السنين الجوائح
يقول: إنا نعريها الناس.
وحديثه "أنه نهى عن المخابرة"
قالوا: هي المزارعة بالنصف، والثلث، والربع، وأقل من ذلك، وأكثر
[ ١ / ٢٨٩ ]
وهو "الخبر" أيضًا وكان "أبو عبيدة" يقول: لهذا سمى الأكار الخبير؛ لأنه يخابر الأرض، والمخابرة هي الموأكرة.
قال: ولهذا سمى الأكار؛ لأنه يؤاكر الأرض.
[قال]: وأما حديثه: "أنه نهى عن المخاضرة"-
فإنه نهى [عن] أن تياع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وهي خضر بعد، ويدخل في المخاضرة أيضًا بيع الرطاب والبقول وأشباهها، ولهذا كره من كره بيع الرطاب أكثر من جزة واحدة.
وهذا مثل حديثه "أنه نهى عن بيع الثمر قبل أن يزهو، وزهوه أن يحمر أو يصفر".
[ ١ / ٢٩٠ ]
قال أبو عبيد: حدثني عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، عن أبيه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن "أنس"، عن النبي - ﷺ-: "أنه نهى عن المخاضرة"
[قال أبو عبيد]: وفي حديث آخر أنه: "نهى عن بيعة قبل أن يشقح] والتشقيح هو الزهو أيضًا، وهو معنى قوله: "حتى يأمن من العاهة" والعاهة الآفة تصيبه.
وأما حديثه الآخر: "أ، هـ نهى عن المنابذة والملامسة"
ففي كل واحد منهما قولان:
أما المنابذة: فيقال: إنها أن يقول الرجل [٧٠] لصاحبه: انبذ إلى الثوب أو غيره من المتاع، أو أنبذه إليك، وقد وجب البيع بكذا وكذا.
ويقال: إنما هو أن يقول الرجل: إذا نبذت الحصاة، فقد وجب البيع، وهو معنى قوله: "أنه نهى عن بيع الحصاه".
والملامسة: أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك، فقد وجب البيع
[ ١ / ٢٩١ ]
بكذا وكذا.
ويقال: بل هو أن يلمس [الرجل] المتاع من وراء الثوب، ولا ينظر إليه، فيقع البيع على ذلك.
وهذه بيوع كان أهل الجاهلّة يتبايعونها، فنهى رسول الله -ﷺ- عنها؛ لأنها غرر كلّها.
٨٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"خير ما تداويتهم به اللدود، والسّعود، والحجامة، والمشي".
قال: حدثناه يزيد، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، يرفعه.
قال "الأصمعي": اللدود: ما سقى الإنسان في أحد شثّي الفم.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ومنه الحديث الآخر: "أنه لد في مرضه -ﷺ- وهو مغمًى عليه، فلمّا أفاق، قال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد، إلا عمى العباس"
قال أبو عبيد بفنرى -والله أعلم- أنه [إنمّا] فعل ذلك عقوبًة لهم؛ لأنهم فعلوه من غير أن يأمرهم به.
قال "الأصمعي": وإنمّا أخذ اللدود من لديدي الوادي، وهما جانباه، ومنه قيل للرجل: هو يتلدد: إذا التفت عن جانبيه يمينًا وشمالا.
ويقال: لددت الرجل ألأده لدا: إذا سقيته ذلك.
وجمع اللدود ألدة، [و] قال عمرو بن أحمر الباهلي:
شربت الشكاعي والتددت ألدًة وأقبلت أفواه العروق المكاويا
فهذا هو اللدود.
وأما الوجور: فهو في وسط الفم
[ ١ / ٢٩٣ ]
٨٦ - وقال "أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- في صلح "أهل نجران": "أنه ليس عليهم ربية ولادم"
[و] هكذا الحديث -بتشديد الباء والياء-.
قال [أبو عبيد و] بلغى ذلك عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار.
قال "الفراء": إنما هي ربية -مخففة- أراد بها الرّبا.
قال أبو عبيد: يعنى أنه صالحهم على أن وضع عنهم الرّبا الذي كان عليهم في الجاهلّية والدّماء التي كانت عليهم يطلبون بها.
قال "الفراء": ومثل ربية من الربا: حبية من الاحتباء سماع من العرب.
[ ١ / ٢٩٤ ]
يعني أنهم [قد] تكلموا بها بالياء، فقالوا: ربية، وحبية، ولم يقولوا: حبوة، وربوة، وأصلهما الواو من الحبوة والربوة.
قال أبو عبيد: والذي يراد من [هذا] الحديث أنه أسقط عنهم كل دم، كانوا يطلبون به [في الجاهلية]، وكل ربًا كان عليهم إلا رؤوس الأموال، فإنهم يردونها كما قال الله [﷿]: "فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون، ولا تظلمون" وهذا مثل حديثه الآخر: "ألا إنّ كل دم، ومال، ومأثرة كانت في الجاهلية، فإنها تحت قدمي هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج".
يعني أنه أقرهما على حالهما.
[ ١ / ٢٩٥ ]
والسدانة في كلام العرب: الحجابة، والسادن: الحاجب. وهم السدنة للجماعة.
٨٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"أفضل الناس مؤمن مزهد".
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- أنه ذكر شيئًا في المملوك، إذا أطاع الله، وأطاع مواليه.
قال: فذكرت ذلك "لكعب" فقال: "ليس عليه حساب، ولا مؤمن مزهد".
قال "الأصمعي" أو "أبو عمرو" [٧٢]- وأكبر ظني أنه الأصمعي-: المزهد: القليل الشيء؛ وإنما سمى مزهدًا؛ لأن ما عنده يزهد فيه ما قلته.
يقال منه: قد أزهد الرجل إزهادًا: إذا كان كذلك، قال "ألأعشى" يمدح قومًا.
[ ١ / ٢٩٦ ]
بحسن محاورتهم جارة لهم. فقال.
فلن يطلبوا سرها للغنى ولن يسلموها لإزهادها
فالسر هو النكاح [ها هنا].
قال [الله]- ﵎-: " [ولكن] لاتوا عجوهن سرّا".
وقال امرو القيس [بن حجر]:
ألا زعمت بسباسة اليوم كبرت، وألا يشهد السر أمثالي
فأراد "الأعشى": أنهم لا يتزوجونها لعناها، ولا يتركونها لقلة مالها، وهو الإزهاد.
٨٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"خمروا آنيتكم، وأوكوا أسقيتكم، وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح،
[ ١ / ٢٩٧ ]
وأكفتوا صبيانكم، فإن للشياطين انتشارًا وخطفة".
يعنى بالليل.
قال: حدّثينه عباد بن عباد، عن كثير بن شنظير، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، يرفعه.
قال "ألأصمعي" و"أبو عمرو": قوله: خمروا آنيتكم: التخمير: التغطية.
ومنه الحديث الآخر: "أنه أتى بإناء من لبن، فقال: لولا خمرته، ولو بعود تعرضه عليه".
[ ١ / ٢٩٨ ]
قال "الأصمعي": تعرضه [-بضم الراء-].
قال "الأصمعي" و"أبو عمرو": وقوله: وأوكوا أسقيتكم: الإيكاء: الشد، واسم السير أو الخيط الذي يشد به السقاء: الوكاء.
ومنه حديث اللقطة: "واحفز عفاصها ووكاءها، فإن جاء ربها، فادفعها إليه".
وقوله: واكفثوا صبيانكم: يعني ضموهم إليكم، واحبسوهم في البيوت [٧٣] وكل شيء ضممته إليك، فقد كفتّه، ومنه قول "زهير" يصف الدرع، وأن صاحبها ضمها إليه، فقال:
ومفاضة كالّنهي تنسجه الصبا بيضاؤ كفت فضلها بمهند
[ ١ / ٢٩٩ ]
واللنهى جميعا.
يعني أنه علقها بالسيق، فضمها إليه، وقال الله -﵎-: "ألم تجعل الأرض كفاتًا أحياء وأمواتا".
يقال: إنّها تضمهم إليها ما داموا أحياء على ظهرها، فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها.
قال: وأخبرني إسماعيل بن مجالد بن سعيد، عن "بيان" قال: كنت أمشى مع "الشعبي" يظهر الكوفة، فالتفت إلى بيوت الكوفة، فقال: هذه كفات الأحياء، ثم التفت إلى المقبة، فقال: وهذه كفات الأموات.
يريد تأويل قوله: "ألأم نجعل الأرض كفاتًا. أحياء وأمواتًا".
وفي حديث آخر: "ضموا فواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء".
[وأما المحدثون، فيقولون: قحمة].
[ ١ / ٣٠٠ ]
[و] قوله: الفواشي: كل شيء منتشر في المال مثل الغنم السائمة والإبل وغيرها. وقوله: حتى تذهب فحمة العشاء: يعني شدة سواد الليل وظلمته، وإنما يكون ذلك في أوله، حتى إذا سكن فورة قلت الظلمة.
وقال "الفراء": يقال: فحموا عن العشاء، يقول: لا تسيروا في أوله حين تفور الظلمة ولكن أمهلوا حتى يسكن ذلك، وتعتدل الظلمة، ثم سيروا، [و] قال "لبيد":
واضبط الليل إذا طال السرى وتدجى بعد فور واعتدل
٨٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- حين ذكر المظالم التي وقعت فيها "بنو إسرائيل" والمعاصي، فقال النبي -ﷺ: "لا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا على يدى الظالم، وتأطروه على الحق أطرًا" [قال "أبو عمرو" وغيره [٧٤]: قوله: تأطروه، يقول: تعطفوه عليه،
[ ١ / ٣٠١ ]
وكل شيء عطفته على شيء، فقد أطرته: تأطره أطرًا، قال "طرفة" يصف ناقة، ويذكر ضلوعها:
كأن كناسي ضالة يكنفانها وأطر قسى تحت صلب مؤيد
شبه انحناء الأضلاع بما حنى من طرفي القوس، وقال المغيرة بن حبناءء التميمي:
وأنتم أناس تقصمون من القنا إذا مار في أكتافكم وتأطرا
يقول: إذا تثنى فيها.
٩٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"لي خمسة أسما: أنا محمد، وأحمد، والماحي: يمحو الله بي الكفر، والحاشر: أحشر الناس على قدمي، والعاقب".
قال: حدثينه "يزيد" عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبيّ -ﷺ-.
قال يزيد: فسألت "سفيان" عن العاقب؟ فقال: آخر الأنبياء.
قال أبو عبيد: وكذلك كل شيء خلف بعد شيء فهو عاقب [له].
[ ١ / ٣٠٢ ]
وقد عقب يعقب عقبًا وعقوبًا، ولهذا قيل لولد الرجل بعده: هو عقبه.
وكذلك آخر كل شيء عقبه.
ومنه حديث "عمر" [-﵀-]: أنه سافر في عقب رمضان، فقال: "إن الشهر قد تسعسع، فلو صمنا بقيته".
قال "الأصمعي": يقال: فرس ذو عقب: إذا كان باقي الجرى.
وكذلك العاقبة من كل شيء آخره، وهي عواقب الأمور.
قال أبو عبيد: ويروى عن "أبي حازم" أنه قال: "ليس لملول صديق، ولا لحسود غنًى، والنظر في العواقب تلقيح للعقول".
٩١ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-: أنه كان في سفر، ففقدوا الماء. فأرسل النبيّ -ﷺ- "علّيا" وفلانًا يبغيان الماء، فإذا هما بامرأة على بعير لها بين مزادتين [٧٥] أو سطحتين، فقالا لها: انطلقي إلى النبيّ -ﷺ-.
[ ١ / ٣٠٣ ]
فقالت: إلى هذا الذي يقال له الصابئ؟
قالا لها: هو الذي تعنين".
قال: حدثينه مروان الفزاري، عن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران ابن حصين، عن النبيّ -ﷺ-.
قال "الأصمعي"، وبعضه عن "الكسائي" و"أبي عمرو" وغيرهم: قوله: بين مزادتين: المزادة هي التي تسميها الناس الرّاوية.
[ ١ / ٣٠٤ ]
وإنمّا الرّاوية: البعير الذي يستقى عليه [الماء]، وهذه هي المزادة.
والسطحية نحوها أصغر منها هي من جلدين، والمزادة أكبر منها.
والشعيب: نحو من المزادة.
قال أبو عبيد: وأما قولها: الصابئ: فإن الصابئ عند العرب الذي قد خرج من دين إلى دين.
يقال: [قد] صبأت في الدين: إذا خرجت منه، ودخلت في غيره، ولهذا كان المشركون يقولون للرجل إذا أسلّم في زمن النبيّ -ﷺ-: قد صبأ فلان.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ولا أظن الصابئين سموا إلا من هذا؛ لأنهم فارقوا دين اليهود والنصارى، وخرجوا منهما إلى دين ثالث -والله أعلم-.
وفي الحديث، قال: فكان المسلمون يغيرون على من حول هذه المرأة، ولا يصيبون الصرم الذي هي فيه.
قال أبو عبيد: قوله: الصرم: يعني الفرقة من الناس ليسوا بالكثير، وجمعه أصرام، قال "الطرماح":
يا دار أفوت بعد أصرامها. عامًا وما يبكيك من عامها
٩٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"أنه كان بالحديبية، فأصابهم عطش، قال: فجهشنا إلى رسول الله -ﷺ-".
[ ١ / ٣٠٦ ]
قال "الأصمعي": الجهش الذي يفزع الإنسان إلى الإنسان.
[و] قال غيره: وهو مع فزعه كأنه يريد البكاء كالصبي يفزع إلى أمه وأبيه، وقد تهيأ للبكاء.
قال أبو عبيد، والأصمعي، والأموي، وأبو عمرو، وغيرهم، ومن ذلك قول لبيد [بن ربيعة]:
قالت تشكي إلى النفس مجهشة. وقد حملتك سبعًا سبعيد
فإن تزادي ثلاثًا تبلغي أملًا. وفي الثلاث وفاء للثمانينا
٩٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- "أن مسجده كان مربدًا ليتيمين في حجر معاذ بن غفراء، فاشتراه منهما معوذ بن عفراء فجعله
[ ١ / ٣٠٧ ]
للمسلمين، فبناه رسول الله [-ﷺ-] مسجدًا".
قال: حدثنيه يزيد، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين.
قال "الأصمعي": المربد: كل شيء حبست به الإبل، ولهذا قيل: مربد النعم الذي [كان] بالمدينة، وبه سمي مربد البصرية، إنما كان موضع سوق الإبل، وكذلك كل ما كان من غير هذه المواضع [أيضًا] إذا حبست به الإبل، فهو مربد، وأنشدنا "الأصمعي":
عواصى إلا ما جعلت وراءها عصا مربد تغشى نحورًا وأذرعًا
[ ١ / ٣٠٨ ]
يعني بالمربد ها هنا: عصا جعلها معترضة على الباب تمنع الإبل من الخروج سماها مربدًا لهذا.
والمربد أيضًا مواضع التمر مثل الجرين، والبيدر للحنطة.
والمربد بلغة "أهل الحجار"، والجرين لهم أيضًا، والأندر "لأهل الشام"، والبيدر "لأهل العراق".
٩٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-: "أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين".
قال: حدثنيه عبد الرحمن بن مهدي، عن "سفيان"، عن "أبي إسحاق"، عن "أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد".
قال أبو عبيد هكذا قال "عبد الرحمن" وهو عندي: "أمية بن عبد الله بن خالد ابن أسيد"
[ ١ / ٣٠٩ ]
قال "عبد الرحمن": يعني بقوله: [كان] يستفتح بصعاليك المهاجرين، [أي] أنه كان يستفتح القتال بهم.
قال أبو عبيد: كأنه يتيمن بهم، والصعاليك: هم الفقراء، والاستفتاح: هو الاستنصار، ويروى في تفسير قوله [﷿]: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ يقول: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر.
ويروى: أن امرأة من العرب كان بينها وبين زوجها خصومة، فقالت: بيني وبينك الفتاح: تعني الحاكم؛ لأنه ينصر المظلوم على الظالم.
٩٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
إنه كان في سفر، فشكي إليه العطس، فقال: "أطلقوا لي غمري فأني به".
قال "الكسائي" و"الأحمر" أو غيره: الغمر: القعب الصغير، قال "أعشي باهلة"، يمدح رجلًا.
[ ١ / ٣١٠ ]
تكفيه حزة فلذ إن ألم بها. من الشواء، ويروي شربه الغمر.
يقال منه: قد تغمرت: إذا شربت شربًا قليلًا.
وأما الغمر: فالرجل الجاهل بالأمور، والجمع منها جميعًا أغمار.
والغمر: السخيمة والشحناء، تكون في القلب.
والمغمر: مثل الغمر.
والغمر: الماء الكثير، ومنه قيل للرجل الجواد: غمر:
٩٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- أن النعمان بن مقرن قدم على النبي -ﷺ- في أربعمائة راكب من "مزينة" فقال
[ ١ / ٣١١ ]
النبي -ﷺ- "لعمر": "قم فزودهم".
فقام "عمر" ففتح غرفة له فيها تمر كالبعير الأقرم".
هكذا الحديث.
وقال: حدثنيه هشيم بن بشير، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن "النعمان" قال: وحدثنا يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي ٨٧/ حازم، عن دكين بن سعيد أو سعيد -شك أبو عبيد- قال: قدمنا على النبي -ﷺ- ثم ذكر مثل هذه القصة.
قال أحدهما: "فإذا تمر مثل الفصيل الرابض".
وقال الآخر: "مثل البعير الأقرم"
[ ١ / ٣١٢ ]
قال: فقال "عمر": يا رسول الله! إنما هي أصوع. ما يقيظن بني قال: "قم فزودهم".
قال أبو عمرو: لا أعرف الأقرم، ولكني أعرف المقرم، وهو البعير المكرم الذي لا يحمل عليه، ولا يدلل، ولكنه يكون للفحلة.
قال: وأما البعير المقروم، فهو الذي به قرمة، وهي سمة تكون فوق الأنف تسلخ منه جلده، ثم تجمع فوق أنفه، فتلك القرمة.
يقال منه: قرمت البعير أقرمه قرمًا.
[ ١ / ٣١٣ ]
قال أبو عبيد: وإنما سمي السيد الرئيس من الرجال المقرم؛ لأنه شبه بالمقرم من الإبل؛ لعظم شأنه وكرمه عندهم، قال "أوس بن حجر":
إذا مقرم منا ذرا حد نابه تخمط فينا ناب أخر مقرم.
أراد: إذا هلك سيد منا خلف مكانه آخر.
واما قول "عمر" [-﵀] ما يقيظن بني، فإنه يعني أنه لا يكفيهم لقيظهم، والقيظ: هو حمارة الصيف، يقول: ما يصيفهم.
يقال: قيظي هذا الطعام، وهذا الثوب: إذا كفاك لقبظك، وكان الكسائي" ينشد هذا الرجز لبعض الأعراب:
من يك ذابت فهذا بني
مقيظ مصيف مشتى
يقول: يكفيني للقيظ، والصيف، والشتاء
[ ١ / ٣١٤ ]
[٧٩] وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- حين بعث إلى "ضباعة" وذبحت شاة فطلب منها، فقالت: ما بقي منها إلا الرقبة، وإني لاستحي، أن أبعث إلى رسول الله [-ﷺ-] بالرقبة، فبعث إليها:
"أن أرسلي بها، فإنها هادية الشاة، وهي أبعد الشاة من الأذى".
قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن الأعرج، يرفعه.
قال "الأصمعي" وغير واحد: الهادي من كل شيء: أوله وما تقدم منه؛ ولهذا قيل: أقبلت هوادي الحمل: إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء [يتقدمها] من أجسادها.
وقد تكون الهوادي أول رعيل يطلع منها؛ لأنها المتقدمة
[ ١ / ٣١٥ ]
يقال منها: [قد] هدت تهدي: إذا تقدمت.
وقال "عبيد بن الأبرص" يذكر الخيل:
وغداة صبحن الجفار عوابسًا يهدي أوائلهن شعت شزب.
أي يتقدمهن.
وقال "الأعشى" يذكر عشاه، ومشيه بالليل:
إذا كان هادي الفتي في البلاد صدر القناة أطاع الأميرا
وقد يكون إنما سمى العصي هاديًا؛ لأنه يمسكها بيده، فهي تهديه تتقدمه.
وقد يكون من الهداية: أي أنها تدله على الطريق.
وكذلك الدليل يسمى هاديًا؛ لأنه يقدم القوم، ويتبعونه، ويكون أن يهديهم للطريق.
٩٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- أن قومًا شكوا إليه سرعة فناء طعامهم، فقال رسول الله -ﷺ-: "أتكيلون أم تهيلون"؟
[ ١ / ٣١٦ ]
قالوا: نهيل.
قال: "فكيلو، ولا تهيلو".
قال: حدثنيه أبو إسماعيل إبراهيم بن سليمان مودب آل أبي عبيد الله، عن أبي الربيع، مولى آل عمر بن الخطاب [-﵁-].
قوله: ولا تهيلوا: يقال لكل شيء أرسلته من رمل أو تراب، أو طعام، أو نحوه:
قد هلته أهيله هيلًا: إذا أرسلته فجرى [٨٠] وهو طعام مهيل.
وقال الله -﵎-: ﴿وكانت الجبال كثيبًا مهيلًا﴾.
ومنه حديث "العلاء بن الحضرمي" [-﵀-]: أنه أوصاهم عند موته، وكان مات في سفر، فقال: "هيلو على هذا الكثيب، ولا تحفروا لي فأحبسكم".
فتأويل الحديث المرفوع: أنهم كانوا لا يكيلون طعامهم يصبونه صبًا، فنهاهم عن ذلك.
[ ١ / ٣١٧ ]
٩٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- في الذي يشرب في إناء من فضة: "وإنما يجرجر في بطنه نار جهنم".
قال: حدثناه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن رجل [قد] سماه ونسبه، عن أم سلمة، عن النبي -ﷺ-.
قال أبو عبيد: أصل الجرجرة: الصوت، ومنه قيل للبعير إذا صوت هو يجرجر، قال "الأغلب العجلي" يصف فحلًا يهدر، ويقال: إنه "لدكين".
وهو إذا جرجر بعد الهب
جرجر في حنجرة كالحب.
[ ١ / ٣١٨ ]
وهامة كالمرجل المنكب
فكان معنى الحديث في قوله: يجرجر في بطنه: يعني صوت وقوع الماء في الجوف وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب.
قال "الراعي" يذكر شرب الإبل وأنهم سقوهم، فقال:
فسقوا صوادي يسمعون عشبة .. للماء في أجوافهن صليلًا يعني صوت الجرع
[ ١ / ٣١٩ ]
١٠٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"أنه نهى عن قتل شيء من الدواب صبرًا".
قال: حدثناه هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، عن النبي -ﷺ-.
[ ١ / ٣٢٠ ]
قال: وحدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي -ﷺ-.
قال أبو زيد، وأبو عمرو، وغيرهما: قوله: صبرًا: هو الطائر، أو غيره من ذوات الروح، يصبر حيًا، ثم يرمى، حتى يقتل.
قال أبو عبيد: وأصل الصبر: الحبس، وكل من حبس شيئًا، فقد صبره
ومنه حديث النبي -ﷺ- في رجل أمسك رجلًا وقتلته آخر، قال: "اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر".
قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يحدثه عن معمر، عن إسماعيل بن أمية، يرفعه قوله: اصبروا الصابر، يعني احبسوا الذي حبسه للموت حتى يموت.
ومنه قيل للرجل يقدم، فتضرب عنقه: قتل صبرًا: يعني أنه أمسك على الموت، وكذلك لو حبس رجل نفسه عن شيء يريده، قال: صبرت نفسي، قال "عنتزة" يذكر حربًا كان فيها:
فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع
يعني أنه حبس نفسه.
[ ١ / ٣٢١ ]
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: يمين الصبر، وهو أن يحبس السلطان الرجل على اليمين حتى يحلف بها.
ولو حلف إنسان من غير إحلاف ما قيل [له] حلف صبرًا.
وأما المجثمة التي نهى عنها، فإنها المصبورة أيضًا، ولكنها لا تكون إلا في الطير والأرانب، وأشباه ذلك مما يجثم؛ لأن الطير يجثم بالأرض وغيرها: إذا لزمته ولبدت عليه، فإن حبسها إنسان، قل: قد جثمت، أي فعل ذاك بها، وهي مجثمة.
فإذا فعلته هي من غير فعل أحد، قيل [قد] جثمت تجثم جثومًا، وهي جاثمة.
[ ١ / ٣٢٢ ]
١٠١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
قال حدثنيه هشيم، قال: أخبرناه مغيرة، ومجالد، عن الشعبي، عن وراد كاتب "المغيرة بن شعبة" قال.
كتب "معاوية" إلى "المغيرة" أن أكتب إلى بشيء سمعته من رسول الله -ﷺ-.
فكتب إليه "المغيرة": أني سمعته يقول إذا انصرف من الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما [٨٢] أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
قال "هشيم": وأخبرنا "عبد الملك بن عمير"، قال: سمعت "ورادًا" كاتب المغيرة [بن شعبة]. يحدث بهذا الحديث، عن المغيرة، عن النبي -ﷺ-.
[ ١ / ٣٢٣ ]
[قال أبو عبيد]: قوله: الجد -بفتح الجيم- لا غير، وهو الغنى والحظ في الرزق.
ومنه قيل: لفلان في هذا الأمر جد: إذا كان مرزوقًا منه.
فتأويل قوله: لا ينفع ذا الجد منك الجد: أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه، إنما ينفعه العمل بطاعتك.
وهذا كقوله -﵎-: "يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم".
وكقوله: ﴿وما أموالكم، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، إلا من آمن وعمل صالحًا﴾.
ومثله كثير.
وكذلك حديثه الآخر.
قال: حدثنيه ابن ممم أن التيمي. عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة ابن زيد، عن النبي -ﷺ- قال:
"قمت ممم فإذا عامة ممم، وإذا أصحاب الجد محبوسون".
ممم في الدنيا والغنى.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقد روي عن "الحسن" و"عكرمة" في قوله ﴿-﵎-﴾: "وأنه تعالى جد ربنا".
قال أحدهما: غناه. وقال الآخر: عظمته.
قال: وحدثني محمد بن عمر الواقدي، عن ابن جريج، عن، عطاء، عن ابن عباس، قال:
"لو علمت الجن أن في الإنس جدًا، ما قالت: ﴿تعالى جد ربنا﴾.
[قال أبو عبيد]: يذهب "ابن عباس" إلى أن الجد إنما هو الغني، ولم يكن يرى أن أبًا الأب جد، إنما هو عنده أب.
ويقال منه للرجل إذا كان له جد في الشيء: رجل مجدود، ورجل محفظوظ. من الحظ، قالهما "أبو عمرو".
وقد زعم بعض الناس [أنه] إنما هو: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد" -بكسر الجيم-.
[ ١ / ٣٢٥ ]
والجد إنما هو الاجتهاد في العمل.
وهذا والتأويل خلاف ما دعا الله [-﷿-] إليه المؤمنين، ووصفهم به، لأنه قال يف كتابه: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات، واعملوا صالحًا﴾ فقد أمرهم بالجد والعمل الصالح.
وقال: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا﴾. وقال [-سبحانه-]: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾. إلى آخر الآيات.
وقال [-سبحانه-]: "جزاء بما كانوا يعملون" في آيات كثيرة.
فكيف يحثهم على العمل، وينعتهم به، ويحمدهم عليه، ثم يقول: إنه لا ينفعهم.
[ ١ / ٣٢٦ ]
١٠٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
أنه سأل رجلًا، فقال: ما تدعو في صلاتك؟
فقال الرجل: "أدعو بكذا وكذا، وأسال ربي الجنة، وأتعوذ به من النار، فأما دندنتك، ودندنة معاذ، فلا نحسنها".
قال: حدثنيه عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن أبي صالح، و"ليث" عن "مجاهد".
قال "ابن إدريس" قال "الأعمش" في حديثه، فقال النبي -ﷺ-: "حولهما ندندن".
قال: وقال "ليث": "عنهما ندندن".
قال أبو عبيد، الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته به، ولا تفهمه عنه؛ لأنه يخفيه.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وإنما أراد أن هذا الذي تسمعه منا، إنما هو من أجل الجنة والنار، فهذه الدندنة. والهينمة نحو من تلك، وهي أخفى منها.
ومن ذلك حديث "عمر [-﵁-] الذي يروي عنه في إسلامه: "أنه أتى منزل أخته "فاطمة" امرأة "سعيد بن زيد"، وعندها "خباب" وهو يعلمها سورة "طه" فاستمع على الباب، فلما دخل، قال: "ما هذه الهينمة التي سمعت"؟
يقال منه: هينم الرجل يهينم هينمة.
وكذلك هتلمت هتملة بمعناها.
وقال "الكميت":
ولا أشهد الهجر والقائلية إذا م بهينمة هتملوا.
١٠٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- "أنه كان إذا
[ ١ / ٣٢٨ ]
قام للتهجد [٨٤] يشوص فاه بالسواك.
قال: حدثناه هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي -ﷺ-.
قوله: يشوص، الشوص: الغسل، وكل شيء غسلته فقد شصته تشوصه شوصًا
والموص: الغسل أيضًا مثل الشوص.
يقال: مصته أموصه موصًا.
ومنه قول "عائشة" [-﵂-] في "عثمان" [-نضر الله وجهه-]:
"مصتموه كما يماص الثوب، ثم عدوتم عليه، فقتلتموه".
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال: سمعت أبا يوسف" يحدثه بإسناد له.
تعني بقولها: مصتموه: ما كانوا استعتبوه، فأعتبهم فيه، ثم فعلوا به ما فعلوا.
قال "أبو عبيد": فذلك الموص، تقول: خرج نقيًا مما كان فيه:
١٠٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات".
قال: حدثنيه إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن النبي -ﷺ-.
[ ١ / ٣٣٠ ]
[قال أبو عبيد]: قوله: تفلات: التفلة: التي ليست متطيبة، وهي المنتنة الريح.
يقال منه: نفلة، ومنفال، قال "امرو القيس".
إذا ما الضجيج ابتزها من ثيابها تميل عليه هونه غير متفال وقال "الكميت":
فيهن آنسة الحديث حيية ليست بفاحشة ولا متفال.
ومما يبين ذلك حديث "زينب" امرأة "عبد الله" عن النبي -ﷺ- أنه قال: "إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تمسن طيبًا".
[ ١ / ٣٣١ ]
١٠٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
أنه صلى فأوهم في صلاته.
فقيل له: يا رسول الله! كأنك أوهمت في صلاتك؟
فقال: "وكيف لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته".
قال: حدثنيه هشيم، عن إسماعي بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، يرفعه.
قال "الأصمعي": جمع الرفغ أرفاغ، وهي الآباط، والمغابن من الجسد، يكون ذلك [٨٥] في الإبل والناس.
قال أبو عبيد: ومعناه في الحديث: ما بين الأنثيين وأصول الفخدين، وهو من المغابن.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وما يبين ذلك حديث "عمر" [-﵀-]:
"إذا التقى الرفغان فقد وجب الغسل".
قال: حدثنيه محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن عطية بن قيس، عن "عمر" [﵀].
قال أبو عبيد: أراد: إذا التقى ذلك من الرجل والمرأة، ولا يكون هذا إلا بعد التقاء الختانين.
فهذا يبين [لك] موضع الرفغ.
فمعنى الحديث المرفوع: أنه أراد أن أحدكم يحك ذلك الموضع من جسده، فيعلق درنه ووسخه بأصابعه، فيبقى بين الظفر والأنملة.
وإنما أنكر من ذلك طول الأظفار، وترك قصها.
يقول: فلولا أنكم لا تقصونها حتى تطول ما بقى الرفغ هناك.
هذا وجه الحديث.
وما يبين ذلك حديثه الآخر، واستيطأ الناس الوحي، فقال:
[ ١ / ٣٣٣ ]
"وكيف لا يحتبس الوحي، وأنتم لا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون براحمكم".
قال: حدثناه أبو محياة، عن منصور، عن مجاهد، يرفعه.
قال "الأصمعي" يقال: أوهم الرجل في كتابه وفي كلامه يوهم إبهامًا: إذا ما أسقط منه شيئًا.
ويقال: وهم يوهم: إذا غلط.
ويقال: وهم إلى الشيء يهم وهمًا: إذا ذهب وهمه إليه.
١٠٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- حين ذكر، الخوارج.
[ ١ / ٣٣٤ ]
قال: حدثنيه إسماعيل بن جعفر، ويزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: جئت أبا سعيد الخدري، فقلت: هل سمعت رسول الله [-ﷺ-] يذكر الخوارج؟
فقال: سمعته يذكر قومًا يتفقهون في الدين يحقر أحدكم صلاته عند صلاته، وصومه عند صومه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية، فأخذ سهمه، فنظر في [٨٦] نصله، فلم ير شيئًا، ثم نظر في رصافه فلم ير شيئًا، ثم نظر في القذذ، فتمارى:
أيرى شيئًا، أم لا"؟
[ ١ / ٣٣٥ ]
قال الأصمعى، وغيره؛ قوله: الرمية: هي الطويدة التي يرميها الصائد، وهي كل دابة مرمية.
وقوله: نظر في كذا كذا، فلم ير شيئًا: يعني أنه أنفذ سهمه منها حتى خرج وندر، فلم يعلق به من دمها شيء من سرعته، فنظر إلى النصل، فلم ير فيه دمًا، ثم نظر إلى الرصاف، وهي العقب التي فوق الرعظ، والرعظ: مدخل النصل في السهم تلم ير دمًا.
وواحدة الرصاف رصفّة.
والقذذ: ريش السهم كل واحدة منها قذة.
ومنه الحديث الآخر:
"هذه الأمة أشبه المم ببني إسرائيل يتبعون آثارهم حذو القذة بالقذة" يعني كما تقدر كل واحدة منهن على صاحبتها.
فتأويل الحديث المرفوع: أن الخوارج يمرقون من الدين مروق ذلك السهم من الرمية.
يعني أنه دخل فيها، ثم خرج منها لم يعلق [به] منها شيء.
[ ١ / ٣٣٦ ]
فكذلك دخول هؤلاء في الإسلام، ثم خروجهم منه، لم يتمسكوا منه بشيء [قال]: وفي حديث آخر قال: حدثنيه محمد بن أبي عدى، عن سلمة ابن علقمة، عن ابن سيرين قال:
نبئت عن أبي سعيد الخدري، قال:
قيل: يا رسول الله! ألهم آية أو علامة يعرفون بها؟
قال: "نعم، التسبيد فيهم فاش".
قال أبو عبيد: فسألأت "أبا عبيدة" وعن التسبيد؟
فقال: هو ترك التدهن، وغسل الرأس.
وقال غيره: إنما هو الحلق، واستئصال الشعر.
قال أبو عبيد: وقد يكون الأمران جميعًا، قال "النابغة" [الذبياني] " في قصر الشعر، يذكر فرخ القطاة حين حمم ريشه:
[ ١ / ٣٣٧ ]
تسقي أزيغب ترويه مجاجتها في حاجب العين من تبيده زبب
يعني البتسبيد: طلوع الزغب.
و[قد] روى في الحديث مما يثبت قول "أبي عبيدة" حديث [عن] "ابن عباس"
قال: حدثينه يحيى بن سعد، و"حجاج" كلاهما عن "ابن جريج" عن محمد بن عباد بن جعفر، قال:
"رأيت" ابن عباس" قدم "مكة" مسبدًا رأسه [٨٧] فأتى الحجر، فقلبه، ثم سجد عليه".
قال أبو عبيد: فالتسبيد ها هنا ترك التدهن والغسل.
وبعضهم يقول: التسميد -بالميم- ومعناهما واحد.
[ ١ / ٣٣٨ ]
١٠٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"أنه أتى كظامة قوم، فتوضأ، ومسح على قدميه".
قال: حدثناه هشيم، قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس، أنه رأى النبيّ -ﷺ- فعل ذلك.
[قال أبو عبيد]: وقد خولف هشيم في هذا الإسناد.
وكان "شريك" فيما بلغني يحدث بهذا الحديث عن يعلى بن عطاء، عن أوس بن أبي أوس، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-.
فسئل "هشيم" عن الكظامة.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فقال: السقاية.
قال أبو عبيد: وسألت عنها "الأصمعي" وأهل العلم من "أهل الحجاز" فقالوا: هي آبار تحفر، ويباعد ما بينها، ثم يخرق ما بين كل بئرين بقناة تؤدى الماء من الأولى إلى التي تليها، حتى يجتمع الماء إلى آخرهن.
وإنما ذلك من عوز الماء، ليبقى في كل بئر ما يحتاج إليه أهلها للشرب، وسقى الأرض، ثم يخرج فضلها إلى التي تليها، فهذا معروف عند "أهل الحجاز". ومنه حديث عبد الله بن عمرو.
قال: حدثينه هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: "إذا رأيت "مكة" قد بعجت كظائم، وساوى بناؤها رؤوس الجبال، فاعلّم أن الأمر قد أظلك، فخذ حذرك.
١٠٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
[ ١ / ٣٤٠ ]
"ليست الهرة بنجس، إنما هي من الطوافين أو الطوافات عليكم" [قال]: وكان يصغى لها الإناء.
قال: حدثينه سفيان بن عيينة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن امرأة، عن أبي قتادة، عن النبيّ -ﷺ-.
قوله: من الطوافين أو الطوافات عليكم: إنما جعلها بمنزلة المماليك، ألا تسمع قول الله -﵎-: "يا أيها الذين آمنوا [٨٨] ليستأذنكم الذين/ ملكت أيمانكم" إلى قوله: "ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم" وقال [-﷿-] في موضع آخر: "يطوف عليهم ولدان مخلدون".
[ ١ / ٣٤١ ]
فهؤلاء الخدم.
فمعنى الحديث أنه جعل الهّرة كبعض الطوّافين.
ومن هذا قول "إبراهيم": "إنمّا الهرّة كبعض أهل البيت".
ومثله قول "ابن عباس": "إنمّا هي من متاع البيت".
وأمّا حديث "ابن عمر": أنه كان يكره سور الهرة، فإنه إنّما ذهب إلى أنه سبع له ناب.
وكذلك حديث "أبي هريرة":
١٠٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
أقرّوا الطّير على مكناتها".
[ ١ / ٣٤٢ ]
وبعضهم يقول: "مكناتها".
قال أبو زياد الكلابي، وأبو طيبة الأعرابي، وغيرهما من الأعراب، أو من -قال منهم: لا نعرف للطّير مكنات، وإنمّا هي الوكنات، قال "أمرؤ القيس":
وقد أغتدى والّير في وكناته بمنجرد قيد الأوابد هيكل
وواحد الوكنات وكنة، وهي موضع عشّ الطائر
ويقال له أيضًا: وكر -بالراء-.
فأما الوكن -بالنون- فهو العود الذي يبيت عليه الطّائر.
قالوا: فأمّا المكنات: فهي بيض الضباب، وواحدتها مكنة.
يقال منه: قد مكنت الشبة وأمكنت، فهي ضبة مكون: إذا جمعت البيض.
[ ١ / ٣٤٣ ]
ومنه حديث "أبي وائل": "ضبة مكون أحب إلى من دجاجة سمينة".
وجمع المكنة مكنات ومكن.
قال أبو عبيد [و] هكذا روى الحديث، وهو جائز في الكلام، وإن كان المكن للضباب أن تجعل للطّير تشبيهًا بذلك كالكلّمة تستعار، فتوضع في غير موضعها، ومثله كثير في كلام العرب، كقولهم مسافر الحبش، وإنَّما المسافر للإبل، وكقول "زهير" يصف الأسد:
* له لبد أظفاره لم تقلم*
وإنمّا هي المخالب.
وكقول "الأخطل":
* وفروة ثفر الثّورة المتاضجم
[ ١ / ٣٤٤ ]
[٨٩] وإنمّا الثفر للسباع.
وقد يفسر هذا الحديث على غير هذا التفسير.
يقال: أقروا الطّير على مكناتها، يراد: على أمكنتها، ومعناه الطير التي يزجر بها.
يقول: فلا تزجوا الطّير، ولا تلتقوا إليها، أقروها على مواضعها التي جعلها الله [﵎] بها: أي إنّها لا تضر ولا تنفع، ولا تعدوا ذلك إلى غيره. وكلاهما له وجه، ومعنى والله أعلم.
١١٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"ما أذن الله لشيء كأذنه لنبيّ يتغنى بالقرآن [أن] يجهر به".
[ ١ / ٣٤٥ ]
قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-.
قوله: كأذنه: يعني ما استمع الله لشيء كاستماعه لنبيّ يتغنى بالقرآن.
قال: حدثناه "حجاج"، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله [- ﷿-]: "وأذنت لربها وحقت" قال: استمعت أو سمعت -شك أبو عبيد-.
قال [أبو عبيد]: وحدثناه أبو معاوية، عن معرف بن واصل، عن حبيب بن أبي ثابت في قوله: "وأذنت لربها" قال: استمعت أو سمعت.
يقال: أذنت للشيء آذن له أذنًا: إذا استمعت، [أو سمعت له]
قال "عدىّ بن زيد":
أيهّا القلب تعلّل بددن إن همىّ في سماع وأذن
وقال "عدىّ" أيضًا:
[ ١ / ٣٤٦ ]
في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذى مشار
يريد بقوله: يأذن: يستمع.
بعضهم يرويه: "كإذبة لنبيّ يتغنى بالقرآن" -بكير الألف- يذهب به إلى الإذن من الاستئذان، وليس لهذا وجه [عندي].
وكيف يكون إذنه في هذا أكثر من إذنه في غيره، والذي أذن له فيه من توحيده وطاعته، والإبلاغ عنه أكثر وأعظم من الإذن في قراءة يجهر بها.
وقوله: يتغنّى بالقرآن: إنّما مذهبه عندنا تحزين القراءة [٩٠].
ومن ذلك حديث الآخر الذي يروى عن شعبة، عن معاوية بن قرة، عن عبد الله بن مغفل، أنه رأى النبيّ -ﷺ- يقرأ سورة الفتح، فقال:
[ ١ / ٣٤٧ ]
"لولا أن يجتمع النّاس علينا لحكيت تلك القراءة، وقد رجع ".
ومما يبين ذلك حديث يروى عن النبيّ -ﷺ-:
أنه ذكر أشراط الساعة، فقال: "بيع الحكم، وقطعية الرحم، والاستخفاف بالدم، وكثرة الشرط، وأن يتخذ القرآن مزامير، يقدمون أحدهم، وليس بأقرائهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء".
قال: سمعت "أبا يوسف" يحدثه عن ليث، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، أنه سمع النبيّ [ﷺ] يقول ذلك.
قال: وحدثنا ابن عليه، عن ليث، عن طاووس، قال: "أقرأ الناس للقرآن أخشاهم لله [-﷿-].
فهذا تأويل حديث النبيّ -ﷺ-: [ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي] يتغنى بالقرآن [أن] يجهر به.
[ ١ / ٣٤٨ ]
وهو تأويل قوله: "وزينوا القرآن بأصواتكم". قال: وأخبرني "يحيى بن سعيد"، عن "شعبة"، قال: نهاني "أيوب" أن أتحدث بهذا الحرف: "زينوا القرآن بأصواتكم".
[قال أبو عبيد]: وإنما كره "أيوب" ذلك مخالفة أن يتسأول على غير وجهه [قال]: وأمّا حديث رسول الله [-ﷺ-]: ليس منّا من لم يتغن بالقرآن".
فليس هو عندى من هذا، إنّما هو من الاستغناء، وقد فسرناه في موضع آخر".
[ ١ / ٣٤٩ ]
١١١ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
أنه كان إذا سجد جافى عضديه حتى يرى من خلفه عفرة إبطيه".
[قال] حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن داود بن قيس، عن عبيد الله بن عبد الله بن أقرم، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-.
قال "أبو زيد" و"الأصمعي" و"أبو زياد"، أو من قال منهم: العفرة: البياض، وليس بالبياض الناصع الشديد، ولكنه لون الأرض، ومنه قيل للظّباء: عفر، إذا كانت ألوانها كذلك.
وإنما سميت بعفر الأرض [٩١]، وهو وجهها.
[ ١ / ٣٥٠ ]
قال "الأحمر": يقال: ما على عفر الأرض مثله: أي على وجهها.
وكذلك الشاة العفراء. يروى عن "أبي هريرة" أنه قال: "لدم عفراء في الأضحية أحب إلى من دم سوداوين" وبعضهم يرويه عنه: "لدم بيضاء أحب إلى من دم سوداوين".
فهذا يفسر ذلك.
ويقال: عفرت الرجل في التراب: إذا مرغته فيه تعفيرًا.
والتعفير في غير هذا أيضًا.
يقال للوحشية: هي تعفّر ولدها، وذلك إذا أرادت فطامه: قطعت عنه الرضاع يومًا أو يومين، فإن خافت أن يضره ذلك ردته إلى الرّضاع أيامًا، ثمّ أعادته إلى الفظام، تفعل ذلك به مرّات حتّى يستمر عليه.
فذلك التعفير، وهو معفّر، قال "لبيد" يذكره:
[ ١ / ٣٥١ ]
لمعفر قهد تنازع شلوه غبس كواسب لا يمن طعامها
١١٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبّي -ﷺ-:
"من أدخل فرسا بين فرسين، فإن كان يؤمن أن يسبق فلا خير فيه، وإن كان لا يؤمن أن يسبق فلا بأس به".
قال: حدثناه عباد بن العوّام، والفزارى، ويزيد بن هارون كلّهم عن -سفيان بن حسين عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النّبي -ﷺ-
[ ١ / ٣٥٢ ]
قال أبو عبيد: وكان سفيان بن حسين، لا يرفعه.
قال: سمعت محمد بن الحسن، وغير واحد دخل تفسير بعضهم في بعض، قالوا: هذا في رهان الخيل.
والأصل منه أن يسبق الرجل صاحبه بشيء مسمى على أنّه إن سبق لم يكن له سيء، وإن سبقه صاحبه أخذ الرهن، فهذا هو الحلال؛ لأن الرهن إنّما من احدهما دون الآخر.
فإن جعل كل واحد منهما لصاحبه وهنا أيهما سبق أخذه، فهذا القمار المنهى عنه.
فإن أرادا أن يدخلا بينهما شيئًا: ليحل لكلّ واحد منهما رهن صاحبه جعلا معهما فرسًا ثالثًا لرجل سواهما، وهو الذي [٩٢] ذكرناه في أول الحديث: "من أدخل فرسا بين فرسين".
وهو الذي يسمى المحلّل، ويسمّى الدّخيل، فيضع الرجلان الأولان رهنين منهما، ولا يضع الثالث شيئًا، ثم يرسلون الأفراس الثّلاثة.
فإن سبق أحد الأوّلين أخذ رهنه ورهن صاحبه، فكان طيّبا له.
وإن سبق الدّخيل، ولم يسبق واحد من هذين أخذ الرّهنين جميعًا.
وإن سبق هو لم يكن علي شيء.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فمعنى قوله: "إن كان لا يؤمن أن يسبق، فلا بأس به": يقول: إذا كان رائعًا جوادًا لا يأمنان أن يسبقهما، فيذهب بالرّهنين، فهذا طيّب لا بأس به.
وإن كان بليدّا بطيئًا قد أمنا أن يسبقهما، فهذا قمار؛ لأنّهما كأنّهما لم يدخلا بينهما شيئًا، أو كأنّهما إنّما أدخلا حمارًا، أو ما أشبه ذلك ممّا لا يسبق هذا وجه الحديث.
وهو تفسير قول "جابر بن زيد".
قال: حدثنا سفيان [بن عيينة] عن عمرو قال:
قيل "لجابر بن زيد": إن أصحاب "محمد" [-ﷺ-]
كانوا لا يرون بالدّخيل بأسًا.
فقال: كانوا أعف من ذلك.
١١٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
[ ١ / ٣٥٤ ]
"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر".
قال: حدثنيه ابن مهدي، عن سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبد الله بن أبي قنادة، عن أبيه، عن النبي -ﷺ-.
و[حدثنا] يزيد بن هارون عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- مثله.
قوله: فإن الله [﷿] هو الدهر [هذا] ممّا لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه، وذلك أن "أهل التّعطيل" يحتجون به على المسلمين.
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو عبيد: وقد رأيت بعض من يتعم بالزندقة والدّهرية يحتج بهذا الحديث، ويقول: ألا تراه يقول: فإنّ الله هو الدّهر؟
فقلت: وهل كان أحد يسب الله [﷿] في آباد الدّهر؟ !
وقد قال "الأعشى" في الجاهلية الجهلاء:
استأثر الله بالوفاء، وبالحمد وولّى الملامة الرّجلا
وإنّما تأويله عندي -والله أعلم- أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر، وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت، أو هرم، أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: [٩٣] أصابتهم قوارع الدّهر، وأبادهم الدّهر، وأتى عليهم الدّهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه عليه، وقد ذكروه في أشعارهم، قال الشاعر يذكر قومًا هلكوا:
فاستأثر الدّهر الغداة بهم والدّهر يرمينى وما أرمى
يا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا ووقرت في العظم
وسلتنا ما لست تعقبنا يا دهر ما أنصفت في الحكم
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال "عمرو بن قميئة":
رمتى بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذا لا تقيتها ولكنّما أرمى بغير سهام
على الرّاحتين مرّة وعلى العصا أنوء ثلاثًا بعدهن قيامس
فأخبر أن الدّهر فعل به ذاك، يصف الهرم
وقد أخبر الله -﵎- بذلك عنهم في كتابه [الكريم]، ثم كذبهم يقولهم، فقال: "وقال ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدّهر".
ثال الله -﵎-: "وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون". فقال النبيّ -ﷺ: "لا تسبوا الدهر": على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها، فإنّما يقع السب على الله -﵎- لأنه الفاعل لها لا الدهر.
فهذا وجه الحديث -إن شاء الله- لا أعرف له وجها غيره.
[ ١ / ٣٥٧ ]
١١٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- أنه دخل على "عائشة" [﵂]، وعندها رجل، فقالت: إنه أخى من الرضاعة، فقال: "انظرن ما إخوانكن، فإنّما الرضاعة من المجاعة"
قال أخبرنيه ابن مهدىّ، عن سفيان، عن أشعت بن أبي الشّعتاء، عن أبيه، عن مسروق [٩٤]، عن عائشة [﵂]، عن النبيّ -ﷺ-.
قوله: إنّما الرضاعة من المجاعة، يقول: إن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن، إنما هو الصبي الرضيع، فأما الذي يشبعه من جوعه الطعام، فإن أرضعتموه فليس ذلك برضاع.
[ ١ / ٣٥٨ ]
فمعنى الحديث: أنه إنما الرضاع ما كان في الحولين قبل الفطام.
وهذا مثل حديث "أبي هريرة" و"أم سلمة": "إنما الرضاع ما كان في [الثدى قبل الفطام] " ومنه حديث "عمر [بن الخطاب -﵁-]: "إنمّا الرضاعة رضاعة الصغر".
وكذلك حديث "عبد الله" فيه.
وعامة الآثار على هذا: أن الرضاعة بعد الحولين لا تحرم شيئًا.
١١٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ- أنه رأى رجلا يمشى بين القبور في نعلين، فقال:
"يا صاحب السبتين اخلع سبتيك".
[ ١ / ٣٥٩ ]
[قال]: وهذا حديث بلغني عن الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير، عن بشير بن نهيك، عن ابن الخصاصية عن النبيّ -ﷺ-.
قوله: في النعال السبتية.
قال "أبو عمرو": هي المدبوغة بالقرظ.
وقال "الأصمعي": هي المدبوغة.
قال أبو عبيد: وإنما ذكرت السبتية؛ لأن أكثرهم في الجاهلية كان يلبسها غير مدبوغة، إلا أهل السعة منهم، ألا ترى أنهم كانوا يمدحون الرجل بلبسها. لأنهم كانوا لا يحسنون الدباغ، ولا يلبسها إلا أهل الجدة منهم، كانوا يشترونها من اليمن والطائف، ونحوهما، قال عنترة يمدح رجلا.
بطل كأنّ ثيابه في سرحه يحذى نعال السّبت ليس بتوأم
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقد زعم بعض الناس أن نعال السبت هي هذه المحلوقة الشعر، والأمر عندى على ما قال "الأصمعي" [و"أبو عمرو"].
١١٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-:
"نعم الإدام الخل".
[ ١ / ٣٦١ ]
قال: حدثنيه يزيد، عن حجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ -ﷺ-.
قال [أبو عبيد]: سمعت "محمد بن الحسن" يقول في هذا: إنما سماه إداما؛ لأنه يصطبغ به، وكل شيء سابغ به لزمه اسم الإدام.
يعني مثل الخل، والزّيت، والمرّى، واللبن، وما اشبهه.
قال: فإن حلف حالف ألا يأكل إداما، فأكل بعض ما يصطبغ به، فهو حانث. وفي حديث آخر أنه قال: "ما أقفر بيت، أو قال: طعام فيه خل".
وقال أبو زيد، وغيره: هو مأخوذ من القفار، وهو كل طعام يؤكل بلا أدم.
يقال: أكلت اليوم طعامًا قفارًا: إذا أكله غير مأدوم.
ولا أرى أصله مأخوذًا إلاّ من القفر من البلاد، وهي التي لا شيء بها، ولا كلأ بها.
[ ١ / ٣٦٢ ]
١١٧ - قال أبو عبيد في حديث النبيّ -ﷺ-
"لا تجوز شهادة خائن، ولا خائنة، ولا ذة غمر على أخيه، ولا ظنين في ولاء ولا قرابة، ولا القانع مع أهل البيت لهم".
قال: حدثناه مروان الفزارى، عن شيخ من أهل الجزيرة، يقال له يزيد بن أبي زياد.
قال أبو عبيد: وهو يزيد بن سنان، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة، ترفعه.
قوله خائن ولا خائنة، فالخيانة تدخل في أشياء كثيرة سوى الخيانة في المال منها: أن يؤتمن الرجل على فرج، فلا يؤدى فيه الأمانة.
وكذلك إذا استودع سرّا يكون إن أفشاه فيه عطب المستودع، أو فيه شينه
[ ١ / ٣٦٣ ]
وكذلك إن اؤتمن على حكم بين اثنين، أو فوقهما، فلم يعدل.
وكذلك إن غلّ من المغنم، فالغال في التفسير: الخائن؛ لأنه يقال في قوله: "وما كان لنبي أن يغل": قال: "يخان".
وممّا يبين لك أن السر أمانة حديث يروى عن النبي -صلى الله عليه وسم-:
"إذا حدث الرجل الرجل بالحديث، ثم التفت، فهو أمانة"
فقد سمّاه رسول الله [-ﷺ- أمانة]، ولم يسكتمه،
[ ١ / ٣٦٤ ]
فيكف إذا استكتمه" ومنه قوله (-﵇-): "إنمّا تجالسون بالأمانة" ومنه الحديث الآخر: "من أشاع [على مؤمن] فاحشة، فهو مثل من أبداها" فصار ها هنا كفاعلها، لإشاعته إيّاها، وهو لم يستكتمها إيّاه.
فهذه [٦٩] الخصال كلها، وماضاهاها، لا ينبغي أن يكون أصحابها عدولا في الشّهادات على تأويل هذا الحديث.
وأمّا قوله: ولا ذى غمر على أخيه، فإن الغمر الشحناء والعداوة، وكذلك الإحنة. وممّا يبين ذلك حديث عمر [-﵁-]: "أيمّا قوم شهدوا على رجل لحد، ولم يكن ذلك بحضرة صاحب الحد، فإنما شهدوا عن ضغن".
[ ١ / ٣٦٥ ]
وتأويل هذا الحديث على الحدود التي فيما بين الناس، وبين الله [-﷿-] كالزنا والسرقة، وشرب الخمر.
قال [أبو عبيد]: وسمعت "محمد بن الحسن" يجعل في ذلك وقتا لا أحفظه، يقول: فإن أقاموا الشهادة بعد ذلك بطلت شهادتهم.
فأما حقوق الناس فالشهادة فيها جائزة أبدًا لا ترد، وإن تقادمت.
وأمّا الظنين في الولاء والقرابة، فالذي يتهم بالدّعاوة إلى غير أبيه أو المنولى غير مواليه.
[ ١ / ٣٦٦ ]
قال أبو عُبيد: وقد يكون أن يتَّهم في شهادته لقريبه كالوالد للولد (والولد للوالد) ومن وراء ذلك.
قال: حدّثناه حفص بن غياث، عن محمَّد بن زيد بن مُهاجر، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، أن رسول الله -ﷺ- بعث مناديًا حتى انتهى إلى الثّنيّة. "أنَّه لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، واليمين على المدعي عليه". فمعنى الظَّنين هاهنا: المتَّهم في دينه.
وأمَّا قوله: ولا القانع مع أهل البيت لهم: فإنَّه الرجل يكون مع القوم في حاشيتهم كالخادم لهم والتّابع والأجير، ونحوه.
وأصل القنوع: الرَّجل يكون مع الرجل يطلب فضله، ويسأله معروفه. يقول: فهذا إنّما يطلب معاشه من هؤلاء، فلا تجوز شهادته لهم
[ ١ / ٣٦٧ ]
[وقد] قال الله﵎-: ﴿فكلوا منها﴾ وأطعموا القانع والمعتر" فالقانع في التفسير: الّذي يسأل، والمعترّ: الذي يتعرَّض، ولا يسأل، ومنه قول "الشماخ":
لمالُ المرء يُصلحُه فيغنى مفاقره أعف من القنوع
يعني: مسألة الناس [٩٧].
وقال "عدىُّ بن زيد":
وما خنت ذا عهد وأيت بعهده ولم أحرم المضطّرّ إذ جاء قانعًا
يعني سائلًا.
ويُقال من هذا: قد قنع الرّجل يقنع قنوعًا.
وأمّا القانع: الراضي بما أعطاه الله [-سبحانه-] فليس من ذلك.
[ ١ / ٣٦٨ ]
يُقال [منه]: قد قنعت أقنع قناعة، -فهذا بكسر النُّون-، وذاك - فتحها- وذاك من القنوع، وهذا من القناعة.
١١٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ- في خطبته:
"إنَّ الزَّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض، السَّنة اثنا عشر شهرًا منها أربعةٌ حرم: ثلاثة متواليات ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرك، ورجب "مضر" الذي بين جمادى، وشعبان".
قال: حدَّثناه ابن عليَّة، عن أيوب، عن ابن سرين، عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ.
[ ١ / ٣٦٩ ]
قوله: [إن الزَّمان] قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّموات والأرض".
يقال: إن بدء ذلك كان -والله أعلم- أنّ العرب كانت تحرّم الشهور الأربعة، وكان هذا ممّا تمسّكت به من ملة "إبراهيم" [-﵇ وعلى نبيّنا-]، فربَّما احتاجوا إلى تحليل المحرَّم للحرب تكون بينهم، فيكرهون أن يستحلّون المحرّم. وهذا هو النسئ الذي قال الله -﵎-: ﴿إنّما النّسئ زيادة في الكفر يضلّ به الّذين كفروا يحلُّونه عامًا، ويحرّمونه عامًا ﴾ إلى آخر الآية.
وكان ذلك في "كنانة" هم الذي كانوا ينسأون الشهور على العرب.
والنّسئ: هو التأخير.
ومنه قيل: بعث الشيء بنسيئه.
[ ١ / ٣٧٠ ]
فكانوا يمكثون بذلك زمانًا يُحرّمون صفرًا، وهم يريدون به المحرم. ويقولون: هو أحد الصفرين.
قال أبو عبيد: وقد تأوّل بعض النّاس قول النّبي -ﷺ-: "لا صفر" على هذا. ثمَّ يحتاجون أيضًا إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرَّم، فيؤخِّرون تحريمه إلى ربيع، ثمَّ يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك، يتدافع شهرًا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السَّنة كلَّها، فقام الإسلام، وقد رجع المحرّم إلى موضعه الذي وضعه الله [-﵎-] به، وذلك بعد دهر طويل، فذلك قول النبي -ﷺ-: "إن الزَّمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض".
يقول: رجعت الأشهر الحرم إلى مواضعها، وبطل النسيء.
وقد زعم بعض النَّاس أنّهم كانوا يستحلُّون المحرَّم عامًا، فإذا كان من قابلٍ
[ ١ / ٣٧١ ]
ردُّوه إلى تحريمه. والتَّفسير الأوَّل أحبُّ إليَّ؛ لقول النبيِّ [-ﷺ-]: "إنَّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض"، وليس في التفسير الأخير استدارة.
[قال أبو عُبيد]: وعلى هذا التفسير الذي فسَّرناه قد يكون قوله: "يحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا" مُصدِّاقًا؛ لأنَّهم إذا حرَّموا العام المحرم، وفي قابل صفر، ثمَّ احتاجوا بعد ذلك إلى تحليل صفر أيضًا أحلّوه، وحرموا الذي بعده، فهذا تأويل قوله في هذا التفسير: "يحلُّونه عامًا، ويحرّمونه عامًا".
قال أبو عبيد: وفي هذا تفسير آخر، يُقال: إنه في الحج.
قال: حدَّثناه سفيان بن عُيينة عن ابن أبي نُجيح، عن مُجاهد، في قوله: "ولا جدال في الحجِّ" قال: قد استقرَّ الحجّ في ذي القعدة لا جدال فيه، وفي غير حديث سفيان يُروى عن "معمر" عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
قال: كانت العرب في الجاهليّة يحجّون عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجَّة، فلمَّا كانت السَّنة التي حجَّ فيها "أبو بكر" [-﵁-] قبل حجَّة
[ ١ / ٣٧٢ ]
النَّبيِّ [-ﷺ-] كان الحجُّ في السَّنة الثَّانية من ذي القعدة، فلمَّا كانت السَّنة الَّتي حجَّ فيها النَّبيُّ [-ﷺ-] في العام المقبل عاد الحجُّ إلى ذي الحجَّة.
فذلك قوله [-ﷺ-]: "إن الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض".
يقول: قد ثبت الحجُّ في ذي الحجَّة.
١١٩ - وقال أبو عبيد في [٩٩] حديث النبيَّ -ﷺ-: "لأهل القتيل أن ينحجزوا الأدنى فالأدنى، وإن كانت امرأة".
[ ١ / ٣٧٣ ]
وهذا حديث يروى عن الأوزاعي، عن حصن، عن أبي سلمة، عن عائشة [-﵂-]، عن النَّبيَّ -ﷺ-.
وذلك أن يُقتل القتيل، وله ورثة رجالٌ ونساء، يقول: فأيّهم عفا عن دمه من الأقرب فالأقرب من رجل أو امرأة فعفوه جائز؛ لأنَّ قوله: [أن] ينحجزوا: يعني يكفُّوا عن القود، وكذلك كلُّ من ترك شيئًا، وكفَّ عنه، فقد انحجز عنه.
وفي هذا الحديث تقوية لقول "أهل العراق" أنَّهم يقولون: لكلِّ وارث أن يعفو عن الدَّم من رجل أو امرأة، فإذا عفا بعضهم سقط القود عن القاتل، وأخذ سائر الورثة حصصهم من الدّية.
وأمّا "أهل الحجاز" فيقولون: إنّما العفو والقود إلى الأولياء خاصة، وليس للورثة الذين ليسوا بأولياء من ذلك شيء، يتأوَّلون قول الله -﵎-: "ومن قتل مظلومًا، فقد جعلنا لوليَّه سلطانًا".
قال أبو عبيد: وقول "أهل العراق" في هذا أحبّ إليَّ [في القتيل].
[ ١ / ٣٧٤ ]
١٢٠ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيّ -ﷺ-: "الإيمان يمان والحكمة يمانية".
قال: حدّثناه إسماعيل بن جعفر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ.
قوله: الإيمان يمان، وإنّما بدأ الإيمان من "مكة"؛ أنّها مولد النبي -ﷺ- ومبعثه، ثمّ هاجر إلى "المدينة"، ففي ذلك قولان:
أما أحدهما، فإنه يقال: إن "مكة" من أرض "تهامة"، ويقال: إن "تهامة" من أرض اليمن، ولهذا يسمّى ما وإلى "مكة" من أرض "اليمن" واتصل بها: التهائم، فكأن "مكة" على هذا التفسير يمانية، فقال: "الإيمان" على هذا.
[ ١ / ٣٧٥ ]
والوجه الآخر أنّه يروى في الحديث أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- إنَّما قال هذا الكلام، وهو يومئذٍ "بتبوك" ناحية الشَّام، و"مكَّة" [١٠٠] والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن، وهو يريد "مكَّة" و"المدينة"، فقال: "الإيمان يمان": أي هو من هذه الناحية، فهما وإن لّم يكونا من "اليمن"، فقد يجوز أن تُنسبا إليها إذا كانتا من ناحيتها، وهذا كثير في كلامهم فاش ألا تراهم، قالوا: الرُّكن اليماني؟ فنُسب إلى اليمن، وهو "بمكَّة"؛ لأنّه مما يليها.
قال: وأنشدني "الأصمعي" للنابغة يذمُّ "يزيد بن الصعق" وهو رجل من "قيس" فقال:
وكنت أمينة لو لم تحنه ولكن لا أمانة لليماني
وذلك أنَّه كان مما يلي "اليمن".
وقال "ابن مُقبل": وهو رجل من "بني العجلان" من "بني عامر بن صعصة":
طاف الخيال بنا ركبًا يمانينا ودون ليلى عواد لو تعدّينا
فنسب نفسه إلى "اليمن" لأنّ الخيال طرقه، وهو يسير نلاحيتها؛ ولهذا قالوا: سُهيل اليماني، لأنه يرى من ناحية "اليمن".
[ ١ / ٣٧٦ ]
قال أبو عبيد: وأخبرني هشام بن الكلبي أنَّ "سهيل بن عبد الرحمن بن عوف" تزوَّج الثُّريَّا بنت فلان من "بني أميَّة" من العبلات، وهي أميَّة الصغرى، فقال "عمر بن أبي ربيعة".
أنشدنيه عنه "الأصمعي":
أيُّها المنكح الثُّريا سُهيلًا عمرّك الله كيف يلتقيان
هي شآمية إذا ما استقلت وسهيل إذا استقل يماني
قال أبو عبيد: فجعل النُّجوم لهما مثلًا لاتّفاق أسمائهما بالنُّجوم، ثم قال: هي شآمية يعني الثُّريا التي في السماء، وذلك أن الثُّريا إذا ارتفعت اعترضت ناحية الشآم مع الجوزاء حتى تغيب تلك الناحية.
قال: وسهيل إذا استقل يماني؛ لأنه يعلو من ناحية اليمن، فسمى تلك [١٠١] شآميةً وهذا يمانيًا، وليس منهما شآمي، ولا يمان، إنّما هما نجوم السماء ولكن نسب كلُّ واحد منهما إلى ناحيته، فعلى هذا تأويل قول "النبي" -ﷺ- "الإيمان يمان".
[ ١ / ٣٧٧ ]
ويذهب كثير من الناس في هذا إلى الأنصار، يقول: هم نصّروا الإيمان وهم يمانية، فنسب الإيمان إليهم على هذا المعنى، وهو أحسن الوجوه عندي.
[قال أبو عبيد]: ومما يبيّن ذلك حديث النبي -ﷺ-[أتاكم أهل اليمن] هم ألين قلوبًا وأرقُّ أفئدةً: الإيمان يمان والحكمة يمانية". ومنه أيضًا قول النبيِّ -ﷺ-: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار".
١٢١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-:
"لا تسبُّوا أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أنفق ما في الأرض ما أدرك مدَّ أحدهم، ولا نصيفه".
[ ١ / ٣٧٨ ]
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ-.
قوله: "مد أحدهم، ولا نصيفه": يقول: لو أنفق أحدكم ما في الأرض ما بلغ مثل مدٍّ يتصدق به أحدهم، أو ينفقه، ولا مثل نصفه.
والعرب تسمِّي النصف النَّصيف، كما قالوا في العشر: عشير، وفي الخُمس: خميس، وفي التُّسع: تسيع، وفي الثُّمن: ثمن، قآلها "أبو زيد"، والأصمعي وأنشدنا "أبو الجرَّاح [العقيليُّ] ":
وألقيت سهمي بينهم حين أوختوا فما صار لي في القسم إلاَّ ثمينها
واختلفوا في السُّبع والسُّدس والرُّبع، فمنهم من يقول: سبيع، وسديس، وربيع. ومنهم من لا يقول ذلك.
ولم نسمع أحدًا منهم يقول في الثَّلث شيئًا من ذلك، وقال الشاعر في النَّصيف يذكر امرأة:
لم يغذها مدُّ ولا نصيف
[ ١ / ٣٧٩ ]
ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها الَّلبن الخريف
المحض والقارص والصَّريف [١٠٢]
قال أراد أنَّها منعَّمة في سعة، لم نغذ بمدِّ تمر، ولا نصفه، ولكن بألبان اللِّقاح وقوله: تعجيف: يعني أن تدع طعامها، وهي تشتهيه لغيرها، وهذا لا يكون إلاَّ من العوز والقلَّة.
والنصيف. في غير هذا: الخمار.
ومنه حديث النَّبيِّ -ﷺ- في الحور العين قال:
"ولنصيف إحداهنَّ على رأسها خير من الدنيا، وما فيها"، قال "النَّابغة":
سقط النَّصيف، ولم ترد إسقاطه فتناولته؛ واتَّقتنا باليد
[ ١ / ٣٨٠ ]
١٢٢ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيَّ -ﷺ- في الرِّجل الَّذي عضَّ يد رجل، فانتزع يده من فيه، فسقطت ثناياه، فخاصمه إلى النَّبيَّ -ﷺ- "فطلَّها".
قال: حدَّثناه يزيد بن هارون، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين.
قال: وحدَّثناه: حجَّاج، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن يعلى بن أميَّة، عن يعلى، عن النَّبي -ﷺ-
قال "الكسائي" وأبو زيد": قوله: طلَّها: يعني أهدرها وأبطلها.
قال أبو زيد: يقال: قد طُلَّ دمه، وقد طلَّه الحكم، وهو دم مطلول.
قال: ولا يقال طل دمه، لا يكون الفعل للدَّم.
[ ١ / ٣٨١ ]
وأجاز "الكسائي": طلَّ دمه: أي هدر.
وكان أبو عبيدة: يقول: فيه ثلاث لغات: طلَّ دمه، وطلَّ دمه، وأطلَّ دمه.
قال أبو عبيد: وفي هذا الحديث من الفقه أنَّه من ابتدأ رجلًا بضرب، فاتَّقاه الآخر بشيء يريد به دفعه عن نفسه، فعاد الضَّرب على البادي أنَّه هدر؛ لأنَّ الثاني إنَّما أراد دفعه عن نفسه، ولم يرد غيره. وهذا أصل هذا الحكم.
١٢٣ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- "أنَّه رخِّص للمحرم في قتل العقرب، والفأرة والغراب والحدإ، والكلب العقور".
قال: حدَّثناه إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ -ﷺ- قال:
[ ١ / ٣٨٢ ]
"خمس من قتلهنَّ وهو حرام، فلا جناح عليه" ثم ذكر ذلك.
قوله: "الكلب العقور" قال: بلغني عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: معناه كلُّ سبع يعقر، ولم يخص به الكلب.
قال أبو عبيد: وليس للحديث عندي مذهب إلا ما قال "سفيان" لما رخص الفقهاء فيه من قتل المحرم السبع العادي عليه.
ومثل قول "الشعبي"، "وإبراهيم": من حل بك فاحلل به.
يقول: إن المحرم لا يقتل، فمن عرض لك، فحلَّ بك، فكن أنت أيضًا به حلالًا.
وكأنهم إنما اتبعوا هذا الحديث في الكلب العقور.
ومع هذا أنه قد يجوز في الكلام أن يقال للسبع كلب؛ ألا ترى أنهم يروون في المغازي أن "عتبة بن أبي لهب" كان شديد الأذى للنبيِّ - ﷺ- فقال [النبيُّ -ﷺ-]: "اللهمّ سلِّط عليه كلبًا من كلابك" فخرج "عتبة" إلى "الشام" مع أصحاب له، فنزل منزلًا، فطرقهم الأسد، فتخطى إلى "عتبة [بن أبي لهب] " من بين أصحابه فقتله، فصار الأسد ها هنا قد لزمه اسم الكلب.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وهذا مما يثبِّت ذلك التأويل.
ومن ذلك قول الله - ﵎-: ﴿وما علَّمتم من الجوارح مكلَّبين﴾ فهذا اسم مشتقٌّ من الكلب، ثم دخل فيه صيد الفهد، والصقر، والبازيِّ، فصارت كلُّها داخلة في هذا الاسم، فلهذا قيل لكل جارح، أو عاقر من السِّباع: كلب عقور.
١٢٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبيِّ -ﷺ-:
"ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن".
كان "سفيان بن عيينة"، يقول معناه: من لم يستغن به، ولا يذهب به إلى الصوت، وليس للحديث عندي وجه غير هذا؛ لأنه في حديث آخر كأنه مفسّر.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قال حدثني شبابة، عن حسام بن مصكّ، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن نهيك أو ابن أبي نهيك قال حسام فلقيت عبد الله بن نهيك أو ابن أبي نهيك فحدثني أنه دخل على "سعد" وعنده متاع رثٌّ [١٠٤]، ومثال رثٌّ، فقال:
ال رسول الله -ﷺ-: "ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن".
قال أبو عبيد، فذكره رثاثة المتاع والمثال عند هذا الحديث، ينبئك أنَّه إنَّما أزاد الاستغناء بالمال القليل، وليس الصوت من هذا في شيء.
ويبيِّن ذلك حديث "عبد الله".
قال: حدَّثناه ابن مهديِّ، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليم بن حنظلة، عن "عبد الله" قال: "من قرأ سورة "آل عمران" فهو غنيُّ".
قال: وحدَّثناه الأشجعيٌّ، عن مسعر، قال: حدَّثنا جابر -قبل أن يقع فيما وقع فيه- عن الشعبيِّ، عن عبد الله أنَّه قال: "نعم كنز الصعلوك سورة "آل عمران" يقوم بها من آخر الليل".
قال أبو عبيد: فأرى الأحاديث كلَّها إنَّما دلَّت على الاستغناء.
ومنه الحديث الآخر: "من قرأ القرآن، فرأى أنَّ أحدًا أعطى أفضل ممّا أعطى، فقد عظَّم صغيرًا، وصغَّر عظيمًا".
[ ١ / ٣٨٥ ]
ومعنى الحديث أنَّه لا ينبغي لعامل القرآن أن يرى أنَّ أحدًا من أهل الأرض أغنى منه، ولو ملك الدنيا برحبها.
ولو كان وجهه كما يتأوَّله بعض النَّاس أنَّه الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك أن يكون: من لم يرجِّع صوته بالقرآن، فليس من النَّبيِّ [-ﷺ-] حين قال: "ليس منَّا من لَّم يتغنَّ بالقرآن".
وهذا لا وجه له.
ومع هذا أنَّه كلام جائز فاشٍ في كلام العرب وأشعارها، أن يقولوا: تغنَّيت تغنِّيًا، وتغانيت تغانيًا بمعنى استغنيت، قال "الأعشى":
وكنت امرأ زمنًا بالعراق عفيف المناخ طويل التَّغنّ
يريد الاستغناء، أو الغنى.
وقال "المغيرة بن حبناء التميمي" يعاتب أخًا له:
كلانا غنىٌّ عن أخيه حياته ونحن إذا متنا أشد تغانيًا
يريد: أشد استغناء.
[ ١ / ٣٨٦ ]
فهذا وجه الحديث -إن شاء الله تعالى-.
وأما قوله: ومثال [١٠٥] رثٌّ: فإنَّه الفراش، قال "الكميت":
بكل طوال السَّاعدين كأنَّما يرى بسرى اللَّيل المثال الممهَّدا
١٢٥ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
"الكمأة من المنِّ وماؤها شفاء للعين".
[ ١ / ٣٨٧ ]
قال: حدَّثناه عنبسة بن عبد الواحد الأمويُّ، عن عبد الملك بن عمر، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد، عن النَّبيِّ -ﷺ-.
قوله: الكماَّة من المنِّ، يقال: -والله أعلم- أنَّه إنَّما شبِّهها بالمنِّ الذي كان يسقط على بني "إسرائيل" لأنَّ ذلك كان ينزل عليهم عفوًا بلا علاج منهم، إنَّما كانوا يصبحون، وهو بأفنيتهم، فيتناولونه.
وكذلك الكمأة ليس على أحد منها مؤونة في بدر، ولا سقى، ولا غيره، وإنِّما هو شيء ينشئه الله [-سبحانه]- في الأرض حتَّى يصير إلى من يجتنبه.
وقوله: وماؤها شفاء للعين، يقال: إنَّه ليس معناه أن يؤخذ ماؤها بحتا، فيقطر في العين، ولكنه يخلط ماؤها في الأدوية التي تعالج العين.
فعلى هذا يوجَّه الحديث.
[ ١ / ٣٨٨ ]
١٢٦ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
"لي الواجد يحل عقوبته وعرضه".
قوله: ليُّ: هو المطل.
يقال: لويت دينه ألويه ليّا وليَّانا، قال "الأعشى".
يلو ينني ديني النَّهار وأقتضى ديني إذا وقذ النُّعاس الرقَّدا
وقال "ذو الرمة":
نطيلين لياني وأنت مليَّة وأحسن يا ذات الوشاح التَّقاضيا
وقوله: الواجد: يعني الغنىَّ الَّذي يجد ما يقضى [دينه].
ومما يصدِّقه حديث النَّبيِّ - ﷺ-: "مطل الغنىِّ ظلم".
وقوله: يحل عقوبته وعرضه: فإن أهل العلم - يتأولون بالعقوبة الحبس في السجن،
[ ١ / ٣٨٩ ]
وبالعرض أن يشتدَّ [١٠٦] لسانه.
وقوله: فيه نفسه، ولا يذهبون في هذا: إلى أن يقول في حسنه شيئًا.
وكذلك وجه الحديث عندي.
ومما يحقِّق ذلك حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "لصاحب الحقِّ اليد واللِّسان".
قال [أبو عبيد]: وسمعت "محمد بن الحسن" يفسِّر اليد: اللُّزوم، واللِّسان: التَّقاضي.
قال أبو عبيد: وفي هذا الحديث باب من الحكم عظيم.
قوله: "ليُّ الواجد"، فقال: الواجد، فاشترط الوجد، ولم يقل: ليُّ الغريم؛ وذلك أنَّه قد يكون أن يكون غريمًا، وليس بواجد.
وإنَّما جعل العقوبة على الواجد خاصَّة، فهذا يبيِّن لك أنَّه من لَّم يكن واجدًا، فلا سبيل للَّطالب عليه بحبس، ولا غيره حتَّى يجد ما يقضى.
وهذا مثل قوله الآخر في الذي اشترى ثمارًا، فأصيبت،
[ ١ / ٣٩٠ ]
فقال النَّبيُّ -ﷺ- للغرماء: "خذوا ما قدرتم له عليه، وليس لكم إلاَّ ذلك".
١٢٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ - ﷺ- أنَّه سئل عن البتع فقال: "كلُّ شرب أسكر فهو حرام".
[ ١ / ٣٩١ ]
[قال]: حدَّثنيه ابن مهدي، عن مالك بن أنس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة [-﵂-]، عن النَّبيِّ -ﷺ-
قال أبو عبيد: وقد جاءت في الأشربة آثار كثيرة بأسماء مختلفة عن النَّبيِّ -ﷺ- وأصحابه، وكلُّ له تفسير.
فأوَّلها الخمر، وهو ما غلى من عصير العنب، فهذا ما لا اختلاف في تحريمه بين المسلمين، إنَّما الاختلاف في غيره.
ومنها السَّكر، وهو نقيع التَّمر الَّذي لم تمسَّه النَّار.
وفيه يروى عن عبد الله بن مسعود أنَّه قال: "السَّكر خمر".
قال: وكذلك حدثَّنا هشم، عن مغيرة، عن إبراهيم، والشَّعبيِّ، وأبي رزين قالوا: "السَّكر خمر، ".
وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير: "السَّكر خمر إلاَّ أنَّه ألأم من الخمر".
قال: حدَّثنيه هُشيم، عن ابن شبرمة، عن أبي زرعة.
[ ١ / ٣٩٢ ]
ومنها "البتع"، وهو الذي جاء [١٠٧] فيه الحديث عن النَّبيِّ -ﷺ، وهو نبيذ العسل، ومنها "الجعة": وهو نبيذ الشعير.
ومنها "المزر": وهو من الذُّرة.
قال: حدثنيه أبو المنذر إسماعيل بن عمر الواسطي، عن مالك بن مغول، عن أكيل مؤذَّن إبراهيم، عن الشَّعبيِّ، عن ابن عمر، أنَّه فسَّر هذه الأربعة - الأشربة وزاد: والخمر من العنب، والسَّكر من التَّمر.
قال أبو عبيد: ومنها "السُكوكة" وقد روى [فيه -] عن الأشعريِّ "التَّفسير، فقال: إنَّه من الذُّرة.
قال: حدَّثناه حجاج، ومحمد بن كثير، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن صفوان بن محرز، قال: سمعت أبا موسى الأشعري يخطب، فقال: [إنَّ]
[ ١ / ٣٩٣ ]
خمر "المدينة" من البسر والتّمر، وخمر "أهل فارس" من العنب، وخمر "أهل اليمن" البتع، وهو من العسل، وخمر "الحبش" السكركة.
قال أبو عبيد: ومن الأشربة أيضًا "الفضيخ" وهو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه النار.
وفيه يروى عن ابن عمر، ليس بالفضيخ، ولكنَّه الفضوخ.
[قال أبو عبيد]: وفيه يروى عن أنس [بن مالك] أيضًا أنَّه قال: "نزل تحريم الخمر وما كان غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ.
قال: حدَّثنيه ابن عُليَّة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس.
قال أبو عبيد: فإن كان مع البسر تمر، فهو الذي يُسمى الخليطين،
[ ١ / ٣٩٤ ]
وكذلك إن كان زبيبًا وتمرًا فهو مثله.
ومن الأشربة "المنصَّف" وهو أن يطبخ عصير العنب قبل أن يغلى حتَّى يذهب نصفه، وقد بلغني أنَّه يُسكر، فإن كان يُسكر فهو حرام، وإن طبخ حتَّى يذهب ثلثاه، ويبقى ثلثه، فهو "الطلاء".
وإنَّما سُمّي بذلك؛ لأنه بطلاء الإبل في ثخنه وسواده.
وبعض العرب يجعل الطِّلاء الخمر بعينها، يُروى أنَّ "عبيد بن الأبرص" قال في مثل له:
هي الخمر تُكنى لعمري الطِّلا كما الذّيب يُكنى أبا جعده
وكذلك "الباذق" قد يسمى به الخمر و[هو] المطبوخ، وهو الذي يروى فيه الحديث عن ابن عباس - ﵁ - أنَّه سئل عن الباذق، فقال: سبق "محمّد" [-ﷺ-] الباذق، وما أسكر فهو حرام.
[ ١ / ٣٩٥ ]
وإنما قال [١٠٨] ابن عباس -﵀- ذلك؛ لأنَّ الباذق كلمة فارسيَّة عُرَّبت، فلم يعرفها.
وكذلك "البختج" أيضًا إنَّما هو اسم بالفارسيَّة عرَّب، وهو الذي يروى فيه الرُّخصة، عن "إبراهيم".
قال: حدَّثناه هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه أهدى له "بختج" خاثر، فكان ينبذه يلقى فيه العكر.
قال أبو عبيد: وهو الذي يسمِّه الناس [اليوم] الجمهوريَّ، وهو إذا غلا، وقد جُعل فيه الماء فقد عاد إلى مثل حالة الأولى لو كان غلا وهو عصير لم يخالطه الماء، لأنَّ السُّكر الَّذي كان زائله أراه قد عاد إليه، وأنَّ الماء الذي خالطه لا حرامًا.
ألا ترى أنَّ عمر -﵁- إنّما أحلَّ الطِّلاء حين ذهب سكره وشرُّه، وحظُّ شيطانه، وهكذا يروى عنه.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فإذا عاوده ما كان فارقه، فما أغنت عنه النَّار والماء، وهل كان دخولهما ها هنا إلاَّ فضلًا.
ومن الأشربة نقيع الزَّبيب، وهو الَّذي يروي فيه عن سعيد بن جبير وغيره: "هي الخمر أحييتها".
قال أبو عبيد: وهذا الجمهوريُّ عندي شرٌّ منه، ولكنَّه ممَّا أحدث الناس بعد، وليس ممَّا كان في دهر أولئك، فيقولوا فيه.
ومن الأشربة "المقدِّيُّ" وهو شراب من أشربة "أهل الشَّام"، وزعم الهيثم [بن عديِّ] أن عبد الملك بن مروان، كان يشربه، ولست أدري من أي شيء يعمل غير أنَّه مسكر
ومنها شراب يقال له: "المزَّاء"، وقد جاء في بعض الحديث ذكره، وقالت فيه الشُّعراء، قال "الأخطل" يعيب قومًا:
[ ١ / ٣٩٧ ]
بئس الصُّحاة، وبئس الشَّرب شربهم إذا جرى فيهم المزَّاء والسُّكر
قال [أبو عبيد] وقد أخبرني محمَّد بن كثير أنَّ "لأهل اليمن" شرابًا يقال له: "الصَّعف"، وهو أن يشدخ العنب، ثم يلقى في الأوعية حتَّى يغلى، فجهَّا لهم لا يرونها خمرًا لمكان اسمها.
قال أبو عبيد: وهذه الأشربة المسمَّاة كلُّها عندي كناية [١٠٩]، عن اسم الخمر، ولا أحسبها إلَّا داخلة في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أن ناسا من أمَّتي يشربون الخمر باسم يسمُّونها به".
قال أبو عبيد: وقد بقيت أشربة سوى هذه المسماة ليست لها أسماء منها: نبيذ الزَّبيب بالعسل، ونبيذ الحنطة، ونبيذ التِّين، وطبيخ الدَّبس، وهو عصير التَّمر، فهذه كلُّها لاحقة عندي بتلك المسمَّاة في الكراهة، وإن لَّم تكن سمِّيت؛ لأنَّها كلَّها
[ ١ / ٣٩٨ ]
تعمل عملًا واحدًا في السُّكر، والله أعلم بذلك.
قال: وممَّا يبيِّنه قول عمر بن الخطَّاب -﵀-: "الخمر ماخامر العقل".
قال: حدَّثناه ابن عليَّة، ويحي بن سعيد كلاهما عن أبي حيَّان التَّيمِّي، عن الشَّعبيِّ، عن ابن عمر، قال: خطب "عمر" فقال: "إنَّ الخمر نزل تحريمها، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتَّمر، والحنطة، والشَّعير، والعسل، والخمر ماخامر العقل".
وقد أخبرني يحي بن سعيد [القطَّان]، عن عبد الله بن المبارك في رجل صلَّى وفي ثوبه من النَّبيذ المسكر مثل قدر الدَّرهم أو أكثر أنَّه يعيد الصَّلاة.
[ ١ / ٣٩٩ ]
١٢٨ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- في الأوعية التي نهى عنها النَّبيِّ -ﷺ-: "من الدُّباَّء، والحنتم والنَّقير، والمزقت".
وقد جاء تفسيرها كلها، أو أكثرها في الحديث.
قال: حدَّثناه يزيد بن هارون، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن
[ ١ / ٤٠٠ ]
أبي بكرة، قال: أمَّا الدُّبَّاء: فإنَّنا معاشر "ثقيف" كنَّا "بالطَّائف" تأخذ الدُّبّاة، فنخرط فيها عناقيد العنب، ثمَّ ندفنها حتَّى تهدر، ثمَّ تموت.
وأمَّا النَّقير فإنَّ "أهل اليمامة" كانوا ينقون أصل النَّخلة، ثمَّ يشدخون فيه الرُّطب والبسر، ثمَّ يدعونه حتَّى يهدر، ثمَّ يموت.
وأمَّا الحنتم: فجرار حمر كانت تحمل إلينا فيها الخمر.
قال أبو عبيد: أمَّا في الحديث فحمر، وأمَّا في كلام العرب فخضر، وقد يجوز أن يكونا جميعًا.
وأمَّا المزقَّت: فهذه الأوعية الَّتي [١١٠] فيها الزَّقت.
[ ١ / ٤٠١ ]
قال أبو عبيد: فهذه الأوعية الَّتي جاء فيها النَّهي، وهي عند العرب على ما فسَّرها "أبو بكرة" وإنمَّا نهى عنها كلَّها لمعنى واحد أنَّ النَّبيذ يشتدُّ فيها حتَّى يصير مسكرًا، ثمَّ رخَّص فيها وقال: "اجتنبوا كل مسكر" فاستوت الظُّروف كلُّها، ورجع المعنى إلى المسكر، فكلُّ ما فيها وفي غيرها من الأوعية بلغ ذلك، فهو المنهي عنه.
وما لم يكن فيه منها ولا من غيرها مسكرًا فلا بأس به.
وممَّا يبيِّن ذلك قول "ابن عبَّاس": "كلُّ حلال من كلِّ ظرف حلال، وكل حرام في كلِّ ظرف حرام" وقول غيره: "ما أحل ظرف شيئًا ولا حرمه".
ومن ذلك قول "أبو بكرة": أأن أخذت عسلًا، فجعلته في وعاء خمر أإنَّ ذلك ليحرمه، أو أخذت خمرًا فجعلته في سقاء أإنَّ ذلك ليحلُّها.
[ ١ / ٤٠٢ ]
١٢٩ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه عطس عنده جلان، فشمَّت أحدهما، ولم يشمِّت الآخر، فقيل له: يا رسول الله!
عطس عندك رجلان فشمَّتَّ أحدهما، ولم تشمِّت الآخر، فقال:
"إنَّ هذا حمد الله، وإنَّ هذا لم يحمد الله" [- ﷿ -]
قال: حدَّثناه ابن عليَّة، عن سليمان التَّيميِّ، عن أنس بن مالك، عن النَّبيِّ - ﷺ.
قوله: شمَّت: يعني دعا له، كقولك: "يرحمكم الله، أو يهديكم الله ويصلح بالكم" والتَّشميت هو الدُّعاء، وكلُّ داع لأحد بخير فهو مشمِّت له.
[ ١ / ٤٠٣ ]
ومنه حديثه الآخر، يُّروي عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، - أراه - عن عبد الله ابن عمرو بن هند، أنَّ النَّبيِّ - ﷺ - لما أدخل "فاطمة" على "علىِّ" قال لهما: "لا تحدثا شيئًا حتى آتيكما، فأتاهما، فدعا لهما، وشمَّت عليهما، ثمَّ خرج".
وفي هذا الحرف لغتان سمِّت، وشمَّت، والشِّين أعلى في كلامهم وأكثر [١١١].
١٣٠ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ
"الصَّوم في الشِّتاء الغنيمة الباردة".
[ ١ / ٤٠٤ ]
قال: حدَّثنيه ابن مهديِّ: عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن نمير بن عريب، عن عامر ابن مسعود يرفعه.
قال "الكسائيُّ" وغيره: قوله: الغنيمة الباردة، إنمَّا وصفها بالبرد؛ لأن الغنيمة إنمَّا أصلها من أرض العدوِّ، ولا ينال ذلك إلاَّ بمباشرة الحرب والاصطلاء بحرها.
يقول: فهذه غنيمة ليس فيها لقاء حرب ولا قتال.
وقد يكون أن يسمىَّ باردة؛ لأنَّ صوم الشِّتاء ليس كصوم الصَّيف الذي يقاسي فيه العطش، والجهد، وقد قيل في مثل: "ولِّ حارَّها من تولَّى قارَّها".
يضرب للرجل يكون في سعة وخصب [و] لا ينيلك منه شيئًا، ثمَّ يصير منه إلى أذى ومكروه، فيقال: دعه حتَّى يلقى شرَّه، كما لقى خيره.
فالقارُّ: هو المحمود، وهو مثل الغنيمة الباردة، والحارُّ: هو المذموم المكروه.
[ ١ / ٤٠٥ ]
١٣١ - وقال عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- "أنه خرج في مرضه الذي مات فيه يهادي بين اثنين حتَّى أدخل المسجد".
يعني أنَّه كان يعتمد عليهما من ضعفه وتمايله، وكذلك كلُّ من فعل ذلك بأحد، فهو يهاديه، قال "ذو الرمَّة" يصف امرأة تمشي بين نساء يماشينها:
يهادين جمَّاء المرافق وعثة كليلة حجم الكعب ريَّا المخلخل
وإذا فعلت المرأة ذلك، فتمايلت في مشيتها من غير أن يماشيها أحد، قيل: في تهادي.
قاله "الأصمعي" وغيره.
[ ١ / ٤٠٦ ]
ومن ذلك قول "الأعشى":
إذا ما تأتَّي تريد القيام تهادي كما قد رأيت البهيرا
١٣٢ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- "اتقوا الله في النسِّاء، فإنَّهنَّ عندكم عوان".
قوله: عوان، واحدتها عانية، وهي الأسيرة.
يقول: إنمَّا هنَّ عندكم بمنزلة الأسراء.
ويقال للرجل من ذلك: هو عان، وجمعه عناة [١١٢].
[ ١ / ٤٠٧ ]
ومنه حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكُّوُّا العاني" يعني الأسير، ولا أظنُّ هذا مأخوذًا إلا من الذُّلِّ والخضوع؛ لأنَّه يقال لكلِّ من ذلَّ واستكان: قد عنا يعنو، وقال الله - ﵎ -: "وعنت الوجوه للحي القيُّوم". والاسم من ذلك العنوة، قال "القطاميُّ" يذكر امرأة:
ونأت بحاجتنا وربت عنوة لك من مواعدها التي لم تصدق
[يقول استكانة لها، وخضوعًا لمواعدها ثم لا تصدق].
ومنه قيل: أخذت البلاد عنوة، إنما هو بالقهر والإذلال
وقد يقال للأسير أيضًا: الهدىُّ، قال "المتلمِّس" يذكر "طرفة" ومقتل "عمرو بن هند" إياه بعد أن كان سجنه:
كطريفة بن العبد كان هديهم ضربوا صميم قذاله بمهند
[ ١ / ٤٠٨ ]
وأظنُّ المرأة إنما سميت هديَّا لهذا المعنى؛ لأنها كالأسيرة عند زوجها، قال "عنترة":
ألا يا دار عبلة بالطَّويِّ كرجع الوشم في كفِّ الهدىِّ
وقد يكون أن تكون سمِّيت هديِّا: لأنها تهدي إلى زوجها، فهي هدى: فعيل في موضع مفعول، فقال: هدىِّ، يريد مهدَّية.
يقال منه: هديت المرأة إلى زوجها أهديها هداء بغير ألف، قال "زهير ابن أبي سلمى المزنيُّ]:
فإن تكن النَّساء مخَّبآت فحقَّ لكلَّ محصنة هداء
يعني أن تهدي إلى زوجها، وليس هذا من الهدَّية في شيء
لا يقال من الهدية إلا أهديت إهداء، ومن المرأة هديت.
وقد زعم بعض الناس أن في المرأة لغة أخرى: أهديت والأول أفشى في كلام مهم وأكثر.
[ ١ / ٤٠٩ ]
١٣٣ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنه مر هو وأصحابه، وهم محرمون بظبي حاقف في ظلِّ شجرة فقال: "يا فلان! قف هاهنا حتى يمرَّ الناس،
لا يربه/ [١١٣] أحد بشيء".
قال: حدثناه هشيم، ويذيد [بن هارون]، عن يحي بن سعيد، عن محمد ابن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن النَّبيِّ -ﷺ-.
[ ١ / ٤١٠ ]
وقال يزيد: عن عمير، عن البهزي، عن النَّبيِّ -ﷺ- صح. قوله حاقف: يعني الذي قد أنحنى، وتثنى في نومه، ولهذا قيل للرمل إذا كان منحنيًا حقف، وجمعه أحقاف، ويقال في قول الله -﵎-: ﴿إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾: إنما سمِّيت منازلهم بهذا؛ لأنها كانت بالرمال.
وأمَّا في بعض التفسير في قوله [سبحانه] "بالأحقاف" قال: بالأرض، وأمَّا المعروف في كلام العرب، فما أخبرتك، قال "امرؤ القيس":
فلما أجزنا ساحة الحيِّ وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
وواحد الحقاف حقف.
ومنه يقال للشيء إذا انحنى: قد احقو قف، قال "العجاج":
مر الليالي زلفًا فزلفا
سماوة الهلال حتَّى احقوقفا
[ ١ / ٤١١ ]
١٣٤ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- "أنه لم يصدق امرأة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقيَّة ونشِّ".
وهذا حديث يروى عن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، يرفعه.
قوله في الأوقية والنَّشِّ: يروى تفسيرهما عن "مجاهد".
قال: حدثنيه يحي بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: الأوقيَّة أربعون، والنَّشُّ عشرون، والنواة خمسة.
ومنه حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵀ -.
قال: حدثنيه إسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن عليَّة، وهشيم كلهم عن
[ ١ / ٤١٢ ]
حميد، عن أنس، أنَّ النَّبيِّ -ﷺ- رأى على عبد الرحمن [بن عوف] وضرًا من صفيرة، فقال: "مهيم"؟
قال: تزوجت امرأة من الأنصار على نواة من ذهب.
فقال: "أو لم ولو بشاة".
قوله: نواة يعني خمسة دراهم.
وقد كان بعض الناس يحمل معنى هذا أنه أراد قدر نواة من ذهب، كانت قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثم ذهب، إنما هي خمسة دراهم تسمى نواة، كما تسمى الأربعون أوقية [١١٤] وكما تسمى العشرون نشَّا.
[ ١ / ٤١٣ ]
وفي هذا الحديث من الفقه أنه يردُّ قول من قال لا يكون الصداق أقل من عشرة دراهم.
ألا ترى أنَّ النبَّي -ﷺ- لم ينكر عليه ما صنع.
وفيه من الفقه أيضًا: أنه لم ينكر عليه الصفَّرة لما ذكر التزويج.
وهذا مثل الحديث الآخر أنَّهم كانوا يرخِّصون في ذلك للشابِّ أيام عرسه.
وقوله: "مهيم" كأنها كلمة يمانيَّة معناها: ما أمرك؟ وما هذا الذي أرى بك، ونحو هذا من الكلام.
[ ١ / ٤١٤ ]
١٣٥ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنه كان إذا دخل الخلاء قال: "أللهم إلِّى أعوذ بك من الرِّجس النِّجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم".
قوله: الرِّجس النِّجس، زعم الفراء أنهم إذا بدأوا بالنجس، ولم يذكروا الرجس، فتحوا النُّون والجيم، وإذا بدأوا بالرِّجس، ثم أتبعوه النِّجس، كسروا النُّون.
وقوله: الخبيث المخبث، فالخبيث: هو ذو الخبث في نفسه، والمخبث: هو الذي أصحابه وأعوانه خبثاء.
[ ١ / ٤١٥ ]
وهذا مثل قولهم: فلان قويُّ مقر، فالقرىُّ في بدنه، والمقويُّ: أن تكون دابته قوَّية، قال ذلك "الأحمر".
وكذلك قولهم: هو ضعيف مضعف، فالضعيف في بدنه، والمضعف في دابته، وعلى هذا كلام العرب.
وقد يكون المخبث أيضًا أن يخبث غيره: أي يعلِّمه الخبث، ويفسده.
وأما الحديث الآخر: "أنه كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إنِّي أعوذ بك من الخبث والخبائث".
قال: حدثناه هشيم، وابن علَّية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، عن النَّبيِّ -ﷺ
قوله: الخبث: يعني الشَّرَّ، وأما الخبائث: فإنها الشياطين.
وأما الخبث بفتح الخاء والباء - فما تنفى النار من ردئ الفضَّة [١١٥] ولحديد.
ومنه الحديث المرفوع: "إن الحمى تنفي الذُّنوب كما ينفي الكير الخبث".
[ ١ / ٤١٦ ]
١٣٦ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ:
"أنه بينا هو يمشي في الطريق إذ مال إلى دمث فبال [فيه]، وقال: "إذا بال أحدكم فليرتد لبوله".
قال: حدثناه عباد بن عباد، عن شعبة، عن أبي التياح، عن رجل قدم مع "ابن عباس" ["البصرة"] أنَّ أبا موسى [الأشعريِّ] كتب إلى "ابن عباس" بذلك.
قوله: دمث: يعني المكان الليّن السهل.
وقوله: فليرتد لبوله: يعني أن يرتاد مكانًا ليِّنًا منحدر ليس بصلب، فينتضح عليه، أو مرتفعًا، فيرجع إليه.
[ ١ / ٤١٧ ]
وفي البول حديث آخر، قال: حدثناه عبَّاد بن عبَّاد أيضًا عن واصل مولى أبي عيينة، قال: كان يقال: "إذا أراد أحدكم البول، فليتمخر الريح"
يعني أن ينظر من أين مجراها فلا يستقبها، ولكن يستدبرها كيلا ترَّد عليه البول، وأما المخر: فهو الجري، يقال: مخرت السفينة تمخر مخرًا: إذا جرت كان الكسائيُّ" يقول ذلك.
ومنه قوله [-﷿-]: ﴿وترى الفلك مواخر فيه﴾: يعني جواري.
١٣٧ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنه لما رأى الشمس قد وقبت، قال: "هذا حين حلها".
[ ١ / ٤١٨ ]
قال: حدثناه محمد بن ربيعة، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، رفعة.
قوله: وقنت: يعني غابت ودخلت موضعها، وأصل الوقب الدخول.
يقال: وقب الشيء يقب وقوبًا، ووقبًا: إذا دخل.
ومنه قول الله -﵎-: ﴿ومن شرِّ غاسق إذا وقب﴾ هو في التفسير:
الليل إذا دخل.
وفي حديث آخر أنه القمر.
قال: حدثناه يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة، عن عائشة [- ﵂ -] قالت:
أخذ رسول الله [-ﷺ-] بيدي، فأشار إلى القمر [١١٦] فقال:
[ ١ / ٤١٩ ]
"تعوَّذي بالله من هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب".
وقد يكون أن يكون وصفه بذلك؛ لأنه يغيب كما قال في الشمس حين وقبت:
يعني غابت.
١٣٨ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال:
"ألظُّوا بياذا الجلال والإكرام".
وبعضهم يرويه: "ألظُّوا بذي الجلال والإكرام".
يروي هذا الحديث عن عوف، عن الحسن، يرفعه.
قوله: ألظوا: يعني الزموا ذلك، والإلظاظ: اللُّزوم للشيء والمثابرة عليه.
[ ١ / ٤٢٠ ]
يقال: ألظظت به ألظُّ إلظاظًا، وفلان ملظُّ بفلان: إذا كان ملازمه لا يفارقه، فهذا بالظاء، وبالألف في أوله.
وأمَّا لططت - بالطاء - في غير هذا الحديث، فإنه بغير ألف.
يقال: لططت الشيء ألطُّه لطَّا، معناه: سترته، وأخفيته، قال "الأعشى":
ولقد ساءها البياض فلطَّت بحجاب من دوننا مصدوف
ويروى: "مصروف".
قال أبو عبيد وقد يكون اللَّطُّ أيضًا في الخبر أن تكتمه، وتظهر غيره، وهو من السّتر أيضًا، ومنه قول عباد بن عمرو الذُّهليِّ:
وإذا أتاني سائلِّ لم أعتلل لألط من دون السوام حجابي
[ ١ / ٤٢١ ]
١٣٩ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "إنيِّ قد نهيت عن القراءة في الرُّكوع والسُّجود، فأما الرُّكوع، فعظِّموا الله فيه، وأما السُّجود، فأكثروا فيه من الدُّعاء، فإنه قمن أن يستجاب لكم".
قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس عن أبيه، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ [-ﷺ-].
قوله: قمن: كقولك: جدير، وحرىٌّ أن يستجاب لكم.
يقال: فلان قمن أن يفعل ذاك، وقمن أن يفعل ذاك، فمن قال: قمن أراد المصدر، فلم يثنِّ، ولم يجمع، ولم يؤنِّث.
[ ١ / ٤٢٢ ]
يقال: هما قمن أن يفعلا ذاك، وهم قمن أن يفعلوا ذاك، وهن قمن أن يفعلن ذاك، ومن قال: قمن أراد النعت، فثنى، وجمع، فقال: هما قمنان، وهم قمنون، ويؤنِّث [١١٧] على هذا، ويجع.
وفيه لغتان، يقال: هو قمن أن يفعل ذاك، وقمين أن يفعل ذاك، قال "قيس ابن الخطيم الأنصاريُّ":
إذا جاوز الاثنين سرُّ فإنه بنثِّ وتكثير الوشاة قمين
١٤٠ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- في المغازي، وذكر قومًا من أصحابه كانوا غزاة، ققتلوا، فقال رسول الله [-ﷺ-]:
"يا ليتني غودرت مع أصحاب نحص الجبل"
[ ١ / ٤٢٣ ]
فالنُّحص: أصل الجبل وسفحه، وقوله: غودرت، يقول: ليتني تركت معهم شهيدًا مثلهم، وكلُّ متروك في مكان فقد غردر فيه.
ومنه قوله [-﷿-]: ﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصاها﴾: أي لا يترك شيئًا.
وكذلك أغدرت الشيء تركته، إنَّما هو أفعلت من ذلك، قول الراجز:
هل لك والعائض منك عائض
في هجمة يغدر منها القابض
[ ١ / ٤٢٤ ]
قال "الأصمعي": القابض هو السائق السريع السوق.
يقال: قبض يقبض قبضًا: إذا فعل ذلك.
وقوله: يغدر منها، يقول لا يقدر على ضبطها كلِّها من كثرتها ونشاطها حتَّى يغدر بعضها: [أي] يتركه.
١٤١ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ - ﷺ - في المبعث حين رأى "جبريل" [- ﵇ -]، قال: "فجئثت [منه] فرقًا".
ويقال: فجئثت.
قال "الكسائيُّ": المجؤُوث والمجثوث جميعًا: المرعوب الفزع.
قال: وكذلك المزوود، وقد جئث، وجث، وزئد.
[ ١ / ٤٢٥ ]
قال فأتى "خديجة" [- رحمها الله -]، فقال: "زملوني".
قال: فأتت "خديجة" ابن عمها "ورقة بن نوفل" وكان نصرانيًّا، قد قرأ الكتب، فحدثته بذلك، وقالت: إنِّي أخاف أن يكون قد عرض له.
فقال: لئن كان ما تقولين حقًّا، إنَّه ليأتيه النَّاموس الذي كان يأتي موسى -ﷺ-.
قال أبو عبيد: والناموس هو صاحب سرِّ الرَّجل الذي يطلعه على باطن أمره، ويخصُّه بما يسترد عن غيره.
يقال منه: نمس الرجل ينمس نمسًا، وقد نامسته [١١٨] منامسة، إذا ساررته، قال "الكميت":
فأبلغ يزيد إن عرضت ومنذرًا وعمَّهما والمستسرَّ المنامسا
فهذا من النَّاموس.
وفي حديث آخر في غير هذا المعنى: القاموس، فذلك قاموس البحر، وهو وسطه، وذلك لأنَّه ليس موضع أبعد غورًا في البحر منه، ولا الماء فيه أشدَّ انقماسًا منه في وسطه.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وأصل القمس الغوص، قال "ذو الرُّمَّة" يذكر مطرًا عند سقوط الثُّريَّا:
أصاب الأرض منقمس الثُّريَّا بساحية، وأتبعها طلالا
أراد أنَّ المطر كان عند سقوط الثُّريَّا، وهو منقمسها، إنَّما خصَّ الثُّريَّا؛ لأنَّ العرب، تقول: ليس شيء من الأنواء أغزر من نوء الثُّريَّا، فأبطل الإسلام جميع ذلك.
وقوله: بساحية: يعني أنَّ المطر يسحو الأرض: يقشرها، ومنه قيل: سحوت القرطاس، إنَّما هو قشرك إيَّاه والطِّلال جمع طلِّ.
١٤٢ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه سئل عن اللُّقطة، فقال:
"إحفظ عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها [سنة] فإن جاء صاحبها فادفعها إليه".
قيل: فضالَّة الغنم؟
قال: "هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب".
قيل: فضالَّة الإبل؟
[ ١ / ٤٢٧ ]
فقال: "مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء، وتأكل الشَّجر، حتَّى يلقاها ربُّها".
قال حدَّثناه إسماعيل بن جعفر، عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، عن "يزيد" مولى "المنبعث"، عن زيد بن خالد الجهنيِّ، عن النَّبيِّ -ﷺ-.
أمَّا قاله: احفظ عفاصها ووكاءها: فإنَّ العفاص هو الوعاء الذي تكون فيه النَّفقة، إن كان من جلد أو خرقة، أو غير ذلك؛ ولهذا يسمىَّ الجلد الذي يلبسه رأس القارورة العفاص؛ لأنَّه كالوعاء لها، وليس هذا بالصمام.
[ ١ / ٤٢٨ ]
إنَّما الصمام الذي يدخل في فم [١١٩] القارورة، فيكون سدادا لها.
وقوله: وكاءها: يعني الخيط الذي تشدُّ به"
يقال منه: أوكيّنها إيكاء، وعصتها عفصًا: إذا شددت العفاص عليها، فإن أردت أنَّك جعلت لها عفاصًا، قلت أعفصتها إعفاصًا.
وإنَّما أمر الواجد لها أن يحفظ عفاصها ووكاءها؛ ليكون ذلك علامة للُّقطة، فإن جاء من بتعرَّفها بتلك الصِّفة دفعت إليه.
وهذه سنَّة من رسول الله [-ﷺ-] في اللُّقطة خاصَّة -لا يشبهها شيء من الأحكام- أنَّ صاحبها يستحقُّها بلا بيِّنة، ولا يمين، ليس إلاَّ بالمعرفة بصفتها. وأمَّا قوله في ضالَّة الغنم: هي لك، أو لأخيك، أو للذِّئب: فإنَّ هذا رخصة منه في لقطة الغنم.
يقول: إن لَّم تأخذها أنت أخذها إنسان غيرك، أو أكلها الذئب: أي فخذها.
قال أبو عبيد: وليس هذا عندنا فيما يوجد منها قرب الأمصار ولا القرى،
[ ١ / ٤٢٩ ]
إنَّما هذا أن توجد في البراري، والمفاوز التي ليس قربها أنيس؛ لأن تلك التي توجد قرب القرى والأمصار، لعلَّها تكون لأهلها.
[قال "أبو عبيد"]: وهذا عندي أصل لكل شيء يخاف عليه الفساد مثل الطعام والفاكهة ممَّا إن ترك في الأرض لم يلتقط فسد، أنَّه لا بأس بأخذه.
وأمَّا قوله في ضالَّة الإبل: مالك ولها؟ معها حذاؤها وسقاؤها، فإنَّه لم يغلِّط في شيء من الضوّالِّ تغليظه فيها.
وبذلك أفتى "عمر بن الخطَّاب [-﵁-] "ثابت بن الضَّحَّاك".
وكان وجد بعيرًا، فسأل "عمر"، فقال: اذهب إلى الموضع الَّذي وجدته فيه، فأرسله قال حدَّثناه هشيم، قال أخبرنا يحي بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن "عمر" [-رحَّمة الله عليه-] وقوله: معها حذاؤها وسفاؤها: يعني بالحذاء أخفافها، يقول: أنَّها تقوى على السَّير وقطع البلاد.
وقوله: سقاؤها: يعني أنَّها تقوى على ورود المياه [١٢٠] تشرب، والغنم لا تقوى على ذلك وهذا الَّذي جاء في الإبل من التغليظ هو تأويل قوله في الحديث آخر: "ضالَّة المسلم حرق النَّار".
قال حدثنيه يحي بن سعيد، عن حميد، عن الحسن، عن مطرف عن أبيه، قال:
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال رجل يا رسول الله!: "إنَّا نصيب هوامي الإبل".
فقال رسول الله [-ﷺ-]: "ضالَّة المسلم حرق النَّار".
وهذا مثل حديثه الآخر: "لا يؤوي الضَّالَّة إلاَّ ضالٌّ".
وبعض النَّاس يحمل معنى هذين الحديثين على اللُّقطة، يقول: وإن عرَّفها فلا تحلُّ له أبدًا.
وأمَّا أنا فلا أرى اللَّقطة من الضالَّة في شيء لأنَّ الضَّالَّة لا يقع معناها إلاَّ على الحيوان خاصَّة، هي التَّي تضلُّ.
وأمَّا اللَّقطة فإنَّه إنَّما يقال فيها: سقطت أو ضاعت، ولا يقال: ضلت.
وممَّا يبيِّن ذلك أنَّه - ﷺ - رخَّص في أخذ اللُّقطة على أن يعرِّفها، ولم يرخِّص في الإبل على حال، وكذلك البقر والخيل والبغال والحمير، وكلُّ ما كان منها يستقلُّ بنفسه، فيذهب، فهو داخل في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
[ ١ / ٤٣١ ]
"ضالَّة المسلم حرق النَّار" وفي قوله: "لا يؤوى الضالَّة إلاَّ ضالُّ".
وأمَّا حديثه في اللُّقطة: "ما كان في طريق ميتاء، فإنَّه يعرِّفها سنة".
فالميتاء: الطَّريق العامر المسلوك.
ومنه حديثه - ﷺ - حين توفيِّ ابنه "إبراهيم" فبكى عليه، وقال: "لولا أنَّه وعد حقًّ، وقول صدق، وطريق ميتاء، لحزنَّا عليك يا إبراهيم أكثر من حزننا هذا".
قوله: ميتاء: هو الطَّريق، ويعني بالطَّريق ها هنا الموت: أي إنَّه طريق يسلكه النَّاس كلُّهم، وبعضهم يقول: طريق مأتيُّ، فمن قال ذلك، أراد: أنَّه يأتي
[ ١ / ٤٣٢ ]
عليه النَّاس [كلُّهم [، فيجعله من الإتيان، وكلاهما معناه جائز.
وأمَّا قوله في الحديث الآخر: "أشهد ذا عدل أو ذوي عدل، ثمَّ لا تكتم، ولا تغيِّب فإن جاء صاحبها، فادفعها إليه، وإلاَّ فهو مال الله يؤتيه من يشاء".
قال: حدثنا يزيد، عن الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن [١٢١] عياض بن حمار، عن النَّبيِّ - ﷺ - فهذا في اللُّقطة خاصة، دون الضوال من الحيوان.
١٤٣ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ - صلَّى اله عليه وسلَّم -:
"من سره أن يسكن بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، فإنَّ الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد".
[ ١ / ٤٣٣ ]
قال: حدثنيه النضر بن إسماعيل، عن محمد بن سوقة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر - ﵀ - أنَّه قال ذلك في خطبته "بالجابية" ورفع الحديث.
قوله: بحبوحة [الجنَّة] يعني وسط الجنَّة، وبحبوحة كلِّ شيء وسطه وخياره قال جرير بن الخطفي:
قومي تميم هم القوم الَّذي هم ينفون تغلب عن بحبوحة الدار.
ويقال منه: قد تبحبحت في الدار: إذا توسَّطتها، وتمكَّنت منها.
١٤٤ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
"أنَّه ضحَّى بكبشين أملحين".
[ ١ / ٤٣٤ ]
قال: حدَّثناه "هشيم"، ويزيد، عن حجاج، عن أبي جعفر، رفعه.
قال "الكسائيُّ" و"أبو زيد" وغيرهما: قوله: أملحين: الأملح هو الَّذي فيه بياض سواد ويكون البياض أكثر [منه].
ومنه الحديث الآخر: "إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النار النَّار أتى بالموت كأنَّه كبش أملح، فيذبح على الصِّراط، ويقال: خلود لا موت".
وكذلك كلُّ شعر وصوف، ونحوه كان فيه بياض، وسواد، فهو أملح.
قال الراجز
لكلِّ دهر قد لبثت أثوبًا
حتى اكسي الرَّأس قناعًا أشيبا
أملح لا لذَّا ولا محببًا
وحديثه الآخر في الأضاحي أنَّه: "نهى أن يضحَّي بالأعضب القرن والأذن".
[ ١ / ٤٣٥ ]
قال: حدثنيه "ابن مهدِّي" عن شعبة، عن قتادة، عن جريِّ بن كلب، عن "على"، رفعه.
قوله: الأعضب: هو المكسور القرن.
ويروى عن "سعيد بن المسيب" أنَّه قال: هو النِّصف، فما فرقه، وبهذا كان يأخذ "أبو يوسف" في الأضاحي.
وقال "أبو زيد" فإن انكسر القرن الخارج، فهو أقصم والأنثى قصماء [١٢٢] وإذا انكسر الداخل فهو أعضب.
قال "أبو عبيد": وقد يكون الأعضب في الأذن أيضًا، فأمَّا المعروف ففي القرن، قال "الأخطل":
إنَّ السيوف غدوَّها ورواحها تركت هوازن مثل قرن الأعصب
والأنثى عضباء.
[ ١ / ٤٣٦ ]
وأمَّا ناقة النَّبيِّ [-ﷺ-] التي كانت تسمى العضباء، فليس من هذا، وإنَّما ذاك اسم لها سميت به.
وأمَّا القصواء: فإنَّها المشقوقة الأذن.
وقال "أبو زيد": هي المقطوعة طرف الأذن، والذَّكر منها مقصى ومقصوُّ، وهذا على غير قياس، قاله "الأحمر".
وكان القياس أن يقال أقصى مثل: عشواء وأعشى
وأمَّا حديثه الآخر "أنَّه نهى عن العجفاء الَّتي لا تنفى في الأضاحي" فإنَّه يقول: ليس بها نقىُّ من هزالها، وهو المخُّ.
[ ١ / ٤٣٧ ]
يقال منه: ناقة منقية: إذا كانت ذات نقي، قال "الأعشى":
حاموا على أضيافهم فشووالهم من لحم منقية ومن أكباد
١٤٥ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-، وأنَّه لما أتاه "ما عز بن مالك" فأقرَّ عنده بالزَّنا ردَّه مرتَّين، ثم أمر برجمه، فلمَّا ذهبوا به، قال "يعمد أحدهم إذا غزا النَّاس، فينب كما ينب التيس، يخدع إحداهنَّ بالكثبة. لا أوتي بأحد فعل ذلك إلاَّ نكلَّت به".
وهذا حديث يورى عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، عن النَّبيِّ -ﷺ-
قال: سماك: فحدثت بذلك سعيد بن جبير، فقال: ردَّه أربع مرَّات.
[ ١ / ٤٣٨ ]
قال "شعبة": فقلت لسماك: ما الكثبة؟ قال: القليل من اللَّبن.
قال أبو عبيد: والكثبة عندنا كلُّ شيء مجتمع، وهو مع اجتماعه قليل، من لبن كان أو طعام، أو غيره، وجمع الكثبة كثب، وقال "ذو الرُّمَّة" يذكر أرطاة عندها بعر الصيران، فقال:
ميلاء من معدن الصيران قاصية أبعارهنَّ على أهدافها كثب [١٢٣]
فالصِّيران: جماعات البقر، واحدها صوار وصوار.
والأهداف: جوانبها واحدها هدف، وهو المشرف من الرمل.
والكثب: جمع كثبة، يقول: على كلِّ هدف كثبة، وهو ما أجتمع من أبعارها.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّه ردَّه أربع مرَّات، كما روى "سعيد بن جبير"، و[هذا] هو المحفوظ عندنا عن النَّبيِّ -ﷺ- والمعمول به أنَّه لا يصدَّق على إقراره حتَّى يقرَّ أربع مرَّات، ثم يقام عليه الحدُّ.
[ ١ / ٤٣٩ ]
١٤٦ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ - ﷺ - أنَّه قيل له:
"إنَّ صاحبًا لنا أوجب".
وهذا حديث يروى عن إبراهيم بن أبي عبلة الشَّاميِّ، عن فلان بن الغريف، قال:
قلنا لواثلة بن الأسقع حدثنا عن رسول الله [-ﷺ-] حديثًا ليست فيه زيادة ولا نقصان.
فقال: ومن يستطيع أن يحدِّث حديثًا ليست فيه زيادة إلا أنا.
"أتينا رسول الله [-ﷺ-] يومًا، فقلنا: إنَّ صاحبًا لنا أوجب
فقال: "مروه فليعتق رقبة".
قوله: أوجب: يعني ركب كبيرة أو خطيئة موجبة يستوجب بها النَّار.
يقال في ذلك للرَّجل: قد أوجب، وكذلك الحسنة يعملها توجب له الجنَّة.
فيقال لتلك الحسنة، و[تلك] السَّيِّئة موجبة.
ومنه حديثه في الدَّعاء: "اللَّهمَّ إنَّي أسألك موجبات رحمتك".
[ ١ / ٤٤٠ ]
ومنه حديث "إبراهيم": "كانوا يرون أنَّ المشي إلى المسجد في اللَّيلة المظلمة ذات المطر والرِّيح أنَّها مرجبة".
قال [أبو عبيد]: حدَّثناه جرير، عن أبي معشر، عن إبراهيم.
قال "أبو عبيد": وهذا من أعجب ما يجئ من الكلام: أن يقال للرَّجل: قد أوجب، وللحسنة والسيِّئة قد أوجبت.
وهذا مثل قولهم: قد تهيَّبني [الشَّيء]، وقد تهيبَّت الشَّيء بمعنى واحد، وقال الشَّاعر: [وهو تميم بن مقبل]:
وما تهَّيبني الموماة أركبها إذا تجاوبت الأصداء بالسَّحر [١٢٤]
أراد: وما أتهيَّبها.
[ ١ / ٤٤١ ]
١٤٧ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنَّ امرأة أتته، فقالت [يا رسول الله]: إنَّ ابني هذا به جنون يصيبه عند العداء والعشاء
قال: فمسح رسول الله [-ﷺ-] صدره، ودعا له، فثعَّ ثعَّة، فخرج من جوفه جرو أسود فسعى
وهذا حديث يروى عن حَّمَّاد بن سلمة، عن فرقد السبخيِّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، عن النَّبيِّ -ﷺ-.
قوله: فثعَّ ثعَّة: يعني قاء قبئة.
يقال للرَّجل: قد ثعَّ ثعَّة، وقد ثععت يا رجل: إذا قاء، ويقال أيضًا للقئ:
[ ١ / ٤٤٢ ]
قد أتاع الرَّجل إتاعة: إذا قاء أيضًا، فهو متيع، والقيء متاع، قال "القطامي" وذكر الجراحات:
[وظلَّت تعبط الأيدي كلومًا] تمجُّ عروقها علقًا متاعًا
١٤٨ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ- حين قدم عليه وفد "هوازن" يكلِّمونه في سبى "أوطاس" أو "حنين" فقال رجل من "بني سعد بن بكر"، يا محمد! إنَّا لو كنَّا ملحنا "للحارث بن أبي شمر" أو "للنُّعمان بن المنذر" ثمَّ نزل منزلك هذا منَّا، لحفظ ذلك لنا، وأنت خير المكفولين، فاحفظ ذلك".
وهذا الحديث يروى في المغازي عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه، يرفعه.
[ ١ / ٤٤٣ ]
قال "الأصمعيُّ" وغيره، قوله: ملحنا: يعني أرضعنا، وإنمَّا قال السَّعدي هذه المقالة؛ لأن رسول الله - ﷺ - كان مسترضعًا فيهم.
قال "الأصمعيَّ": والملح هو الرضاع، وأنشد لأبي الطَّمحان، وكانت له إبل يسقى قرمًا من ألبانها، ثمَّ إنَّهم أغاروا عليها، فأخذوها، فقال:
وإنِّي لأرجو ملحها في بطونكم وما بسطت من جلد أشعت أغبرا
يقول: [إني] أرجو أن تحفظوا ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلودكم بعد أن كنتم مهازيل، فسمنتم، وانبسطت له جلودكم بعد تقبُّض.
وأنشدنا لغيره:
جزى الله ربُّك ربُّ العبا د والملح ما ولدت خالده [١٢٥]
قال: يعني بالملح الرَّضاع.
[ ١ / ٤٤٤ ]
قال أبو عبيد: الرَّضاعة - بالفتح - لا اختلاف فيها بالهاء.
قال: ويقال: الرَّضاع والرِّضاع، والرَّضاع أحب إلى بفتح الراء.
١٤٩ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "إذا وقع الذُّباب في الطَّعام - وفي غير هذا الحديث في الشَّراب - فامقلوه، فبانَّ في أحد جناحيه سمًّا وفي الآخر شفاء، وإنَّه يقدِّم السَّم، ويؤخَّر الشِّفاء".
قال: حدَّثنيه يزيد [بن هارون]، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدريِّ عن النَّبِّي -ﷺ-.
[ ١ / ٤٤٥ ]
قوله: فامقلوه: يعني فاغمسوه في الطعام والشَّراب؛ ليخرج الشِّفاء كما أخرج الدَّاء، والمقل: هو الغمس، يقال للرَّجلين: هما يتماقلان: إذ تغاطَّا في الماء.
والمقل في غير هذا: النَّظر، يقال: ما مقلته عيني مذ اليوم.
والمقلة أيضًا الحصاة الَّتي يقدَّر بها الماء إذا قلَّ، فيشربونه بالحصص.
قال: تلقى الحصاة في الإناء، ويصبُّ عليها الماء حتىَّ يغمرها، فيشربونه، فيكون ذلك حصَّة لكلِّ إنسان، وذلك في المفاوز.
١٥٠ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنَّه كان إذا رأى مخيلة أقبل، وأدبر وتغَّير" قالت عائشة [-﵂-] فذكرت ذلك
[ ١ / ٤٤٦ ]
له، فقال: "وما يدرينا لعلَّه كقوم ذكرهم الله [-﷿-]: "فلمَّا رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم [قالوا هذا عارض ممطرنا] " وإلى قوله: "عذاب أليم".
قال: حدَّثنيه روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة [﵂] عن -النَّبيِّ ﷺ-:
قوله: مخيلة، المخيلة: السحابة نفسها، وجمعها مخايل، وقد يقال للسَّحاب أيضًا: الخال.
فإذا أرادوا أن السَّماء قد تغيَّمت، قالوا: قد أخالت فهي مخيلة -بضمِّ الميم- وإذا أرادوا السَّحابة نفسها، قالوا: هذه مخيلة بالفتح.
[ ١ / ٤٤٧ ]
١٥١ - وقال "أو عبيدٍ" فى حديث النبى -ﷺ-: أن رجلًا، قال: يا رسول الله!
إنِّى أعمل العمل أسرهُّ، فإذا اطُّلع عليه سرنى، فقال:
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "حبيب بن أبى ثابت" عن "أبى صالح" رفعه.
قال: وحدثنى "ابن مهدى" عن "سفيان" عن "حبيب" [عن "أبى سلمة"]، عن "أبى صالح" يرفعان الحديث.
[ ٢ / ٣ ]
قال " [عبد الرحمن] ين مهدى"": وجهه [عندى] أنَّه إنَّما يسرُّ إذا اطّلع عليه، ليستن به من بعده.
قال "أبو عبيدة": يعنى أنه ليس يسر به؛ ليزكى، ويثنى عليه خيرٌ، وليس للحديث عندى وجه إلّا ما قال "عبد الرّحمن"؛ لأن الآثار كلها تصدقه [و] من ذلك الحديث المرفوع: "من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها" ..
[ ٢ / ٤ ]
أفلست ترى أنّ الأحر الثّانى إنّما لحقه بأن عمل بسنّته.
وممّا يوضَح ذلك حديث آخر: أنّ رجلًا قام من اللّيل يصلّى، فرآه جارٌ له، فقام يصلّى، فغفر للأوّل [يعنى] لأنّ هذا استنّ به.
وقد حمل بعض الناس هذا الحديث على أنّه إنّما يؤجر الأحر الثّانى؛ لأنّه يفرح بالتّزكية والمدح.
وهذا من شرّ ما جمل عليه الحديث؛ ألا ترى أن الأحاديث كلها إنّما جاءت بالكراهة لأن يزكّى الرّجل فى وجهه؟
ومن ذلك حديث النبى -ﷺ- أنّه سمع رجلًا يثنى على آخر، فقال:
"قطعت ظهره، لو سمعها ما أفالح".
[ ٢ / ٥ ]
ومن ذلك قوله:
"إذا رأيتم المدّاحين، فاحثوا فى وجوههم التراب".
ومنه حديث "عمر" [﵁] حين كان يثنى عليه
[ ٢ / ٦ ]
وهو جريح، فقال: "المغرور من غررتموه، لو أنّ لى ما فى الأرض [جميعًا]، لافتديت به من هول المطّلع".
وفى هذا من الحديث ما لا يحصى.
١٥٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبى -ﷺ-: أنّه قال:
"استعيذوا بالله من طمع يهدى إلى طبع".
[ ٢ / ٧ ]
قال: حدّثنيه "محمد بن عمر" عن "عبد الله بن عامر الأسلمىّ" عن "الوليد بن عبد الرحمن الجرشى" عن "جبير بن (١٢٧) نفير" عن "معاذ" عن النبى -ﷺ-.
قوله: إلى طبع، الطّبع: الدّنس والعيب، وكلّ شينٍ فى دينٍ أو دنيا، فهو طبع.
يقال منه: رجلٌ طبع.
[ ٢ / ٨ ]
ومنه حديث "عمر بن عبد العزيز":
"لا يتزوج من الموالى فى العرب إلا الأشر البطر، ولا يتزوّج من العرب فى الموالى إلا الطمع الطبع".
قال: حدّثنيه "الأشجعىّ" وأسنده إلى "عمر بن عبد العزيز".
وقال "الأعشى" يمدح "هوذة بن علّى الحنفىّ":
لها أكاليل بالياقوت فصلها صواغها لا ترى عيبًا ولا طبعا
[ ٢ / ٩ ]
١٥٣ - وقال "أبو عبيد فى حديث النبى -ﷺ-: أنه مرّ على أصحاب الدّركلة فقال:
"خذوا يا بنى أرفدة؛ حتى تعلم اليهود والنصارى أن فى ديننا فسحةٌ".
قال: فبيناهم كذلك إذ جاء "عمر" فلما رأوه ابذعرّوا".
[ ٢ / ١٠ ]
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "عبد الرحمن بن إسحاق" عن الشعبىّ" رفعه.
قوله: ابذعرّوا: يعنى تفرّقوا، وفرّوا.
يقال: ابذعرّ القوم ابذعرارًا، وقال "الأخطل":
فطارت شلالًا وابذعرت كأنها عصابة سبي خاف أن يتقسّما
والذى يراد من هذا الحديث الرخصة فى النظر إلى اللهو.
[ ٢ / ١١ ]
وليس فى هذا حجة للنظر إلى الملاهى المنهىّ عنها من المزاهر، والمزامير، إنما هذه لعبة للعجم.
قال "أبو عبيد": اللّعبة: الشئ الذى يلعب به، واللّعبة: اللون من اللعب.
١٥٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىّ -ﷺ-: "أنه نهى عن ذبائح الجنّ".
[ ٢ / ١٢ ]
قال: حدّثينه "عمر بن هارون" عن "يونس بن يزيد الأيلّى" عن "الزّهرىّ" يرفع الحديث.
قال: فذبائح الجن أن تشترى (١٢٨) الدار، أو تستخرج العين، وما أشبه ذلك، فتذبح لها ذبيحةٌ للطّيرة.
قال "أبو عبيد": وهذا التّفسير فى الحديث، ومعناه":
[ ٢ / ١٣ ]
أنهم يتطيرون إلى هذا الفعل مخافة أنّهم إن لّم يذبحوا، فيطعموا أن يصيبهم فيها شئ من الجنّ يؤذيهم، فأبطل النبى -ﷺ- هذا، ونهى عنه.
١٥٥ - وقال "أبو عبيدة" فى حديث النبى -ﷺ-: "لا يوردنّ عاهةٍ على مصحّ".
[ ٢ / ١٤ ]
قال: حدثناه "علّى بن عاصم" عن "عبيد الله بن أبى حميد" عن "أبى المليح" رفعه.
قوله: ذو عاهةٍ: يعنى الرجل يصيب إبله الجرب، أو الدّاء.
فقال: لا يوردنّها على مصحٍّ، وهو الذى إبله أو ماشيته صحاح، بريئة من العاهة.
وقد كان بعض الناس يحمل هذا الحديث على أن النهى فيه للمخافة على الصحيحة من ذات العاهة أن تعديها.
[ ٢ / ١٥ ]
وهذا شر ما حمل عليه الحديث؛ لأنه رخصة فى التَّطير، وكيف ينهى النّبى -ﷺ- عن هذت للتّطيّر، وهو يقول: "الطيرةُ شركُ".
ويقول: "لا عدوى، ولا هامة" فى لآثارٍ عنه كثيرِة.
قال: ولكن وجهه عندى -والله أعلم- أنه خاف أن ينزل بهذا الصحاح من أمر الله ما نزل بتلك، فيظنّ المصحّ أن تلك أعدتها،
[ ٢ / ١٦ ]
فيأثم فى ذلك؛ ألّا تراه يقول فى حديث آخر، وقال له أعرابىٌ: النّقبة تكون بمشفر البعير، فتجرب له الإبل كلها.
قال: "فما أعدى الأوّل؟ ".
فها مفسّر لذاك الحديث.
قال: وقد بلغنى عن "مالك" فى حديث له رواه فى هذا.
[ ٢ / ١٧ ]
فقالوا: ما ذاك يا رسول الله؟
قال: "إنّه أذى".
قال "أبو عبيد": ومعنى الأذى عندى: المأثم أيضًا لنا ظنّ من العدوى.
[ ٢ / ١٨ ]
١٥٦ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "يأتى على الناس زمان (١٢٩) يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع. [و] خير الناس يومئذ مؤمنٌ بين كريمين".
[ ٢ / ١٩ ]
قال: حدثناه "مصعب بن المقدام: عن "سفيان" عن "معمر" عن" "الزّهرىّ" يرفعه.
قوله: بين كريمين، قد أكثر الناس فيه، فمن قائل يقولك: بين الحجّ والجهاد.
وقائل يقول: بين فرسين يغزو عليهما.
وآخر، يقول: بين فرسين يغزو عليهما.
وآخر، يقول: بين بعيرين يستقى عليهما، ويعتزل أمر النّاس.
وكلُّ هذا له وجهٌ حسنٌ.
قال "أبو عبيد": ولكنى لم أحد أول الحديث يدل على هذا.
ألاا تراه يقول: "يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع"
[ ٢ / ٢٠ ]
وهو عند العرب: العيد أو اللّئيم.
قال "أبو عبيد": ولكنى أرى وجهه: بين أبوين مؤمنين -كريمين، فيكون قد اجتمع له الإيمان والكرم فيه وفى أبويه.
ومما يصدّق هذا: الحديث الآخر أنه قال:
"من أشراط الساعة أن يرى رعاء الغنم رءوس الناس، وأن يرى العراة الجوّع يتبارون فى البنيان، وأن تلد الأمة ربها، وربتها".
[ ٢ / ٢١ ]
قال: "حدثنيه "مروان [بن معاوية] الفزارى" عن "عوفٍ" عن "شهر بن حوشب" عن "أبى هريرة" عن النبىّ -ﷺ-.
قوله: "ربها وربتها: يعنى الإماء اللواتى يلدن لمواليهن، وهم ذوو أحسابٍ، فيكون ولدها كأبيه فى الحسب، وهو ابن أمةٍ.
١٥٧ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىّ -ﷺ- "من سمّع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه، وحقره، وصغره".
قال: حدثنيه "ابن مهدى" عن "سفيان" أسنده.
[ ٢ / ٢٢ ]
قال "أبو زيدٍ الأنصارىّ": يقال: سمعت بالرجل تسميعًا: ندت به-، وشهرته، وفضحته.
وقد بلغنى عن " [عبد الله [ين المبارك" أنه رواه [عن بعضهم]:
[ ٢ / ٢٣ ]
"سمّع الله به أسامع خلقه".
فإن كان هذا محفوظًا، فإنه أراد جمع السمع أسمع، ثم جمع الأسمع أسامع، يريد أن الله (١٣٠) [-﷿-] يسمّع أسماع الناس بهذا الرجل يوم القيامة.
قال" أبو عبيد": ومن قال: سامع خلقه، جعله من نعت الله -﵎- وقال "أبو عبيد": أسامع خلقه أجود وأحسن فى المعنى.
١٥٨ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبى -ﷺ-
[ ٢ / ٢٤ ]
حين استأذن عليه "أبو سفيان"، فحجبه، ثم أذن له، فقال: "ما كدت تأذن لى حتى تأذن لحجارة الجلهمتين".
فقال: يا أبا سفيان! أنت كما قال القائل: "وكلّ الصيد فى جوف الفرإ". أو قال: "فى بطن الفرإ" الشكّ من -"أبى عبيدٍ".
قال "الأصمعىّ": الفرأ مهموز مقصور، قال: وهو حمار الوحش.
[ ٢ / ٢٥ ]
قال: وجمع الفرإ: فراء ممدود، وأنشدنا [في نعت الحرب]:
بضرب كآذان الفراء فضوله وطعنٍ كإيزاغ المخاض تبورها
[ ٢ / ٢٦ ]
أراد أن الضرب بالسيف يقع بالأجساد، فيكشط عنها اللّحم، فيبقى متدلّيًا كآذان الحمر.
وقوله: "كإيزاغ المخاض": يعنى قذف الإبل بأبوالها، فهى توزغ به، [وذلك] إذا كانت حوامل، شبه الطعن به.
وقوله: تبورها: تخبرها أنت.
وإنما مذهب هذا الحديث إنه أراد -ﷺ- أن يتألفه بهذا الكلام، وكان من المؤلفة قلوبهم.
فقال: "أنت فى الناس كحمار الوحش فى الصيد"، يعنى أنها طلها دونه.
[ ٢ / ٢٧ ]
وقول "أبى سفيان": حجارة الجهلمتين: أراد جانبى الوادى. والمعروف فى كلام العرب الجلهتان.
قال "الأصمعى": والجهلة: ما استقبلك من جروف الوادى، وجمعها جلاه، وقال "لبيد":
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها
[ ٢ / ٢٨ ]
ويروى: [فعلا] فروع "بالنصب أيضًا. وقال الشناخ":
كأنها وقد بدا عوارض
والليل بين قنوين رابض
بجلهة الوادى قطًا نواهض
(١٣١) قال: ولم أسمع بالجلهمة إلا فى هذا الحديث، وما جاءت إلّا ولها أصل.
[ ٢ / ٢٩ ]
والمعروف من هذا جلهة.
١٥٩ - وقال: أبو عبيدٍ" فى حديث النبىّ -ﷺ- أن رجلًا تفوّت على أبيه فى ماله، فأتى النبى -ﷺ-: - أو "أبا بكرٍ"، أو "عمر" فذكر ذلك له، فقال:
"اردد على ابنك فإنما هو سهم من كنانتك".
[ ٢ / ٣٠ ]
قال: حدثناه غير واحد عن "هشام بن عروة" عن "أبيه".
قوله: تفوّت مأخوذ من الفوت، إنما هو تفعل منه، كقولك من القول: تقول، ومن الحول: تحوّل، ومعناه: أنّ الابن فات أباه بمال نفسه، فوهبه، وبذّره، فمن ذلك قال: "اردده على ابنك، فإنما هو سهم من كنانتك، يقول: ارتجعه من موضعه، فرده إلى ابنك، فإنه ليس له أن يفتات عليك بماله".
[ ٢ / ٣١ ]
ومنه حديث "عبد الرحمن بن أبى بكر" حين زوّجت "عائشة" ابنته من "المنذر بن الزبير: وهو غائب"، فأنكر ذلك، وقال:
"أمثلى يفتات عليه فى بناته؟ ".
أى أفات بهنّ، وهو غير مهموز.
[ ٢ / ٣٢ ]
وكذلك كلّ من أحدث دونك شيئًا، فقد فاتك به، قال "معن ابن أوس" يعاتب امرأته:
فإن الصُّبح منتظر قريبٌ وإنك بالملامة لن تفاتى
وفى هذا الحديث من الفقه أن الولد وماله من كسب الوالد.
ومما يصدّقه الحديث الآخر، قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "إبراهيم" عن "الأسود" عن "عائشة" عن النبىّ -ﷺ- قال:
"إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه".
[ ٢ / ٣٣ ]
قال: وحدثنا " [يحيى بن زكريا] بن أبى زائدة" عن -"الأعمش" عن "عمارة بن عميرٍ" عن "عمته" عن "عائشة" (١٣٢) عن النبىّ -ﷺ- مثل ذلك.
وكان "سفيان بن عيينة" يحتج فى ذلك بآياتٍ من القرآن، قوله [سبحانه]: "ليس على العمى حرجٌ، ولا على الأعرج ولا على المريض حرجٌ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم" حتى ذكر القرابات كلها إّلا الولد، فقال:
[ ٢ / ٣٤ ]
"ألا تراه إنما ترك ذكر الولد؛ لأنه لمّا قال: أن تأكلوا من بيوتكم" فقد دخل فيه مال الولد.
وقال "سفيان"": ومنه قوله [﷿]: "إنّى نذرت لك ما فى بطنى محررّا" [قال]: فهل يكون النذر إلّا فيما يملك العبد؟
قال "أبو عبيد": فهذا التأويل حجةٌ لمن قال: "مال الولد لأبيه" مع الحديث الذى ذكرناه عن النبىّ -ﷺ-.
وأما حجّة من قال: "كلّ أحدٍ أحقّ بماله" فإنه يحتجُّ بالفرائض يقول: ألا ترى أن رجلًا لو مات، وله أبٌ، وورثةٌ، لم يكن لأبيه
[ ٢ / ٣٥ ]
إلّا السدس، كما سمى الله [-﷿-]، ويكون سائر المال لورثته، فلو كان أبوه يملك مال ابنه لحازه كلّه، ولم يكن لورثة الابن شيءٌ من ولدٍ ولا غيره.
ومع هذا حديث يروى عن النبىّ -ﷺ-: "كل أحدٍ أحقّ بماله من والده وولده، والناس أجمعين".
قال: حدثناه "هشيم"، قال: أخبرنا "عبد الرحمن بن يحي"، عن "حبان بن أبى جبلة"، عن النبىّ -ﷺ- بذلك.
[ ٢ / ٣٦ ]
١٦٠ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبيّ -ﷺ- أن رجلًا أتاه، فقال: يا رسول الله! إنّ أمىّ افتلتت نفسها فماتت، ولم توص، أفأتصدّق عنها؟
فقال: "نعم".
[ ٢ / ٣٧ ]
وهذا حديث يروى عن "هشام بن عروة" عن "أبيه" عن -"عائشة" عن النّبيّ -ﷺ-:
قوله: "افتلتت [نفسها] يعنى ماتت فجاءةً، لم تمرض، فتوصى، ولكنّها أّخت فلتةً، وكذلك كلُّ (١٣٣) أمرٍ فعل على غير تمكُّثٍ، وتلبثٍ، فقد افتلت، والاسم منه الفلتة.
[ ٢ / ٣٨ ]
ومنه قول "عمر" [﵁] فى بيعة "أبى بكر": "إنها كانت فلتةً، فوقى الله شرها".
إنما معناه: البغتة، وإنما عوجل بها مبادرة انتشار الأمر والشّقاق حتى لا يطمع فيها من ليس لها بموضع، فكانت تلك الفلتة هى التى وقى الله بها الشّر المخوف، وقد كتبناه فى غير هذا- الموضع.
[ ٢ / ٣٩ ]
١٦١ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبيّ -ﷺ- أن رجلين اختصما إليه فى مواريث، وأشياء قد درست.
فقال -ﷺ-: "لعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيءٍ من حقّ أخيه، فإنّما أقطع له قطعةً من النّار".
فقال كلّ واحدٍ من الرّجلين: يا رسول الله! حقِّى هذا لصاحبى.
فقال: "لا". ولكن اذهبا، فتوخيا، ثُم استهما، ثُمّ ليحلّل كلّ واحدٍ منكما صاحبه".
[ ٢ / ٤٠ ]
قال: حدّثناه "صفوان بن عيسى" عن "أسامة بن زيدٍ" عن "عبد الله بن رافعٍ" عن "أمّ سلمة: عن النّبيّ -ﷺ-
[ ٢ / ٤١ ]
قوله: "لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض": يعنى أفطن لها وأجدل، واللّحن: الفطنة -بفتح الحاء.
ومنه قول "عمر بن عبد العزيز": "عجبت لمن لاحن النّاس كيف لا يعرف جوامع الكلم، ويقال منه: رجلٌ لحنٌ إذا كان فطنّا، قال" "لبيدٌ" يذكر " [رجلًا] كاتبًا:
متعوّدٌ لحنٌ يعيد بكلفِّه قلمًا على عسبٍ ذبلن وبان
واللحن فى أشياء سوى هذا.
[منه] الخطأ فى الكلام، وهو بجزم الحاء.
[ ٢ / ٤٢ ]
يُقال منه: قد لحن الرّجل لحنًا.
ومنه قول "عمر" -﵁-:
قال حدثناه "أبو معاوية" عن "عاصم" عن "مورِّق" عن "عمر" [﵀] قال: "تعلَّموا اللّحن، والفرائض، والسّنن كما تعلَّمون القرآن".
[قال أبو عبيد: وحدثناه "الدَّقيعىُّ محّمد بن عبد الله" عن "يزيد ابن هارون" عن "عاصم الأحول" عن "مورِّق"].
[ ٢ / ٤٣ ]
ومنه حديث "أبى العالية": "كنت أطوف مع "ابن عبّاسٍ" وهو يعلّمنى لحن الكلام".
وإنما سمّاه لحنًا؛ لأنَّه إذا بصَّره الصَّواب (١٣٤) فقد بصَّره اللَّحن.
ومن اللحن [أيضًا] قول الله -﵎-: "ولتعرفنَّهم فى لحن القول" فكأن تأويله -والله أعلم- فى فحواه، وفى معناه، وفى مذهبه.
وفى هذا الحديث من الفقه قوله: "اذهبا، فتوخَّيا"، يقول: توخيَّا الحقَّ، فكأَنه قد أمر الخصمين بالصّلح.
وقوله: "استهما" أى اقترعا، فهذا حجةٌ لمن قال بالقرعة فى الأحكام.
[ ٢ / ٤٤ ]
قال الله -﵎- فى قصة "يونس": "فساهم فكان من المدحضين"، وقال [- ﷿ -] فى قصة "مريم" [-﵍-]: "إذ يلقون أقلامهم أيُّهم أقلامهم أيّهم يكفل مريم".
فكلُّ ها حجةٌ فى القرعة.
وفى الحديث من الفقه أيضًا أنه لا يحلُّ للمقضىّ له حرامٌ، وإن قضى له القاضى بذلك؛ ألا تراه يقول:
"من قضيت له بشئٍ من حقّ أخيه، فإنما أقطع له تطعةً -من النار".
[ ٢ / ٤٥ ]
وممّا يبيّن ذلك حكمه فى ابن أمة "زمعة" حين قضى به للفراش فجعله أخا "سودة بنت زمعة" فى القضاء، ثمّ أمرها أن تحتجب منه.
[ ٢ / ٤٦ ]
١٦٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبيّ -ﷺ-: "المرء أحقُّ بضقبه".
[ ٢ / ٤٧ ]
قال: حدثناه "سفيان بن عيينة" عن "إبراهيم بن ميسرة" عن "عمرو بن الشريد" عن "أبى رافع" عن النّبيّ -ﷺ-: قوله: "أحقُّ بصقبه": يعنى القرب.
ومنه حديث "علىٍّ" -﵁-: "أنه كان إذا أتى بالقتيل قد وجد بين قريتين حمله على أصقب القريتين إليه".
[ ٢ / ٤٨ ]
وقال: ابن قيس الرُّقيات":
كوفيةٌ نازحٌ محلَّتها لا أممٌ دارها ولا صقب
قال: الأمم: الموضع القاصد القريب، ومنه قيل للشئ إذا كان مقاربًا: هو أمرٌ مؤامٌ، وكأن الصب أقرب منه.
وإنما معنى الحديث فى قوله: "المرء أحقُّ بصقبه": أن الجار أحقُ بالشُّفعة (١٣٥) إذا كان جارًا، ولم نسمع فى الآثار بحديث أثبت فى الشُفعة للجار من هذا.
[ ٢ / ٤٩ ]
وحديث آخر يرويه "سمرة بن جندبٍ" عن النّبيّ -ﷺ-: "أنه قضى بالجوار".
وسائر الأحاديث أنّ الشّفعة للشريك.
فهذان الحديثان حجّة لمن قضى للجار بها.
وقد يجوز أن يقال للشريك [فى الدار] أيضًا جارٌ، وهو أصقب الجيران إليك.
[ ٢ / ٥٠ ]
ففيه حجَّةٌ لمن قال: بالشُّفعة للشَّريك دون الجار.
وحجَّةٌ [أيضًا] لمن قال: الشُّفعة للجار؛ لأنَّ المعنى يحتملهما.
١٦٣ - وقال: "أبو عبيد" فى حديث النّبيّ -ﷺ-: "إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل نجسًا".
قال: حدثنيه "زيد بن الحباب" عن "حماد بن سلمة" عن
[ ٢ / ٥١ ]
"عاصم بن المنذر" عن "عبيد الله بن عبد الله بن عمر" عن "أبيه" عن النَّبيِّ -ﷺ- قوله: "قلَّتين": يعنى من هذه الحباب العظام، واحدتها قلّةٌ، وهى معروفةٌ بالحجاز وقد تكون بالشآم، وجمعها قلال.
قال أبو عبيدٍ: ويقال: هى جرَّةٌ من هذه الجرار العظام، قال "حسَّان بن ثابت" يرثى رجلًا:
وأقفر من حضَّاره ورد أهله وقد كان يسقى فى قلالٍ وحنتم
[ ٢ / ٥٢ ]
وقال "الأخطل":
يمشون حول مكدم قد كدَّحت متنيه حمل حناتم وقلال
[قال أبو عبيد]: فهذا تأويل القلّتين، وهو يردّ قول من قال فى الماء: "إذا بلغ كرًّا لم يحمل نجسًا".
[ ٢ / ٥٣ ]
قال: حدَّثناه "ابن عليَّة" عن " ابن عونٍ" عن "ابن سيرين".
قال "أبو عبيدٍ" وسمعت "أبا يوسف" يفسِّر ما ينجس من الماء ممّا لا ينجسُ، فقال: هو أن يكون الماء فى حوضٍ عظيم، أو غديرٍ، أو ما أشبه ذلك، فيبلغ من كثرته أنَّه إذا حرِّك منه جانب، لم يضرب الجانب الآخر، فهذا عنده لا يحمل نحسًا، فإن بلغ اضطرابه إلى (١٣٦) الجانب الآخر، فهذا قد ينجس.
ولا أعلمنى إلَّا قد سمعت "محمد بن الحسن" يقول مثله أو نحوه.
قال "أبو عبيد": حسبتهما يذهبان من الكرِّ إلى أنَّ الماء يكرُّ
[ ٢ / ٥٤ ]
بعضه على بعض فحدَّثت به "الأصمعىَّ"، فأنكر أن يكون هذا من كلام العرب، أن يقال: قد بلغ الماءُ كرًّا، إذا كان يكرُّ عليك.
وذهب "الأصمعىُّ" بالكرِّ إلى المكيال الذى يكال به، كأنه يقول: إذا كان فيما تحرزه، وتقدرِّه مثل ذلك.
وهذا عندى وجه [ذلك] الحديث- والله أعلم.
١٦٤ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبيّ -ﷺ-: "من كانت له إبلٌ، أو بقرٌ، أو غنمٌ، ولم يوؤدِّ زكاتها بطح لها يوم القيامة بقاعٍ قرقرٍ تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها كلما نفدت أُخراها عادت عليه أولاها".
[ ٢ / ٥٥ ]
قال: حدثناه "حجاج" عن "ابن جريجٍ" عن "أبى الزبير" عن "جابر" عن النّبيّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٥٦ ]
قوله: "بقاعٍ قرقرٍ". قال "الأصمعى" القاع: المكان المستوى ليس فيه ارتفاعٌ ولا انخفاضٌ.
وقال "أبو عبيد": وهو القيعة أيضًا، قال الله -﵎- "كسراب بقيعة"، ويقال: إن القيعة جمع قاعٍ.
والقرقر: المستوى أيضًا.
[ ٢ / ٥٧ ]
وقال" "عبيد بن الأبرص" -يصف الإبل:
هدلا مشافرها، بحًّا حناجرها تزجى مرابيعها فى قرقرٍ ضاحى
فالقرقر: المكان المستوى، والضاحى: الظاهر البارز للشمس.
وقد روى فى بعض الحديث بقاع قرقٍ، وهو مثل القرقر فى المعنى، أنشدنا الآخر فى سير الإبل:
كأن أيديهنَّ بالقاع القرق
أيدى جوارٍ يتعاطين الورق
[ ٢ / ٥٨ ]
شبه بياض أيدى الإبل ببياض أيدى الجورى (١٣٧).
١٦٥ - وقال: أبو عبيدٍ" فى حديث النّبيّ -ﷺ-: "لا تصروا الإبل والغنم،
[ ٢ / ٥٩ ]
ومن اشترى مصراةً، فهو بآخر النظرين؛ إن شاء ردَّها، وردَّ معها صاعًا من تمرٍ".
[ ٢ / ٦٠ ]
قال: حدثناه "هشيمٌ" قال: أخبرنا "مغيرة" عن "إبراهيم" عن "أبى هريرة" عن النبىِّ -ﷺ-:
قوله: "مصرَّاه": يعنى الناقة، أو البقرة، أو الشاة التى قد صرَّى اللبن فى ضرعها.
يعنى حقن فيه، وجمع أيامًا، فلم تحلب.
وأصل التصرية: حبس الماء وجمعه.
يُقال: قد صريت الماء، وصريته، قال "الأغلب".
رأت غلامًا قد صرى فى فقرته.
ماء الشباب عنفوان شرَّته.
[ ٢ / ٦١ ]
ويُقال: هذا ماءٌ صرَّى، مقصورٌ، قال "عبيد [بن الأبرص] ":
يا رب ماءٍ صرًى وردته سبيله خائفٌ جديب
ويُقال: منه سميِّت المصرَّاة، كأنَّها اجتمعت.
وكان بعض الناس يتأوَّل فى المصرَّاة: أنَّه من صرار الإبل، وليس هذا من ذاك فى شئٍ.
[ ٢ / ٦٢ ]
لو كان من ذاك، لقال مصروةً، وما جاز أن يقال ذلك فى البقر والغم؛ لأن الصِّرار لا يكون إلَّا للإبل.
وفى حديث آخر: "أنه نهى عن بيع المحفلَّة".
وقال: "إنها خلابةٌ".
فالمحفَّلة: هى المصرَّاة بعينها.
قال: حدَّثنا "يزيد" عن "سليمان التَّيمىِّ" عن "أبى عثمان النهدىِّ" عن "ابن مسعودٍ" قال:
"من اشترى محفَّلةً، فردها.
[ ٢ / ٦٣ ]
فليرد معها صاعًا [من تمرٍ].
قال "أبو عبيد": وإنما يمِّيت محفَّلةً؛ لأن اللَّبن [قد] حفِّل فى ضرعها، واجتمع، وكلُّ شيءٍ كثَّرته فقد حفَّلته.
ومنه قيل: قد احتفل القوم: إذا اجتمعوا، وكثروا؛ ولهذا سمى محفل القوم، وجمع المجفل محافلٌ.
وقوله: "لا خلابة" [يعنى الخداع].
[ ٢ / ٦٤ ]
يُقال منه: خليته أخلبه خلابةً: إذا خدعته (١٣٨).
ومنه حديث النبىِّ -ﷺ-:
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفرٍ" عن "عبد الله بن دينارٍ" عن "ابن عمر" أن رجلًا كان يخدع فى البيع، فقال له رسول اللهﷺ-: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة".
[ ٢ / ٦٥ ]
وفى حديث المصراة والحفَّلة أصلٌ لكلِّ من يبع سلعةً، وقد زينها بالباطل أن البيع مردودٌ إذا علم به المشترى؛ لأنه غشٌّ وخداعٌ.
وقوله: "ويردُّ معها صاعًا"؛ كأنه إنما جعله قيمةً لما نال المشترى من اللبن.
وكان "أبو يوسف" يقول: إنما عليه القيمة.
[ ٢ / ٦٦ ]
١٦٦ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ- أنه قال: "مالى أراكم تدخلون على قلحًا".
[ ٢ / ٦٧ ]
قال: حدثينه "الأبَّار عمر بن عبد الرحمن أبو حفصٍ" عن "منصور بن المعتمر" لا أعلمه إلّا عن "أبى علَّى الصقيل" عن "جعفر ابن تمام بن عباس بن عبد المطلب" رفعه.
قوله: "قلحًا"، الواحد منهم أقلح، والمرأة قلحاء، وجمعهما قلحٌ، والاسم منه القلح.
قال "الأعشى" يذمُّ قومًا، ويصفهم بالدَّرن، وقلَّة التَّنظُّف:
قد بنى اللَّؤم عليهم بيته وفشا فيهم مع اللُّؤم القلح
[ ٢ / ٦٨ ]
وهى صفرةٌ تكون فى الأسنان، ووسخٌ يركبها من طول ترك السِّواك.
ومعنى الحديث أنه حثهم على السِّواك، فقال: تدخلون علَّى غير مستاكين حتى صار كالقلح فى أسنانكم.
[قال أبو عبيد]: ومنه حديثه الآخر أن الناس استبطأُوا الوحى، فقال رسول الله [-ﷺ-]:
"وكيف لا يبطئ، وأنتم لا تسوِّكون أفواهكم، ولا تقلِّون -أظفاركم، ولا تنقون براجمكم".
[ ٢ / ٦٩ ]
قال: حدثنيه "أبو محيَّاة يحيى بن يعلى" أو "يعلى بن يحيى" [-شك ألو عبيدٍ-] عن "منصورٍ" عن "مجاهدٍ" يرفعه.
[ ٢ / ٧٠ ]
١٦٧ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىِّ -ﷺ-: أن رجلًا أتاه (١٣٩) وهو يقاتل العدو، فسأله سيفًا يقاتل به، فقال له:
"فلعلك إن أعطيتك أن قوم فى الكيُّول".
فقال: لا.
فأعطاه سبفًا، فجعل يقاتل به، وهو يرتجز، ويقول:
إنى امرؤٌ عاهدنى خليلى
الا أقوم الدهر فى الكيُّول
أضرب بسيف الله والرسول
فلم يزل يقاتل حتى قتل.
[ ٢ / ٧١ ]
وهذا حديث يروى عن "شعبة" و"إسرائيل" كليهما عن -"أبى إسحاق السبيعى" عن "هنيجة بن خالدٍ، أو غيره، يرفعه.
قوله: "الكيَّول"، يعنى مؤخر الصفوف، سمعته من عدةٍ من أهل العلم، ولم أسمع هذا الحرف إلا فى هذا الحديث.
١٦٨ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىِّ -ﷺ-
[ ٢ / ٧٢ ]
انه قال للنساء: "إنكن أكثر أهل النار؛ وذلك لأنكنَّ تكثرون اللعن، وتكفرن العشير".
قوله: "تكفرن العشير": يعنى الزوج، سمِّى عشيرًا؛ لأنه يعاشرها، وتعاشره، وقال الله -﵎-: "لبئس المولى ولبئس العشير"، وكذلك حليلة الرجل هى امرأته، وهو حليلها،
[ ٢ / ٧٣ ]
سمِّيا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحالُّ: يعنى أنهما يحلَّان فى منزل واحد، وكذلك كلُّ من نازلك أو جاورك، فهو حليلك، وقال الشاعر:
ولست بأطلس الثوبين يصبى حليلته إذا هدأ النِّيام
فهو ما هنا لم يرد بالحليلة امرأته؛ لأنه ليس عليه بأسٌ أن يصبى امرأته، إنما أراد جارته؛ لأنها تحالُّه فى المنزل.
ويُقال أيضًا: إنما سمِّيت الزوجة حليلةَ؛ لأن كل واحدٍ منهما محل إزار صاحبه.
[ ٢ / ٧٤ ]
وكذلك الخليل سمِّى خليلًا؛ لأنه يخالُّ صاحبه من الخلة، وهى (١٤٠) الصداقة يقال منه: خاللت الرجل خلالًا، ومخالةً، ومنه قول "امرئِ القيس".
ولست بمقلىِّ الخلال ولا قال
يريد بالخلال المخالة
ومنه الحديث المرفوع:
قال: حدثنيه "ابن مهدىًّ" عن "زهير بن محمد" عن "موسى ابن وردان" عن "أبى هريرة" عن النبىِّ -ﷺ-
[ ٢ / ٧٥ ]
أنه قال:
"إنما المرء بخليله -أو [قال]: على دين خليليه -الشَّك من "أبى عبيد" -فلينظر امرؤ من يخالّ".
[قال]: وكذلك القعيد من المقاعدة، والشريب والأكيل من المشاربة والمؤاكلة، وعلى كلُّ هذا الباب.
١٦٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ-: حين خرج هو و"أبو بكرٍ" مهاجرين إلى "المدينة" من "مكة"، فمرا
[ ٢ / ٧٦ ]
"بسراقة بن مالك بن جعشم" فقال: هذان "فرُّ قريش" ألا أردُّ على قريشٍ فرَّها؟
قال: حدثناه "معاذ بن معاذٍ" عن "ابن عون" عن "عمير ابن إسحاق". قوله: فرُّ قريش: يريد الفارَّين من "قريش".
يقال منه: رجلٌ فرٌّ، ورجلان فرٌّ، ورجالٌ فرٌّ، ولا يثنى، ولا يجمع، قال "أبو ذؤيبٍ" يصف صائدًا أرسل كلابًا على ثورٍ، فحمل عليها
[ ٢ / ٧٧ ]
الثور، ففرَّت منه، فرماه الصائد، ليشغله عن الكلاب، فقال:
فرمى لينقذ فرَّها، فهو له سهمٌ فأنفذ طرَّيته المنزع
يعنى السهم أنفذ طرَّتيه، وهما جانباه.
وفي حديث "سراقة" من غير حديث "ابن عون":
"أنه طلبهما، فرسخت قوائم دابته فى الأرض، فسألهما أن يخلِّيا عنه، فخرجت قوائمها، ولها عثانٌ".
[ ٢ / ٧٨ ]
قال: حدثناه "محمد بن كثير" عن "معمر" عن "الزهرىِّ" يسنده إلى النبِّى -ﷺ-:
قوله: "عثانٌ": أصله الدُّخان، وجمع العثان عواثنٌ، وجمع الدخان دواخنٌ، وهذا جمع على غير قياسٍ، ولا نعلم فى الكلام شيئًا يشبههما.
وإنما أراد بقوله (١٤١): أولها عثانٌ الغبار، شبَّه غبار قوائمها بالدخان.
١٧٠ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىِّ -ﷺ- فى قول الله -﵎-: "كتب عليكم القصاص فى القتلى
[ ٢ / ٧٩ ]
الحرُّ بالحرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى".
قال: كان بين حيَّين من العرب قتالٌ، وكان لأحد الحيَّين طولٌ على الآخرين، فقالوا: لا نرضى إلَّا أن نقتل بالعبد منا الحرَّ منهم وبالمرأة الرجل [منهم].
قال: فأمرهم النبىُّ -ﷺ- أن يتباءوا.
[ ٢ / ٨٠ ]
قال: حدثناه "هشيمٌ" عن "داود بن أبى هند" عن "الشعبىَّ" يرفعه.
قال "أبو عبيد": هكذا قال "هشيمٌ": "يتباؤوا" والصواب عندنا: يتباوأوا، على مثال يتقاولوا.
[ ٢ / ٨١ ]
وفى حديثٍ آخر "لهشمٍ" أن النبىُّ -ﷺ- قال: "الجراحاتُ بواءٌ".
يعنى أنها متساويةٌ فى القصاص، وأنه لا يقتصُّ مجروحٌ إلَّا من جارحه الجانى عليه بعينه، وأنه مع هذا لا يؤخذ له إلَّا مثل جراحته سواءٌ، فذلك هو البواء.
قالت "ليلى الأخيليَّة فى مقتل "توبة بن الحميِّر":
فإن تطن القتلى بواءً فإنَّكم فتى ما قتلتم آل عوف بن عامر.
ويقال منه: قدباء فلانٌ بفلانٍ: إذا قتل به، وهو يبوء به، وأنشدنى "الأحمر" لرجل قتل قاتل أخيه، فقال:
فقلت له بؤ بامرئٍ لست مثله وإن كنت قنعانًا لمن يطلب الدما
[ ٢ / ٨٢ ]
[قال]: يقول: أنت وإن كنت فى حسبك مقنعًا لكلِّ من طلبك بثأره، فلست مثل أخى.
وإذا أقصَّ، السلطان أو غيره رجلًا من رجل، قال: أبأت فلانًا -بفلان، قال "طفيلٌ الغنوىُّ":
أبأنا بقتلانا من القوم ضعفهم وما لا يعدُّ من أسيرٍ مكلَّب
وزعم "الأصمعى" أنَّ المكلَّب هو المكبَّل من المقلوب.
وقال غيره (١٤٢): المكلَّب: هو المشدود بالكلب، وهو القدُّ
[ ٢ / ٨٣ ]
١٧١ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىُّ -ﷺ-: "المتشبِّع بنا لا يملك كلابس ثوبى زورٍ".
[ ٢ / ٨٤ ]
ولا أعلمه إلَّا من حديث "سفيان بن عيينة" عن "هشام ابن عروة" عن "فاطمة بنت المنذر" عن "أسماء بنت أبى بكر" عن النبىُّ -ﷺ-:
قوله: "المتشبُّع بما لا يملك"، يعنى: المتزيِّن بأكثر مما عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون للرجل، ولها ضرَّةٌ، فتشبَّع بما تدّعى من الحظوة عند زوجها بأكثر مَّما عنده [لها] تريد بذلك غيظ صاحبتها، وإدخال الأذى عليها.
وكذلك هذا فى الرِّجال أيضًا.
[ ٢ / ٨٥ ]
وأما قوله: "كلابس ثوبى زورٍ": فإنَّه عندنا الرجل يلبس الثَّياب تشبه ثياب أهل الزُّهد فى الدُّنيا يريد بذلك النَّاس، ويظهر من التَّخشُّع والتَّقُّشف أكثر مما فى قلبه منه، فهذه ثياب الزُّور والرَّياء.
وفيه وجهٌ آخر إن شئت أن يكون أراد بالثَّياب الأنفس، والعربتفعل ذلك كثيرًا.
يقال [منه]: فلان نقىٌّ الثياب: إذا كان بريئّا من الدنس والآثام، وفولانٌ دنس الثَّياب: إذا كان مغموصا عليه فى دينه.
[ ٢ / ٨٦ ]
قال "امرؤالقيس" يمدح قومًا:
ثياب بنى عوفٍ طهارى نقيَّةً وأوجههم بيض المسافر غرَّان
يريد بثيابهم أنفسهم، أنها مبرأةٌ من العيوب، وكذلك قول "النَّابغة" فى قومٍ يمدحهم:
رقاق النِّعال طيبٌ حجزاتهم يحيَّون بالرَّيحلت يوم السَّباسب
[ ٢ / ٨٧ ]
يريد بالحجزات: الفروج أنَّها عفيفةٌ، ونرى -والله أعلم- أنَّ قول الله -﵎-: "وثيابك فطهِّر" من هذا، وقال الشَّاعر يذُمُّ رجلًا: (١٤٣).
لا همَّ إنَّ عامر بن جهم
أو ذم حجَّا فى ثيابٍ دسم
يعنى أنَّه حجَّ، وهو متدنِّسٌ بالذُّنوب.
[ ٢ / ٨٨ ]
١٧٢ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىُّ -ﷺ- "أنه كان يشرب فى بيت "سودة" شرابًا كانت تعده له فيه عسلٌ.
[ ٢ / ٨٩ ]
فتواطت"عائشة و"حفصةٌ"
وفى حديث "طلقٍ": فتواصت ثنتان من أزواجه -ولم يسمِّهما- إذا دخل عليهما أن تقولا: ما ريح المغافير؟ أأكلت مغافير؟
[ ٢ / ٩٠ ]
قال: فلمَّا قالتا ذلك له ترك الشراب الَّذى كان يشربه.
قال: حدثناه: معاذٌ" عن "ابن عونٍ" عن "يوسف بن عبد الله بن أخت ابن سيرين" عن "طلق بن حبيب" يرفعه.
قال الكسائىُّ، وأبو عمرٍو: قوله: "المغافير": شيءٌ شبيهٌ بالصَّمغ يكون فى الرّمث، وفيه حلاوةٌ.
وقال "أبو عمرو": يقال منه: قد أغفر الرِّمث: إذا ظهر ذلك فيه.
وقال "الكسائىُّ": يقال: خرج النَّاس يتمغفرون: إذا خرجوا يجتنونه من شجره، وواحد المغافير معفورٌ.
[ ٢ / ٩١ ]
وقال "الفراء": فيه لغةٌ أخرى المغاثير -بالثَّاء-، وهذا مثل قولهم فى القبر: جدثٌ وجدفٌ، وكقولهم: فومٌ وثومٌ وما أشبهه فى الكلام مما تدخل فيه الفاء على الثاءِ، والثاء على الفاء.
١٧٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىُّ -ﷺ-: "أنَّه كوى "سعد بن معاذٍ" أو "أسعد بن زرارة" فى أكحله بمشقص.
[ ٢ / ٩٢ ]
ثم حسمه".
قال "الأصمعىُّ": قوله: "المشقص" هو نصل السَّهم إذا كان طويلًا، وليس بالعريض.
ومنه حديثه الآخر: "أنَّه قصَّر عند المروة بمشقص".
[ ٢ / ٩٣ ]
ومنه حديث "عثمان" -﵁- حين دخل عليه فلان وهو محصورٌ، وفى يده مشقصٌ، فكان من أمره الذى كان".
قال "أبو عبيد": فإذا كان عريضا ليس بطويل فهو معبلةٌ، وجمعه معابلٌ.
[ ٢ / ٩٤ ]
وأمَّا قوله: "ثمَّ حسمه"، فالحسم أصله القطع، ومنه قيل: حسمت هذا الأمر عن فلان: أى قطعته، وإنما أراد بالحسم أنه قطع الدم عنه.
ومنه (١٤٤) حديث النبىُّ -ﷺ- فى اللِّصِّ حين قطعه.
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "يزيد بن خصيفة" عن "محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان" أن رسول الله [-ﷺ-] أتى بسارقٍ، فقال: "اقطعوه، ثم احسموه".
قال: يعنى اكووه؛ لينقطع الدم.
[ ٢ / ٩٥ ]
قال "أبو عبيد": ولم نسمع بالحسم فى قطع السارق عن النبىُّ -ﷺ- إلّا فى هذا الحديث.
وكذاك حديثهﷺ-:
"عليكم بالصوم، فإنه محسمةٌ للعرق، مذهبةٌ للأشر".
١٧٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىُّ -ﷺ- فى المخنَّث الذى كان يدخل على أزواجه، فقال "لعبد الله بن أبى أمية" أخى "أمِّ سلمة": إن فتح الله علينا الطائف غدًا دللتك على ابنة غيلان، فإنها تقبل بأربعٍ وتدبر بثمانٍ".
فقال رسول الله -ﷺ-:
[ ٢ / ٩٦ ]
"لا يدخل هذا عليكن".
[ ٢ / ٩٧ ]
قال: حدثناه "ابن عليَّة" عن "روح بن القاسم" عن "هشام ابن عروة" عن أبيه، عن النبىُّ -ﷺ.
وأما حديثٍ يروى عن "الليث بن سعدٍ" بإسنادٍ له أن النبىُّ -ﷺ- قال له: "ألا أراك تعقلُ هذا؟ لا يدخلنَّ ذا عليكن".
قوله: تقبل بأربع: يعنى أربع عكنٍ فى بطنها، فهى تقبلُ بهنَّ.
[ ٢ / ٩٨ ]
وقوله: "تدبر بثمان": يعنى أطراف هذه العكن الأربع وذلك لأنها محيطةٌ بالجنبين حتى لحقت بالمتنين، من مؤخرها من هذا الجانب أربعة أطراف، ومن الجانب الآخر مثلها، فهذه ثمانٍ.
وإنما أنَّث، فقال: بثمانٍ، ولم يقل: بثمانية، وواحد الأطراف طرفٌ وهو ذكرٌ؛ لأنه لم يقل: ثمانية أطرافٍ، فلو جاء بلفظ الأطراف لم يجد بدًّا من التذكير.
وهذا كقولهم: هذا الثوبُ سبعٌ فى ثمانٍ. [والثمانُ] يراد بها الأشبار، فلم يذكِّرها لمَّا لم يأت بذكر الأشبار، والسبع
[ ٢ / ٩٩ ]
إنَّما يقع على الأذرع، فلذلك أنَّث، والذَراع أنثى.
وكذلك قولهم: صمنًا من الشهر خمسًا.
قال: سمعت "الكسائىَّ" و" أبا الجرَّاح" يقولانه.
وقد علمنا أنه إنما يراد بالصَّوم الأيام دون الليالى، ولو ذكر الأيام لم يجد بجًّا من (١٤٥ -) التذكير، فيقول: صمت خمسة أيام، كقول الله [-﷿-]: "سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسومًا] ".
فهذا ما فى الحديث من العربية.
وفيه من الفقه دخوله [كان]، على أزواج النبىّ -ﷺ- فإنه وإن كان مخنثًا، فإنه رجل يجب عليهم الاستتار منه.
وإنما وجهه عندنا أنه كان عند النبىّ -ﷺ- من غير أولى الإربة من الرجال؛ لقول الله [-﷿-]: "ولا يبدين زينتهنَّ إلّا لبعولتهن أو آبائهن " إلى قوله "أو التابعين غير أولى
[ ٢ / ١٠٠ ]
الإربة من الرِّجال"؛ فلهذا كان ترك النبىّ -ﷺ- إيَّاه أن يدخل على أواجه.
فلما وصف الذى وصف من المرأة، علم أنه ليس من أولئك، فأمر بإخراجه.
ألا تراه يقول له: "ألا أراك تعقل ما ها هنا؟ " فعند ذلك نهى عن دخوله عليهن.
[ ٢ / ١٠١ ]
وكذلك يروى عن "الشعبىِّ" أو "سعيد بن جبير" أنه قال فى غير أولى الإربة من الرِّجال، قال: "هو المعتوه".
وهذا عندى أحسن، من قول "مجاهد".
قال: حدثنا "ابن علية" عن "ابن أبى نجيح" عن "مجاهد" فى قوله: "غير أولى الإربة من الرجال" قال: الذى لا أرب له- فى النساء.
قال "مجاهد": مثل فلان.
[قال "أبو عبيد] ": وحديث النبىّ -ﷺ- خلاف هذا.
[ألا ترى أنه قد يكون لا أرب له فى النساء، وهو مع هذا يعقل أمرهنَّ، ويعرف مساوئهن من محاسنهن.
والذى فى حديث النبىّ -ﷺ- "أنه كان عنده لا يعقل هذا، فلما رآه قد عقله أمر بإخراجه"].
[ ٢ / ١٠٢ ]
١٧٥ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىّ -ﷺ- حين ذكر الفتن.
فقال له "حذيفة": أبعد هذا الشرِّ خيرٌ؟
فقال: "هدنةٌ على دخن وجماعةٌ على أقذاءٍ".
[ ٢ / ١٠٣ ]
هذا حدَّثنيه "أبو النَّضر هاشم بن القاسم" عن "سليمان بن المغيرة" عن "حميد بن هلال" عن "نصر بن عاصم الليثىِّ" عن "اليشكرىّ" عن "حذيفة" عن النَّبىِّ -ﷺ-:
قوله: "هدنةٌ على دخنٍ": تفسيره فى الحديث: لا تردع قلوب قوم على ما كانت عليه"، ومذهب الحديث على هذا.
وأصل الدخَّن أن يكون فى لون الدَّابة أو الثَّوب، أو غير ذلك كدورةٌ إلى سواد،
[ ٢ / ١٠٤ ]
قال "المعطَّل الهدذلُّى" يصف السيف:
لينٌ حسامٌ لا يليق ضريبةً فى متنه دخنٌ وأثرٌ أحلس
(١٤٦) قوله: "دخنٌ" يعنى الكدورة إلى السواد.
[ ٢ / ١٠٥ ]
[قال]: ولا أحسب الدَّخن أخذ إلَّا من الدُّخان، وهو شبيهٌ بلون الحديد فوجهه أنَّه يقول: تكون القلوب هكذا، لا يصفو بعضها لبعض ولا ينصع حبُّها كما كانت، وإن لَّم تكن فيهم فتنةٌ.
وأمَّا قوله: "جماعةٌ على أقذاءٍ" فإنَّ هذا مثلٌ.
يقول: "اجتماعهم على فيادٍ من القلوب"، وهو مشبهٌ بقذى
[ ٢ / ١٠٦ ]
العين.
١٤٦ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "الغيرة من الإيمان، والمذاء من النِّفاق".
[ ٢ / ١٠٧ ]
قال: حدَّثناه غير واحد، عن "داود بن قيس الفرَّاء" عن "زيد ابن أسلم" يرفعه.
وبعضهم يقول: المذال- باللام- ولا أرى المحفوظ إلَّا الأول.
وتفسيره عند الفقهاء: أن يدخل الرَّجل الرِّجال على أهله.
وهذا هو الذى يروى في حديث آخر: أنه الذى يثال له: القنذع، والقنذع أيضًا، وهو الديُّوث.
ولا أحسب هاتين الكلمتين إلَّا "بالسُّريانية".
فإن كان المذاء هو المحفوظ، فإنَّه أُخذ من
[ ٢ / ١٠٨ ]
المذى: يعنى أن يجمع بين الرِّجال والنِّساء، ثم يخلِّيهم يماذى بعضهم بعضًا مذاءً.
[قال "أبو عبيد"]: لا أعرف للحديث وجهًا غيره.
وقد حكى بعض أهل العلم أنَّه [قال]: يقال: أمذيت فرسى: إذا أرسلته يرعى.
[ ٢ / ١٠٩ ]
ويقال: مذيته، فإن كان من هذا، فإنه يذهب به إلى ما أعلمتك [أنه يرسل الرِّجال على النِّساء] وهو وجهٌ.
وأما المذال -باللَّام- فإن أصله أن يمذل الرجل بسِّرِّه، وقد يقال: يمذل: يعنى أن يقلق به حتى يظهره.
وكذلك يقلق بمضجعه حتى يتحوَّل عنه، وبماله حتى ينفقه، قال "الأسود بن يعفر":
ولقد أروح على التِّجار مرجَّلًا مذلًا بمالى ليِّنًا أجيادى
يقول: أجود بمالى لا أقدر على إمساكه.
[ ٢ / ١١٠ ]
وقال "الرَّعى":
ما بال دفِّك بالفراش مذيلا أقذًى بعينك أم أردت رحيلا
وقال الآخر [وهو سابق]:
فلا تمذل بسرِّكَ كلُّ سرٍّ إذا ما جاوز الاثنين فاشى
(١٤٧) فهذا قد يخرج على معنى هذه الأشعار.
يقول هذا قد قلق عن مضحعه حتى زال عنه، وأطلع الرِّجال على
[ ٢ / ١١١ ]
سرِّه فيما بينه وبين أهله من قلقه به [وأنه زال لهم عن فراشه].
١٧٧ - قال: أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- حين سحر "أنه جعل سحره فى جفِّ طلعه، ودفن تحت راعوفة البئر".
[ ٢ / ١١٢ ]
من حديث ابن عيينة عن "هشام بن عروة" عن أبيه، عن "عائشة" [-﵂].
قوله: "جفُّ طلعةٍ": يعنى طلع النَّخل، وجفُّه: وعاؤه الذَّى
[ ٢ / ١١٣ ]
يكون فيه، والجفُّ أيضًا فى غير هذا: هو شئٌ من جلود الإبل كالإناء يؤخذ فيه ماء السَّماء إذا جاء المطر، يسع نصف قربةٍ أو نحوه ومنه قول الرَّاجز:
كلُّ عجوزٍ رأسها كالكفَّه
تحمل جفًّا معها هرشفَّه
فالجفُّ ها هنا ما أعلمتك.
والهرشفَّة: يقال: إنها خرقةٌ؛ أو قطعة كساءٍ، أو نحوه تنشف بها.
[ ٢ / ١١٤ ]
الماء من الأرض، ثمَّ تعصره فى الجفِّ، وذلك فى قلَّة الماء.
وبعضهم يقول: الهرشفَّة من نعت العجوز، وهى الكبيرة.
والجفُّ أيضًا فى غير هذين: جماعة الناس، ومن ذلك، قول "النابعة":
فى جفِّ تغلب واردى الأمرار
[ ٢ / ١١٥ ]
أى يريد جماعتهم.
وكان "أبو عبيدة" يرويه: فى جفِّ "ثعلب".
قال: يريد "ثعلبة بن سعدٍ".
والجفة مثل الجفِّ، [وهى] الجماعة أيضًا.
قال: ومنه حديثٌ بلغنى عن "شريكٍ" عن "أبى الجويرية" عن "ابن عبَّاسِ" قال:
"لا نفل فى غنيمةٍ حتَّى تقسم جفة" أى كلَّها
وأمَّا [قوله]: راعوفة البئر، فإنَّها صخرةٌ تترك فى أسفل البئر إذا احتفرت تكون ناتئةً هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقِّى عليها.
[ ٢ / ١١٦ ]
ويقال: بل هو حجرٌ ناتئٌ يكون على رأس البئر، يقوم عليه المستقى.
وقد روى بعض المحدِّثين هذا الحديث أنَّه جعل سحره فى جبِّ طلعةٍ.
لا أعرف الجبَّ إلَّا البئر الَّتى ليست بمطويَّة.
[ ٢ / ١١٧ ]
وكذلك قال "أبو عبيدة"
وهو قول الله -﵎- فى كتابه: "فى غيابه الجبِّ" ولا أرى المحفوظ فى الحديث إلَّا الجفَّ [-بالفاء-].
قال "أبو عبيد": يقال: أروعوفة البئر وراعوفه.
١٧٨ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "عجب ربُّكم من إلِّكم وقنوطكم وسرعة إجابته إيَّاكم.
[ ٢ / ١١٨ ]
يروى هذا عن "عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة" بن أخى الماجشون، عن "محمد بن عمرٍو" يرفعه.
ويرويه بعض المحدثين: "من أزلكم" وأصل الأزل: الشِّدَّة.
قال: وأراه المحفوظ، فكأنَّه أراد من شدَّة قنوطكم ويأسكم فإن كان المحفوظ قوله: "من إلِّكم"، فإنِّى أحسبها من الِّكم، وهو أشبه بالمصادر.
[ ٢ / ١١٩ ]
يقال منه" ألَّ يؤلُّ ألًاّ، وأللًا وأليلًا: وهو أن يرفع الرَّجل صوته بالدُّعاء، أو يجأر فيه، وقد قال "الكميت" شيئًا شبيهًا بهذا، قال يمدح رجلًا:
وأنت ما أنت فى غبراء مظلمة إذا دعت ألليها الكاعب الفضل
[ ٢ / ١٢٠ ]
فقد يكون ألليها أنَّه أراد الأل، ثم ثنَّى، كأنه يريد صوتًا بعد صوت.
ويكون ألليها: أن يريد حكاية أصوات النِّساء بالنَّبطيَّة إذا صرخن:
وقد يقال لكلِّ شئٍ محدَّدٍ: هو مؤللٌ.
قال "طرفة" يذكر أذنى الناقة، ويصف حدَّتهما وانتصابهما:
مؤلَّلتان تعرف العتق فيهما كسامعتى شاةٍ بحومل مفرد
[ ٢ / ١٢١ ]
والأل أيضًا فى غير هذا [الموضع].
قال "الأصمعىُّ": يقال: قد ألَّ الرَّجل فى السير (١٤٩) يؤلُّ إلاَّ: إذا أسرع.
وكذلك: قد ألَّ لونه يؤلُّ ألًاّ: إذا صفا وبرق، وأظمُّ قول "أبى داؤدٍ الإيادىِّ" من أحد هذين، وذلك أنه ذكر فرسًا أنثى صاد عليها الوحش، فقال:
فلهزتهنَّ بها يؤُلُّ فريصها من لمع رابئنا وهمَّ عوادى
[ ٢ / ١٢٢ ]
يقول: لما لمع الرابئ إلينا بالوحش، ركبت الفرس فى آثارهن.
١٧٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- "أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! إن الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا، وفعلوا بنا، وفعلوا.
فقال النَّبىِّ -ﷺ-:
ألستم تعرفون ذلك لهم؟
قالوا: نعم.
[ ٢ / ١٢٣ ]
قال: فإنَّ ذاك.
قال "أبو عبيد": ليس فى الحديث غير هذا.
قال: حدثناه "هشيمٌ" عن "يونس" عن "الحسن" يرفعه.
قوله: فإنَّ ذاك، معناه -والله أعلم-: فإنَّ معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأةٌ منكم لهم.
كحديثه الآخر: "من أزلَّت إليه نعمةٌ، فليكافئ بها، فإن لَّم يجد فليظهر ثناءً حسنًا".
فقال النَّبىِّ -ﷺ-: "فإن ذاك".
يريد هذا المعنى.
وهذا اختصارٌ من كلام العرب، يكتفى منه بالضَّمير؛ لأنه قد
[ ٢ / ١٢٤ ]
علم معناه وما أراد به القائل، وهو من أفصح كلامهم.
وقد بلغنا عن "سفيان الثورىِّ" قال:
جاء رجلٌ إلى "عمر بن عبد العزيز" من "قريش" يكلمه فى حاجة له، فجعل يمتُّ بقرابته، فقال [له] "عمر": "فإن ذاك".
ثم ذكر له حاجته، فقال [له]: "لعلَّ ذاك".
لم يزده على أن قال: "فإنَّ ذاك" و"لعل ذاك".
أى أنَّ ذاك كما قلت، ولعلَّ حاجتك أن تقضى.
وقال "ابن قيس الرُّقيَّات":
بكرت (علىَّ عواذلى) يلحيننى وألو مهنه
ويقلن شيبٌ قد علا ك وقد كبرت فقلت إنَّه
[ ٢ / ١٢٥ ]
(١٥٠) أى إنه قد كان كما تقلن.
[قال أبو عبيد]: والاختصار فى كلام العرب كثيرٌ لا يحصى، وهو عندنا أعرب الكلام وأفصحه، وأكثر ما وجدناه فى القرآن.
من ذلك قوله [-سبحانه-]: "فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق". إنما معناه -والله أعلم-: فضربه فانفلق.
ولم يقل: فضربه، أنَّه حين قال: "أن اضرب بعصاك"، علم أنَّه قد ضربه.
[ ٢ / ١٢٦ ]
ومنه قوله [-سبحانه-]: "ولا تحلقوا رءوسكم حتَّى يبلغ الهدى محلَّه فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه ففديةٌ من صيام".
اختصر، واكتفى منه بقوله: "ولا تحلقوا رءوسكم".
وكذلك قوله: "قال موسى أتقولون للحقِّ لمَّا جاءكم أسحرٌ هذا"؟ ولم يخبر عنهم فى هذا الموضع أنهم قالوا: إنه سحرٌ.
[ ٢ / ١٢٧ ]
ولكن لمَّا قال: "أسحرٌ هذا" علم أنَّهم [قد] قالوا: "إنه سحرٌ".
وكذلك قوله: "وجعل الله أندادًا ليضلَّ عن سبيله قل تمتَّع بكفرك فليلًا إنك من أصحاب النار أمن هو قانتٌ [آناء الليَّل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة].
يقال فى التفسير معناه:
أهذا أفضل أمَّن هو قانتٌ؟
فاكتفى بالمعرفة بالمعنى.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وهذا أكثر من أن يحاط به.
وأنشد "الأحمر" للأخطل:
*لمَّا رأونا والصليب طالعا*
*ومار سرجيس وموتًا ناقعا*
*خلَّوا لنا "راذان" والمزارعا"
*كأنما كانوا غرابًا واقعًا*
[ ٢ / ١٢٩ ]
أراد: فطار فترك الحرف الَّذى فيه المعنى؛ لأنَّه قد علم ما أراد.
١٨٠ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "أنه نهى أن يدبِّح الرجل فى الصَّلاة كما يدبِّح الحمار".
قوله: يدبِّح: هو أن يطأطئ الرَّجل رأسه فى الرُّكوع حتَّى يكون أخفض من ظهره.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وهذا كحديثه الآخر: "أنَّه كان إذا ركع لم يشخص رأسه، ولم يصوِّبه".
قال: حدَّثنيه "ابن أبى عدىٍّ" و"يزيد" عن "حسين المعلِّم" عن "بديل بن ميسرة" عن "أبى الجوزاء" عن "عائشة" عن النَّبىِّ -ﷺ-.
وبعضهم يرويه: "لم يصوِّب رأسه، ولم يقنعه".
يقول: لم يرفعه حتَّى (١٥١) يكون أعلى من جسده، ولكن بين ذلك.
ومنه حديث "إبراهيم" أنه كره أن يقنع الرجل رأسه فى الرُّكوع، أو يصوِّبه".
[ ٢ / ١٣١ ]
فالإقناع: رفع الرأس وإشخاصه، قال الله -﵎-: "مهطعين مقنعى رءوسهم".
والَّذى يستحبُّ من هذا أن يستوى ظهر الرَّجل ورأسه فى الرُّكوع. كحديث النَّبىِّ -ﷺ-.
قال": حدَّثنى "ابن مهدىٍّ" عن "سفيان" عن "أبى فروة الجهنىِّ" عن "عبد الرَّحمن بن أبى ليلى" قال:
"كان رسول الله -ﷺ- إذا ركع لو صبَّ على ظهره ماءٌ لاستقرَّ".
[ ٢ / ١٣٢ ]
١٨١ - وقال "أبو عبيدة" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- فى لحوم الحمر الأهليَّة، أنَّه نهى عنها، ونادى مناديه بذلك، [قال] "فأجفأوا القدور".
[ ٢ / ١٣٣ ]
هكذا يروى الحديث بالألف، وهو فى الكلام: "فجفأوا" بغير ألفٍ.
ومعناه: أنَّهم كفأُوها أى قلبوها.
يقال منه: جفأت الرَّجل وغيره: إذا احتملته، ثمَّ ضربت به الأرض.
وكذلك الحديث الآخر: [قال]: فأمر بالقدور فكفئت
[ ٢ / ١٣٤ ]
وبعض النَّاس يرويه: "فأكفئت".
واللُّغة المعروفة بغير ألفٍ.
يقال: كفأت القدر أكفؤها كفأً.
١٨٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "لا حمًى إلَّا فى ثلاثٍ: ثلَّة البئر، وطول الفرس، وحلقة القوم".
[ ٢ / ١٣٥ ]
قوله: ثلَّة البئر: يعنى أن يحتفر الرَّجل بئرًا فى موضعٍ ليس بملك أحدٍ، فيكون له من حوالى البئر من الأرض ما يكون ملقًى لثلَّة البئر، وهو ما يخرج من ترابها، لا يدخل عليه فيه أحد حريمًا للبئر.
والثلَّة فى غير هذا أيضًا هى جماعة الغنم وأصوافها، وكذلك الوبر أيضًا ثلَّةٌ.
ومنه حديث "الحسن" فى اليتيم إذا كانت له ماشيةٌ: "أنَّ للوصىِّ أن يصيب من ثلَّتها ورسلها".
[ ٢ / ١٣٦ ]
[قال]: فالثَّلة: الصُّوف.
والرِّسل: اللَّبن؟
والثُّلَّة [فى غير هذا]: الجماعة [من الناس]؟
قال الله [-﵎-]: "ثُلَّةٌ من الأوَّلين وثلَّةٌ من الآخرين" (١٥٢)
وأمَّا قوله: "فى طول الفرس": فإنَّه أن بكون الرَّجل فى العسكر، فيربط فرسه، فله من ذلك المكان مستدارٌ لفرسه فى طوله لا يمنع من ذلك، وله أن يحميه من النَّاس.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وقوله: "حلقة القوم": يعنى أن يجلس الرَّجل فى وسط الحلقة، فلهم أن يحموها [أن] لا يجلس فى وسطها أحدٌ.
ومنه حديث "حذيفة": "الجالس فى وسط الحلقة ملعونٌ".
قال: ويقال: هو تخطِّى الحلقة.
١٨٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: إنَّه أتى "بأبى قحافة" وكأنَّ رأسه ثغامةٌ فأمرهم أن يغيرِّوه".
[ ٢ / ١٣٨ ]
قال: حدَّثناه "عبَّاد بن عبادٍ" بإسناد له قد ذكره.
[قال "أبو عبيد"]: قوله: "ثغامة"، يعنى نبتًا [أو شجرًا] يقال له: الثَّغام، وهو أبيض الثَّمر أو الزَّهر، فشبَّه بياض الشَّيب به
قال "حسَّان لن ثابتٍ":
إمَّا ترى رأسى تغيَّر لونه شمطًا فأصبح كالثَّغام المحمل
[ ٢ / ١٣٩ ]
يعنى [بالممحل] الذى قد أصابه المحل، وهو الجدوبة.
١٨٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىَّ - ﷺ- فى الشُّبرم، ورآه عند "اسماء بنت عميس" وهى تريد أن تشربه فقال: "إنه حارٌّ جارٌّ" وأمرها "بالسَّنا"
[ ٢ / ١٤٠ ]
وبعضهم يرويه: "حارٌّ بارُّ".
وأكثر كلامهم بالياء.
قال "الكسائيُّ" وغيره: حارُّ من الحرارة، وبارٌّ إتباع كقولهم: عطشان نطشان.
": وجائعٌ نائعٌ
": وحسنٌ بسنٌ.
ومثله كثيرٌ فى الكلام.
وإنما سمِّى إتباعًا؛ لأن الكلمة الثانية إنما هى نابعةٌ للأولى على
[ ٢ / ١٤١ ]
وجه التوكيد لها، وليس يتكلم بالثانية منفردةٌ، فلهذا قيل: إتباعٌ
وأما حديث"آدم"- ﷺ- حين قتل ابنه، فمكث مائة سنةٌ لا يضحك، ثم قيل له:
"حيَّاك الله وبيَّاك
فقال: وما بيَّاك؟
قيل: "أضحكك"
قال: حدَّثناه "يزيد" عن "حسام بن مصكِّ" عن "عمَّار الدُّهنىِّ" عن "سعيد بن جبير" أو [عن] "سالم بن أبى الجعد"
[ ٢ / ١٤٢ ]
شكَّ "أبو عبيدٍ" - (١٥٣) فإن بعض الناس يقول فى بيَّاك [إنما] هو إتباعٌ.
وهو عندى على ما جاء تفسيره فى الحديث أنه ليس بإتباعٍ. وذلك أن الإتباع لا يكاد يكون بالواو، وهذا بالواو.
ومن ذلك قول العبَّاس [بن عبد المطلب] فى زمزم:
"إنًّى لا أحلُّها لمغتسل، وهى لشارب حلُّ وبلُّ"
[ ٢ / ١٤٣ ]
ويقال: إنه أيضًا إتباع، وليس هو عندى كذلك لمكان الواو قال: وأخبرنى "الأصمعىُّ" عن "المعتمر بن سليمان" أنه قال: بل هو مباح بلغة "حمير".
قال ["أبو عبيد" [: ويقال: بلُّ: شفاء من قولهم: [قد] بلَّ الرَّجل من مرضه وأبلَّ: إذا برأ.
[ ٢ / ١٤٤ ]
١٨٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيَّ - ﷺ-:
"إن الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقَّها بورك له فيها".
[ ٢ / ١٤٥ ]
[ويروى: إن هذا المال حلوٌ خضرٌ فمن أخذه بحقِّه ].
قال: حدثنيه "يزيد" عن "محمد عن عمرو" عن "المقبرىِّ" عن "عبيد سنوطًا" قال: دخلنا على "أمِّ محمد امرأة حمزة بن عبد المطلب فذكرت ذلك عن النَّبيَّ - ﷺ-.
[قال "أبو عبيد"]: قوله: "خضرةٌ": يعنى الغضة الحسنة، وكل شئٍ غضٍّ طرىٍّ فهو خضرٌ.
وأصله من خضرة الشجر.
ومنه قيل للرجل إذا مات، شابًا غضًا: قد اختضر.
قال [أبو عبيد]: وحدثنى بعض أهل العلم: أن شيخًا كبيرًا من العرب كان قد أولع به شابٌ من شبابهم، فكلما رآه
[ ٢ / ١٤٦ ]
قال: [قد] أجزرت يا أبا فلان!
يقول: قد آن لك أن تجزز، يعنى الموت.
فيقول له الشيخ: أى بنىَّ!
وتختضرون: أى تموتون شبابًا.
ومنه قيل: خذ هذا الشئ خضرًا مضرًا.
فالخضر: الحسن الغضُّ، والمضر إتباع.
وقال الله -﵎-: "فأخرجنا منه خضرًا".
[ ٢ / ١٤٧ ]
يقال: إنه الأخضر، وهو من هذا.
وإنما سمِّى الخضر؛ لأنه كان إذا جلس فى موضع اخضرَّ- ما حوله.
١٨٦ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النَّبيَّ - ﷺ-: "أنه نهى عن اختناث الأشقية" (١٥٤).
[ ٢ / ١٤٨ ]
قال: حدثنيه "يزيد عن ابن أبى ذئبٍ" عن "الزهرىِّ" عن- "عبيد الله" عن "أبى سعيدٍ" عن النَّبيَّ - ﷺ-
قال "الأصمعى" وغيره: الاختناث: أن تثنى أفواهها، ثم يشرب منها.
[قال]: وأصل الاختناث: التكسُّر والتثنِّى.
ومنه حديث "عائشة" -﵂- حين ذكرت وفاة النَّبيَّ
[ ٢ / ١٤٩ ]
- ﷺ- أنها قالت:
"فانخنث فى حجرى، وما شعرت به".
تعنى حين قبض [- ﷺ-]، فانثنت عنقه، أو غيرها من جسده.
ويقال من هذا: سمِّى المخنَّث [مخنثًا]؛ لتكسُّره.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وبِه سميت المرأَة خُنُثَ، يقول: إنها لينة تَتَثَنى.
ومعنى الحديث فى النهىَ عن اختناث الأسقية يَفسر على وجهين: أحدهما: أَنه يُخَاف أَن يكونَ فيه دَابّة.
قَال: حدَّثَني "ابن عُلَية" عن "أَيوب" قال:
نبئت أن رجلا شرب من في سقاءٍ، فخرجت منه حية.
والوجهُ الآخَر، أنه يقال: ينتنه ذلك.
[ ٢ / ١٥١ ]
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن "أبيه"، رفعه: أن النبي -ﷺ- نهى عن اختناث الأسقية، وقال: "إنه ينتنه".
[قال أبو عبيد]: والذي دار عليه معنى الحديث أنه نهى أن يشرب من أفواهها.
١٨٧ - وقال: "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-:
[ ٢ / ١٥٢ ]
"في العقيقة عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة".
قال: حدثناه "ابن علية" عن "ابن جريج" عن "عبيد الله ابن أبي يزيد" عن أبيه عن "سباع بن ثابت" عن "أم كرز" عن النبي - ﷺ -:
قوله: "العقيقة"، قال "الأصمعي" وغيره.
[ ٢ / ١٥٣ ]
[العقيقة]: أصلها الشعر الذى يكون على رأس الصبىِّ حين يولد.
وإنما سمِّيت الشاة التى تذبح عنه فى تلك الحال عقيقة؛ لأنه يحلق عنه هذا الشعر عند الذبح.
ولهذا قيل فى الحديث:
"أميطوا عنه الأذى".
يعنى بالأذى ذلك الشعر أن يحلق عنه.
وهذا مما قلت لك: إنهم
[ ٢ / ١٥٤ ]
ربما سموا الشئ باسم غيره إذا كان معه أو من سببه.
فسمِّيت الشاة عقيقة لعقيقة الشعر.
وكذلك كل مولود من البهائم، فإن الشعر الَّى يكون عليه حين (١٥٥) يولد عقيقة وعقه.
قال زهير [بن أبى سلمى] يذكر حمار وحش.
أذلك أم أقب البطن جأب عليه من عقيقته عفاء
[ ٢ / ١٥٥ ]
ويورى: فراء
عفاء: يعنى صغار الوبر.
أفلست ترى أن العقيقة ها هنا إنما هى الشعر لا الشاة؟
وقال "ابن الرِّقاع [العاملىُّ] " فى العقة يصف الحمار أيضًا:
تحسَّرت عقة عنه فأنسلها واجتاب أخرى جديدًا بعد ما ابتقلا
[ ٢ / ١٥٦ ]
يريد: أنه لما فطم من الرضاع، وأكل البقل ألقى عقيقته، واجتاب أخرى، وهكذا زعموا يكون.
قال "أبو عبيد": والعقَّة فى الناس والحمر، ولم نسمعه فى غيرهما.
١٨٨ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ-: أنه قال:
"اجتمعت إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن ألاَّ يكتمن من أمر أزواجهن شيئًا".
فقالت الأولى: زوجى لحم جمل غثٍّ على جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى.
[ ٢ / ١٥٧ ]
ويروى: فينتقل.
وقالت الثانية: زوجى لا أبثُّ خبرة، إنِّى أخاف ألَّا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجى العشنَّق، إن أنطق أطلق، وإن أسكت أعلَّق.
قال الرابعة: زوجى كليل تهامة لا حرُّ ولا قرُّ، ولا مخافة، ولا سآمة.
قالت الخامسة: زوجى إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، ولا يولد الكف ليعلم البث.
قالت السادسة: زوجى عياياء، أو غياياء.
[ ٢ / ١٥٨ ]
هكذا يروى بالشكِّ - طباقاء، كل داء له دواء.
شجَّك، أو فلَّك، أو جمع كلًاّ لك.
قالت السابعة: زوجى إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد.
قالت الثامنة: زوجى المسُّ مسّث أرنب، والرِّيح ريح زرنب.
قالت التاسعة: زوجى رفيع العماد، طويل النِّجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من النادى (١٥٦).
قالت العاشرة: زوجى مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل قليلات المسارح كثيرات المبارك، إذا سمعن صوت
[ ٢ / ١٥٩ ]
المزهر أيقنَّ أنهن هوالك.
قالت الحادية عشرة: زوجى "أبو زرع" وما "أبو زرع"؟ أناس من حلىٍّ أدنىَّ، وملأ من شحم عضدىَّ، وبجَّحنى فبجحت. وجدنى فى أهل غنيمة بشقٍّ، فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقٍّ.
وعنده أقول فلا أقبَّح، وأشرب فأتقمَّح.
ويورى: فأتقنَّح.
وأرقد فأتصبَّح.
أمُّ "أبى زرع" وما أمُّ "أبى زرع"؟
عكومها رداح، وبيتها فيَّاح.
ابن "أبى زرع"، فما ابن "أبى زرع"؟
كمسلِّ شطبة، وتشعبة ذراع الجفرة.
بنت "أبى زرع"، فما بنت "أبى زرع"؟
[ ٢ / ١٦٠ ]
طوع أبيها، وطوع أمِّها، وملء كسائها، وغيظ جارتها.
جارية "أبى زرع"، فما جارية "أبى زرع"؟
لا ثبتُّ حديثنا تبثيثًا، ولا تنقل ميرتنا تنقيثًا، ولا تملأ بيتنا تعشيشًا.
ويروى: تغشيشا.
خرج "أبو زرع" والأوطاب تمخض، فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين.
[ ٢ / ١٦١ ]
فطلَّقنى، ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريا، ركب شريًّا، وأخذ خطّيا، وأراح علىَّ نعما ثريًّا.
وقال: كلى أمَّ زرع، وميرى أهلك.
فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية "أبى زرع".
قالت "عائشة" [﵂]:
فقال لى رسول الله -ﷺ-:
"كنت لك كأبى زرع لأمِّ زرع".
[ ٢ / ١٦٢ ]
قال [أبو عبيد]: حدَّثنيه "حجَّاج"، عن "أبى معشر"، عن "هشام بن عروة" وغيره من "أهل المدينة"، عن "عروة"، عن "عائشة" [﵂]، عن النبىِّ -ﷺ-.
وكان "عيسى بن يونس، يحدِّثه عن "هشام بن عروة"، عن أخيه "عبد الله بن عروة"، عن أبيه، عن "عائشة"، عن النبىِّ -ﷺ-.
قال "أبو عبيد": بلغنى ذلك عن "عيسى بن يونس" -["وحجَّاج"] وقد اختلفا فى حروف لا أقف عليها.
قال "أبو عبيد": سمعت عدَّة من أهل العلم لا أحفظ عددهم يخبر كل واحد منهم ببعض تفسير هذا الحديث، ويزيد بعضهم
[ ٢ / ١٦٣ ]
على بعض، قالوا: قول الأولى: [زوجى] لحم (١٥٧) جمل عثٍّ: تعنى المهزول. على رأس جبل: تصف قلَّة خيره وبعده مع القلَّة، كالشيء فى قلَّة الجبل الصَّعب لا ينال إلِّا بالمشقَّة؛ لقولها:
لا سهل فيرتقى، تعنى الجبل.
ولا سمين فينتقى: يقول: ليس له نقى، وهو المخُّ.
قال "الكسائىُّ": فيه لغتان.
يقال: نقوت العظم، ونقيته: إذا استخرجت النّشقى منه.
قال "الكسائيُّ": وكلُّهم يقول: انتقيته.
ومنه قيل للنَّاقة السَّمينة: منقية.
[ ٢ / ١٦٤ ]
قال "الأعشى" يمدح قومًا:
حاموا على أضيافهم فشووا لهم من لحم منقية ومن أكباد.
ومن رواه: ينتقل، فإنَّه أراد: ليس بسمين، فينتقله النَّاس الى بيوتهم يأكلونه، ولكنَّهم يزهدون فيه.
[ ٢ / ١٦٥ ]
و[أما] قول الثانية: زوجى لا أبثُّ خبره، إنَّى أخاف ألَّا أذره. إن أذكره أذكر عجره وبجره.
فالعجر: أن ينعقد العصب، أو العروق حتى تراها ناتئة من الجسد.
والبجر: نحوها إلَّا أنها فى البطن خاصَّةً، وواحدتها بجرة.
ومنه قيل: رجل أبجر: إذا كان عظيم البطن.
وامرأة بجراء وجمعها بجر.
ويقال: لفلان بجرة.
[ ٢ / ١٦٦ ]
ويقال: رجل أبجر: إذا كان ناتئ السُّرّة عظيمها.
و[أما] قول الثَّالثة: زوجى العشنَّق، إن أنطق أطلَّق، وإن - أسِّكت أعلَّق.
فالعشنَّق: الطَّويل، قاله "الأصمعىُّ".
تقول: ليس عنده أكثر من طوله بلا نفع، فان ذكرت ما فيه من العيوب طلَّقنى، وإن سكتُّ تركنى معلَّقة لا أيِّمًا، ولا ذات بعل.
[ ٢ / ١٦٧ ]
ومنه قول الله [-﵎-]:﴾ فلا تميلوا كلَّ الميل فتذروها كالمعلَّقة ﴿.
وقول الرابعة: زوجى كليل "تهامة" لا حرٌّ ولا قرٌّ، ولا مخافة ولا سآمة.
تقول: ليس عنده أذًى، ولا مكروه.
وإنَّما هذا مثل، لأنَّ الحرَّ والبرد كليهما فيه أذًى إذا اشتدا.
[ ٢ / ١٦٨ ]
ولا مخافة: تقول: ليست عنده غائلة ولا شرٌّ أخافه (١٥٨).
ولا سآمة: تقول: لا يسأمنى فيملَّ صحبتى.
وقول الخامسة: زوجى إن أكل لفَّ، وإن شرب اشتفَّ [ويولج الكفَّ] فإن اللَّفَّ فى المطعم: الإكثار منه مع التخليط من صنوفه حتَّى لا يبقى منه شيئًا.
والاشتفاف فى المشرب: أن يستقصى ما فى الإناء، ولا يسئر فيه سؤرًا.
وإنما أخذ من الشفافة، وهى البقيَّة تبقى فى الإناء من الشراب، فإذا شربها صاحبها، قيل: اشتفَّها، وتشافَّها تشافًّا.
[ ٢ / ١٦٩ ]
قال ذلك "الأصمعىُّ":
[قال]: ويقال فى مثل من الأمثال: "ليس الرىُّ عن التشافِّ".
يقول: ليس من لا يشتفُّ لا يروى، قد يكون الرىُّ دون ذلك.
قال: ويروى عن "جرير بن عبد الله [البجلىِّ] " أنه قال لبنيه: "يا بنىَّ! إذا شربتم فأسئروا".
[ ٢ / ١٧٠ ]
وقال فى حديث آخر: "فإنَّه أجمل".
قال "أبو عبيد": وقولها: ولا يولج الكف ليعلم البث.
قال: فأحسبه كان بجسدها عيب أو داء تكتئب به، لأن البثَّ هو الحزن فكان لا يدخل يده فى ثوبها؛ ليمسَّ ذلك العيب، فيشقَّ عليها، تصفه بالكرم.
[ ٢ / ١٧١ ]
وقول السادسة: زوجى عياياء- أو غياياء- طباقاء.
[ ٢ / ١٧٢ ]
فأما غياياء- بالغين- فليس بشئ.
إنما هو عياياء -بالعين-.
والعياياء من الإبل الَّذى لا يضرب، ولا يلقح.
وكذلك هو فى الرِّجال.
والطباقاء: العيىُّ الأحمق الفدم، ومنه قول "جميل بن معمر" يذكر رجلًا:
طباقاء لم يشهد خصومًا ولم يقد ركابًا إلى أكوارها حين تعكف.
[ ٢ / ١٧٣ ]
وقولها: كلُّ داء له داء: أى كلُّ شئ من أدواء النَّاس، فهو فيه ومن أدوائه.
وقول السابعة: زوجى إن دخل فهد، وإن خرج أسد.
فإنِّها تصفه بكثرة النوم والغفلة فى منزله على وجه المدح له.
وذلك أن الفهد كثير النوم.
[ ٢ / ١٧٤ ]
يقال: "أنوم من فهد".
والذى أرادت [به] أنه ليس يتفقَّد ما ذهب من ماله، ولا يلتفت إلى معايب البيت وما فيه، فهو كأنَّه ساه عن ذلك (١٥٩) ومما يبيِّن ذلك قولها: ولا يسأل عمَّا عهد: تعنى عما كان عندى قبل ذلك.
وقولها: وإن خرج أسد.
تصفه بالشَّجاعة، تقول: إذا خرج إلى البأس ومباشرة الحرب ولقاء العدوِّ أسد فيها.
يقال: قد أسد الرجل واستأسد بمعنى.
[ ٢ / ١٧٥ ]
وقول الثامنة: زوجى المسُّ مسُّ أرنب، والرِّيح ريح زرنب.
فإنَّها تصفه بحسن الخلق، ولين الجانب، كمسِّ الأرنب إذا وضعت يدك على ظهرها.
وقولها: الرِّيح ريح زرنب.
فإن فيه معنيين.
قد يكون أن تريد ريح جسده.
ويكون أن تريد طيب الثناء فى النِّاس وانتشاره فيهم كريح الزَّرنب، وهو نوع من أنواع الطِّيب معروف.
[ ٢ / ١٧٦ ]
قال "أبو عبيد": الثناء والثنا واحد إلَّا أن الثناء ممدود، والثنا مقصور.
وقول التاسعة: زوجى رفيع العماد.
فإنها تصفه بالشرف، وسناء الذِّكر.
قال"أبو عبيد": سنا البرق، وسنا النبت مقصوران، والسناء من الشرف ممدود.
وأصل العماد عماد البيت، وجمعه عمد، وهى العيدان التى تعمد بها البيوت وإنما هذا مثل: تعنى أن بيته رفيع فى قومه.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وأما قولها: طويل النِّجاد.
فإنها تصفه بامتداد القامة.
والنِّجاد: حمائل السيف، فهو يحتاج إلى قدر ذلك من طوله.
وهذا مما تمدح به الشعراء.
قال الشاعر:
قصرت حمائله عليه فقلَّصت ولقد تحفَّظ قينها فأطالها
وأما قولها: عظيم الرماد
فإنها تصفه بالجود وكثرة الضِّيافة من لحم الإبل ومن غيرها من اللحوم، فإذا فعل ذلك عظمت ناره، وكثر وقودها، فيكون الرماد فى الكثرة على قدر ذلك.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وهذا كثير فى أشعارهم.
وقولها: قريب البيت من النادى.
تعنى أنه ينزل بين ظهرانى الناس، ليعلموا مكانه، فينزل به الأضياف، ولا يستبعد منهم، ويتوارى فرارًا من نزول النوائب، والأضياف به.
وهذا المعنى أراد زهير [بن أبى سلمى المزنىُّ] بقوله لرجل يمدحه: (١٦٠).
يسط البيوت لكى يكون مظنَّة من حيث توضع جفنة المسترفد
قوله: يسط [البيوت]: يعنى يتوسط البيوت، ليكون مظنًة: يعنى معلمًا.
[ ٢ / ١٧٩ ]
يقال: فلان مظنَّة لهذا الأمر، أى معلم له.
[قال]: ومنه قول "النابغة":
* فإن مظنَّة الجهل الشَّباب *
ويروى: السِّباب.
وقول العاشرة: زوجى مالك. وما مالك؟ مالك خير من ذلك.
له إبل قليلات المسارح، كثيرات المبارك.
[ ٢ / ١٨٠ ]
تقول: إنه لا يوجهِّهنَّ ليسرحن نهارًا إلَّا قليلًا، ولكنَّهن يبرَّكن بفنائه، فإن نزل به ضيف لم تكن الإبل غائبًة عنه، ولكنها بحضرته، فيقريه من ألبانها ولحومها.
وقولها: إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك.
فالمزهر: العود الذى يضرب به.
قال "الأعشى" يمدح رجلًا:
جالس حوله الندامى فما ينـ فكُّ يؤتى بمزهر مندوف.
[ ٢ / ١٨١ ]
فأرادت المرأة أن زوجها قد عود إبله إذا نزل به الضِّيفان أن ينحر لهم، ويسقيهم الشَّراب، ويأتيهم بالمعازف، فإذا سمعت الإبل ذلك الصَّوت علمن أنَّهن منحورات.
فذلك قولها: أيقنَّ أنَّهنَّ هوالك.
وقول الحادية عشرة: زوجى أبو زرع، وما أبو زرع؟
أناس من حلىٍّ أذنىَّ.
[ ٢ / ١٨٢ ]
تريد حلاَّنى قرطًة وشنوفًا تنوس بأذنىَّ.
والنَّوس: الحركة من كلُّ شئ متدلِّ.
يقال منه: قد ناس ينوس نوسًا.
وأناسه غيره إناسًة.
قال: وأخبرنى "ابن الكلبىِّ" أن "ذا نواس" ملك اليمن
[ ٢ / ١٨٣ ]
إنَّما سمى بهذا لضفيرتين كانتا له تنوسان على عاتقيه.
وقولها: ملأ من شحم عضدىَّ.
لم ترد العضد خاصَّة. إنَّما أرادت الجسد كلَّه.
تقول: إنه أسمننى بإحسانه إلىَّ، فإذا سمنت العضد سمن سائر الجسد.
وقولها: بجَّحنى فبجحت.
أى فرَّحنى ففرحت.
وقد بجح الرَّجل يبجح: إذا فرح. (١٦١).
قال " أبو عبيد" بجح يبجح، وبجح يبجح.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وقال "الرَّاعى":
وما الفقر من أرض العشيرة ساقنا إليك ولكنَّا بقرباك نبجح
وقولها: وجدنى فى أهل غنيمة بشقٍّ. والمحدِّثون يقولون: بشقٍّ تعنى أنَّ أهلها كانوا أصحاب غنم ليسوا بأصحاب خيل ولا إبل.
[ ٢ / ١٨٥ ]
وشقٌّ: موضعٌ.
قالت: فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط، تعنى أنَّه ذهب بى إلى أهله، وهم أهل خيل وإبل، لأن الصَّهيل أصوات الخيل، والأطيط أصوات الإبل.
وقال "الأعشى" فى الأطيط:
ألست منتهيًا عن نحت أثلتنا ولست ضائرها ما أطَّت الإبل
يعنى: حنَّت وصوَّتت.
وقد يكون الأطيط، فى غير الإبل أيضًا.
[ ٢ / ١٨٦ ]
ومنه حديث "عتبة بن غزوان" حين ذكر باب الجنة، فقال: ليأتينَّ عليه زمان وله "أطيط" يعنى الصَّوت بالزَّحام.
وقولها: ودائس ومنقٍّ.
فإنَّ بعض النَّاس يتأوله دياس الطعام.
وأهل الشام يقولون: الدِّراس- بالرَّاء.
يقولون: قد درس الناس طعامهم يدرسونه.
وأهل العراق يقولون [قد] داسوا يدوسون.
[ ٢ / ١٨٧ ]
قال "أبو عبيد": ولا أظن واحدًة من هاتين الكلمتين من كلام العرب ولا أدرى ما هو.
فإن كان كما قيل: فإنَّها أرادت أنهم أصحاب زرع.
وهذا أشبه بكلام العرب.
وأما قول المحدِّثين: منقٌّ. فلا أدرى ما معناه.
ولكنِّى أحسبه منقّ.
[ ٢ / ١٨٨ ]
فإن كان هذا [هكذا]، فإنها أرادته من تنقية الطعام.
أى دائس للطعام، ومنقٍّ له.
وقولها: عنده أقول فلا أقبَّح، وأشرب فأتقمح.
تقول: لا يقبح علىَّ قولى [بل] يقبل منِّى.
وأما التقمُّح فى الشَّراب، فإنه مأخوذ من النَّاقة المقامح.
قال "الأصمعىُّ": هى الُّتى ترد الحوض فلا تشرب.
قال" أبو عبيد": فأحسب قولها: فأتقمَّح: أى أروى حتَّى أدع الشُّرب من شدة الرِّىِّ.
[ ٢ / ١٨٩ ]
قال "أبو عبيد": ولا أراها قالت هذا، إلا من عزة الماء عندهم.
وكلُّ رافع رأسه، فهو مقامح وقامح.
وجمعه قماح.
قال "بشر بن أبى خازم" يذكر سفينًة كان فيها (١٦٢):
ونحن على جوانبها قعود نغضُّ الطَّرف كالإبل القماح.
فإن فعل ذلك بإنسان فهو مقمح.
وهو فى التَّنزيل: ﴿إلى الأذقان فهم مقمحون﴾.
[ ٢ / ١٩٠ ]
وبعض النَّاس يروى هذا الحرف: أشرب فأتقنَّح [بالنون] ولا أعرف هذا الحرف، ولا أرى المحفوظ إلَّا بالميم.
وقولها: أمُّ "أبى زرع"، فما أمُّ "أبى زرع"؟ عكومها رداح.
[ ٢ / ١٩١ ]
فالعكوم: الأحمال والأعدال الَّتى فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع، واحدها عكم.
وقولها: رداح.
تقول: هى عظام كثيرة الحشو.
ومنه قيل للكتيبة إذا عظمت: رداح، قال "لبيد":
وأبِّنَّا ملاعب الرِّماح ومدره الكتيبة الرَّداح
[ ٢ / ١٩٢ ]
[قال "أبو عبيد": وأبِّنا: يأمر ابنتيه بالبكاء على أبى براء عمِّه، والتأبين المدح بعد الموت، ولا يكون للحىِّ تأبين].
ومن هذا قيل للمرأة رداح: إذا كانت عظيمة الأكفال.
وقولها: ابن "أبى زرع"، وما ابن "أبى زرع"؟ كمسلِّ شطبة.
[ ٢ / ١٩٣ ]
فإن الشَّطبة أصلها ما شطب من جريد النخل، وهو سعفه، وذلك أنه يشقَّق منه قبضان دقاق تنسج منه الحصر.
يقال منه للمرأة التى تفعل ذلك: شاطبة، وجمعها شواطب.
قال"قيس بن الخطيم [الأنصارى] ":
ترى قصد المرَّان يلقى كأنه تذرُّع خرصان بأيدى الشواطب.
[ ٢ / ١٩٤ ]
فأخبرت المرأة انه مهفف، ضرب اللحم. شبهته بتلك الشطبة.
وهذا مما يمدح به الرجل
وقولها: وتكفيه ذراع الجفرة.
فإنَّ الجفرة: الأنثى من أولاد الغنم، والذَّكر جفر
ومنه قول "عمر -﵁-" فى اليربوع يصيبها
[ ٢ / ١٩٥ ]
المحرم جفرة" والعرب تمدح الرجل بقلة الطُّعم والشُّرب.
ألا تسمع قول "أعشى باهلة":
تكفيه حزة فلذ إن ألمَّ بها من الشِّواء ويروى شربه الغمر
وقولها: جارية "أبى زرع"، وما جارية "أبى زرع"؟ لا تبث حديثنا تبثيثا.
[ ٢ / ١٩٦ ]
وبعضهم يرويه: لا تنثَّ حديثنا تنثيثًا (١٦٣) وأحدهما قريب المعنى من الآخر، أى لا تظهر سرَّنا.
وقولها: لا تنقل ميرتنا تنقيثًا.
تعنى الطَّعام لا تأخذه، فتذهب به، تصفها بالأمانة.
والتَّنقيث: الإسراع فى السير.
قال "الفراء": يقال: خرج فلان ينتقث: إذا أسرع فى سيره
وقولها: خرج "أبو زرع" والأوطاب تمخض.
فالأوطاب: أسقية اللبن، واحدها وطب.
[ ٢ / ١٩٧ ]
قال: فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين.
تعنى أنها ذات كفل عظيم، فإذا استلقت نتأ الكفل بها عن الأرض حتى تصير تحتها فجوة يجرى فيها الرُّمان.
[قال "أبو عبيد"]: وبعض الناس يذهب بالرُّمانتين إلا أنهما الثديان.
[ ٢ / ١٩٨ ]
وليس هذا بموضعه.
قال: فطلقنى، ونكحها.
ونكحت بعده رجلا سريًّا، ركب شريًّا.
تعنى الفرس أنه يستشرى فى سيره، تعنى [أنه] يلجُّ ويمضى [فيه] بلا فتور ولا انكسار.
ومن هذا قيل للرَّجل إذا لجَّ فى الأمر: قد شرى فيه، واستشرى فيه.
وقولها: أخذ خطِّيًّا.
تعنى الرُّمح، سمِّى خطِّيًّا، لأنه يأتى من بلاد ناحية البحرين، يقال لها: الخطُّ، فنسبت الرماح إليها.
[ ٢ / ١٩٩ ]
وإنما أصل الرِّماح من الهند، ولكنها تحمل إلى الخطِّ فى البحر، ثم تفرّق منها فى البلاد.
وقولها: نعمًا ثريًّا.
تعنى الإبل، والثرىُّ: الكثير من المال وغيره.
قال" الكسائىُّ": يقال: قد ثرى بنو فلان بنى فلان يثرونهم إذا كثروهم، فكانوا أكثر منهم.
١٨٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىَّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٢٠٠ ]
" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه".
[ ٢ / ٢٠١ ]
قال: حدَّثنيه "شبابة" عن "ورقاء بن عمر" عن "أبى الزِّناد" عن "الأعرج" عن "أبى هريرة" عن النبىِّ ﷺ.
وهذا الحديث يحمله أكثر الناس على كراهة الموت، ولو كان الأمر هكذا (١٦٤) لكان ضيِّقًا شديدًا، لأنَّه بلغنا عن غير واحد من الأنبياء [-﵈-] أنَّه كرهه حين نزل به.
وكذلك كثير من الصَّالحين.
وليس وجهه عندى أن يكون يكره علز الموت وشدَّته، هذا لا يكاد يخلو منه أحد، ولكنَّ المكروه من ذلك الإيثار للدُّنيا، والرُّكون إليها، والكراهة أن يصير لى الله [-﷿-]، وإلى الدار الآخرة،
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ويؤثر المقام فى الدُّنيا.
وممَّا يبيِّن ذلك أنَّ الله- جلَّ ثناوه- قد عاب قومًا فى كتابه بحبِّ الحياة [الدُّنيا]، فقال [-سبحانه-]: "إنَّ الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدُّنيا واطمأنُّوا بها".
وقال [-﷿-]: ﴿ولتجدنَّهم أحرص النَّاس على حياة ومن الَّذين أشركوا يودُّ أحدهم لو يعمَّر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب﴾.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
وقال [-سبحانه-]: "ولا يتمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم".
فى آى كثير.
فهذا الدَّليل على أنَّ الكراهة- للقاء الله﵎- ليس بكراهة الموت، إنما هو الكراهة للنُّقلة عن الدُّنيا إلى الآخرة، ومخافة العقوبة لما قدَّمت أيديهم.
وقد جاء بيان ذلك فى حديث.
قال: حدَّثنى "يحيى بن سعيد" عن "زكريَّاء" قال: حدَّثنا- "عامر" عن "شريح بن هانئ" عن "عائشة" [-﵂-] قالت:
[ ٢ / ٢٠٤ ]
قال رسول الله [-ﷺ-]:
"من أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، والموت دون لقاء الله".
قال "أبو عبيد": أفلا ترى أنَّ الموت غير اللقاء.
وإنَّما وقعت الكراهة على اللِّقاء دون الموت.
وقد روى فى حديث آخر أنَّه قيل له: كلُّنا نكره الموت، فقال: "إنَّه إذا كان ذلك كشف له".
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وهذا شبيه بذلك المعنى أيضًا.
١٩٠ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّﷺ-: "أنه أتى بلبن إبل أوارك وهو "بعرفة"، فشرب منه".
أتاه به "العباس [بن عبد المطَّلب] "- ﵁.
قال: حدَّثناه "هشيم" عن "أبى بشر" عن "عكرمة".
[قال: وحدَّثناه] "ابن عليَّة" عن "أيُّوب" عن "عكرمة" عن "ابن عباس" (١٦٥) إلَّا أنه قال: أرسلت به "أمُ الفضل".
[ ٢ / ٢٠٦ ]
قال "الكسائيُّ" وغيره: قوله: الأوارك: هى الإبل المقيمة فى
الأراك تأكله.
يقال منه: قد أركت تأرك وتأرك أروكًا: إذا أقامت فيه.
وهى إبل آركة مثال فاعلة، وجمعها أوارك.
قال: الكسائىُّ": فإن اشتكت بطونها عنه، قيل: هى إبل أراكى.
فإن كان ذلك من الرِّمث، قيل: رماثى.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وإن كان من الطَّلح، قيل: طلاحى.
وفى هذا الحديث من الفقه أنهم [إنما] أرادوا أن يعرفوا:
أصائم رسول الله [-ﷺ-] بعرفة، أم غير صائم؟ .
لأن الصوم هنا يكره لأهل "عرفة خاصًة، مخافة أن يضعفهم عن الدُّعاء.
ومَّما يبيِّن ذلك حديث "ابن عمر"- رحمة الله عليه.
قال: حدَّثناه "ابن عليَّة" عن "ابن أبى نجيح" عن "أبيه" قال: سئل "ابن عمر" عن صوم [يوم]، "عرفة"؟ فقال:
[ ٢ / ٢٠٨ ]
حججت مع رسول الله [-ﷺ-] فلم يصمه، ومع "أبى بكر" فلم يصمه، ومع "عمر" فلم يصمه، ومع "عثمان" فلم يصمه.
وانا لا أصومه، ولا آمر بصيامه، ولا أنهى عنه.
١٩١ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىﷺ-: أنَّه سئل: أىُّ الصُّوم أفضل بعد شهر رمضان؟
فقال: "شهر الله المحرَّم".
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قال: حدَّثناه "هشيم"، عن "منصور" عن " الحسن" يرفع الحديث.
قوله: شهر الله المحرَّم، أراه قد نسبه إلى الله ﵎- قد علمنا أنَّ الشُّهور كلَّها لله- جل ثناوه-، ولكنَّه إنَّما ينسب إليه﵎- كلُّ شئ يعظَّم
[ ٢ / ٢١٠ ]
ويشرَّف.
وكان "سفيان بن عيينة" يقول: إنَّ قول اله﵎-:﴾ واعلموا أنَّما غنمتم من شئ فأنَّ الله خمسه ﴿.
وقوله [-﷿-]:﴾ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللِّه وللرَّسول ﴿فنسب المغنم والفئ إلى نفسه، وذلك أنَّهما أشرف الكسب، إنَّما هما بمجاهدة العدوِّ.
[ ٢ / ٢١١ ]
ولم يذكر ذلك عند الصَّدقة فى قوله:﴾ إنما الصدقات للفقراء والمساكين ﴿. ولم يقل: لله وللفقراء، لأنَّ الصَّدقة أوساخ النَّاس، واكتسابها مكروه إلَّا للمضطرِّ إليها.
قال "أبو عبيد": فكذلك قوله: "شهر الله المحرَّم" إنما هو على جهة التَّعظيم له، وذلك لأنَّه جعله حرامًا (١٦٦) لا يحلُّ فيه قتال، ولا سفك دم.
وفى بعض الحديث: "شهر الله الأصمُّ".
[ ٢ / ٢١٢ ]
ويقال: إنَّما سماه الأصمَّ، لأنه حرَّمه، فلا يسمع فيه قعقعة سلاح، ولا حركة قتال، وقد حرَّم غيره من الشُّهور، وهو ذى القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجب.
ولم يذكر فى هذا الحديث غير المحرم.
وذلك فيما نرى- والله أعلم- لأن فيه يوم عاشوراء. ففضَّله بذلك على ذى القعدة ورجب، وأما ذو الحجَّة، فنرى أنه إنما ترك ذكره عند الصِّيام، لأن فيه العيد، وأيام التشريق.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وأمَّا الحديث الآخر فى ذكر الأشهر الحرم، فقال: "ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان".
فإنَّما سمَّاه "مضر"، لأن "مضر" كانت تعظِّمه وتحرِّمه، ولم يكن يستحلُّه أحد من العرب إلا حيَّان: "خثعم، وطييء" فإنَّهما كانا يستحلَّان الشُّهور. فكان الذين ينسأون الشُّهور أيام الموسم يقولون: حرَّمنا عليكم القتال فى هذه الشُّهور إلَّا دماء المحلِّين، فكانت العرب تستحلُّ دماءهم خاصًة فى هذه الشُّهور لذلك.
١٩٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٢١٤ ]
"أنَّه نهى عن جداد اللَّيل، وعن حصاد الليل".
[ويروى: جذاذ]:
قال: حدَّ ثنيه "الفزارىُّ مروان بن معاوية" و"يحيى بن سعيد" كلاهما عن "جعفر بن محمد" عن "أبيه" عن "علىِّ بن حسين" [-﵀-] يرفعه.
[ ٢ / ٢١٥ ]
قوله: "نهى عن جداد اللَّيل"، يعنى أن يجدَّ النخل ليلًا والجدد: الصرام.
يقال: إنَّه إنما نهى عن ذلك ليلًا لمكان المساكين أنهم كانوا يحضرونه، فيتصدَّق عليهم منه لقوله [-﵎-]: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. فإذا فعل ذلك ليلًا، فإنما هو فارٌّ من الصدقة، فنهى عنه لهذا.
ويقال: بل نهى لمكان الهوامِّ ألَّا تصيب النَّاس إذا حصدوا- أو جدوا ليلا. والقول الأول أعجب إلىَّ، ولله أعلم.
١٩٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّﷺ-: الذى يحدِّثه عنه "البراء بن عازب"- ﵀- قال: " كنا إذا
[ ٢ / ٢١٦ ]
صلينا معه [-ﷺ-] فرفع رأسه من الرُّكوع، قمنا خلفه صفونًا، فإذا سجد تبعناه".
قال: حدَّثناه "هشيم" قال: أخبرنا "العوام بن حوشب"، عن "عذرة بن الحارث" عن "البراء".
قوله: صفونًا، يفسَّر الصَّافن تفسيرين.
فبعض النَّاس (١٦٧) يقول: كلُّ صافٍّ قدميه قائمًا فهو صافن.
ومَّما يحقِّق ذلك حديث "عكرمة.
[ ٢ / ٢١٧ ]
قال: حدَّثناه "عبد الرحمن بن مهدى" عن "إسماعيل بن مسلم العبدىِّ" عن "مالك بن دينار" قال: رأيت "عكرمة" يصلِّى، وقد صفن بين قدميه، واضعًا إحدى يديه على الأخرى.
والقول الآخر: أن الصافن من الخيل الذى قد قلب أحد حوافره، وقام على ثلاث قوائم.
وممَّا يحقِّق ذلك قوله [- سبحانه-]:﴾ فاذكروا اسم الله عليها صوافن ﴿، هكذا هى فى قراءة "ابن عباس" - ﵀- وفسَّرها: معقولة إحدى يديها على ثلاث قوائم.
[ ٢ / ٢١٨ ]
قال: حدَّثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "أبى ظبيان" عن "ابن عباس".
قال: وحدَّثنى "كثير بن هشام" عن "جعفر بن برقان" عن "ميمون بن مهران" قال فى قراءة "ابن مسعود" "صوافن" قال: يعنى قيامًا.
قال" أبو عبيد": فقد اجتمعت قراءة "ابن عباس" و"ابن مسعود" على "صوافن".
قال: وحدَّثنى "ابن مهدىٍّ" عن "سفيان" عن "منصور" عن مجاهد قال: من قرأها "صوافن" أراد: معقولًة.
ومن قرأها "صوافَّ" أراد: أنَّها قد صفَّت يديها.
وكلاهما له معنًى.
[ ٢ / ٢١٩ ]
وقد روى عن "الحسن" غير هاتين القراءتين.
قال: حدَّثنا "هشيم" عن "منصور" عن "الحسن" أنه قرأ: "صوافى" [-غير منوّن بالياء-]، وقال: خالصة لله.
[قال "أبو عبيد]: كأنه يذهب إلى جمع صافية.
١٩٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-: "تخيَّروا لنطفكم".
[ ٢ / ٢٢٠ ]
قال: حدَّثناه "أبو معاوية" عن "المختار بن منيح الثَّقفىِّ" عن "قتادة" عن "عروة" رفعة.
قوله: "تخيَّروا لنطفكم" يقول: لا تجعلوا نطفكم إلَّا فى طهارة.
[إلَّا] ألَّا تكون الأم- يعنى أمَّ الولد- لغير رشدة، أو أن تكون فى نفسها كذلك.
ومنه الحديث الآخر: "أنَّه كره أن يسترضع بلبن الفاجرة".
وممَّا يحقِّق ذلك حديث "عمر بن الخطّاب" - ﵁-: "أنَّ اللَّبن يشبَّه عليه".
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقد روى ذلك عن (١٦٨) "عمر بن عبد العزيز" أيضًا.
فإذا كان ذلك يتَّقى فى الرَّضاع من غير قرابة ولا نسب، فهو فى القرابة أشدُّ وأوكد.
١٩٥ - وقال"أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-: "لا تعضية فى ميراث إلَّا فيما حمل القسم".
قال: حدَّثنيه "حجَّاج" عن "ابن جزيج" عن "صديق ابن موسى" عن "محمَّد بن أبى بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم" عن أبيه، رفعه.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
قوله: "لا تعضيه فى ميراث": يعنى أن يموت المِّيت، ويدع شيئًا إن قسم بين ورثته إذا أراد بعضهم القسمة كان فى ذلك ضرر عليهم، أو على بعضهم.
يقول: فلا يقسم.
والتعضية: التفريق، وهو مأخوذ من الأعضاء.
يقال: عضَّيت اللَّحم: إذا فرَّقته.
ويروى عن "ابن عبَّاس"- ﵄- فى قوله [-﷿-]:﴾ الَّذين جعلوا القرآن عضين ﴿.
قال: آمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وهذا من التعضية أيضًا، أنهم فرَّقوه.
والَّشئ الذى لا يحتمل القسم مثل الحبَّة من الجوهر، أنها إن فرِّقت، لم ينتفع بها، وكذلك الحمَّام يقسم، وكذلك الطيلسان من الثِّياب، وما أشبه ذلك من الأشياء.
وهذا باب جسيم من الحكم.
ويدخل فيه الحديث الآخر:
"لا ضرر ولا ضرار فى الإسلام".
فإن أراد بعض الورثة قسم ذلك دون بعض، لم يجب إليه، ولكنِّه يباع، ثمَّ يقسم ثمنه بينهم.
١٩٦ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-:
[ ٢ / ٢٢٤ ]
"إن العرش على منكب "إسرافيل" وإنَّه ليتواضع لله حتى يصير مثل الوصع".
قال: حدَّثنيه "أحمد بن عثمان" عن "ابن المنذر" عن "عبد الله ابن المبارك" عن "اللَّيث بن سعد" عن "عقيل" عن "ابن شهاب الزُّهرىِّ" يرفعه.
يقال فى الوصع: إنه الصَّغير من أولاد العصافير.
ويقال: هو طائر شبيه بالعصفور الصَّغير فى صغر جسمه.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
١٩٧ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-: حين سأله أبو رزين العقيلىُّ (١٦٩):
أين كان ربُّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟
فقال: "كان فى عماء، تحته هواء، وفوقه هواء".
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قال: حدثناه "يعقوب بن إسحاق الفارسىُّ" وغيره عن "حمَّاد ابن سلمة" عن "يعلى بن عطاء" عن "وكيع بن حدس".
وكان "هشيم" يقول فى غير هذا الحديث: "عدس" [لهذا الرَّجل] عن عمِّه "أبى رزين [العقيلى] " عن النَّبىِّﷺ-:
قوله: "فى عماء"، العماء فى كلام العرب: السَّحاب الأبيض.
قاله "الأصمعىُّ" وغيره، وهو ممدود. د
وقال "الحارث بن حلِّزة [البشكرىُّ] ":
وكأنَّ المنون تردى بنا أعـ صم صمٍّ ينجاب عنه العماء.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
يقول: هو فى ارتفاعه قد بلغ السَّحاب، فالسَّحاب ينشقُّ عنه.
وقوله: أعصم، يقول: نحن عصم فى عزِّنا، وامتناعنا مثل الأعصم، من أرادنا بالمنون، فكأنَّما يريد أعصم.
وقال "زهير" يذكر ظباء أو بقرا:
يشمن بروقه وبرُّش أرى الـ ـجنوب على حواجبها العماء.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
وإنَّما تأوَّلنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عندهم، ولا ندرى كيف كان ذلك العماء، وما مبلغه، والله أعلم بذلك.
وأمَّا العمى فى البصر، فإنَّه مقصور، وليس هو من معنى الحديث فى شئ.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
١٩٨ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ- صلَّى الله عليه سلم-: أن رجلًا حلب عنده ناقًة.
فقال له النَّبىُّﷺ-: "دع داعى اللَّبن".
قال: حدثناه "أبو المنذر إسماعيل بن عمر" عن "سفيان" عن "الأعمش" عن "عبد الله بن سنان" عن "ضرار بن الأزور" عن النَّبىِّﷺ-:
قوله: "دع داعى اللَّبن"، يقول: أبق فى الضَّرع قليلًا، لا تستوعبه
[ ٢ / ٢٣٠ ]
كلَّه فى الحلب، فإنَّ الذى تبقيه فيه يدعو ما فوقه من اللَّبن، فينزله.
وإذا استنفض كلُّ ما فى الضَّرع أبطا عنه الدَّرُّ بعد ذلك.
١٩٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-: "لا تناجشوا، ولا تدابروا".
[ ٢ / ٢٣١ ]
قال: حدَّثناه "هشيم" عن "مغيرة" عن "إبراهيم" عن "أبى هريرة" عن النبىِّ- (١٧٠) ﷺ-:
قوله: "لا تناجشوا": هو فى البيع أن يزيد الرجل فى ثمن السلعة و[هو] لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد لزيادته.
وهو الذَّى يروى فيه عن "عبد الله بن أبى أوفى" قال: "الناجش آكل ربًا خائن"، وأما التَّدابر: فالمصارمة والهجران مأخوذ من أن يولِّى الرَّجل صاحبه دبره، ويعرض عنه بوجهه، وهو التقاطع.
قال" حمرَّة بن مالك الصُّدائىُّ" يعاتب قومه:
أأوصى أبو قيس بأن يتواصلوا وأوصى أبوكم ويحكم أن تدابروا
[ ٢ / ٢٣٢ ]
٢٠٠ - وقال" أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
أنه قال: "لا تماروا فى القرآن فإن مراءً فيه كفر".
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "يزيد بن خصيفة" عن "مسلم بن سعيد مولى بن الحضرمِّى".
وقال غيره: عن "يسر بن سعيد" عن "أبى جهيم الأنصارىِّ" عن النَّبىِّﷺ-:
قال: وحدثناه" يزيد بن هارون" عن "زكريَّا بن أبى زائدة" عن "سعد بن إبراهيم" عن "أبى سلمة" عن "أبى هريرة" عن النَّبىِّﷺ-:
قال "أبو عبيد": ليس وجه هذا الحديث عندنا على الاختلاف فى
التأويل، ولكنه عندنا على الاختلاف فى اللَّفظ، أن يقرأ الرَّجل القراءة على حرف، فيقول له الآخر: ليس هو هكذا، ولكنَّه هكذا على خلافه.
وقد أنزلهما الله جميعًا.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
يعلم ذلك بحديث النَّبىِّﷺ-: "أن القرآن نزل على سبعة أحرف كلُّ حرف منها شاف كاف".
ومنه حديث "عبد الله بن مسعود": "إياكم والاختلاف والتنطع
[ ٢ / ٢٣٥ ]
فإنَّما هو كقول أحدكم: هلمَّ، وتعال".
فإذا جحد هذان الرَّجلان كلُّ منهما، ما قرأ صاحبه، لم يؤمن أن يكون ذلك قد أخرجه الى الكفر لهذا المعنى.
ومنه حديث "عمر" -﵁-:
قال: حدثناه "معاذ [ين معاذ] " عن [ابن عون] عن "أبى عمران الجونىَّ" عن "عبد الله بن الصامت" عن "عمر"، قال: "اقرءوا القرآن ما اتَّفقتم، فإذا اختلفتم، فقوموا عنه".
[ ٢ / ٢٣٦ ]
قال: وحدَّثنا "حجَّاج" عن "حماد بن (١٧١) زيد" عن "أبى عمران الجونىِّ" عن "جندب بن عبد الله" أنَّه قال مثل ذلك.
ومنه حديث "أبى العالية":
قال: حدَّثنا "ابن عليَّة" عن "شعيب بن الحبحاب" عن "أبى العالية الرَّياحىِّ" أنَّه كان إذا قرأ عنده إنسان، لم يقل: ليس هو هكذا.
ولكن يقول: أمَّا أنا فأقرأ هكذا.
قال: "شعيب"، فذكرت ذلك "لإبراهيم" فقال: أرى
[ ٢ / ٢٣٧ ]
صاحبك قد سمع أنَّه من كفر بحرف منه فقد كفر به كلِّه.
٢٠١ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-: أنه قال: "ما نزل من القرآن آية إلَّا لها ظهر وبطن، وكل حرف حدٌّ، وكل حدٍّ مطلع".
قال: حدَّثنيه "حجَّاج" عن "حمَّاد بن سلمة" عن "علىِّ بن زيد"
[ ٢ / ٢٣٨ ]
عن "الحسن"، يرفعه إلى النِّبىَّﷺ-:
قال: فقلت: "يابا سعيد"، ما المطَّلع؟
قال: يطَّلع قوم يعملون به.
قال "أبو عبيد": فأحسب قول "الحسن هذا، إنما ذهب به إلى قول "عبد الله بن مسعود" فيه.
قال: حدثنى "حجاج" عن "شعبة" عن "عمرو بن مرَّة" عن "مرَّة" عن "عبد الله" قال: "ما من حرف- أو قال: آية- إلَّا قد عمل بها قوم، أولها قوم سيعلمون بها".
فإن كان "الحسن" ذهب إلى هذا فهو وجه.
وإلَّا فإن المطَّلع فى كلام العرب على غير هذا الوجه.
وقد فسرناه فى موضع آخر، وهو المأتى الذى يؤتى
[ ٢ / ٢٣٩ ]
منه حتى يعلم علم القرآن من ذلك المأتى والمصعد.
وأمَّا قوله: "لها ظهر وبطن".
فإنَّ النَّاس قد اختلفوا فى تأويله.
فيروى عن "الحسن" أنَّه سئل عن ذلك، فقال: "إنَّ العرب تقول: قد قلَّبت أمرى ظهرًا لبطن.
وقال غيره: الظهر: هو لفظ القرآن، والبطن: تأويله.
وفيه قول ثالث، وهو عندى أشبه الأقاويل بالصواب.
وذلك أنَّ الله﵎- قد قصَّ عليك من نبإ "عاد" و"ثمود" وغيرهما من القرون الظَّالمة لأنفسها، فأخبر بذنوبهم،
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وما عاقبهم بها، فهذا هو الظَّهر. إنَّما هو حديث حدَّثك به عن قوم، فهو فى الظَّاهر خبر.
وأمَّا الباطن منه، فإنَّه صيَّر ذلك الخبر عظًة لك، وتحذيرًا وتنبيهًا أن تفعل فعلهم، فيحل بك ما حل بهم من عقوبته، ألا ترى أنه لما أخبرك عن قوم "لوط" وفعلهم، وما أنزل بهم إن فى ذلك ما يبيِّن (١٧٢) أنَّ من صنع ذلك عوقب بمثل عقوبتهم.
وهذا كرجل قال لك: إنَّ السُّلطان أتى بقوم قتلوا، فقتلهم، وآخرين شربوا الخمر فجلدهم، وآخرين سرقوا، فقطعهم.
فهذا فى الظاهر إنما هو حديث حدثك به. وفى الباطن أنه قد وعظك بذلك، وأخبرك أنه يفعل ذلك بمن أذنب تلك الذُّنوب.
فهذا هو البطن على ما يقال، والله أعلم.
[ ٢ / ٢٤١ ]
٢٠٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّﷺ-:
"إذا تمنَّى أحدكم فليكثر فإنَّما يسأل ربَّه".
قال: حدثناه "يحى بن سعيد" عن "هشام بن عروة" عن "أبيه" عن "عائشة" [﵂] عن النبىِّﷺ-:
[ ٢ / ٢٤٢ ]
قال "أبو عبيد": وقد جاء فى هذا الحديث الرُّخصة عن النبىِّ -ﷺ- فى التمنِّى، وهو فى التنزيل نهى، قال الله -﵎-: "ولا تتمنَّوا ما فضَّل الله به بعضكم على بعض".
ولكلٍّ وجه غير وجه صاحبه.
فأمَّا التَّمنِّى المنهىُّ عنه، فأن يتمنَّى الرَّجل مال غيره أن يكون ذلك له، ويكون ذاك خارجًا منه على جهة الحسد من هذا له، والبغى عليه.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وقد روى فى بعض الحديث ما يبيِّن هذا.
قال: حدثنى "كثير بن هشام" عن "جعفر بن برقان" عن "ميمون بن مهران" قال: مكتوب فى الحكمة، أو قال: فيما أنزل الله [﷿] على "موسى" [﵇]: "ألَّا تتمنى مال جارك، ولا امرأة جارك".
فهذا المكروه الذى فسرناه.
وأما المباح، فأن يسأل الرجل ربَّ أمنيَّته من أمر دنياه وآخرته.
قال "أبو عبيد": فجعل التمنَّى هاهنا المسألة، وهى الأمنية التى
[ ٢ / ٢٤٤ ]
أذن فيها، لأن القائل إذا قال: ليت الله يرزقنى كذا وكذا، فقد تمنَّى ذلك الشَّئ أن يكون له، ألا تراه يقول﵎-: ﴿واسألوا الله من فضله﴾.
وهو تأويل الحديث الذى فيه الرُّخصة.
٢٠٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّﷺ-: "أنَّ عمَّ الرَّجل صنو أبيه".
[ ٢ / ٢٤٥ ]
يعنى أن أصلهما واحد.
وأصل الصِّنو، إنما هو فى النخل.
قال: حدثنا "شريك" عن "أبى إسحاق" عن "البراء بن عازب"
[ ٢ / ٢٤٦ ]
فى قوله [سبحانه]:﴾ صنوان (١٧٣) وغير صنوان ﴿
قال: الصِّنوان: المجتمع، وغير الصِّنوان: المتفرِّق.
وفى غير هذا الحديث هما النخلتان يخرجان من أصل واحد، فشبِّه الأخوان بهما.
والعرب تجمع الصِّنو صنوانًا، والقنو قنوانًا على لفظ الاثنين بالرفع، وإنما يفترقان فى الإعراب، لأن نون الاثنين
[ ٢ / ٢٤٧ ]
مخفوضة، ونون الجميع يلزمها الإعراب فى كلِّ وجه.
٢٠٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّﷺ-:
"الزُّبير ابن عمَّتى، وحوارىَّ من أمَّتى".
[ ٢ / ٢٤٨ ]
قال: حدَّثناه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن "محمد ابن المنكدر" عن "جابر [بن عبد الله] " عن النبىِّ [- ﷺ-]:
يقال- والله أعلم-: إن أصل هذا إنما كان بدؤه من الحواريِّين أصحاب "عيسى بن مريم" [صلوات الله عليه وعلى نبيِّنا]
وإنما سمُّوا حواريِّين، لأنهم كانوا يغسلون الثياب. يحوِّرونها، وهو التبييض.
يقال: حوَّرت الشيء: [إذا] بيَّضته.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
ومنه قيل: امرأة حوارية: إذا كانت بيضاء، قال الشاعر:
فقل للحواريَّات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلَّا الكلاب النوابح
قال وكان "أبو عبيدة" يذهب بالحواريَّات إلى نساء الأمصار دون أهل البوادى.
وهذا عندى يرجع إلى ذلك المعنى، لأنَّ عند هؤلاء من البياض ما ليس عند أولئك، فسماهن حواريات لهذا.
فلما كان "عيسى ابن مريم".
[ ٢ / ٢٥٠ ]
ﷺ- نصره هؤلاء الحواريُّون، فكانوا شيعته، وأنصاره دون الناس، فقيل: فعل الحواريُّون كذا، ونصره الحواريُّون بكذا، جرى هذا على ألسنة الناس حتى صار مثلًا لكلِّ ناصر، فقيل: حوارىُّ، إذا كان مبالغا فى نصرته تشبيهًا بأولئك.
هذا كما بلغنا- والله أعلم.
وهذا مَّما قلت لك: إنهم يحوِّلون اسم الشئ إلى غيره إذا كان من سببه.
٢٠٥ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّﷺ-:
"لا يموت لمؤمن ثلاثة أود (١٧٤) فتمسُّه النار إلَّا تحلَّة
[ ٢ / ٢٥١ ]
القسم".
قال: حدثنيه "أبو النضر" عن "عبد العزيز بن عبد الله ابن أبى سلمة" عن "الزُّهرى" عن "ابن المسيَّب" عن "أبى هريرة"
[ ٢ / ٢٥٢ ]
عن النبىَّ -صلَّى الله عليه وسلّ! م-:
قال: نرى أن قوله: "تحلَّة القسم"، يعنى قول الله﵎-:
﴾ وإن منكم إلَّا واردها كان على ربِّك حتمًا مقضيًّا ﴿.
يقول: فلا تردها إلَّا بقدر ما يبرُّ الله قسمه فيه.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وفى هذا باب من العلم، أنَّه أصل للرَّجل يحلف ليفعلنَّ كذا وكذا، ثمَّ يفعل منه شيئًا دون شيء، ليبرَّ فى يمينه، كالرَّجل يحلف ليضربنَّ مملوكه، فيضربه ضربًا دون ضرب، فيكون قد برَّ فى القليل كما يبرُّ فى الكثير.
ومنه ما قصَّ الله- تعالى- من نبإ "أيوب" [-﵇-] حين حلف ليضربنَّ امرأته مائًة، فأمره الله [-﷿-] بالضِّغث ولم يكن "أيوب"- صلَّى الله عليه- نواه حين حلف.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
٢٠٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-: "إن أنجع الأسماء عند الله أن يتسمّى الرجل باسم ملك الأملاك".
[ ٢ / ٢٥٥ ]
هو من حديث "ابن أبى الزّناد" أو غيره، عن "أبى الزّناد" عن الأعرج، عن "أبى هريرة" عن النبي -ﷺ-.
وبعضهم يرويه: "إنّ أخنع الأسماء".
فمن رواه "أنخع" أراد أقتل الأسماء وأهلكها له.
والنخع: هو القتل الشّديد.
ومنه النخع في الذّبيحة: أن يجوز بالذبح إلى النّخاع.
ومن روى: "أخنع" أراد أشد الأسماء ذّ، وأوضعها عند الله [-تعالى-] إذ تسمى باسم ملك الأملاك، فوضعه ذلك عند الله.
والخانع: الذليل الخاضع.
وكان "سفيان بن عيينة" يفسر قوله: "ملك الأملاك".
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قال: هو مثل قولهم شاهان شاه، وما أشبهه، أى أنه ملك الملوك.
وقال غير "سفيان": بل هو أن يتسمّى الرجل بأسماء الله [-﷿-]، كقوله: الرحمان، والجبار، والعزيز
قال: فالله [-﷿-] هو ملك الأملاك، لا يجوز أن يسمّى بهذا الاسم غيره. وكلا القولين له وجه، والله أعلم.
٢٠٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-: "إذا مرّ أحدكم بطربالٍ مائل، فليسرع المشى".
[ ٢ / ٢٥٧ ]
يروى هذا عن "حمّاد بن سلمة" عن "حبيب" عن "يحي ابن أبى كثير" (١٧٥) يرفعه.
قوله: "الطّربال": كان "أبو عبيدة" يقول: هو شبيه بالمنظر من مناظر العجم كهيئة الصومعة، والبناء المرتفع،
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وقال "جرير":
ألوى بها شذب العروق مشذّب فكأنما وكنت على طربال
يقال منه: وكن يكن: إذا جلس.
٢٠٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبيّ -ﷺ-: إنه كان يقول في مرضه: "الصلاة وما ملكت أيمانكم".
فجعل يتكلم، وما يفيص بها لسانه.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
قال: حدّثناه "يزيد" عن "همّام" عن "قتادة" عن "صالح أبى الخليل" عن "سفينة" عن "أمّ سلمة" عن النّبيّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قوله: وما يفي صبها لسانه، يقول: ما يبين بها كلامه.
يقال: ما يفيص فلان بكلمة: إذا لم يقدر على أن يتكلم بها ببيان.
قاله "الأصمعىّ"، وغيره.
٢٠٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-: "تمسّحوا بالأض، فإنّها بكم برّة".
يروى ذلك عن "عوف بن أبى جميلة" عن "أبى عثمان الفهدىّ" يرفعه.
[ ٢ / ٢٦١ ]
قوله: "تمسّحوا بها"، يعنى: الصلاة عليها والسجود.
يقول: أن تباشرها بنفسك فى الصلاة من غير أن يكون بينك وبينها شيء تصلّى عليه.
وإنّما هذا عندنا على وجه البرّ، ليس على أنّ من ترك ذلك كان تاركًا للسّنة.
وقد روى عن النّبيّ -ﷺ- وغيره من أصحابه [-﵏-] أنه كان يسجد على الخمرة.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
فهذا هو الرّخصة، وذاك على وجه الفضل.
وقد روى عن "عبد الله [-بن مسعود-] " أنه كره أن يسجد الرجل على شيءٍ دون الأرض.
ولكنّ الرّخصة فى هذا أكثر من الكراهة.
وأمّا قوله: "فإنّها بكم برّة"، يعنى أنّه منها خلقهم، وفيها معايشهم، وهى بعد الموت كفاتهم.
فهذا وأشباه له كثيرة من برّ الأرض بالنّاس.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قال "أبو عبيدٍ": وقد تأوّل بعضهم قوله: "تمسّحوا بالأرض" على التيّم، وهو وجه حسن.
٢١٠ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىّ -ﷺ- (١٧٦): "كلّ مولد يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه".
[ ٢ / ٢٦٤ ]
قال: حدّثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "العلاء بن عبد الرحمن" عن "أبيه" عن "أبى هريرة" عن النّبيّ -ﷺ-:
قال: وحدّثناه "ابن عليّه" عن "يونس" عن "الحسن" عن "الأسود بن سريع" عن النبيّ -ﷺ-.
[قال أبو عبيد]: فسألت محمد [بن الحسن] عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان هذا فى أوّل الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
قال "أبو عبيد": كأنّه يذهب إلى أنّه لو كان يولد على الفطرة، ثمّ مات قبل أن يهوّده أبواه، أو ينصّراه ماورثهما، ولا ورثاه؛ لأنّه مسلم، وهما كافران.
وكذلك ما كان يجوز أن يسبى.
يقول: فلما نزلت الفرائض، وجرت السنن بخلاف ذلك، علم أنه يولد على دينهما.
هذا قول "محمّد بن الحسن".
وأما "عبدالله بن المبارك" فإنّه بلغنى أنه سئل عن تأويل هذا الحديث، فقال: تأويله: الحديث الآخر أنّ النّبيّ -ﷺ- سئل عن أطفال المشركين، فقال:
"الله أعلم بما كانوا عاملين".
يذهب إلى أنهم إنّمّا يولدون على ما يصيرون إليه من إسلامٍ أو كفرٍ.
فمن كان فى علم الله [﷿] أن يصير مسلمًا، فإنّه يولد على الفطرة.
[ ٢ / ٢٦٦ ]
ومن كان علمه فيه أن يموت كافرًا، ولد على ذلك.
[قال أبو عبيد]: ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر أنّه قال -ﷺ-: يقول الله -﵎-: "إنى خلقت عبادى جميعًا حنفاء، فاجتالهم الشيّاطين عن دينهم، وجعلت مانحلتهم من رزق، فهو لهم حلال فحرّم عليهم الشّيطان ما أحلت لهم".
[ ٢ / ٢٦٧ ]
فكأنه يريد قول الله -﵎-: "قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالًا. قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون".
يروى فى التفسير عن "مجاهد" فى قوله [﷿]: "فجعلتم منه حرامًا وحلالًا" أنّها (١٧٧/) البحائر والسيّب.
قال "أبو عبيد: يعنى ما كانوا يحرّمون من ظهورها وألبانها،
[ ٢ / ٢٦٩ ]
والانتفاع بها. وفيها نزلت هذه الآية: "ما جعل الله من بحيرة وسائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حامٍ".
٢١١ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: أنّه كان يقول في دعاءٍ له:
"ربّ تقبّل توبتى، واغسل حوبتى".
[ ٢ / ٢٧٠ ]
قال: حدّثنيه "ابن مهدى" عن "سفيان" عن "عمرو بن مرّة" عن "عبد الله بن الحارث" عن "طليق بن قيسٍ" عن "ابن عباسٍ" عن النّبيّ -ﷺ-:
قوله: "حوبتى": يعنى المآثم، وهو من قوله [-﷿-]: "إنه كان حوبًا كبيرًا".
وكلّ مأثمٍ حوب، وحوب، والواحدة حوبة.
[ ٢ / ٢٧١ ]
ومنه الحديث الآخر: "أنّ رجلًا أتى النّبىّ -ﷺ- فقال: إنى أتيتك لأجاهد معك.
قال: ألك حوبة؟
قال: نعم.
قال: ففيها فجاهد".
[ ٢ / ٢٧٢ ]
يروى ذلك عن "أشعث بن عبد الملك" عن "الحسن" يرفعه.
يعنى: ما تأثم فيه إن ضيّعته من حرمةٍ.
وبعض أهل العلم يتأوّله على الأمّ خاصّةً.
وهى عندى كل حرمةٍ تضيع إن تركتها من أمً، أو أختٍ، أو بنتٍ، أو غير ذلك.
قال "الأصمعىّ": فالعرب تقول: بات فلان بحيبة سوءٍ: إذا بات بشدّةٍ وحالٍ سيّئةٍ.
[قال]: ويقال: فن يتحوّب من كذا وكذا: إذا كان يتغيّظ
[ ٢ / ٢٧٣ ]
منه، ويتوجّع، قال "طفيل الغنوى":
فذوقوا كما ذقنا غداة محجّر من الغيظ فى أكبادنا والتحوب
قال "أبو عبيد": والتحوّب فى غير هذا: التأثّم أيضًا من الشّيء، وهو من الأول، وبعضه قريب من بعضٍ.
٢١٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "أنه مرّ وأصحابه على إبلٍ لحىً يقال لهم: "بنو الملوّح"،
[ ٢ / ٢٧٤ ]
أو "بنو المصطلق" قد عبست فى أبوالها من السّمن، فتقنّع بثوبه، ثمّ مرّ".
لقول الله [-﵎-]: "ولا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا (١٧٨) به أزواجًا منهم " إلى آخر الآية.
قال: حدثنيه "أبو النّضر" عن "عكرمة بن عمّار" عن "يحيى ابن أبى كثيرٍ" يرفعه.
قوله: "عبست فى أبوالها [من السّمن] ": يعنى أن تجفّ
[ ٢ / ٢٧٥ ]
أبوالها وأبعارها على أفخاذها، وذلك إنّما يكون من كثرة الشّحم، فذلك العبس.
قال "جرير" يذكر امرأةً أنها كانت راعيةً:
ترى العبس الحولّى جونًا بكوعها لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل
[ ٢ / ٢٧٦ ]
[ويروى: مسك].
٢١٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "على كلّ سلامى من أحدكم صدقة، ويجزى فى ذلك ركعتان يصلّيهما من الضّحى".
[ ٢ / ٢٧٧ ]
قال [أبو عبيد]: لا أعلمنى إلا سمعته من "يزيد" [يرويه] عن "مهدىّ بن ميمون" عن "واصل" مولى " أبى عيينة" عن "يحيى ابن عقيل" عن "يحيى بن يعمر" عن "أبى الأسود" عن "أبى ذرً" عن النّبىّ -ﷺ-:
قوله: "سلامى"، فالسمة فى الأصل عظم يكون فى فرسن البعير.
ويقال: إنّ آخر ما يبقى فيه المخّ من البعير إذا عجف فى السّلامى والعين، فإذا ذهب منهما، لم تكن له بقيّة بعد.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
قال الراجز:
يشتكين عملًا ما أنقين
ما دام مخّ فى سلامى أو عين
وقوله: ما أنقين من النقى وهو المخّ.
فكأنّ معنى الحديث: أنه على كلّ عظمٍ من عظام ابن آدم صدقة، وأنّ الرّكعتين تجزيان من تلك الصّدقة.
٢١٤ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-
[ ٢ / ٢٧٩ ]
حين قيل له: هذا "علىّ" و"فاطمة" قائمين بالسّدّة، فأذن لهما، فدخلا، فأغدف عليهما خميصةً سوداء".
[ ٢ / ٢٨٠ ]
[قال أبو عبيد]: لا أعلمنى إلّا حدّثنيه "هوذة" عن "عوف" عن "عطّية أبى المعدّل الطّفاوى" عن "أبيه"، عن "أمّ سلمة" ترفعه.
قوله: "أغدف عليهما"، يعنى أرسل.
ومنه قيل: أغدفت المرأة قناعها: إذا أرسلته على وجهها؛ لتستره وقال "عنترة":
إن تغد فى دونى القناع فإنّنى طبّ بأخذ الفارس المستلئم
[ ٢ / ٢٨١ ]
وقد روى فى حديثٍ آخر:
"أنّ قلب المؤمن أشدّ اضطرابًا من الذّنب يصيبه من العصفور حين يغدف به".
فبعض الناس يحمله على هذا المعنى.
فإن كان منه، فهو أن تلقى عليه الشّبكة أو الحبالة، فيصطاد، كما يرسل الستر، وغيره، وليس هو بشيءٍ أشبه منه بهذا.
٢١٥ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ- فى ذكر المنافقين، وما فى التنزيل من ذكرهم، ومن ذكر
[ ٢ / ٢٨٢ ]
الكفّار يقال -والله أعلم-: إنّما سمّى المنافق منافقًا؛ لأنّه نافق كاليربوع، وإنّما هو دخوله نافقاءه.
يقال منه: قد نفق فيه، ونافق، وهو جحره، وله جحر آخر، يقال له: القاصعاء، فإذا طلب قصّع، فخج من القاصعاء، فهو يدخل فى النافقاءٍ، ويخرج من القاصعاء، أو يدخل فى القاصعاء، ويخرج
[ ٢ / ٢٨٣ ]
من النّافقاء.
فيقال: هكذا يفعل المنافق، يدخل فى الإسلام، ثمّ يخرج منه من غير الوجه الذى دخل فيه.
وأمّا الكافر، فيقال -والله أعلم-: إنّه إنّما سمّى كافرًا؛ لأنّه متكفّر بالله كالمتكفّر بالسّلاح، وهو الّذى قد ألبسه السّلاح حتّى غطىّ كلّ شيءٍ منه، فكذلك غطىّ الكفر قلب الكافر.
ولهذا قيل للّيل: كافر؛ لأنّه ألبس كلّ شيءٍ، قال "لبيد" يذكر الشّمس:
حتّى إذا ألقت يدًا فى كافر وأجنّ عورات الثّغور ظلامها
[ ٢ / ٢٨٤ ]
[الثّغور: الخلل].
وقال أيضًا:
*فى ليلة كفر النّجوم غمامها*
يقول: غطّاها السحاب.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وقد يقال فى المنافق [أيضًا]: إنّما سمّى منافقًا للنّفق، وهو السّرب فى الأرض، والتّفسير الأول أعجب إلىّ (١٨٠).
ويقال فى الكافر: سمّى بذلك للجحود، كما يقال: كافرنى فلان حقّى: إذا جحدنى.
٢١٦ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ- فى تلبية الحجّ: "لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك".
[ ٢ / ٢٨٦ ]
قال: حدّثنيه "ابن عليّة" عن "أيوب" عن "نافع" عن "ابن عمر".
قال: وحدثنيه "يحيى بن سعيد" عن "جعفر" عن "أبيه"، عن "جابر بن عبد الله".
قال: وحدّثنيه "عبد الله بن داود" عن "الأعمش" عن
[ ٢ / ٢٨٧ ]
"عمارة" عن "أبى عطيّة" عن "عائشة" [-﵂-].
وبعضهم عن "عبد الرحمن بن يزيد" عن "عائشة" كلّهم يحدّث بذلك عن النّبىّ -ﷺ-:
قوله: "لبّيك"، تفسير التّلبية فى الحديث أنّها استجابة.
وكان "الخليل بن أحمد" [-﵀-] يفسّر: أن أصل التّلية الإقامة بالمكان.
قال: يقال: ألببت بالمكان: إذا أقمت به، ولببت لغتان.
قال: ثم قلبوا الباء الثانية إلى الياء استثقالًا، كما قالوا: تظنّيت، وإنّما أصلها: تظنّنت
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وكما قال "العجّاج":
*تقضّى البازى إذا البازى كسر*
وإنّما أصلها: تقضّضت.
قال: فقالوا على هذا: لبيت، وأصلها: ألببت أو لبّبت.
فكأنّ قولهم: لبّيك، أى أنا عبدك، أنا مقيم معك، قد أجبتك على هذا، وما أشبهه من المعنى.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ثمّ ثنّوه للتوكيد، فقالوا: لبّيك اللهم لبّيك، أى أقمت عندك إقامةً بعد إقامة، وإجابة بعد إجابة.
هكذا يحكى هذا التفسير عن "الخليل".
ولم يبلغنا عن أحد أنه فسّره غيره، إلّا من اتّبعه، فحكى عنه.
٢١٧ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "اقتلوا شيوخ المشركين، واستحيوا شرخهم".
[ ٢ / ٢٩٠ ]
قال: حدّثناه "أبو معاوية" عن "حجّاج بن أرطاة" عن "قتادة" عن "الحسن" عن "سمرة [بن جندب] " عن النّبىّ -ﷺ-:
يقال: فيه قولان:
أحدهما: أنه يريد بالشّيوخ الرّجال المسانّ أهل الجلد منهم- والقوة (١٨١) على القتال، ولا يريد الهرمى.
يبيّن ذلك حديث "أبى بكرٍ" -﵀- حين أوصى "يزيد بن أبى سفيان" فقال: "لا تقتل شيخًا كبيرًا".
[ ٢ / ٢٩١ ]
وقوله: "شرخهم"، يريد الّباب، ومعناه فى هذا القول: الصغار الذين لم يدركوا، فصار تأويل الحديث:
"اقتلوا الرّجال، واستحيوا الصّغار".
وأما التّفسير الآخر، فإنّه يريد بالشّيوخ الهرمى الّذين إن سبوا لم ينتفع بهم للخدمة.
واستحيوا الشّباب: يعنى أهل الجلد من الرّجال الذين يصلحون للملك والخدمة.
قال "حسان [بن ثابت] " فى الشّرخ:
إنّ شرخ الّباب والشّعر الأسـ ود ما لم يعاص كان جنوبا
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وقوله:: استحيوا"، إنما هو استفعلوا من الحياة، أى دعوهم أحياءً لاتقتلوهم.
ومنه قول الله -﵎- فيما يروى فى التفسير: "يذبّح أبناءهم ويستحي نساءهم".
[ ٢ / ٢٩٣ ]
٢١٨ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "أنّ رفقةً جاءت، وهم يهرفون بصاخبٍ لهم، ويقولون: يا رسول الله! ما رأينا مثل فلان، ما سرنا إلاّا كان فى قراءة، ولا نزلنا إلا كان فى صلاةٍ".
قال: حدثناه "ابن عليّة" عن "أيوب" عن "أبى قلابة" يرفعه.
قولهم: يهرفون به: يمدحونه، ويطنبون فى ذكره.
يقال منه: هرفت بالرّجل أهرف هرفًا.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
ويقال فى مثل من الأمثال: "لا تهرف قبل أن تعرف".
٢١٩ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "أنه كره الشّكال فى الخيل".
[ ٢ / ٢٩٥ ]
قال: حدثنيه "يحيى بن سعيد" عن "سفيان [الثّورىّ] " عن "سلم بن عبد الرّحمن" عن "أبى زرعة" عن "أبى هريرة"، عن النّبىّ -ﷺ-:
قوله: "الشّكال": يعنى أن تكون ثلاث قوائم منه محجلةً، وواحدة مطلقة. وإنّما أخذ هذا من الشّكال الذى يشكل به الخيل. شبّه به؛ لأنّ الشّكال إنّما يكون فى ثلاث قوائم (١٨٢)، أو أن
[ ٢ / ٢٩٦ ]
تكون الثلاث مطلقةً، ورجل محجّلة، وليس يكون الشّكال إلّا فى الرّجل، ولا يكون فى اليد.
٢٢٠ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىّ -ﷺ-: أنه قال: "إنّى لأكره أن أرى الرجل ثائرًا فريص رقبته، قائمًا على مريّته يضربها".
قال: بلغنى عن "ابن عيينة" عن "يحيى بن سعيدٍ" عن "حميد
[ ٢ / ٢٩٧ ]
ابن نافع" عن "أمّ كلثوم بنت أبى بكر" ترفعه.
قال "الأصمعىّ": الفريصة هى اللّحمة التى تكون بين الجنب، والكتف التى لا تزال ترعد من الدّابّة، وجمعها فرائص [وفريص].
قال "أبو عبيد": وهذا الذى قاله "الأصمعىّ" هو المعروف فى كلام العرب.
ولا أحسب الذى فى الحديث إلّا غير هذا، كأنّه إنما أراد عصب الرقبة، وعروقها؛ لأنها هى التى تثور فى الغضب، -والله أعلم-.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
٢٢١ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: أنه قال: "المسلمون هينون لينون كالجمل الأنف إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرةٍ استناخ".
قوله: "الأنف" يعنى الذى قد عقره الخطام إن كان بخشاش
[ ٢ / ٢٩٩ ]
أو برةٍ، أو خزامةٍ فى أنفه، فهو ليس يمتنع على قائده فى شيءٍ للوجع الذى به. وكان الأصل فى هذا أن يقال: مأنوف؛ لأنّه مفعول به.
كما يقال: مصدور للّذى يشتكى صدره، ومبطون للّذى- به البطن.
وكذلك مرءوس، ومفئود، ومفخوذ، وكذلك جميع ما فى الجسد على هذا. ولكن هذا الحرف جاء شاذًا عنهم.
وقال بعضهم: الجمل الأنف هو الذلول، ولا أرى أصله إلّا من هذا.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
٢٢٢ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "أنه خطبهم على راحلته، وإنّها لتقصع بجرتّها".
[ ٢ / ٣٠١ ]
قال حدّثنيه "يزيد" عن "ابن أبى عروبة" عن "قتادة" عن "شهر بن حوشب" عن "عبد الرّحمن بن غنم" عن "عمرو (١٨٣) ابن خارجة" شهده من النبىّ -ﷺ-:
قوله: "تقصع بجتها"، القصع: ضمّك الشيء على الشيء، حتى تقتله، أو تهشمه.
ومنه قصع القملة.
ومنه قيل للغلام إذا كان بطئ الشباب: قصيع.
يقول: إنه مردّد الخلق بعضه إلى بعض، فليس يطول.
وإنما قصع الجرة شدة المضغ، وضم بعض الأسنان على بعض.
والجرة ما تجتره الإبل فتخرجه من أجوافها؛ لتمضغه، ثم تردّه
[ ٢ / ٣٠٢ ]
فى أكراشها بعد الجرة، أى بعد أن تجترّه.
وفى هذا الحديث من الفقه خطبته -ﷺ- على ظهر الناقة.
وهذا رخصة فى الوقوف على الدواب إذا كان ذلك لحاجة إليه.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
قال: وأخبرنى "عبد الرحمن بن مهدى" عن "مالك بن أنس" قال:
الوقوف على ظهور الدوابّ "بعرفة" سنة، والقيام على الأقدام رخصة.
٢٢٣ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىّ -ﷺ-: "المؤمن يأكل فى معى واحد، والكافر يأكل فى سبعة أمعاءٍ".
[ ٢ / ٣٠٤ ]
قال: حدثنيه "حجاج" عن "ابن جريج" عن "أبى الزبير" عن "جابرٍ" عن النبىّ -ﷺ-:
قال: وحدثناه "هشيم" عن "مجالدٍ" عن "أبى الودّاك" عن "أبى سعيد الخدرىّ" عن النبىّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٣٠٥ ]
قال: وحدثنيه "يحيى بن سعيد" عن "عبيد الله" عن "نافع" عن "ابن عمر".
كلّهم عن النبىّ -ﷺ-.
قوله: "فى معّى واحد"، نرى ذلك -والله أعلم- لتسمية المؤمن عند طعامه، فتكون فيه البركة، وأن الكافر لا يفعل ذلك.
ويرون أن وجه [هذا] الحديث -والله أعلم- أنه [إنما] كان هذا خاصًا لرجل بعينه كان يكثر الأكل قبل إسلامه، ثم أسلم، فنقص ذلك [منه].
[ ٢ / ٣٠٦ ]
فذكر ذلك للنبىّ -ﷺ-، فقال [فيه]: هذه المقالة.
قال "أبو عبيدٍ": "أهل مصر" يرون أن صاحب هذا الحديث، هو "أبو بصرة الغفارىّ".
قال "أبو عبيد": ولا نعلم للحديث وجهًا غير هذا؛ لأنّك قد ترى من المسلمين من يكثر أكله، ومن الكفار من يقلّ ذلك (١٨٤) منه.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
وحديث النّبىّ -ﷺ- لا خلف له، فلهذا وجه على هذا الوجه.
وقد روى عن "عمر" -﵁- أنّه كان يأكل الّاع من التّمر، فأى المؤمنين كان له كإيمان "عمر" -﵀ عليه-.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
٢٢٤ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ- فى صفته: أنّ عليّا [-﵁-] كان إذا نعته [-ﷺ-] قال: "لم يكن بالطّويل الممّغط، ولا القصير المتردّد، لم يكن بالمطهّم، ولا المكلثم، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، ششن الكفّين، والقدمين، دقيق المسربة، إذا مشى تقلّع، كأنّما يمشى فى صببٍ،
[ ٢ / ٣٠٩ ]
وإذا التفت التفت معًا، ليس بالسّبط، ولا الجعد القطط،
[ ٢ / ٣١٠ ]
قال: حدّثنيه "أبو إسماعيل المؤدّب" عن "عمر" مولى "غفرة" عن "إبراهيم بن محمد بن الحنفيّة" قال: كان "على [بن أبى طالب] " إذا نعت النبى -ﷺ- قال ذلك.
وفى حديث آخر، قال: حدّثناه إسماعيل بن جعفر، قال:
"كان أزهر ليس بالأبيض الأمهق".
[ ٢ / ٣١١ ]
وفى حديث آخر: "كان فى عينيه شكلة".
وفى حديثٍ آخر: "كان شبح الذّراعين".
[قال أبو عبيد]: قال "الكسائىّ" والأصمعىّ وأبو عمرو، وغير واحد، ذكر كلّ واحد منهم بعض تفسير هذا الحديث.
قوله: "ليس بالطويل الممّغط، يقول: ليس بالبائن الطّول.
[ ٢ / ٣١٢ ]
"ولا القصير المتردّد": يعنى الذى قد تردّد خلقه بعضه على بعض [وهو مجتمع] ليس بسبط الخلق: يقول: فليس هو كذاك، ولكن ربعة بين الرجلين وهكذا صفته [-ﷺ-] فى حديث آخر:
"أنه ضرب اللحم بين الرجلين".
[ ٢ / ٣١٣ ]
وقوله: ليس بالمطهّم"، قال "الأصمعىّ": المطهّم: التامّ كل شيءٍ منه على حدته، فهو بارع الجمال.
وقال غير الأصمعىّ: المكلثم: المدوّر الوجه، يقول: فليس كذاك، ولكنه مسنون.
وقوله: "مشرب"، يعنى الذى قد أشرب حمرة.
والأدعج العين: الشديد (١٨٥) سواد العينين.
[ ٢ / ٣١٤ ]
قال الأصمعىّ: الدعجة هى السّواد.
[قال]: والجليل المشاش: العظيم رؤوس العظام مثل الرّكبتين والمرفقين، والمنكبين.
وقوله: الكتد هو الكاهل، وما يليه من جسده.
[ ٢ / ٣١٥ ]
وقوله: ششن الكفّين والقدمين، يعنى أنّها إلى الغلظ وقوله: إذا مشى تقلّع كأنما يمشى فى صبب: الصبب: الانحدار، وجمعه أصباب، قال "رؤبة":
*بل بلدٍ ذى صعد وأصباب*
[ ٢ / ٣١٦ ]
بل فى معنى ربّ.
وقوله: ليس بالسّبط، ولا الجعد القطط، فالقطط: الشديد الجعودة مثل أشعار الحبش.
والسّبط: الّذى ليس فيه تكسّر.
يقول: هو جعد رجل.
وقوله: كان أزهر، الأزهر: [الأبيض] النّيّر البياض الذى يخالط بياضه حمرة.
[ ٢ / ٣١٧ ]
وقوله: ليس بالأمهق، فالأمهق: الشديد البياض الّذى لا يخالط بياضه شئ من الحمرة، وليس بنيّر، ولكن كلون الجصّ، أو نحوه.
يقول: فليس هو كذلك.
وقوله: فى عينيه شكلة، فالشّكلة كهيئة الحمرة تكون فى بياض العين،
[ ٢ / ٣١٨ ]
قال الشاعر:
ولا عيب فيها غير شكلة عينها كذاك عتاق الطير شكلًا عيونها
والشّهلة غير الشّكلة، وهى حمرة فى سواد العين.
[ ٢ / ٣١٩ ]
والمرهة: البياض لا يخلطه غيره.
وإنّما قيل للعين التى ليس فيها كحل: مرهاء، لهذا المعنى.
وقوله: أهدب الأشفار: يعنى طويل الأشفار.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وقوله: شبح الذّراعين: يعنى عبل الذّراعين عريضهما.
والمسربة: الشّعر المستدقّ ما بين اللّبّة إلى السرّة،
[ ٢ / ٣٢١ ]
قال الذّهلىّ":
الآن لمّا ابيضّ مسربتى وعضضت من نابى على جذم
[ترجو الأعادى أن ألين لها هذا تخيّل صاحب الحلم]
٢٢٥ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ- حين أتاه "عمر" فقال: إنّا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا. أفترى أن نكتب بعضها؟ (١٨٦)
فقال: "أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنّصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقيةً، ولو كان "موسى" حيًا ما وسعه إلّا اتّباعى".
[ ٢ / ٣٢٢ ]
قال: حدّثناه "هشيم" قال: أخبرنا "مجالد" عن "الشّعبىّ" عن "جابر بن عبد الله"، عن النبىّ -ﷺ-.
وتفسير هذا الحرف فى حديث آخر:
قال: حدّثناه "معاذ" عن "ابن عونٍ" عن "الحسن" يرفعه، نحو ذلك.
قال: قال "ابن عونٍ":
[ ٢ / ٣٢٣ ]
فقلت "للحسن": ما متهوّكون؟
فقال: متحيّرون.
قال أبو عبيد: يقول: أمتحيّرون أنتم فى الإسلام، لا تعرفون دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنّصارى؟ .
قال "أبو عبيد": فمعناه أنّه كره أخذ العلم من أهل الكتاب.
وأما قوله: "لقد جئتكم بها بيضاء نقيّةً"، فإنّه أراد الملّة
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الحنيفيّة، فلذلك جاء التأنيت، كقول الله -﵎-: "وذلك دين القيّمة".
إنّما هى فيما يفسّر: الملّة الحنيفيّة.
٢٢٦ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -صلّ الله عليه وسلم-: أنّه لمّا خرج إلى "مكّة" عرض له رجل، فقال:
"إن كنت تريد النّساء البيض والنّوق الأدم فعليك "ببنى مدلج"
[ ٢ / ٣٢٥ ]
فقال: "إنّ الله منع منّى "بنى مدلجٍ" بصلتهم الرّحم، وطعنهم فى ألباب الإبل".
وبعضهم يرويه: "لبّاب الإبل".
قال: حدّثنيه "حمّاد بن خالدٍ" عن "هشام بن سعد" عن "زيد بن أسلم" رفعه.
قوله: "وطعنهم فى ألباب الإبل": فقد يكون الألباب فى معنيين:
أحدهما: أن يكون أراد جمع اللّبّ، ولبّ كلّ شئٍ خالصه، كقولك: لبّ الطّعام، ولب النّخلة، وغير ذلك.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
يقول: فإنّما ينحرون خالص إبلهم وكرائمها.
والوجه الآخر: أن يكون أراد جمع اللّبب، وهو موضع النّحر من كلّ شئٍ، ونرى أنّ لبب الفرس إنّما سمّى به لهذا.
ولهذا قيل: لبّبت فلانًا: إذا جمعت ثيابه عند صدره، ونحره، ثم جررته.
قال "أبو عبيد": وإنّما وصفهم أنّهم أهل جودٍ بأموالهم، وصلة لأرحامهم
والذى يراد من الحديث أن الإحسان والصّلة يدفعان السّوء والمكروه
قال "أبو عبيد": وإن كان المحفوظ هو اللّبّات، فاللّبّة: موضع النّحر، وجمعها لبّات.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
٢٢٧ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: (١٨٧) "إن مّما أدرك النّاس من كلام النّبوّة إذا لم نستحى فاصنع ما شئت".
[ ٢ / ٣٢٨ ]
[قال]: حدثناه "جرير بن عبد الحميد" عن "منصور" عن "ربعىّ بن حراشٍ" عن "أبى مسعود الأنصارى" عن النّبىّ -ﷺ.
قال "جرير": معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير، فيدعه حياءً من النّاس كأنّه يخاف مذهب الرّياء.
يقول: فلا يمنعنّك الحياء من المضىّ لما أردت.
وقال "أبو عبيدٍ": والذى ذهب إليه "جرير" معنى صحيح فى مذهبه، وهو شبيه بالحديث الآخر: "إذا جاءك الشيطان، وأنت تصلّى، فقال: إنك ترائى، فزدها طولًا".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وكذلك قول "الحسن": ما أحد أراد شيئًا من الخير إلّا سار فى قلبه سورتان، فإذا كانت الأولى منهما لله [-﷿-] فلا تهيدنّه الآخرة.
وفى هذا أحاديث، والمعنى فيه قائم.
ولكنّ الحديث الأول ليس يجئ سياقه ولا لفظه على هذا التفّسير، ولا على هذا يحمله النّاس.
إنّما وجهه عندى أنّه أراد بقوله: "إذا لم تستحى فاصنع ما شئت" إنما هو: من لم يستحى صنع ما شاء، على جهة الذّمّ لترك الحياء، ولم يرد بقوله: "فاصنع ما شئت" أن يأمره بذلك أمرًا.
وهذا جائز فى كلام العرب أن تقول: افعل كذا وكذا، وليس
[ ٢ / ٣٣٠ ]
تأمره بذلك أمرًا، ولكنه أمر بمعنى الخبر.
ألم تسمع حديث النّبىّ -ﷺ-: "من كذب علىّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النار".
ليس وجهه أنّه أمره بذلك. هذا ما لا يكون.
إنّما معناه: من كذب علىّ متعمّدًا تبوّأ مقعده من النّار. [أى]
[ ٢ / ٣٣١ ]
كان له مقعده من النّار، إنّما هى لفظة أمر على معنى الخبر، وتأويل الجزاء.
وإنّما يراد من الحديث أنّه يحثّ على الحياء، ويأمر، به ويعيب تركه.
٢٢٨ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: أنّه أتى بوشيقة يابسةٍ من لحم صيدٍ، فقال:
"إنّى حرام".
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قال: حدّثناه "أبو وكيعٍ" [عن الجرّاح بن مليح] عن "قيس ابن مسلمٍ" عن رجلٍ من "بنى هاشمٍ".
قال "أبو وكيع": أحسبه "الحسن بن محمّد"، رفعه.
قوله: "الوشيقة": اللّحم يؤخذ فيغلى إغلاءةً، ثم يحمل فى الأسفار (١٨٨) ولا ينضج، فيتهرّأ.
وزعم بعضهم أنّه بمنزلة القديد لا تمسّه النار.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
يقال منه: قد وشقت اللّحم أشقه وشقًا
واتّشقت اتّشاقا، وقال الشاعر:
إذا عرضت منها كهاة سمينة فلا تهد منها واتّشق وتجبجب
الجبجبة: أن يصرّ اللّحم فى كرشٍ فى تنّورٍ وتصرّ فيه الأبزار.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
٢٢٩ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ- في لبن الفحل: "أنه يحرّم".
[ ٢ / ٣٣٥ ]
قال: سمعت "محمّد بن الحسن" وغيره من أهل العلم يفسّرونه: الرّجل يكون له المرأة، وهى مرضع بلبنه.
قال "أبو عبيدٍ": وأمّا فى كلام العرب، فيقولون: مرضع بلبانه.
قالوا: فكلّ من أرضعته بذلك اللّبن، فهو ولد زوجها محرّمون عليه وعلى ولده من ولد تلك المرأة، ومن ولد غيرها؛ لأنّه أبوهم جميعًا.
وبيان ذلك فى حديث "ابن عبّاس" -﵄-.
قال: سمعت "ابن مهدىّ" يحدّث عن "مالك" عن "الزّهرىّ" عن "عمرو بن الشّريد" عن "ابن عبّاس" [-﵀-] أنه سئل عن رجل كانت له امرأتان، فأرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلامًا.
أيحلّ للغلام أن يتزوج الجارية؟
فقال: لا! اللّقاح واحد.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
قال "أبو عبيد": فهذا تأويل لبن الفحل.
وكذلك حديث النّبىّ -ﷺ- قبل هذا فيه بيان أيضًا.
قال: حدّثنا "عبد الله بن إدريس"، و"أبو معاوية" عن "هشام
[ ٢ / ٣٣٧ ]
ابن عروة" عن "أبيه" عن "عائشة" [-﵂-] قالت:
استأذن عليها "أبو القعيس" بعد ما حجبت، فأبت أن تأذن له. فقال: أنا عمّك أرضعتك امرأة أخى، فأبت أن تأذن له، حتّى جاء رسول الله -ﷺ- فذكرت ذلك له.
فقال: "هو عمّك، فليلج عليك".
[ ٢ / ٣٣٨ ]
٢٣٠ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "لا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكتفئ ما فى صحفتها، فإنذما لها ما كتب لها، ولا تناجشوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض".
[ ٢ / ٣٣٩ ]
قال: حدّثناه "هشيم" قال: أخبرنا "مغيرة" عن "إبراهين" عن "أبى هريرة"، رفعه.
قوله: "لا تسأل المرأة طلاق أختها": يعنى ضرّتها.
وقوله: "لتكتفئ ما فى صحفتها": أصل الصحفة: (١٨٩) القصعة، وجمعها صحاف.
وقوله: "لتكتفئ" إنّما هو مثل.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
يقول: لا تميل حظّ تلك إلى نفسها؛ لتصيّر حظّ أختها من زوجها كله لها.
وإنّما قوله: لتكتفئ، تفتعل من كفأت القدر وغيرها: إذا كببتها، ففرّغت ما فيها.
وقوله: "ولا تناجشوا": فإنّ النّجش أن يعطى الرّجل صاحب السّلعة بسلعته أكثر من ثمنها، وهو لا يريد شراءها، إنّما يريد أن
[ ٢ / ٣٤١ ]
يسمعه غيره مّمن لا بصر له بها، فيزيد لزيادته.
وفيه الحديث الآخر، عن "ابن أبى أوفى": "إن الناجش آكل ربًا خائن".
وقوله: "لا يبع على بيع أخيه": قد فسّرناه فى غير هذا الموضع.
٢٣١ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "أنه قضى أن الخراج بالضمان".
[ ٢ / ٣٤٢ ]
قال: حدّثناه "مروان الفزارىّ" عن "ابن أبى ذئب" عن "مخلد ابن خفاف" عن "عروة" عن "عائشة" عن النّبىّ -ﷺ-.
معناه -والله أعلم-: الرّجل يشترى المملوك يستغلّه، ثم يجد به عيبًا كان عند البائع،
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فقضى أنه يرد العبد على البائع بالعيب، ويرجع بالثمن فيأخذه، وتكون له الغلة طيبة، وهي الخراج.
وإنما طابت له الغلة، لأنه كان ضامنا للعبد لو مات، مات من مال المشترى، لأنه في يده.
وهذا مفسر في حدييث "لشريح".
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "الشيباني" عن "الشعبي":
أن رجلا اشترى من رجل غلاما، فأصاب من غلته، ثم وجد به داء كان عند البائع، فخاصمه إلى "شريح" فقال:
رد [ذا] الداء بدائه ولك الغلة بالضمان.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قال "أبو عبيد": ألآ ترى أنه قد ألزمه أن يرده بدائه، هذا لتعلم أنه لو مات كان من مال المشترى، فلهذا طابت له الغلة.
[قال]: وحديث النبي - ﷺ - هذا أصل لكل من ضمن شيئا، أنه يطيب له الفضل إذا كان ذلك على وجه المبايعة لا على الغصب.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
٢٣٢ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "ليس على مسلم جزية".
[ ٢ / ٣٤٦ ]
قال: حدثناه "مصعب بن المقدام" عن "سفيان" عن "قابوس ابن أبى ظبيان (١٩٠) " عن "أبيه" يرفعه.
فإنّ معناه: الذّمّىّ يسلم، وله أرض خراجٍ، فترفع عنه جزية أسه، ويترك على أرضه.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
يؤدي عنها الخراج.
ومن ذلك حديث "عمر" و"على" - ﵄ -.
قال: حدثنا "ابن مهدي" عن "حماد بن سلمة"، عن "عبيد الله ابن رواحة"، قال: حدثني "مسروق" أن رجلا من الشعوب أسلم، فكانت تؤخذ منه الجزية، فأتى "عمر" فأخبره، فكتب ألا تؤخذ منه الجزية.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قال "أبو عبيد": الشعوب ها هنا العجم، وفي غير هذا الموضع أكثر من قبائل العرب.
فالشعوب العجم، والشعوب: المنية -بالنصب-.
قال: حدثنا "هشيم" قال: أخبرنا "سيار" عن "الزبير ابن عدى" قال: أسلم "دهقان" على عهد "على" [-﵀-] فقال له:
"إن أقمت في أرضك رفعنا الجزية عن رأسك، وأخذناها من أرضك، وإن تحولت، فنحن أحق بها".
فهذا وجه حديث النبي - ﷺ - في الجزية.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وإنّما احتاج النّاس إلى هذه الأحاديث فى زمن "بنى أميّة"؛ لأنّه يروى عنهم أنّ الرّجل من أهل الذّمّة من أهل السواد، كان يسلم، فلا يسقطون الجزية عن الرأس، ويأخذونها منه مع الجزية من أرضه، وكان "الحجّاج" يحتجّ فيه، ويقول: إنّما هم فيّنا وعبيدنا، فإذا أسلم عبد الرجل، فهل يسقط عنه الإسلام
[ ٢ / ٣٥٠ ]
الضريبة؟
وكان "خالد بن عبد الله [القسرىّ] " يخطب به فيما يحكى عنه على المنبر، ولهذا استجاز من استجاز من القرّاء الخروج عليهم مع "ابن الأشعث".
٢٣٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النّبىّ -ﷺ-: "المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة".
[ ٢ / ٣٥١ ]
قال "أبو عبيد": [وقد اختلف فى هذا الحديث]، فبعضهم يقول:
الميزان ميزان [أهل] "المدينة".
[ ٢ / ٣٥٢ ]
والمكيال مكيال أهل "مكة".
قال: حدثنيه "أبو المنذر إسماعيل بن عمر" عن "سفيان" عن "حنظلة" عن "طاووس" عن "ابن عمر" عن النبي - ﷺ -.
يقال: إن هذا الحديث أصل لكل شيء من (١٩١) الكيل والوزن إنما يأتم الناس فيهما بأهل "مكة" وأهل "المدينة" وإن تغير ذلك في سائر الأمصار.
ألا ترى أن أصل التمر "بالمدينة" كيل، وقد صار وزنا في كثير من الأمصار.
وأن السمن عندهم وزن، وهو كيل في بعض الأمصار.
فلو أسلم رجل تمرا في حنطة لم يصلح؛ لأنه كيل في كيل.
وكذلك السمن إذا أسلمه فيما يوزن لم يصلح؛ لأنه وزن في وزن.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
والذى يعف أصل الكيل والوزن أنّ كلّ ما لزمه اسم المختوم، والقفيز، والمكّوك، والمدّ، والصذاع، فهو كيل.
وكلّ ما لزمه اسم الأرطال والأواقىّ، فهو وزن.
ألا تسمع حديث "عمر" [-﵁-] فى الأوقىّ حين قال فى عام الرّمادة وكان يأكل الخبز بالزّيت، فقرقر بطنه،
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فقال: " قرقر ما شئت! فلا يزال هذا دأبك ما دام السمن يباع بالأواقىّ.
فهذا يبيّن أن أصل السمن وزن، إلّا أن يريد بالأرطال المكاييل، فإن المكيال قد يسمى رطلّا.
٢٣٤ - وقال "أبو عبيدٍ" فى حديث النبىّ -ﷺ- حين أهدى إليه "عياض بن حمارٍ" قبل أن يسلم، فردّه، وقال: "إنّا لا نقبل زبد المشركين".
[ ٢ / ٣٥٥ ]
قال: حدثناه "هشيم" و"ابن علية" عن "ابن عون" عن "الحسن" يرفعه.
قال "ابن عون": فقلت "للحسن": ما زبد المشركين؟
فقال: رفدهم.
[قال]: وهكذا هو عندنا في الكلام.
يقال منه: زبدت الرجل أزبده زبدا: إذا رفدته، ووهبت له.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
٢٣٥ - وقال: "أبو عبيد" في حديث النبي - ﷺ - في المزارعة: أن أحدهم كان يشترط ثلاثة جداول، والقصارة، وما سقى الربيع.
فنهى النبى - ﷺ - عن ذلك.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قال: حدَّثناه "جرير" عن "منصور" عن "مجاهد" عن "أسيد ابن ظهير" عن "رافع بن خديج" عن النَّبىِّ -ﷺ.
فقوله: "يشترط عليه ثلاثة جداول": يعنى أنَّها كانت تشترط على المزارع أن يزرعها خاصَّةً لربِّ المال.
وأمَّا القصارة: فإنَّه ما بقى فى السُّنبل من الحبِّ، بعد ما يداس.
وأهل "الشام" يسمُّونه القصرى.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
وكذلك يروى فى حديث عن "جابر بن عبد الله":
قال: حدَّثنيه "أبو النضر" عن "أبى خيثمة" عن "أبى الزُّبير" عن "جابر [ابن عبد الله] قال: كنا نخابر على عهد النبىِّ -ﷺ- فنصيب من القصرىِّ، ومن كذا وكذا.
فقال النَّبىُّ -ﷺ-: من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه".
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وأمَّا "ما سقى الرَّبيع"، فإن الربيع النهر الصغير مثل الجدول، والسَّرىِّ ونحوه، وجمعه أربعاء.
وإنما كانت هذه شروطًا يشترطها ربُّ الأرض لنفسه خاصًة سوى الشرط على الثُّلث والربع.
فنرى أن نهى النَّبىِّ -ﷺ- عن المزارعة، إنما كان لهذه الشُّروط، لأنها مجهولة لا يدرى أتسلم أم تعطب.
فإذا كانت المزارعة على غير هذه الشُّروط بالثُّلث أو الرُّبع أو النِّصف فهى طيِّبة إن شاء الله [-تعالى-].
وعلى هذا رخص فيها من رخص من أهل العلم.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
٢٣٦ - وقال "أبو عبيدة" فى حديث النبىِّ -ﷺ-: "إن الله يحبُّ النَّكل على النَّكل".
قيل: وما النَّكل على النَّكل؟
قال: "الرجل القوىُّ المجرب، المبدى المعيد، على الفرس
[ ٢ / ٣٦١ ]
القوىِّ المجرِّب- أو المجرَّبَ شك هو- المبدئ المعيد".
قال: حدثنيه "محمد بن كثير" عن "الأوزاعىِّ" عن "يحيى ابن أبى عمرو الشيبانىِّ".
قال "ابن كثير": أكبر ظنِّى أنه رفعه.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
قال "أبوعبيد": وغير "ابن كثير" يقول عن "أبى هريرة" ولا يرفعه.
قوله: "النَّكل"، قال "الفرَّاء": يقال: رجل نكل ونكل.
قال: ومعناه قريب من التَّفسير الَّذى فى الحديث.
قال: ويقال أيضا: رجل بدل وبدل، ومثل ومثل، وشبه وشبه.
لم نسمع فى فعل وفعل غير هذه الأربهة الأحرف.
وقوله: "المبدئ المعيد": الذى قد أبدأ فى غزوة، وأعاد أى قد غزا مرًة بعد مرة، وجرَّب الأمور: أعاد فيها وأبدأ.
٢٣٧ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ- أن رجلًا أتاه، فقال: يا رسول الله أكلتنا الضَّبع.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
فقال النبىُّ -ﷺ-:
"غير ذلك أخوف عندى أن تصبَّ عليكم الدُّنيا صبًّا؛ ".
[ ٢ / ٣٦٤ ]
قال: حدثنيه "حجَّاج" عن "المسعودىِّ" عن (١٩٣) "حبيب ابن أبى ثابت" عن "عبيدة بن أبى لبابة" عن "أبى الدرداء" عن النبىِّ -ﷺ-:
قوله: "الضبع": هى السنة المجدبة.
ولها أسماء أيضًا، وهى الأزمة والَّلزبة، ويقال لها أيضًا: كحل، إلَّا أن الضبع بالألف والَّلام، ولم نسمع فى هذه الأحرف إلَّا بغير ألف ولام كأنها اسم موضوع،
[ ٢ / ٣٦٥ ]
قال "سلامة بن جندل" يمدح قومًا:
قوم إذا صرحَّت كحل بيوتهم مأوى الضِّياف ومأوى كلِّ قرضوب
قال أبو عبيد، ويروى:
بيوتهم عزُّ الذَّليل ومأوى كلِّ قرضوب
والقرضوب فى هذا البيت: الفقير والجميع قراضبة.
ويقال فى غير هذا الموضع: القراضبة: اللصوص،
[ ٢ / ٣٦٦ ]
واحدهم قرضاب.
ويقال: قرضاب وقرضوب، وصعلوك، وسبروت واحد [وهم المحاويج].
وفال الشاعر فى الضَّبع:
أبا خراشة أمَّا أنت ذا نفر فإن قومك لم تأكلهم الضَّبع
[ ٢ / ٣٦٧ ]
[يعنى السَّنة المجدبة].
٢٣٨ - وقال "أبوعبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"من سرَّه أن يذهب كثير من وحر صدره فليصم شهر الصَّبر، وثلاثة أيَّلم من كلٍّ شهر".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
قال: حدَّثناه "يزيد" عن "الجريرىِّ" عن "أبى العلاء"
[ ٢ / ٣٦٩ ]
عن أعرابى من "بنى زهير بن أقيش" عن النَّبىِّ -ﷺ-.
قال "الكسائى" و"الأصمعىُّ" قوله: وحر صدره: غشُّه وبلابله.
ويقال: إنَّ أصل هذا دويِّبة، يقال لها: الوحرة، وجمعها وحر. شبِّهت العداوة والغلُّ بذلك.
والوغر شبيه به أيضًا.
يقال منه: قد وغر صدر فلان عليك يوغر وغرًا، ووحر يوحر وحرًا.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
[قال "الأصمعى": يقال: رجل سمح لا غير، وجبل وغر لا غير (أى بفتح السين والواو وسكون الوسط منهما) لا يقال: سمح ولا وغر (أى بالكسر)].
٢٣٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"من تعلَّم القرآن، ثم نسيه لقى الله، وهو أجذم".
[ ٢ / ٣٧١ ]
قال: حدَّثنيه "حجَّاج" عن "شعبة" عن "يزيد بن أبى زياد" عن "عيسى بن فائد" قال: حدَّثنى من سمع "سعد بن عبادة" يقول: قال النَّبىُّ -ﷺ-:
"من تعلَّم القرآن ثم نسيه لقى الله أجذم".
قوله: "أجذم" (١٩٤) هو المفطوع اليد.
يقال منه: [قد] جذمت يده تجذم جذمًا: إذا انقطعت، وذهبت.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وإن قطعتها أنت، قلت: جذمتها جذمًا، فأنا أجذمها.
ومن ذلك حديث "على [بن أبى طالب] " -﵁-: "من نكث بيعته لقى الله يوم القيامة أجذم، ليست له يد" فهذا يفسِّر لك الأجذم.
قال: أخبرنيه "يزيد" عن "شريك" عن "أبى إسحاق" عن
[ ٢ / ٣٧٣ ]
"علىٍّ بن ربيعة" عن "علٍّ" قال "المتلمِّس":
وهل كنت إلّاَ مثل قاطع كفِّه بكفٍّ له أخرى فأصبح أجذما
[ ٢ / ٣٧٤ ]
٢٤٠ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- الذى تحدِّثه عنه "قيلة" حين خرجت إليه، وكان عم بناتها أراد أن يأخذ بناتها منها
[ ٢ / ٣٧٥ ]
قالت: فلمَّا [أن] خرجت بكت هنيَّة منهنَّ، هى أصغرهن حديباء، كانت قد أخذتها الفرصة، وعليها سبيِّح لها من صوف.
فرحمتها، فحملتها معها، فبيناهما ترتكان إذ انتفجت الأرنب، فقالت الحديباء: الفصية! والله لا يزال كعبك عاليًا!
قالت: وأدركنى عمُّهن بالسيف، فأصابت ظبته طائفًة من قرون رأسيه، وقال ألقى إلىَّ ابنة أخى يا دفار! فألقيتها إليه، ثمَّ انطلقت إلى أخت لى ناكح فى "بنى شيبان" أبتغى الصحابة إلى رسول الله
[ ٢ / ٣٧٦ ]
[-ﷺ-]، فبينما أنا عندها ليلة تحسب عنِّى نائمة، إذ دخل زوجها من السامر، فقال: وأبيك لقد أصبت "لقيلة) صاحب صدق: "حريث بن حسَّان الشيبانىَّ".
فقالت أختى: الويل لى، لا تخبرها، فتتَّبع أخا "بكر بن وائل" بين سمع الأرض وبصرها، ليس معها رجل من قومها.
قالت: فصحبته صاحب صدق، حتى قدمَّنا على رسول الله -ﷺ- فصلَّيت معه الغداة، حتَّى إذا طلعت الشمس دنوت، فكنت إذا رأيت رجلًا ذا رواء وذا قشر، طمح بصرى إليه، فجاء رجل (١٩٥) فقال: السَّلام عليك يا رسول الله.
فقال رسول الله [-ﷺ-]: وعليك السلام، وهو قاعد القرفصاء، وعليه أسمال مليَّتين، ومعه عسيِّب نخلة مقشو غير خوصتين من أعلاه.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
قالت: فتقدَّم صاحبى، فبايعه على الإسلام، ثم قال: يا رسول الله! اكتب لى "بالدهناء".
فقال: يا غلام! اكتب له.
قالت: فشخص بى، وكانت وطنى ودارى.
فقلت: يا رسول الله! الدَّهناء مقيَّد الجمل، ومرعى الغنم، وهذه نساء "بنى تميم" وراء ذلك.
فقال: "صدقت المسكينة. المسلم أخو المسلم يسعهما الماء، والشجر، ويتعاونان على الفتَّان".
قال "أبو عبيد": ويروى: "الفتان".
وقال رسول الله -ﷺ-: "أيلام ابن هذه أن يفصل الخطَّة، وينتصر من وراء الحجزة".
[قال أبو عبيد]: قولها: أخذتها الفرصة:
[ ٢ / ٣٧٨ ]
هى الرِّيح التى يكون منها الحدب، والعامة تقولها بالسِّين، وأما المسموع من العرب، فبالصَّاد.
و[أما] قولها: "عليها سبيِّح لها": فإنَّه ثوب بعمل من الصوف لا أحسبه يكون إلَّا أسود.
وقولها: ترتكان، يعنى أنهما ترتكان بعيريهما: إذا أسرعا فى السَّير.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
يقال: قدرتك البعير يرتك رتكًا ورتكانًا.
وأرتكته أنا، فأنا أرتكه إرتاكًا.
وقولها: فقالت "الحديباء": الفصية! والله لا يزال كعبك عاليًا، فإنها تفاءلت بانتفاج الأرنب.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
والأصل فى الفصية: الشئ تكون فيه، ثم تخرج منه إلى غيره ومن هذا قيل: تفصَّيت من كذا وكذا، أى خرجت منه.
فكأنها أرادت أنَّها كانت، فى ضيق وشدة من قبل عمِّ بناتها، فتفصَّت، وخرجت منه إلى السعة.
ألا تسمع إلى قولها: والله لا يزال كعبك عاليًا.
وأما قولها: فأدركنى عمُّهن بالسيف، فأصابت ظبته بعض قرون رأسيه، فإن ظبته حدُّه، وجمعه ظبات وظبون، وهو ما يلى الطرف منه، ومثله ذبابة.
[ ٢ / ٣٨١ ]
قال "الكميت":
يرى الرَّاءون بالشَّفرات منَّا كنار أبى حباحب والظُّبينا
وقول الرجل للمرأة: ألقى إلىَّ ابنة أخى يا دفار، فالدَّفار: المنتنة (١٩٦) ومنه قيل للأمة يا دفار.
ومنه قول "عمر" [-﵁-]: "يا دفراه".
وزعم "الأصمعىُّ" أن العرب تسمِّى الدنيا "أمَّ دفر".
وقولها: تحسب عنِّى نائمة، فإنها أرادت: تحسب أنِّى نائمة.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وهى لغة "بنى تميم"، قال "ذو الرُّمة":
أعن ترسمت من خرقاء منزلًة ماء الصبابة من عينيك مسجوم
أراد "أأن" فجعل مكان الهمزة عينًا.
وقول أخت "قيلة": لا تخبرها فتتبع أخا "بكر بن وائل" بين سمع الأرض وبصرها.
فإنَّ بعضهم يقول: بين طولها وعرضها وهذا معنى يخرج.
ولكنَّ الكلام لا يوافقه، ولا أدرى ما الطُّول والعرض من السمع والبصر، ولكن وجهه عندى [-والله أعلم-] أنها أرادت: أن الرجل يخلو
[ ٢ / ٣٨٣ ]
بها ليس معها أحد يسمع كلامها، ولا يبصرها إلَّا الأرض القفر.
فصارت الأرض خاصًة كأنها هى التى تسمعها وتبصرها دون الأشياء والناس. وإنَّما هذا مثل ليس على أن الأرض تسمع وتبصر.
وقد روى عن النبىِّ -ﷺ- أنه أقبل من سفر، فلمَّا رأى "أحدًا" قال: "هذا جبل يحبُّنا ونحبُّه".
والجبل ليست له محبة.
ومنه قول الله [-﷿-]: "جدارًا يريد أن ينقضَّ" والجدار ليست له إرادة.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
والعرب تكلم بكثير من هذا النَّحو. كان "الكسائىُّ" يحكى عنهم أنهم يقولون: "منزلى ينظر إلى منزل فلان"، و"دورنا تناظر".
ويقولون: "إذا أخذت فى طريق كذا وكذا، فنظر إليك الجبل فخذ يمينًا عنه".
وإنما يراد بهذا كلَّه قرب ذلك الشئ منه.
ومنه حديث النبىِّ -ﷺ-: "لا تراءى ناراهما" ومثل هذا فى الكلام كثير.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وقول "قيلة": كنت إذا رأيت رجلًا ذا رواء وذا قشر طمح بصرى إليه، [أحسب أنه رسول الله [-ﷺ-]:
الرُّواء: المنظر، والقشر: اللِّباس.
وقولها: نظرت، فإذا رسول الله -ﷺ- قاعد القرفصاء عليه أسمال مليَّتين، ومعه عسيِّب نخلة مقشوُّ.
فإن القرفصاء جلسة المحتبى، إلا أنه لا يحتبى (١٩٧) بثوب، ولكن يجعل يديه مكان الثوب.
وأما الأسمال: فإنها الأخلاق، والواحد منها سمل.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
ويقال: قد سمل الثوب، وأسمل، لغتان.
والعسيِّب: جريد النخل، والمقشوُّ: المقشور.
قاله "الفراء": يقال: قشوت وجهه، أى قشرته.
ومنه حديث "معاوية" أنه دخل عليه، وهو يأكل لياءً مقشى.
وقولها: فلما ذكر "الدهماء" شخص بى. يقال للرجل إذا أتاه أمر يقلقه، ويزعجه: قد شخص به.
ولهذا قيل للشَّئ الناتئ: شاخص.
ولهذا قيل: شخوص البصر: إنما هو إرتفاعه.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
ومنه شخوص المسافر: إنما هو خروجه من مكانه، وحركته من موضعه.
وقول النبىِّ -ﷺ-: "ويتعاونان على الفتَّان".
ويقال: الفتَّان والفتات.
فمن قال: الفتان، فهو واحد، وهو الشيطان.
ومن قال: الفتان، فهو جمع يريد الشياطين وواحدها فاتن.
والفاتن: المضل عن الحقِّ، قال الله -﵎-: ﴿فإنكم
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلَّا من هو صال الجحيم﴾.
قال: حدَّثناه "ابن عليَّة" عن "خالد الحذَّاء" قال: سألت عنها "الحسن" فقال: "ما أنتم عليه بمضلِّين. إلَّا من هو صال الجحيم".
قال: إلِّا من كتب عليه أن يصلى.
قال: وحدَّثنا "حجَّاج" عن "ابن جريح" عن "مجاهد" مثله.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وقوله [-ﷺ-]: "أيلام ابن هذه أن يفصل الخطَّة": يعنى أنه نزل به أمر ملتبس مشكل لا يهتدى له، أنه لا يعيا به، ولكنه يفصله حتى يبرمه، ويخرج منه، وإنَّما وصفه بجودة الرأى.
وقوله: "وينتصر من وراء الحجزة: فإن الحجزة الرجال الذين يحجزون بين النَّاس، ويمنعون بعضهم من بعض.
يقول: فهذا إن ظلم بظلامة كان لظالمه من يمنعه من هذا.
فإنَّ عند هذا من المنعة والعزِّ، ما ينتصر من ظالمه، وإن كان أولئك قد حجزوه عنه حتَّى يستوفى حقَّه.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
وفى هذا الحديث أنَّ النَّبىِّ -ﷺ- حمده على دفع الظلم عن نفسه، وترك الاستخذاء فى ذلك. وفى التنزيل ما يصدِّق هذا، قال الله -﵎-: ﴿والَّذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون﴾.
قال: حدثنى "ابن مهدى" عن "سفيان" (١٩٧) عن "منصور" عن "إبراهيم" فى هذه الآية، قال: كانوا يكرهون أن يستذلُّوا.
٢٤١ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "لا تحرِّم الإملاجة ولا الإملاجتان".
[ ٢ / ٣٩١ ]
قال "الكسائىُّ" و"أبو الجرَّاح" وغيرهما: ["قوله: الإملاجة والإملاجتان"]: يعنى المرأة ترضع الصَّبىَّ مصَّةً،
[ ٢ / ٣٩٢ ]
أو مصَّتين، والمصُّ هو الملج.
يقال [منه]: قد ملج الصَّبىُّ أمَّه يملجها ملجًا.
ومن هذا قيل: رجل مصّان، وملجان، ومكَّان [ومقَّان].
وكلُّ هذا من المصِّ، يعنون: أنَّه يرضع الغنم من اللُّوم، ولا يحتلبها فيسمع صوت الحلب ولهذا قيل: لئيم راضع.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
فإن أردت أن تكون المرأة هى الَّتى ترضع، فتجعل الفعل لها، قلت: قد أملجت صبيَّها إملاجًا.
فذلك قوله: "الإملاجة والإملاجتان".
يعنى أن تمصَّه هى لبنها.
قال "أبو عبيد": يقال: ملج يملج، وملج يملج.
وأما حديث "المغيرة بن شعبة":
"لا تحرِّم العيفة".
[ ٢ / ٣٩٤ ]
فإنَّا لا نرى هذا محفوظًا، ولا نعرف العيقة فى الرَّضاع، ولكنَّا نراها العفَّة، وهى بقية اللبن فى الضَّرع بعد ما يمتكُّ أكثر ما فيه.
وقد يقال لها: العفافة، قال "الأعشى" يصف ظبيًة وغزالها:
وتعادى عنه النهار فما تعـ ـجوه إلَّا عفافه أو فواق
[ ٢ / ٣٩٥ ]
[قال "الأصمعىُّ": العفافة: ما فى الضَّرع من اللَّبن قبل نزول الدِّرَّة، والغرار: آخرها].
يقال: قد امتكَّ الفصبل ما فى ضرع أمِّه: إذا لم يبق فيه من اللَّبن شيئًا.
وهذا حديث ثبت عن النَّبىِّ -ﷺ-.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
أنَّه قال:
"لا تحرِّم الإملاجة، ولا الإملاجتان".
وفى حديث آخر:
"لا تحرِّم المصَّة، ولا المصَّتان".
قال: حدَّثناه "إسماعيل بن إبراهيم" عن "أيوب" عن
[ ٢ / ٣٩٧ ]
"ابن أبى مليكة" عن "عبد الله بن الزُّبير" عن "عائشة" [-﵂-] عن النبىِّ -ﷺ-.
والذى أجمع عليه أهل العلم من أهل الحجاز والعراق أن المصَّة الواحدة تحرِّم.
وحديث رسول الله [-ﷺ-] إذا ثبت أولى بأن يعمل به ويتَّبع.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
٢٤٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: أنه قال: "دخلت امرأة فى هرَّةٍ ربطتها، فلم تطعمها، ولم تسقها، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
قال: حدثنيه "إسماعيل بن جعفر" عن "محمد بن عمرو" عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة" (١٩٩) عن النبي - ﷺ -:
قوله: خشاش [الأرض] فالخشاش: الهوام، ودواب الأرض، وما أشبهها. فهذا بفتح الخاء.
وأما الخشاش -بالكسر- فخشاش البعير، وهو العود الذي يجعل في أنفه.
قال: "الأصمعي": الخشاش: ما كان في العظم منه، والعران:
[ ٢ / ٤٠٠ ]
ما كان فى اللَّحم، والبرة: ما كان فى المنخر.
قال "أبو عبيدة": والخزامة: هى الحلقة التى تجعل فى أنف البعير فإن كانت من صفر فهى برةُّ، وإن كانت من شعر فهى خزامة.
وقال غير "أبى عبيدة": وإن كان عودًا فهو خشاش.
[ ٢ / ٤٠١ ]
قال "الكسائىُّ": يقال من ذلك كلِّه: خزمت البعير، وعرنته، وخششته، وهو مخزومُّ، ومعرون، ومخشوش.
ويقال من البرة خاصَّةً بالألف: أبريته، فهو مبرًى، وناقة مبراة.
٢٤٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ-: "فصل [ما] بين الحلال والحرام الصوت والدُّفُّ
[ ٢ / ٤٠٢ ]
فى النِّكاح".
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "أبو بلح" عن "محمد ابن حاطب" عن النَّبىِّ -ﷺ-.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
أمَّا الدُّفُّ، فهو هذا الذى تضرب به النِّساء.
وقد زعم بعض الناس أن الدَّف لغة.
فأما الجنب فالدَّفُّ لا اختلاف فيه بالفتح.
وقوله: "الصوت".
فإن الناس يختلفون فيه، فبعض الناس يذهب به إلى السَّماع.
وهذا خطأ فى التأويل على رسول الله -ﷺ-.
إنَّما معناه عندنا: إعلان النِّكاح، واضطراب الصوت به، والذِّكر فى الناس، كما يقال: فلان قد ذهب صوته فى الناس.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وكذلك قال "عمر" -﵀-: "أعلنوا هذا النِّكاح، وحصِّنوا هذه الفروج".
٢٤٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النبىِّ -ﷺ-: "لا تولَّه والدة عن ولدها، ولا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة".
[ ٢ / ٤٠٥ ]
قال: حدَّثناه "أبو معاوية" عن "حجَّاج بن أرطاة" عن "الزُّهرىِّ" يرفعه.
قوله: "لا تولَّه والدة عن ولدها".
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فالتَّوليه: أن يفرَّق بينهما فى البيع.
وكلُّ أنثى فارقت ولدها، فهى واله. قال "الأعشى" يذكر بقرًة أحلَّ السِّباع ولدها:
فأقبلت والهًا ثكلى على عجل كل دهاها وكلُّ عندها اجتمعا
وقوله: "لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة".
فالحائل: التى [قد] وطئت (٢٠٠)، فلم تحمل.
يقال: حالت الناقة والمرأة، وغير ذلك: إذا كانت غير حامل، فهى تحول حيالًا.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
والجمع من ذلك حول، وحولل، وهذا على غير قياس.
ويقال فى الحولل: إنه مصدر.
يقال: حالت حيالًا وحوللًا، فزادوا لامًا، كما زادوا الدَّال فى السُّودد، وإنَّما أصلها دال واحدة.
وكذلك قولهم: عوطط مثل حولل فى المعنى.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وكذلك الحرب إذا خمدت بعد وقود، قيل: حاالت حيالًا.
وإن هاجت بعد ذلك، قيل: [قد] لفحت عن حيال.
وأما قوله: "ولا حامل حتى تضع".
فإنه فى السَّبى: أن تسبى المرأة، وهى حامل، فلا يحلُّ وطؤها، حتى تضع [ما فى بطنها]، وكذلك فى الشِّراء [أيضا].
وكذلك الحائل فى الشراء، والسَّبى جميعًا.
وكذلك فى الهبة والصَّدقة وغير ذلك.
٢٤٥ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٤٠٩ ]
"لا يأخذنَّ أحدكم متاع أخيه لاعبًا جادًّا".
قال: حدَّثنيه "شبابة" عن "ابن أبى ذئب" عن "عبد الله ابن السَّائب بن يزيد" عن "أبيه" عن "جدَّه" عن النَّبىِّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٤١٠ ]
[قال]: قوله: "لاعبًا جادًّا": يعنى أن يأخذ متاعه لا يريد [به] سرقته، إنما يريد إدخال الغيظ عليه.
يقول: فهو لاعب فى مذهب السَّرقة.
[وهو] جاد فى إدخال الأذى والرَّوع عليه.
وهذا مثل حديثه: "لا يحلُّ لمسلم أن يروِّع مسلمًا".
[ ٢ / ٤١١ ]
[هذا] ومثل حديثه: "إذا مرَّ أحدكم بالسهام، فليمسك بنصالها".
ومثل حديثه: "أنَّه مرَّ بقوم يتعاطفون سيفًا، فنهاهم عنه".
[ ٢ / ٤١٢ ]
وكلُّ هذا كراهة لروعة المسلم، وإدخال الأذى عليه، وإن كان الآخر لا يريد قتله، ولا جرحه.
٢٤٦ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: "أنَّه نهى أن يمنع نقع البئر".
[ ٢ / ٤١٣ ]
قال: حدَّثنيه "يزيد" عن "محَّمد بن إسحاق" عن "محمَّد ابن عبد الرَّحمن" عن "عمرة" عن "عائشة" [-﵂-] عن النَّبىِّ -ﷺ:
يعنى فضل الماء من موضعه الَّذى يخرج منه العين، أو غير ذلك من قبل أن يصير فى إناء أو وعاء لأحد.
فإذا صار ذلك (٢٠١)، فصاحبه أحقُّ به، وهو مال
[ ٢ / ٤١٤ ]
من ماله.
وأما حديثه الآخر، أنَّه فال:
"من منع فضل الماء، ليمنع به فضل الكلإ، منعه الله فضله يوم القيامة".
هو من حديث "يزيد" عن "هشام" عن "الحسن" يرفعه.
[ ٢ / ٤١٥ ]
قال: وحدَّثنا "أبو النَّضر" عن "ليث بن سعد" عن "أبى الزِّناد" عن "الأعرج" عن "أبى هريرة" عن النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال:
"لا يمنع فضل الماء، ليمنع به فضل الكلإ".
فإنَّها هى البئر تكون فى بعض البوادى، ويكون قربها كلأ، فربما سبق إليها بعض النَّاس، فمنعوا من جاء بعدهم، فإذا منعوهم الماء، فقد منعوهم الكلأ، لأنَّهم إذا أرعوها الكلأ، ثمَّ لم يرووها من الماء قتلها العطش.
فهذا تأويل قوله: "من منع فضل الماء، ليمنع به فضل الكلأ
[ ٢ / ٤١٦ ]
منعه الله فضله يوم القيامة". ومنه الحديث الآخر من حديث "هشيم" عن "عوف" عن "رجل" عن "أبى هريرة" لا أدرى أرفعه أم لا.
قال: "حريم البئر أربعون ذراعًا من حواليها لأعطان الإبل والغنم"
قال: "وابن السبيل أول شارب لا يمنع فضل الماء، ليمنع به فضل الكلإ".
قال "أبو عبيد": معناه: هذه البئر الَّتى وصفنا تكون فى قرب الكلإ ليست فى ملك أحد، فليس ينبغى أن تناخ فيها إبل،
[ ٢ / ٤١٧ ]
ولا تشغل بغنم ولا غيره أربعين ذراعًا فى كلِّ جوانبها إلَّا للواردة قطُّ، قدر ما ترد وتعطن.
فإذا انقطع ذلك، فلا حقَّ لها فيه.
ويكون "ابن السَّبيل" أحقَّ به حتَّى يسقى، ثمَّ الَّذى يأتى بعده كذلك أيضًا.
فهذا قوله: "وابن السَّبيل أوَّل شارب".
قال "أبو عبيد": وقد يكون فضل الماء أيضًا: أن يسقى
[ ٢ / ٤١٨ ]
الرَّجل أرضه، فيفضل بعد ذلك ما لا يحتاج إليه، فليس له أن يبيع فضل ذلك الماء.
كذلك يروى عن "عبد الله بن عمرو".
٢٤٧ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ- "فى ذكر أسنان الإبل، ما جاء منها فى الصَّدقة، وفى الدِّية، وفى الأضحيَّة".
[ ٢ / ٤١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
قال "الأصمعىُّ"، و"أبو زياد الكلابىُّ"، و"أبو زيد الأنصارىُّ، وغيرهم دخل كلام بعضهم فى [كلام] بعض".
قالوا: أوَّل أسنان الإبل: إذا وضعت النَّاقة.
فإن كان ذلك فى أول النِّتاج فولدها ربع، والأنثى ربعة.
وإن كان فى آخره، فهو هبع [والأنثى هبعة].
ومن الرُّبع حديث "عمر" -﵁- حين سأله رجل
[ ٢ / ٤٢١ ]
من الصَّدقة، فأعطاه ربعًة يتبعها ظئراها.
وهو فى كلِّ هذا حوار.
فلا يزال (٢٠٢) حوارًا حولًا، ثمَّ يفصل.
فإذا فصل عن أمِّه، فهو فصيل، والفصال هو الفطام.
ومنه الحديث: "لا رضاع بعد فصال".
[ ٢ / ٤٢٢ ]
فإذا استكمل الحول، ودخل فى الثَّانى، فهو "ابن مخاض"، والأنثى "بنت مخاض" وهى الَّتى تؤخذ فى خمس وعشرين من الإبل صدقًة عنها.
وإنَّما سمِّى ابن مخاض، لأنَّنه قد فصل عن أمِّه، ولحقت أمُّه بالمخاض، وهى الحوامل، فهى من المخاض، وإن لَّم تكن حاملًا، فلا يزال "ابن مخاض" السَّنة الثانية كلَّها.
فإذا استكملها، ودخل فى الثَّالثة فهو "ابن لبون"، والأنثى "بنت لبون".
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وهى التى تؤخذ فى الصدقة إذا جازت الإبل خمسًا وثلاثين. وإنَّما سمِّى "ابن لبون"، لأنَّ أمَّه كانت أرضعته السنة الأولى، ثم كانت من المخاض السَّنة الثانية، ثمَّ وضعت فى الثَّالثة، فصار بها لبن، فهى لبون، وهو "ابن لبون" والأنثى "بنت لبون". ولا يزال كذلك السَّنة الثالثة كلَّها.
فإذا مضت الثَّالثة، ودخلت الرَّابعة، فهو حينئذ حقٌّ، والأنثى حقَّةُّ. وهى الَّتى تؤخذ فى الصَّدقة إذا جازت الإبل خمسَا وأربعين.
ويقال: إنَّه إنَّما سمَّى "حقَّا"، لأنَّه قد استحقَّ أن يحمل عليه، ويركب
[ ٢ / ٤٢٤ ]
يقال: هو حقٌّ بين الحقَّة، وكذلك الأنثى حقَّةٌّ.
قال "الأعشى":
بحقَّيها ربطت فى اللَّجيـ ـين حتَّى السَّديس لها قد أسنَّ
[ ٢ / ٤٢٥ ]
اللَّجين: ما تلجَّن من الورق، وهو أن يدقَّ حتىَّ يتلزَّج، ويلصق بعضه ببعض.
فلا يزال كذلك حتَّى يستكمل الأربع، ويدخل فى السَّنة الخامسة فهو حينئذ جذع، والأنثى جذعة.
وهى الَّتى تؤخذ فى الصدقة إذا بلغت الإبل خمسًا وسبعين.
ثم ليس فى الصَّدقة سن من الأسنان من الإبل فوق الجذعة.
فلا يزال كذلك حتى تمضى الخامسة.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
فإذا مضت الخامسة، ودخلت السَّنة السَّادسة، وألقى ثنيَّته حينئذ ثنىُّ، والأنثى ثنيَّة.
وهو أدنى ما يجوز من أسنان الإبل فى النَّحر.
هذا من الإبل (٢٠٣) والبقر.
والمعز لا يجزى منه فى الأضاحى إلَّا الثَّنىُّ فصاعدًا.
وأمَّا الضَّأن خاصَّةً، فإنَّه يجزى منه الجذع، لحديث النَّبىِّ -ﷺ-[فى ذلك].
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وأما الدِّيات، فإنَّها يدخل فيها "بنات المخاض" و"بنات اللَّبون" و"الحقاق" و"الجذاع" هذا فى الخطأ.
فأمَّا فى شبه العمد، فإنها حقاق وجذاع.
وما بين"ثنيَّة" إلى بازل عامها كلِّها خلفة، والخلفة الحامل.
وتفسير ذلك أنَّ الرَّجل خطأً، وهو أن يتعمَّد غيره، فيصيبه، فتكون الدِّية على عاقلته أرباعًا.
خمس وعشرون "بنت مخاض"، وخمس وعشرون "بنت لبون" وخمس وعشرون حقًة، وخمس وعشرون جذعًة.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وبعض الفقهاء يجعلها أخماسًا:
عشرين "بنت مخاض"، وعشرين "بنت لبون" وعشرين "ابن لبون" ذكرًا، وعشرين حقَّةً، وعشرين جذعًة.
فهذا الخطأ.
وأما شبه العمد: فأن يتعمَّد الرَّجل الرجل بالشئ لا يقتل مثله، فيموت منه.
ففيه الدِّية مغلَّظًة أثلاثًا.
ثلاث وثلاثون حقَّةً، وثلاث وثلاثون جذعًة، وأربع وثلاثون ما بين ثنيَّة إلى بازل عامها، كلُّها خلفة.
ثمَّ لا يزال الثَّنىُّ من الإبل ثنيَّا حتى تمضى السَّادسة.
فإذا مضت، ودخل فى السَّابعة، فهو حينئذ رباع،
[ ٢ / ٤٢٩ ]
والأنثى رباعية.
فلا يزال كذلك حتىَّ تمضى السَّابعة.
فإذا مضت [السَّابعة]، ودخل فى الثامنة [و] ألقى السِّنَّ الَّتى بعد الربَّاعية، فهو حينئذ سديس، وسدس، لغتان.
وكذلك الأنثى، لفظهما فى هذه الِّسِّ واحد.
فلا يزال كذلك حتى تمضى الثَّامنة.
فإذا مضت الثَّامنة، ودخل فى التَّاسعة فطر نابه، وطلع، فهو حينئذ بازل. وكذلك الأنثى بازل بلفظه.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
فلا يزال بازلًا حتَّى تمضى التاسعة.
فإذا مضت [التاسعة]، ودخل فى العاشرة، فهو حينئذ مخلف، ثم ليس له اسم بعد الإخلاف.
ولكن يقال: بازل عام، وبازل عامين.
ومخلف عام، ومخلف عامين إلى ما زاد على ذلك.
فإذا كبر فهو عود، والأنثى عودة (٢٠٤).
فإذا هرم، فهو قحر للذكر.
[ ٢ / ٤٣١ ]
أمَّا الأنثى، فهى النَّاب والشارف.
ومنه الحديث [الآخر] فى الصدقة: "خذ الشَّارف والبكر".
وفى أسنان الإبل أشياء كثيرة، وإنَّما كتبنا منها ما جاء فى هذا الحديث.
٢٤٨ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"فى الموضحة، وما جاء عن عيره فى الشِّجاج".
[ ٢ / ٤٣٢ ]
قال "الأصمعىُّ" وغيره: دخل كلام بعضهم فى بعض.
[قالوا أو من قال منهم]: أوَّل الشِّجاج الحارصة: وهى الَّتى تحرص الجلد، يعنى التى تشقُّه قليلًا.
ومنه قيل: حرص القصَّار الثوَّب: إذا شقَّه.
وقد يقال لها: الحرصة أيضًا.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
قال ["أبو عبيد"]، وسمعت "إسحاق الأزرق" يحدِّث عن "عوف" قال: شهدت فلانًا، قد سمَّاه "إسحاق": يعنى بعض قضاة أهل "البصرة" قضى فى حرصتين بكذا وكذا.
ثم الباضعة: وهى الَّتى تشقُّ اللَّحم تبضعه بعد الجلد.
ثم المتلاحمة: وهى التى [قد] أخذت فى اللحم، ولم تبلغ السِّمحاق.
والسِّمحاق: جلدة، أو قشرة رقيقة بين العظم واللحم.
قال "الأصمعىُّ": "وكل قشرة رقيقة [أو جلدة رقيقة] فهى سمحاق.
فإذا بلغت الشَّجة تلك القشرة حتَّى لا يبقى بين العظم وبين
[ ٢ / ٤٣٤ ]
اللحم غيرها. فتلك الشَّجة هى السِّمحاق.
وقال "الواقدىُّ": هى عندنا الملطى
قال: وقال غيره: هى الملطاة.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
قال: وهى التى جاء فيها الحديث:
"يقضى فى الملطى بدمها".
[قال "أبو عبيد"]: ثم الموضحة، وهى التى يكشط عنها ذلك القشر، أو يشقُّ حتى يبدو وضح العظم، فتلك الموضحة.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وليس فى شئ من الشِّجاج قصاص، إلَّا فى الموضحة خاصَّةً، لأنَّه ليس منها شئ له حدُّ ينتهى إليه سواها.
وأمَّا غيرها من الشِّجاج، ففيه ديتها".
ثم الهاشمية، وهى الَّتى تهشم العظم.
ثم المنقِّلة، وهى التى ينقل منها فراش العظام.
ثمَّ الآمَّة، وهى التى يقال لها: المأمومة، وهى الَّتى تبلغ أم الرَّأس، يعنى الدِّماغ.
قال [" .. أبو عبيد"]: يقال فى قوله: "يقضى فى الملطى:
[ ٢ / ٤٣٧ ]
بدمها": [يعنى] أنَّه إذا شجَّ الشاجُّ حكم عليه للمشجوج بمبلغ الشَّجَّة سلعة شجَّ، ولا يستأنى بها.
قال: وسائر الشِّجاج يستأنى بها حتَّى ينظر إلى ما يصير أمرها، ثم يحكم فيها حينئذ.
(٢٠٥) قال "أبو عبيد": والأمر عندنا فى الشَّجاج كلِّها والجراحات كلِّها أنَّه يستأنى بها.
قال: "حدَّثنا هشيم" عن "حصين"، قال: قال عمر ابن عبد العزيز":
"مادون الموضحة خدوش فيها صلح".
قال "أبو عبيد": ومن الشِّجاج أيضًا عن غير هؤلاء الَّذين سمَّينا: الدَّامية: وهى الَّتى تدمى من غير يسيل منها دم:
[ ٢ / ٤٣٨ ]
ومنها الدَّامعة: وهى أن يسيل منها دم.
٢٤٩ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-، أنَّه كان إذا استفتح القراءة فى الصَّلاة قال:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزة، ونفثه، ونفخه. فقيل: يا رسول الله!
[ ٢ / ٤٣٩ ]
ما همزه، ونفثه، ونفخه؟
فقال: أمَّا همزة فالموتة.
وأمَّا نفثه: فالشِّعر.
وأما نفخه: فالكبر.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٤١ ]
فهذا تفسير من النبىِّ -ﷺ- ولتفسيره [-ﷺ-) تفسير أيضًا.
فالموتة: الجنون، وإنَّما سمَّاه همزًا، لأنَّه جعله من النَّخس والغمز، وكل شئ دفعته، فقد همزته.
وأمَّا الشِّعر، فإنَّه سمَّاه نفثًا، لأنَّه كالشَّئ ينفثه الإنسان من فيه، مثل الرُّقية ونحوها.
وليس معناه إلَّا الشِّعر الَّذى كان المشركون يقولونه فى النَّبىِّ -ﷺ- وأصحابه، لأنه قد رويت عنه رخصة
[ ٢ / ٤٤٢ ]
الشِّعر من غير ذلك الَّذى قيل فيه وفى أصحابه.
وأما الكبر فإنَّما سمِّى نفخًا، لما يوسوس إليه الشيطان فى نفسه، فيعظِّمها عنده، ويحقِّر الناس فى عينيه حتى يدخله لذلك الكبر والتجبر والزهو.
٢٥٠ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: أنَّه قال "لعلّى":
"إنَّ لك بيتًا فى الجنَّة، وإنَّك ذو قرنيها".
[ ٢ / ٤٤٣ ]
[قال أبو عبيد" وقد] كان بعض أهل العلم يتأوَّل هذا الحديث، أنَّه ذو قرنى الجنَّة: يريد ذو طرفيها.
وإنَّما تأول ذلك، لذكره الجنة فى أول الحديث.
وأمَّا أنا فلا أحسبه أراد ذلك -والله أعلم-، ولكنه أراد: إنَّك ذو قرنى هذه الأمَّة، فأضمر الأمة، وهذا سائر كثير فى القرآن، وفى كلام العرب وأشعارهم، أن يكنوا عن الاسم.
من ذلك قول الله -جل ثناؤه-: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [ولكن يؤخِّرهم إلى أجل مسمى﴾].
[ ٢ / ٤٤٤ ]
وفى موضع آخر: ﴿ما ترك عليها من دابة﴾.
فمعناه عند النَّاس: الأرض، وهو لم يذكرها.
وكذلك قوله: ﴿حتَّى توارت بالحجاب﴾.
يفسِّرونه أنَّه أراد الشَّمس فأضمرها (ولم يذكرها).
وقد يقول القائل: "ما بها أعلم من فلان".
يعنى القرية، والمدينة، ونحو ذلك (٢٠٦).
وقال "حاتم":
أما وىَّ ما يغنى الثَّراء عن الفتى إذا حشرجت يومًا، وضاق بها الصَّدر
[ ٢ / ٤٤٥ ]
يعنى النَّفس، ولم يذكرها.
وإنَّما اخترت هذا التفسير على الأوَّل لحديث عن "عليٍّ" نفسه هو عندى مفسِّر له، ولنا.
وذلك أنَّه ذكر "ذا القرنين"، فقال:
دعا قومه إلى عبادة الله [﷿]، فضربوه على قرنيه ضربتين، وفيكم مثله.
["أبو عبيد"]: فنرى أنَّه أراد، بقوله هذا نفسه، أى
[ ٢ / ٤٤٦ ]
إنِّى أدعو إلى الحقِّ حتَّى أضرب على رأسى ضربتين، يكون فيهما قتلى.
٢٥١ - وقال "أبو عبيد": فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-: أنَّه كان يصلِّى من اللَّيل، فإذا مرَّ بآية فيها ذكر الجنَّة سأل، وإذا مرَّ بآية فيها ذكر النَّار تعوَّذ، وإذا مرَّ بآية فيها تنزيه لله سبحَّ"
[ ٢ / ٤٤٧ ]
قوله: تنزيه: يعنى ما ينزَّه عنه -﵎- من أن يكون له شريك أو ولد، وما أشبه ذلك.
وأصل التَّنزُّه: البعد مما فيه الأدناس، والقرب إلى ما فيه الطَّهارة، والبراءة، ومنه قول "عمر" [-﵁] حين كتب إلى "أبى عبيدة" [-﵁-].
[ ٢ / ٤٤٨ ]
"إنَّ الأردنَّ أرض غمقة، وإنَّ الجابية أرض نزهة، فاظهر بمن معك من المسلمين إليها".
قال "أبو عبيد": إنَّما أراد بالغمقة ذات النَّدى والوباء وأراد بالنزهة البعد من ذلك.
ثمَّ كثر استعمال الناس للنُّزهة فى كلامهم حتى جعلوها فى البساتين، والخضر.
ومعناه راجع إلى ذلك الأَصل.
٢٥٢ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٤٤٩ ]
"أنَّ العين وكاء السَّه فإذا نام أحدكم فليتوضَّأ".
وفى حديث آخر:
"فإذا نامت العين استطلق الوكاء".
[قال: حدَّثنيه "نعيم بن حمّاد" عم "بقية بن الوليد" عن "الوضين بن عطاء" عن "محفوظ بن علقمة" عن "عبد الرَّحمن
[ ٢ / ٤٥٠ ]
ابن عائذ" عن "علّى" عن النَّبىِّ -ﷺ- أنَّه قال: العين وكاء السَّه، فإذا نامت العين استطلق الوكاء"].
قوله: "السَّه"، يعنى حلقة الدُّبر.
والوكاء: أصله هو الخيط أو السَّير الذى يشدُّ به رأس القربة.
فجعل اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة.
يقول: فإذا نامت العين استرخى ذلك الوكاء، فكان منه الحدث.
[ ٢ / ٤٥١ ]
وقال الشَّاعر فى السَّه:
شأتك قعين غثُّها وسمينها وأنت السَّه السُّفلى إذا دعيت نصر (٢٠٧)
قال "أبو عبيد": "نصر" قبيلة من "بنى أسد".
وقال آخر:
أدع فعيلًا باسمها لا تنسه إن فعيلًا هى صئبان السَّه
٢٥٣ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"إن آخر من يدخل الجنَّة لرجل يمشى على الصِّراط، فينكبُّ مرَّةً، ويمشى مرَّةً، وتسفعه النار [مرة].
[ ٢ / ٤٥٢ ]
فإذا جاوز الصِّراط ترفع له شجرة، فيقول: يارب! أدننى من هذه [الشجرة] أستظلُّ بها، ثمَّ ترفع له أخرى، فيقول مثل ذلك. ثم يسأله الجنَّة.
فيقول الله [-﵎-]:
ما يصريك منِّى أى عبدى؟
أيرضيك أن أعطيك الدُّنيا ومثلها معها".
[ ٢ / ٤٥٣ ]
قوله: "يصريك".
يقول: يقطع مسألتك منِّى.
وكل شئ قطعته ومنعته، فقد صريته.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
قال الشاعر [وهو ذو الرُّمة]:
[فودَّعن مشتاقًا أصبن فؤاده] هواهنَّ - إن لَّم يصره الله قاتله.
٢٥٤ - وقال "أبو عبيد" فى حديث النَّبىِّ -ﷺ-:
"أن مصدِّقًا أتاه بفصيل مخلول فى الصَّدقة.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فقال النَّبىِّ -ﷺ-: "أنظروا إلى فلان أتانا بفصيل مخلول" فبلغه.
فأتاه بناقة كوماء".
قوله: المخلول: هو الهزيل الذى قد خلُّ جسمه.
وأظنُّ أن أصل هذا أنَّهم ربَّما خلُّو لسان الفصيل لكيلا يرضع من أمِّه متى ما شاء، حتَّى يطلقوا عنه الخلال، فيرضخ حينئذ، ثمَّ يفعلون به مثل ذلك أيضًا، فيصير مهزولًا لهذا.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
٢٥٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ- في الملاعنة قال: (إن جاءت به سبطّا قضيء العين كذا وكذا، فهو "لهلال بن أمية".
[ ٢ / ٤٥٧ ]
فالقضئ العين، هو الفاسدها.
ومنه يقال: قد قضئ الثَّوب، وتقضَّأ، مهموزٌ: إذا تفزَّر وتمسَّى قال "الأحمر": يقال للقربة إذا تشقَّقت، وبليت: إنَّها - قضئةٌ.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
٢٥٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبيَّﷺ- حين انكسفت الشمس على عهده، وذلك حين ارتفعت قيد رمحين أو ثلاثة اسودَّت حتىَّ آضت كأنها تنُّومةٌ، فذكر حديثا طويلًا في صلاة النَّبيَّﷺيومئذٍ وخطبته.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
فالتنومة: من نبات الأرض فيه سوادٌ، أو في ثمره، وهو ممَّا تأكله النّعام، وجمعها تنُّومٌ.
ومنه قول "زهير" يذكر الظَّلم، فقال:
أصكَ مصلَّم الأذنين أجنى له بالسيِّ تنُّوم وآء
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وقوله: "اجنى"، أي صار له جنًى.
والتَّنَّوم، والآء ضربان من النَّبات.
وقوله: "آضت": يعني صارت. قال "زهيرٌ" يذكر أرضًا قطعها، فقال:
قطعت إذا ما الآل آذ كأنَّه سيوفٌ تنحَّى تارةً ثمَّ تلتقى
[ ٢ / ٤٦١ ]
٢٥٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيَّﷺحين أتاه "عديٌّ بن حاتم" قبل إسلامه، فعرض عليه الإسلام، فقال له "عديٌّ": إنِّي من دينٍ.
وقال له النَّبيَّﷺ-:
" إنّك تأكل المرباع، وهو لا يحلٌّ لك في دينك.
وقال له النَّبيَّﷺ-:
إنَّك من أهل دينٍ يقال لهم: الرَّكوسيَّة".
[ ٢ / ٤٦٢ ]
فيروي تفسير الرَّكوسيَّة عن "ابن سيرين" أنَّه قال:
"هو دينٌ بني النَّصارى والصَّابئين "
فقوله: "من دينٍ"، يريد: من أهل دينٍ.
وأمَّا [قوله]: "المرباع"، فإنَّه شيءٌ
[ ٢ / ٤٦٣ ]
كان يخصُّ به الرَّئيس في مغازيهم يأخذ ربع الغنيمة خالصًا له دون أصحابه.
وكذلك يروى في حديثٍ آخر عن "عديِّ بن حاتم" [أنَّه] قال:
"ربعت في االجاهليَّة، وخمست في الإسلام".
وقد كان للرَّئيس مع المرباع أشياء أيضًا سواهٌ، قال الشَّاعر يمدح رجلًا:
لك المرباع فيها والصّفايا وحكمك والنَّشيطة والفضول
[ ٢ / ٤٦٤ ]
فالمرباع: ما وصفنا.
والصَّفايا: واحدها صفيُّ، وهو ما يصطفيه لنفسه، أي يختاره من الغنيمة أيضًا قبل القسم.
وحكمه: ما احتكم فيها من شيءٍ كان له.
والنَّشيطة: ما مرُّوا به غزاتهم على طريقهم سوى المغار الذي قصدوا له.
والفضول: ما فضل عن القسم، فلم يمكنهم ان يبعِّضوه صار له أيضًا.
فكل هذه الخلال كانت لرؤساء الجيوش من الغنائم.
وفي الحديث:
"أنّ النَّاس كانوا علينا ألبًا واحدًا".
[ ٢ / ٤٦٥ ]
فالألب: أن يكونوا مجتمعين على عداوتهم.
يقال "بنو فلان" ألبٌ على "بني فلان": إذا كانوا يدًا واحدةً عليهم بالعداوة.
ويقال: تألّي القوم [تألبًُّا].
[ ٢ / ٤٦٦ ]
٢٥٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيَّﷺأنه قال: "يخرج قوم (٢٠٩) من "المدينة" إلى "اليمن" والشَّام" أو "العراق" يبسُّون. و"المدينة" خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون".
قوله: "يبسُّون": هو أن يقال: في زجر الدابَّة "بس. بس"
[ ٢ / ٤٦٧ ]
[أو "بس. بس" وأكثر ما يقال بالفتح].
وهو صوت الزَّجر للسوق إذا سقت حمارًا، او غيره.
وهو من كلام "أهل اليمن".
وفيه لغتان: بست وأبست.
فيكون على هذا القياس يبسُّون، ويبسُّون.
٢٥٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبِّيﷺ-: أنه مرَّ برجل يعالج طلمًة لأصحابه في سفر، وقد عرق، وأذاه وهج النار، فقال [النبيُّ]-ﷺ-:
[ ٢ / ٤٦٨ ]
" لا يصيبه حرُّ جهنم أبدًا ".
يروى عن "بقية بن الوليد" عن "أبي عمر السُّلفي" عن "بديل الشِّهالِّي" يرفعه.
قوله: "الطُّلمة": يعني الخبزة، وهي التي يسمِّيها النناس الملَّة.
وإنَّما الملَّة: اسم الحفرة نفسها.
فأما التي تمل فيها، فهي الظُّلمة، والخبزة
[ ٢ / ٤٦٩ ]
والمليل.
وأكثر من يتكلَّم بهذه الكلمة "أهل الشَّام" والثغور، وهي مبتذلةٌ عندهم والذي يراد من هذا الحديث: أنَّه حمد الرَّجل على أن خدم أصحابه في السَّفر: يعني خبز لهم.
٢٦٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: أنه قال في مرضه الَّذي مات فيه:
"أجلسوني في مخضب فاغسلوني".
[ ٢ / ٤٧٠ ]
قال "أبو عبيد": فالمخضب: هو مثل الإجَّاتة التي يغسل فيها الثِّياب، ونحوها.
وقد يقال له:
[ ٢ / ٤٧١ ]
المركن أيضًا.
ومنه حديث "حمنة بن جحش" أنَّها كانت تجلس في مركن لأختها "زينب" وهي مستحاضةٌ، حتَّى تعلو صفرة الدَّم الماء.
٢٦١ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبيِّﷺ-: أنَّه سئل عن الفرع، فقال:
[ ٢ / ٤٧٢ ]
[هو] حقٌّ، وأن تتركه حتى يكون "ابن مخاض" - أو "ابن لبون" زخزبًّا خيرٌ من أن تكفأ إناءك، وتولِّه ناقتك، وتذبحه يلصق لحمه بوبره".
[ ٢ / ٤٧٣ ]
يروى عن "معمر" و"سفيان بن عيينة" عن زيد بن أسلم" عن رجل من "بني ضمرة" عن عمِّة، عن النَّبيِّﷺقوله: "الفرع": هو أول شيءٍ تنتجه النَّاقة، فكانوا يجعلونه لله [-﷿-] فقال النَّبيُّﷺ-: "هو حقٌّ ".
ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد، فكره (٢١٠) ذلك، وقال: دعه حتى يكون "ابن مخاض" أو "ابن لبون"، فيصير له طعم، والزخزبُّ: هو الذي قد غلط جسمه، واشتد لحمه.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٧٥ ]
وقوله: "خيرٌ من ان تكفأ إناءك "
يقول: إنَّك إذا ضبحته حين تضعه أمّثه بقيت الأمُّ بلا ولد ترضعه، فانقطع لذلك لبنها. يقول: فإذا فعلت ذلك، فقد كفأت إناءك، وهرقته.
وإنَّما ذكر الإناء ها هنا لذهاب اللَّبن
ومن هذا قول "الأعشى" يمدح رجلًا:
ربَّ رفد هرقته ذلك اليوم وأسرى من معشر أقتال
فالرِّفد: هو الغناء الضَّخم.
فأراد بقوله: هرقته ذلك اليوم، أي أنك استقت الإبل، فتركت أهلها ذاهبًة ألبانهم، فارغًة آنيتهم منها.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
وأمَّا قوله: "تولِّه ناقتك": فهو ذبحه ولدها.
وكلُّ انثى فقدت ولدها، فهي والهٌ.
ومنه الحديث الآخر في السبي: "أنه نهى ان تولَّه والدةٌ عن ولدها".
يقول: لا يفرَّق بينهما في البيع
وإنَّما جاء هذا النهي من النَّبيِّﷺ- في الفرع أنَّهم كانوا يذبحون ولد النَّاقة اوَّل ما تضعه [أمُّه]، وهو بمنزلة الغراء.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
ألا تسمع إلى قوله: يختلط أو يلصق لحمه بوبره
ففيه ثلاث خصال من الكراهة:
إحداهنَّ: أنَّه لا ينتفع بلحمه.
والثَّانية: إذا ذهب ولدها ارتفع لبنها.
والثَّالثة: أنه يكون [قد] فجعها به، فيكون آثمًا.
فقال [النبيُّ]-ﷺ-: "دعه حتَّى يكون "ابن مخاض" وهو ابن سنة أو "ابن لبون" وهو ابن سنتين، ثمَّ اذبحه حينئذ - فقد طاب لحمه، واستمتعت بلبن أمِّه سنًة، ولا يشقُّ عليها مفارقته؛ لأنَّه قد استغنى عنها، وكبر".
وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺحين قال "لسعد" يوم "أحد":
[ ٢ / ٤٧٨ ]
"ارم فداك أبي وأمِّي".
قال "سعدٌ": فرميت رجلًا بسهمٍ فقتلته، ثمُّ رميت
[ ٢ / ٤٧٩ ]
بذلك السَّهم أعرفه، حتى فعلت ذلك، وفعلوه مرات.
فقلت: هذا سهمٌ مباركٌ مدميًّ، فجعلته في كنانتي.
[قال]: فكان عنده حتَّى (٢١١) مات [-﵀-].
يروى تفسير هذا الحرف في الحديث نفسه.
قالوا: المدمَّي: هو الذي يرمى به الرجل العدو، ثم يرميه العدوُّ بذلك السهم بعينه، ولم أسمع هذا التفسير إلاَّ في الحديث
[ ٢ / ٤٨٠ ]
والمدمَّى في الكلام: هو من الألوان التي فيها سوادٌ أو حمرةٌ.
٢٦٣ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-:
[ ٢ / ٤٨١ ]
أنه قال:
"اللَّهم اسقنا "
فقال "أبو لبابة " فقال: يا رسول الله!
"إنَّ التَّمر في المرابد".
فقال رسول اللهﷺ-:
"اللَّهم اسقنا حتَّى يقوم " أبو لبابة" عريانًا يسدُّ ثعلب مربده بإزاره أو بردائه.
قال: فمطرنا حتَّى قام "أبو لبابة"، فنزع إزاره، فجعل يسدٍّ به ثعلب مربده.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وهذا من حديث "عليِّ بن عاصم " عن "عبد الرَّحمن بن حرملة" عن "سعيد بن المسيَّب " عن النبيِّﷺ.
[قال "أبو عبيد"]: قوله: "المربد": هو الَّذي يجعل فيه التَّمر عند الجداد، قبل أن يدخل على المدينة، ويصير في الأوعية.
وثعلبة: هو جحره الذي يسيل منه ماء
[ ٢ / ٤٨٣ ]
المطر، أي أصاب التَّمر وهو هناكز
٢٦٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-:
"لا صروة في الإسلام".
الصرورة في هذا الحديث: هو التبتُّل وترك النكاح.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
يقول: ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج.
[يقولٍ]: ليس هذا من أخلاق المسلمين، وهو مشهور من كلام العرب [وأشعارها]. قال "النابغة الذبيانيُّ":
لو انها عرضت لأشمط راهبٍ عبد الإله صرورة متأبد
لرنا لبهجتها وحسن حديثها ولخاله رشدًا وإن لَّم يرشد
[ ٢ / ٤٨٥ ]
قال "أبو عيد ": ويرشد.
يعنى لراهب التارك للنِّكاح.
يقول: لو نظر إلى هذه المرأة افتتن بها.
والذي تعرفه العامة من الصَّرورة أنَّه الَّذي لم يحجج قطُّ. وقد علمنا أنَّ ذلك قد يسمَّى بهذا الاسم إلاَّ أنَّه ليس واحدٌ منهما بدافع للآخر، والأوَّل أحسنهما وأغربهما.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٨٧ ]
٢٦٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-:
" في حريسة الجبل أنه (٢١٢) لا قطع فيها ".
[قال أبو عبيد]: فالحريسة تفسر تفسيرين:
فبعضهم يجعلها السَّرقة نفسها.
تقول: حرست أحرس حرسًا:
[ ٢ / ٤٨٨ ]
إذا سرق، فيكون المعنى أنَّه ليس فيما يسرق من الماشية بالجببل قطعٌ، حتَّى يؤويها المراح.
والتفسير الآخر: أن تكون الحريسة هي المحروسة، فيقول: ليس فيما يحرس بالجبل قطع؛ لأنَّه ليس بموضع حرزٍ، وإن حرس.
٢٦٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-:
[ ٢ / ٤٨٩ ]
[أنَّه قال]:
" إيَّاكم وخضراء الدِّمن.
قيل: وما ذاك يا رسول الله؟
قال:
"المرأة الحسناء في منبت السُّوء "
وهذا يروى عن "يحيى بن سعيد بن دينارٍ [شيح من أهل المدينةٍ] عن "أبي وجزة يزيد بن عبيدٍ" عن "عطاء بن يزيد" عن "أبي سعيد الخدريِّ " ان النَّبيﷺ - قال ذلك.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
قال "أبو عبيد ": نراه أراد فساد النسب إذا خيف أن يكون لغير رشدة.
وهذا مثل حديثه الآخر:
"تخيَّروا لنطفكم ".
وإنَّما جعلها خضراء الدِّمن تشبيهًا بالشجرة الناضرة في دمنة البعر، وأصل الدِّمن: ما تدمِّنه الإبل والغنم من أبعارها، وأبوالها.
فربما نبت فيها النبات الحسن، وأصله في دمنة.
يقول: فمنظرها حسنٌ أنيقٌ، ومنبتها فاسدٌ، قال "زفر بن الحارث الكلابُّي ":
فقد ينبت المرعى على دمن الثَّرى وتبقى حزازات النُّفوس كما هيا
ضربة مثلًا للجرل يظهر مودًة، وقلبه نغلٌ بالعداوة.
[ ٢ / ٤٩١ ]
٢٦٧ - وقال " أبو عبيد " في حديث النَّبيِّﷺ-:
أنَّ رجلًا قصَّ عليه رؤيا:
قال: فاستاء لها، ثم قال:
" خلافة نبوَّة، ثمَّ يؤتى الله الملك من يشاء ".
[ ٢ / ٤٩٢ ]
قال: حدَّثناه "حجَّاجٌ " عن حمَّاد بن سلمة " عن "عليِّ بن زيد ابن جدعان " عن "عبد الرحمن بن أبي بكرة" عن أبيه، عن النَّبيِّﷺ - قال: قوله: "استاء لها " إنَّما هو من المساءة [أي أنَّ الرُّيا ساءته، فاستاء لها]، إنَّما أراد افتعل منها.
كما تقول من الهمِّ: اهتمَّ لذلك.
ومن الغمِّ: اغتمَّ.
كذلك تقول من المساءة:
[ ٢ / ٤٩٣ ]
استاء [لها].
قال "أبو عبيدٍ": وإنَّما نرى مساءته كانت لمت ذكر ممَّا يكون من الملك بعد الخلافة.
[قال "أبو عبيد "]: وبعضهم يرويه: (٢١٣) فاستآلها فمن روى هذه الرِّواية فمعناها التأوُّل، إنمَّا هو استفعل من ذلك، وهو وجهٌ حسنٌ غير مدفوعٍ.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
٢٦٨ - وقال "أبو عبيد " في حديث النَّبيِّ - في المختالات المتبرِّجات:
"لا يدخل الجنَّة منهنَّ إلاَّ مثل الغراب الأعصم ".
وهذا [حديثٌ] يروى عن "موسى بن عليِّ بن رباحٍ " عن "أبيه " رفعه.
قال "أبو عبيد " [الغراب] الأعصم: هو الأبيض اليدين
[ ٢ / ٤٩٥ ]
ولهذا قيل للوعول: عصمٌ، والأنثى منهنَّ عصماء، والذَّكر أعصم. وإنَّما هو لبياض في أيديها.
فوصف فلَّة من يدخل الجنَّة منهن.
قال "أبو عبيد ": وهذا الوصف في الغربان عزيزٌ، لا يكاد يوجد إنَّما أرجلها حمرٌ.
وأمَّا هذا الأبيض البطن والظَّهر، فإنَّما هو الأبقع، وذلك كثيرٌ. وليس هو الَّذي ذكر في الحديث.
[قال "أبو عبيد "]: فنرى أن مذهب الحديث أنَّ من يدخل الجنَّة من النِّساء قليلٌ كقلَّة الغربان العصم عند الغربان السُّود والبقع.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٩٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٤٩٨ ]
٢٦٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النَّبيِّﷺ- حين سأل عن سحائب مرت، فقال:
" كيف ترون قواعدها وبواسقها، [ورحاها]، أجونٌ ام غير ذلك؟ أم كيف ترون رحاها؟
[ ٢ / ٤٩٩ ]
ثمَّ سأل عن البرق، فقال:
أخفوًا، أم وميضًا، أم يشقُّ شقًّا؟
فقالوا: يشقُّ شقًّا.
فقال رسول اللهﷺ-:
جاءكم الحيا ".
قال ["أبو عبيد "]: فالقواعد: هي أصولها المعترضة في آفاق السماء.
وأحسبها مشبهًة بقواعد البيت، وهي حيطانه، والواحدة منها
[ ٢ / ٥٠٠ ]
قاعدةٌ.
وقال الله - ﷿-: " وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ".
واما البواسق: ففروعها المستطيلة إلى وسط السَّماء، وإلى الأفق الآخر وكذلك كلُّ طويل، فهو باسقٌ، قال الله -﵎-: "والنخل باسقات [لها طلعٌ نضيدٌ] ".
والخفو: هو الاعتراض من البرق في نواحي الغيم وفيه لغتان يقال: خفا البرق يخفوا خفوًا، ويخفى خفيًا (٢١٤).
[ ٢ / ٥٠١ ]
والوميض: أن يلمع قليلًا، ثم يسكن، وليس له اعتراضٌ، قال "امرؤ القيس ":
أصاح ترى برقًا أريك وميضه كلمع اليدين في حبيِّ مكلل
وأما الذي يشقُّ شقًّا: فاستطالته في الجوِّ إلى وسط السماءٍ من غير أن يأخذ يمينًا ولا شمالًا.
وأمَّا قوله: "اجونٌ أم غير ذلك " فإن الجون هو الأسود المحمومي وجمعة جونٌ.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
وأما قوله: "كيف ترون رحاها؟ ": فإن رحاها: استدارةٌ السحابة في السماء، ولهذا قيل: رحا الحرب، وهو الموضع الذي يستدار فيه لها.
٢٧٠ - وقال " أبو عبيد، في حديث النَّبيﷺفي قوله:
" كلُّكم بنو آدم طفُّ الصاع لم تملئوه، ليس لأحد على أحدٍ فضلٌ إلاَّ بالتقوى، ولا تسابُّوا، فإنما السُّبة أن يكون الرجل فاحشًا - بذيًّا جبانًا".
[ ٢ / ٥٠٣ ]
يروى عن "موسى بن عليٍّ" عن "أبيه" عن النبيِّﷺ-:
قال ["أبو عبيد"]: فالطف: هو أن يقرب الإناء من الامتلاء من غير أن يمتلئ.
يقال: هذا طفُّ المكيال وطفافه: إذا كرب أن يملأه.
ومنه التَّطفيف في الكيل، إنَّما هو نقصانه.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
أي أنه لم يملأ إلى شفتيه، إنما هو [إلى] دون ذاك.
وقال " الكسائيُّ ": يقال منه: إناءٌ طفانٌ، إذا فعل ذلك به في الكيل.
٢٧١ - ووقال "أبو عبيد " في حديث النبيِّﷺ-: " حين أتى "عبد الله بن رواحة" أو غيره من أصحابه.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
يعوده.
فما تحوَّز له عن فراشه "
قال: قوله: "تحوَّز " هو التَّنحِّى.
وفيه لغتان: التحَّوُّز، والتَّحيُّز.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قال الله - ﵎ دكره-: "أو متحيِّزًا إلى فئة ".
فالتَّحوُّز: التَّفعُّل.
والتحيُّز: التفعيل.
قال "القطامى" يصف عجوزًا استضافها، فجعلت تروغ عنه فقال:
تحوَّز منِّى خشيةً أن أضيفها كما انحازت الأفعى مخافة ضارب
(٢١٥) وإنَّما أراد من هذا الحديث: أنه لم يقم له، ولم يتنح عن صدر فراشه؛ لأن السُّنة أن الرجل أحقُّ بصدر دابته وصدر فراشه.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
٢٧٢ - وقال "أبو عبيد " في حديث النَّبيِّﷺ- في قوله: "ما تعدُّون الرقوب فيكم؟
قالوا: الذي لا يبقى له ولدٌ.
فقال: بل الرقوب: الذي لم يقدِّم من ولده شيئًا "
[ ٢ / ٥٠٨ ]
قال ["أبو عبيد "]: وكذلك معناه في كلامهم، إنَّما هو على فقد الأولاد
قال الشاعر:
فلم ير خلق قبلنا مثل أمِّنا ولا كأبينا عاش وهو رقوبٌ
وقال: "صخر الغيِّ ":
فما إن وجد مقلات رقوب بواجدها إذا يغزو تضيف
قال "أبو عبيد ": فكأنَّ مذهبه عندهم على مصائب الدُّنيا، فجعلها رسول اللهﷺ - على فقدهم في الآخرة.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وليس هذا بخلاف ذاك في المعنى، ولكنه تحويل الموضع إلى غيره.
وهذا نحو الحديث الآخر:
"إن المحروب من حرب دينه".
ليس هذا ألاَّ يكون من سلب ماله ليس بمحروب إنما هو على تغليظ الشأن.
يقول: إنما الحرب الأعظم ان يكون في الدِّين، وإن كان ذهاب المال قد يكون حربًا، ومنه قول أبي دؤاد [الإياديِّ]:
لا أعدُّ لإقتار عدمًا ولكن فقد من قد رزئته الإعدام
لم يرد أنَّ اجتياج المال ليس بعدم، ولكنَّه أراد أنَّ هذا الفقر الآخر أجلُّ منه.
[ ٢ / ٥١٠ ]
ومما يقوِّى مذهب قوله في الرقوب، قول الله -جل ثناؤه-:
"لهم قلوبٌ لا يفقهون بها، ولهم أعينٌ لا يبصرون بها، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها "
ألا ترى أنهم قد يعقلون امر الدُّنيا، ويبصرون فيها، ويسمعون؟ إلاَّ انَّ معناها في التفسير أمر الآخرة.
٢٧٣ وقال " أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ - في قوله للرجل الذي قال له، وهو (٢١٦) بقسم الغنائم:
إنَّك لم تعدل في القسم.
فقال النَّبيِّﷺ-:
" ويحك! فمن يعدل عليك بعدي؟
ثم قال النَّبيُّ ﷺ-:
سيخرج من ضئضيء هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم
[ ٢ / ٥١١ ]
يمرقون من الدين كما يمرق السَّهم من الرَّميَّة "
[ ٢ / ٥١٢ ]
قال [" أبو عبيد "]: الضِّئضئ: هو أصل الشَّيء ومعدنه. قال الكميت ":
رأيتك في الضَّنء من ضئضئ أحلَّ الأكابر فيه الصِّغارا
[قال أبو عبيد: وفيه لغة أخرى: "الضَّنء " بالفتح].
[ ٢ / ٥١٣ ]
٢٧٤ - وقال "أبو عبيد " في حديث النَّبيِّﷺ-: "ملعونٌ من غيَّر تخوم الأرض"
[ ٢ / ٥١٤ ]
قال ["أبو عبيد "]: التُّخوم هي الحدود والمعالم.
والمعنى في ذلك يقع في مضوعين:
الأول منهما: ان يكون ذلك في تغيير حدود الحرم التي حدَّها - "إبراهيم " خليل الرحمن - صلوات الله وسلامه عليه-.
والمعنى الآخر: أن يدخل الرَّجل في ملك غيره من الأرض فيحوزه ظلمًا وعدوانًا.
ومنه الحديث الآخر: "من سرق من الأرض شبرًا طوِّقه [الله]
[ ٢ / ٥١٥ ]
يوم القيامة من سبع أرضين ".
قال "أبو عبيد": وأمَّا قوله: التُّخوم، فإن فيه قولين: فأمَّا أصاب العربيَّة، فيقولون: هي التَّخوم مفتوحة التَّاء، ويجعلونها واحدة.
وأمَّا "أهل الشَّام " فيقولون: التُّخوم - بضم التَّاء - يجعلونها جمعًا، والواحدة منها في قولهم: تخم،
[ ٢ / ٥١٦ ]
وقال الشَّاعر:
يا بنيَّ التَّخوم لا تظلموها إنَّ ظلم التَّخوم ذو عقَّال
٢٧٥ - وقال " أبو عبيد " في حديث النبيِّﷺ-:
[ ٢ / ٥١٧ ]
أنه رأى امرأةً تطوف بالبيت عليها مناجد من ذهب، فقال:
"أيسرُّك أن يحليك الله مناجد من نار؟
قالت: لا.
قال: فأدِّى زكاته ".
قال ["أبو عبيد"]: أراه أراد الحلِّي المكلَّل بالفصوص، وأصله من النُّجود، وكلُّ شيءٍ زخرفته بشيءٍ، فقد نجدته ومنه نجد البيوت (٢١٧) بالثِّياب، إنَّما هو
[ ٢ / ٥١٨ ]
تزيينها بها.
ولهذا سمِّى عامل ذلك الشَّئ نجَّادًا، قال "ذو الرُّمَّة " يصف الرِّاض يشبِّهها بنجود البيت، فقال:
حتَّى كأنَّ ريال القفِّ ألبسها من وشى عبقر تجليلٌ وتنجيد
وفي هذا الحديث من الفقه: أنَّه لم يكره لها أن تطوف المرأة بالبيت وهي لابسةٌ الحلى.
ألا تراه لم ينهها عنه؟
[ ٢ / ٥١٩ ]
٢٧٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: أنَّه سمع رجلًا حين فتحت جزيرة العرب، أو قال: فتحت "مكة" يقول: أبهو الخيل فقد وضعت الحرب أوزارها.
فقال رسول اللهﷺ-:
" لا تالون تقاتلون الكفَّار حتَّى يقاتل بقيَّتكم الدَّجَّال ".
[ ٢ / ٥٢٠ ]
[قال "أبو عبيدٍ"]: قوله: "أبهوا الخيل": يقول: عطِّلوها من الغزو.
وكلُّ إناءٍ فرَّغته، فقد أبهيته.
ومنه قيل للبيت الخالي: باه.
ولهذا قيل في أمثالهم: إنَّ المعزى تبهى ولا تبنى ".
وذلك أنَّها تصعد على الأخبية، فتخرِّقها حتَّى لا يقدر على سكناها.
وهى مع هذا لا تكون الخيام من أشعارها، إنَّما تكون من الصُّوف والوبر.
[ ٢ / ٥٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٥٢٢ ]
٢٧٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: "يحمل النَّاس على الصِّراط يوم القيامة، فتتقادع بهم جنبتا الصِّراط تقادع الفراش في النَّار ".
[ ٢ / ٥٢٣ ]
[قال "أبو عبيد "]: التَّقادع هو التَّتابع والتَّهافت في الشَّيء.
ويقال للقوم إذا مات بعضهم في إثر بعض: قد تقاعدوا.
فالمعنى أنَّهم يتهافتون في النَّار والله أعلم.
٢٧٨ - وقال "أوب عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: "قابلوا النِّعال".
[ ٢ / ٥٢٤ ]
[قال "أبو عبيد"]: يريد أن يعمل عليها القبل، واحدها قبال، وهو مثل الزِّمام يكون في وسط الأصابع الأربع ومنه حديثه "أن نعله كانت لها قبالان".
[ ٢ / ٥٢٥ ]
يعني هذا الَّذي وصفناه [وهو] الزِّمام.
ويقال لها: نعلٌ مقابلةٌ ومقبلةٌ
وقد فسَّر بعضهم (٢١٨) قوله: "قابلوا النِّعال": أن تثنى ذؤابة الشِّراك إلى العقدة.
والأوَّل عندي هو التَّفسير [والله أعلم]
[ ٢ / ٥٢٦ ]
٢٧٩ - وقال "أوب عبيد" في حديث النبيِّﷺ-: أن رجلًا من "أهل اليمن" قال له: يا رسول الله!
إنا أهل قاه، فإذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه، فعملوا له، فأطعمهم وسقاهم من شرابٍ يقال له: المزر.
فقال:
أله نشوةٌ؟
قال: نعم
قال: فلا تشربوه ".
[ ٢ / ٥٢٧ ]
قال: القاه: سرعة الإجابة، وحسن المعاونة، يعني أن بعضهم كان يعاون بعضًا في أعمالهم، وأصله الطاعة، ومنه قول "رؤبة
[ ٢ / ٥٢٨ ]
[ابن العجَّاج، ويقال: إنَّها لأبي النَّجم].
* تالله لولا النار أن نصلاها *
* أو يعدو النَّاس عليها الله *
* لما سمعنا لأمير قاها *
* [ما خطرت سعدٌ على قناها] *
قال: يريد الطاعة، ومنه قول المخبَّل":
[وسدُّوا نحور القوم حتى تنهنوا إلى ذي النُّهي] واستيقهوا للمحلَّم
[ ٢ / ٥٢٩ ]
أي أطاعوه، إلاّض أنه مقلوبٌ، قدَّم الياء، وكانت القاف قبلها، وهذا كقولهم: جبذ وجذب.
٢٨٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: "أنَّه سئل: أيُّ النَّاس أفضل؟
فقال: الصادق اللِّسان، المخموم القلب ".
[ ٢ / ٥٣٠ ]
قالوا: هذا الصَّادق اللِّسان قد عرفناه، فما المخموم القلب؟
فقال: هو النَّقيُّ الَّذي لا غلَّ فيه ولا حسد "
قال " أبو عبيد ": التفسير هو في الحديث، وكذلك هذا عند العرب.
[ ٢ / ٥٣١ ]
ولهذا قيل: خممت البيت: إذا كنسته.
ومنه سمِّيت الخمامة، وهي مثل القمامة والكناسة.
٢٨١ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: "أنَّ امرأةً أتته، فقالت:
إنِّي رأيت في المنام كأنَّ جائز بيتي انكسر.
فقال: خير.
يرد الله غائبك.
فرجع زوجها.
ثمَّ غاب، فرأت مثل ذلك، فلم تجد النَّبيِّﷺ - ووجدت "أبا بكر" [-﵁-]، فأخبرته، فقال: يموت زوجك.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
ذكرت ذلك للنَّبيِّﷺ-، فقال.
هل قصصتها على أحد؟
قالت: نعم.
قال: هو كما قيل لك.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
قال "أبو عبيد": الجائز في كلامهم [هي] الخشبة التي يوضع عليها أطراف الخشب، وهي التي تسمَّى بالفارسية: التِّير.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
٢٨٢ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيّشﷺ -: "أنَّه كان يتعوَّذ من الأيهمين".
[قال "أبو عبيد"]: يقال: إنَّهما السَّيل والحريق.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ويقال في أحدهما: إنَّه الجمل الصَّئول الهائج، وإنما سمِّى أيهم، لأنَّه ليس ممَّا يستطاع دفعه، ولا ينطق، فيكلَّم، أو (٢١٩) يستعتب.
ولهذا قيل للفلاة التي لا يهتدى فيها للطريق يهماء، وقال "الأعشى":
ويهماء باللَّيل غطشى الفلاة يؤنسنى صوت فيَّادها
٢٨٣ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-:
[ ٢ / ٥٣٦ ]
" أنه أمر بالتَّلحِّى، ونهى عن الاقتعاظ ".
قال "أبو عبيد": أصل هذا في لبس العمائم، وذلك أن العمامة يقال لها: المقعطة.
فإذا لاثها المعتمُّ على رأسه، ولم يجعلها تحت حنكه، قيل: اقتعطها، فهو المنهيُّ عنه.
وإذا أدارها تحت الحنك، قبل: تلحَّاها تلحِّيًا، وهو المأمور به.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
وكان "طاووس" يقول: تلك عمَّة الشَّيطان.
يعني الأولى.
[ ٢ / ٥٣٨ ]
٢٨٤ - وقال " أبو عبيد" في الحديث النبيِّﷺ-: "أنه قضى ألاَّ شفعة في فناءٍ، ولا طريقٍ، ولا منقبة، ولا ركح، ولا رهو".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
[قال "أبو عبيد"]: قوله: "المنقبة": هو الطريق الضَّيق يكون بين الدَّارين، لا يمكن أن يسلكه أحد.
والرُّكح: ناحية البيت من ورائه، وربَّما كان فضاءً لا بناء فيه.
والرَّهو: الجوبة تكون في محلة القوم يسيل فيها ماء المطر أو غيره.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ومنه الحديث الآخر:
"أنَّه لا يباع نقع البئر، ولا رهو الماء".
فمعنى الحديث في الشُّفعة: أن من كان شريكًا في هذه المواضع الخمسة، وليس بشريك في الدار نفسها، فإنه لا يستحقُّ بشيءٍ منها شفعةً.
وهذا قول "أهل المدينة": أنَّهم لا يقضون بالشُّفعة إلاَّ للشَّريك المخالط.
فأما "أهل العراق" فإنَّهم يرونها لكلِّ جار ملاصق، وإنَّ لم يكن شريكًا.
٢٨٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبيِّﷺ-
[ ٢ / ٥٤١ ]
أنَّه قال:
" لا تتمكَّكوا على غرمائكم ".
أو قال: "لا تمكِّكوا غرماءكم".
قال ["أبو عبيد"]: التمكُّك: الاستقصاء والإلحاح في الاقتضاء، واستيفاء الحقِّ حتَّى لا يدع منه شيئًا.
وأصل هذا في الرَّضاع.
يقال [منه]: قد امتك الفصيل لبن أمِّه: إذا استنفد ما في الثَّدي، فلم يبق فيه شيئّا. وكذلك تمكَّكها.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
٢٨٦ - وقال" اوب عبيد " في حديث النَّبيِّﷺ-: "أنه لعن القاشرة، والمقشورة".
[ ٢ / ٥٤٣ ]
[قال "أبو عبيد"]: نراه أراد هذه الغمرة التي يعالج بها النِّساء وجوهن حتى ينسحق أعلى الجلد، ويبدو ما تحته من البشرة.
وهذا شبيهٌ بما جاء في النامصة والمتنمِّصة، والواشمة والموتشمة، وقد فسرناه في غير هذا الموضع.
٢٨٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ- حين قال "لعديِّ بن حاتم" عند (٢٢٠) إسلامه:
" أمَّا يفرُّك منِّي: إلاَّ أن يقال: لا إله إلاَّ الله ".
[ ٢ / ٥٤٤ ]
هكذا يقولها بعض المحدِّثين
وليس إعرابها كذلك، إنما هي:
"أما يفرُّك - بضمِّ الياء وكسر الفاء - وهو من الفرار.
يقال منه: قد أفررت فلانًا إفرارًا: إذا فعلت به فعلًا يفرُّ منه.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
٢٨٨ - وقال "أبو عبيد " في حديث النَّبيِّﷺ-: "أنَّه كان شبح الذِراعين ".
[قال " أبو عبيد "].
[ ٢ / ٥٤٦ ]
الشَّبح: العريض
ومنه قيل: شبحت العود، إذا نحتَّه، وعرَّضته.
فهو شبحٌ، ومشبوحٌ.
٢٨٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ- حين قال "لسعد بن معاذ" عند حكمه في "بني قريظة": "لقد كمت [فيهم] بحكم الله من فوق سبعة أرقعة".
[ ٢ / ٥٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٥٤٨ ]
[قال "أبو عبيد ": واحدها رقيعٌ، وهو اسم سماء الدُّنيا.
وكذلك هو في غير هذا الحديث.
وأحسبه جعلها أرقعةً؛ لأن كلَّ واحدة منها هي رقيعٌ للَّتي تحتها مثل منزلة: هذه التي تلينا منها.
٢٩٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: أنَّه قال:
"لا تقوم السَّاعة حتَّى يظهر الفحش، والبخل، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن، وتهلك الوعول؛ وتظهر التُّخوت.
قالوا: يا رسول الله! وما الوعول؟ وما التُّحوت؟
قال: الوعول: وجوه النَّاس وأشرافهم.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
والتُّحوت: الذين كانوا تحت أقدام النَّاس لا يعلم بهم.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
٢٩١ - وقال" أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: أنَّه كتب "لحارثة بن قطن" ومن "بدومة الجندل" من "كلب":
"إنّ لنا الضَّاحية من البعل، ولكم الضَّامنة من النَّخل، لا تجمع سارحتكم، ولا تعدُّ فاردتكم، ولا يحظر عليكم النَّبات، ولا يؤخذ منكم عشر البتات".
[ ٢ / ٥٥١ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "الضَّاحية" يعني الظَّاهرة الَّتي في البرِّ من النَّخل.
والبعل: الَّذي يشرب بعروه من غير سقى سماءٍ.
والضَّامنة: ما تضمَّنها أمصارهم وقراهم من النَّخل.
وقوله "لا يجمع بين سارحتكم".
[ ٢ / ٥٥٢ ]
يقول: لا يجمع بين متفرقٍ.
ويقال فيه قولٌ آخر: إنَّها لا تجمع إلى المصدِّق عند المياه، ولكن يتبعها حيث كانت، فيأخذ صدقتها.
وقوله " ولا تعدُّ فاردتكم".
يقول: لا تنضمُّ الشَّاة المنفردة إلى الشَّاء، فيحتسب - بها (٢٢١) في الصَّدقة.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وقوله: "ولا يؤخذ منكم عشر البتات": يعني المتاع.
يقول: ليس عليه زكاةٌ.
٢٩٢ - قال " أبو عبيد " في حديث النَّبيِّﷺ-: " أنَّه نهى عن فصع الرُّطبة ".
[ ٢ / ٥٥٤ ]
قال "أبو عبيد": الفصع: هو أن يخرجها من قشرها.
يقال: فصعتها أفصعها فصعًا.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
٢٩٣ - قال " أبو عبيد" في حديث النَّبيِّﷺ-: "لا جلب، ولا جنب، ولا شغار في الإسلام".
قالوا: الجلب في شيئين:
[ ٢ / ٥٥٦ ]
يكون في سباق الخيل، وهو أن يتَّبع الرَّجل فرسه، فيركض خلفه، ويزجره، ويجلَّب عليه، ففي ذلك معونة للفرس على الجري، فنهى عن ذلك.
والوجه الآخر في الصَّدقة: أن يقدم المصدِّق، فينزل موضعًا، ثمَّ يرسل إلى المياه، فتجلب أغنام [أهل] تلك المياه عليه، فيصدَّقها هناك، فنهى عن ذلك.
ولكن يقدم عليهم، فيصدِّقهم على مياههم، وبأفنيتهم.
قال "أبو عبيد": وأمَّا الجنب: فأن يجنب الرَّجل خلف فرسه الَّذي سابق عليه فرسًا عريًا ليس عليه أحد.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فإذا بلغ قريبًا من الغاية ركب فرسه العرى، فسبق عليه؛ لأنه أقلُّ إعياءً وكلالًا من الذي عليه الراكب.
وأمَّا الشِّغار: فالرَّجل يزوِّج أخته أو ابنته على أن يزوِّجه الآخر أيضًا ابنته أو أخته، ليس بينهما مهر غير هذا، وهي المشاغرة
كان أهل الجاهليَّة يفعلونه.
يقول الرَّجل للرَّجل: شاغرني، فيفعلان ذلك، فنهى عنه.
٢٩٤ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبي -ﷺ-:
[ ٢ / ٥٥٨ ]
"من أشاد على مسلم عورًة يشينه بها بغير حقًّ شانه الله بها في النار يوم القيامة".
- قال: حدَّثناه "أبو معاوية" عن "عبد الله بن ميمون" عن "موسى ابن مسكين"، عن "أبي ذرٍّ" عن النَّبيِّ -ﷺ-.
قال "أبو عبيد" قوله: "أشاد": يعني رفع ذكره بها، ونوَّه به، وشهره بالقبيح.
وكذلك كلُّ شيءٍ رفعته، فقد أشدته.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
ولا أرى البنيان المشَّيد إلَّا من هذا.
يقال: أشدت البنيان، فهو مشاد.
وشيدته، فهو مشيَّد: إذا رفعته، وأطلته.
وأمَّا البناء المشيد من قوله [-تعالى-]: "وبئر معطَّلة وقصر مشيد". فإنَّه من غير المشيّد هذا.
هو الَّذي قد بنى بالشِّيد [وهو الجصُّ].
[ ٢ / ٥٦٠ ]
٢٩٥ - قال "أبو عبيد" في حديث (٢٢٢) النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّه كان يعوِّذ "الحسن" و"الحسين": "أعيذكما بكلمات الله التَّامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كلِّ عين لامَّةٍ".
[ ٢ / ٥٦١ ]
قال: حدثنيه "يزيد [بن هارون] " عن "سفيان [الثَّوري] " عن "منصور" عن "المنهال بن عمرو" عن "سعيد بن جبير" عن "ابن عباس" عن "النبيِّ" -ﷺ.
قال "أبو عبيد": "الهامَّة" يعني الواحدة من هوامِّ الأرض، وهي دوابُّها المؤذية.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
وقوله: "لامَّة"، ولم يقل ملمَّة.
وأصلها من ألممت إلمامًا، فأنا ملمٌّ.
يقال ذلك للشَّيء تأتيه وتلمُّ به.
وقد يكون هذا من غير وجه: منها ألَّا تريد طريق الفعل؛ ولكن تريد أنَّها ذات لمم، فتقول على هذا: لامَّة كما قال الشاعر: كليني لهمٍّ يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وإنَّما هو منصب.
فأراد به أنه ذو نصب.
ومنه قول الله -﵎-: "وأرسلنا الرِّياح الواقح" واحدتها لاقحٌ. على معنى أنَّها ذات لقح.
ولو كان على مذهب الفعل، لقال: ملقح؛ لأنَّها تلقح السحَّاب والشَّجر.
وقد روى عن "عمر" -] ﵁-[في بعض الحديث: "لا أوتي بحالًّ ولا محلًّ له إلَّا رجمتهما".
[ ٢ / ٥٦٤ ]
فقال: حالٌ -إن كان محفوظًا- وهو من أحللت المرأة لزوجها، وإنما الكلام أن تقول: محلٌّ.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
٢٩٦ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "من بنى] لله [مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة، بني له بيتٌ في الجنَّة".
قال: حدَّثنيه "الفزاريُّ" عن "كثير المؤذن" قال: سمعت "عطاء بن أبي رباح" يحدِّث عن "عائشة" عن النَّبيِّ -ﷺ-.
قال: وحدَّثنا "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "إبراهيم التَّيميِّ" عن أبيه، عن "أبي ذرٍّ" مثله، ولم يرفعه.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "مفحص قطاة" يعني موضعها الذي تجثم فيه.
وإنَّما سمَّاه: مفحصًا؛ لأنَّها لا تجثم حتَّى تفحص عنه التُّراب، وتصير إلى موضع مطمئنٍّ مستوٍ.
ولهذا قيل: فحصت عن الأمور إذا أكثرت المسألة عنها، والنَّظر
[ ٢ / ٥٦٧ ]
فيها حتَّى تصير منها إلى أن تنكشف لك، وإلى ما (٢٢٣) تقنع به، وتطمئنُّ إليه منها.
٢٩٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنَّه قنت شهرًا في صلاة الصُّبح بعد الرُّكوع يدعو على "رعل" و"ذكوان".
[ ٢ / ٥٦٨ ]
قال: حدَّثناه "معاذ بن معاذ [العنبريُّ] " عن "سليمان التيميِّ" عن "أبي مجلز" عن "أنس بن مالك" عن النَّبيِّ -ﷺ-.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
قال "أبو عبيد" قوله: "قنت [شهرًا] " هو ها هنا القيام قبل الرُّكوع أو بعده في صلاة الفجر يدعو.
وأصل القنوت في أشياء:
فمنها القيام، وبهذا جاءت الأحاديث في قنوت الصَّلاة؛ لأنَّه إنَّما يدعو قائمًا.
ومن أبين ذلك الحديث الآخر:
قال: حدَّثنا "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "أبي سفيان" عن "جابر" قال: سئل النَّبيُّ -ﷺ-: أيُّ الصَّلاة أفضل؟
فقال: "طول القنوت".
[ ٢ / ٥٧٠ ]
يريد: طول القيام.
ومنه حديث "ابن عمر":
قال: حدَّثني "يحيي [بن سعيد] " عن "عبيد الله
[ ٢ / ٥٧١ ]
[ابن عمر] " عن "نافع" عن "ابن عمر" أنه سئل عن القنوت فقال:
"ما أعرف القنوت إلَّا طول القيام، ثمَّ قرأ: "أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا".
قال "أبو عبيد": وقد يكون القنوت في حديث "ابن عمر" هذا: الصَّلاة كلَّها؛ ألا تراه يقول: ساجدًا وقائمًا.
ومما يشهد على هذا الحديث المرفوع:
قال: حدَّثنيه "إسماعيل بن جعفر" عن "محمَّد بن عمرو" عن "أبى سلمة" عن "أبي هريرة" عن النَّبيِّ -ﷺ- قال.
"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصَّائم".
[ ٢ / ٥٧٢ ]
قال "أبو عبيد": يريد بالقانت المصلِّى، ولم يرد القيام دون الرُّكوع والسُّجود وقد يكون القنوت: أن يكون ممسكًا عن الكلام في صلاته، ومنه حديث "زيد بن أرقم" قال: حدثنا "هشيم" قال: أخبرنا "إسماعيل بن أبي خالد" عن "الحارث بن شبيلٍ" عن "أبي عمرٍو الشَّيبانيِّ" عن "زيد بن أرقم" قال:
"كنَّا نتكلم في الصَّلاة يكلِّم أحدنا صاحبه إلى جنبه حتَّى نزلت هذه الآية: "وقوموا لله قانتين"، فأمرنا بالسُّكوت، ونهينا عن الكلام.
] قال [: والقنوت أيضًا: الطَّاعة لله] تعالى [.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
قال: حدَّثني "يحيي] بن سعيد [" عن "وائل بن داود" عن "عكرمة" في قوله]-تعالى-[: "كلٌّ له قانتون"- قال: الطَّاعة.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
٢٩٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنه قال: "الكيِّس من دان نفسه (٢٢٤)، وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله"
[ ٢ / ٥٧٥ ]
هو من حديث "أهل الشام" عن "أبي بكر بن أبي مريم" عن "ضمرة ابن حبيب" عن "شداد بن أوس" عن النبي -ﷺ-:
قوله: "دان نفسه".
الدين يدخل في أشياء، فقوله ها هنا: "دان نفسه".
يقول يعني: أذلَّها، أي استعبدها.
يقال: دنت القوم أدينهم: إذا فعلت ذلك بهم، قال "الأعشى يمدح قومًا:
هو دان الرِّباب إذ كرهوا الدِّيـ ن دراكًا بغزوة وصيال
ثم دانت بعد الرِّباب وكانت كعذاب عقوبة الأقوال
[ ٢ / ٥٧٦ ]
فقال: هو دان الرِّباب؛ يعني أذلَّها، ثم قال: دانت بعد الرِّباب، أي ذلَّت له، وأطاعت:
] والدين لله -تعالى-: إنما هو طاعته والتعبُّد له [.
والدِّين أيضًا: الحساب، قال الله]-﵎-[في الشُّهور:
[ ٢ / ٥٧٧ ]
"منها أربعة حرم ذلك الدِّين القيِّم".
ولهذا قيل ليوم القيامة: "يوم الدِّين"؛ إنما هو يوم الحساب، وأما قول "القطامِّي":
] رمت المقاتل من فؤادك [بعدما كانت نوار تدينك الأديانا
فهو من الإذلال أيضًا.
و] قد [يكون قوله: "من دان نفسه"؛ أي حاسبها من الحساب.
والدِّين أيضًا: الجزاء، من ذلك قوله: "كما تدين تدان".
[ ٢ / ٥٧٨ ]
٢٩٩ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنه قال: "مثل المؤمن والإيمان كمثل الفرس في آخيَّته، يجول، ثم يرجع إلى آخيَّته، وإنَّ المؤمن يسهو، ثمَّ يرجع إلى الإيمان".
قال: بلغني ذلك عن "ابن المبارك" عن "سعيد بن أبي أيُّوب" عن "عبد الله بن الوليد" عن "أبي سليمان اللَّيثي" عن "أبي سعيد الخدريِّ"، يرفعه.
قال "أبو عبيد": قوله: "آخيَّته".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الآخيَّة: العروة التي تشدُّ بها الدَّابَّة، وتكون في وتد، أو سكة مثبتة في الأرض.
٣٠٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنه دخلت عليه عجوزٌ، فسأل بها،
[ ٢ / ٥٨٠ ]
فأحفى، وقال:
إنها كانت تأتينا أزمان "خديجة" وأنَّ حسن العهد من الإيمان".
] هو [من حديث "ابن المبارك" قال: بلغني ذلك عنه عن "إبراهيم بن محمَّد بن (٢٢٥) عبد الرَّحمن بن ثوبان" عن "محمَّد ابن زيد بن مهاجر" يرفعه.
قال "أبو عبيد": والعهد في أشياء مختلفة.
[ ٢ / ٥٨١ ]
فمنها الحفاظ ورعاية الحرمة والحقِّ، وهو هذا الَّذي في الحديث.
ومنه الوصيَّة] وهو [أن يوسى الرَّجل إلى غيره، كقول "سعد" حين خاصم "عبد بن زمعة" في "ابن أمته" فقال: "ابن أخي عهد فيه إلىَّ أخي، أي أوصى إلىَّ] فيه [.
وقال الله -﵎-:﴾ ألم أعهد إليكم يا بني آدم ﴿يعني الوصيَّة والأمر.
ومن العهد أيضًا: الأمان، قال الله]-تعالى-[: "لا ينال عهدي الظالمين"، وقال:﴾ فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ﴿.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ومن العهد أيضًا: اليمين يحلف بها الرَّجل، يقول: علَّى عهد الله.
ومن العهد أيضًا: أن تعهد الرَّجل على حال، أو في مكان، فتقول: عهدي به في مكان كذا وكذا، وبحال كذا وكذاه، وعهدي به يفعل كذا وكذا.
وأما قول النَّاس: أخذت عليه عهد الله، وميثاقه، فإنَّ العهد ها هنا اليمين، وقد ذكرناه.
٣٠١ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّه قال: "الحجُّ المبرور ليس له ثوابٌ دون الجنَّة.
قيل: يا رسول الله! ما برُّه؟
قال: العجُّ والثَّجُّ.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٥٨٤ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن عيَّاش" عن "إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة" عن "محمَّد بن المنكدر" عن "جابر" عن "النَّبيِّ" -ﷺ-:
قال "أبو عبيد": قوله: "العجُّ": يعني رفع الصوت بالتلبية.
ومنه الحديث الآخر أن "جبريل" -﵇- أتى النَّبي -ﷺ- فقال: "مر أصحابك برفع الصَّوت بالتَّلبية، فإنه من شعار الحج".
[ ٢ / ٥٨٥ ]
يقال منه: عججت فأنا أعجُّ عجًّا وعجيجًا.
وقوله: "والثَّجُّ"، يعني: نحر الإبل، وغيرها، وأن يثجُّوا دماءها، وهو السَّيلان ومنه قول الله]-﵎-[: "وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجًا".
وكذلك حديثه] الآخر [حين سألته المستحاضة فقالت:
[ ٢ / ٥٨٦ ]
"إنِّي أثجُّه ثجًّا"، تعني: سيلانه وكثرته.
٣٠٢ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أن النَّوَّاس بن سمعان" سأله عن البرِّ والإثم، فقال.
"البر حسن الخلق، والإثم ما حكَّ في نفسك، وكرهت - أن (٢٢٦) يطَّلع عليه النَّاس".
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وهذا يروى عن "معاوية بن صالح" عن "عبد الرحمن بن جبير ابن نفير" عن "أبيه" عن "النَّوَّاس بن سمعان" عن "النَّبيِّ -ﷺ-.
قال "أبو عبيد قوله: "ما حكَّ في نفسك".
يقال: حكَّ في نفسك الشيء: إذا لم تكون منشرح الصَّدر به، وكان في قلبك منه شيءٌ.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
ومنه حديثه الآخر: "الإثم: ما حكَّ في صدرك، وإن أفتاك عنه النَّاس وأفتوك".
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ومنه حديث "عبد الله": "الإثم جوازُّ القلوب".
يعني ما حزَّ في نفسك وحكَّ فاجتنبه، فإنَّه الإثم.
٣٠٣ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنه كان يقول: "اللَّهمَّ إنِّي أسألك غناي وغنى مولاي".
[ ٢ / ٥٩٠ ]
قال: حدَّثنيه "يحيي بن سعيد" و"يزيد" عن "يحيي ابن سعيد" عن "محمَّد بن يحيي بن حبَّان" عن عمِّه واسع] بن حبَّان [يرفعه.
قال "أبو عبيد": قوله: "غنى مولاي": المولى عند كثير من النَّاس هو ابن العمِّ خاصَّةً.
وليس هو هكذا. ولكنَّه الوليُّ، فكلُّ ولّي للإنسان فهو مولاه،
[ ٢ / ٥٩١ ]
مثل الأب، والأخ، وابن الأخ، والعمِّ، وابن العم، وما وراء ذلك من العصبة كلِّهم.
ومنه قوله -﷿-: "وإنِّي خفت الموالى من ورائي"
ومما يبيِّن ذلك: أنَّ المولى كلُّ ولِّى حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أيُّما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطلٌ".
[ ٢ / ٥٩٢ ]
أراد بالمولى الولي.
وقال الله]-﵎-[:﴾ يوم لا يغني مولًى عن مولًى شيئًا".
أفتراه إنَّما عنى ابن العمِّ خاصَّةً، دون سائر أهل بيته؟
وقد يقال للحليف أيضًا: مولًى، قال "النَّابغة الجعديُّ":
موالى حلف لا موالى قرابة ولكن قطينًا يسألون الأتاويا
[ ٢ / ٥٩٣ ]
الأتاوي: جمع إتاوة، وهي الخراج.
٣٠٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث "أبو أيُّوب":
"نهانا رسول الله -ﷺ- أن نستقبل القبلة ببول أو غائط فلمَّا قدمنا الشَّام، وجدنا مرافقهم قد استقبل بها القبلة، فكنا ننحرف، ونستغفر الله".
[ ٢ / ٥٩٤ ]
قال: حدَّثناه "إبراهيم بن سعد" عن "الزهريِّ" عن "عطاء
[ ٢ / ٥٩٥ ]
ابن يزيد" عن "أبي أيُّوب" عن "النَّبيِّ" -صلَّى الله (٢٢٧) عليه وسلم-:
قال "أبو عبيد": قوله: "مرافقهم": يعني الكنف، واحدها مرفقٌ.
وفي حديث غير "إبراهيم بن سعد":
"وجدنا مراحيضهم قد استقبل بها القبلة"
فهي تلك أيضًا، واحدها مرحاض.
وهي المذاهب أيضًا، واحدها مذهبٌ.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
ومنه الحديث الَّذي يرويه عنه "المغيرة بن شعبة" أنَّه كان معه في سفر
قال: "فنزل، فأبعد المذهب".
كل هذا كناية عن موضع الغائط.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
٣٠٥ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ- الذي يرويه "أبو أيُّوب" أيضًا:
قال "أبو أيُّوب": ما أدرى ما أصنع بهذه الكراييس، وقد نهى رسول الله]-ﷺ-[أن تستقبل القبلة ببول أو غائط".
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فالكراييس واحدها كرياسٌ، وهو الكنيف الذي يكون مشرفًا على سطح بقناة إلى الأرض.
وإذا كان أسفل، فليس بكرياس.
٣٠٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنَّه كان يدلع لسانه "للحسن بن علّي" فإذا رأى الصَّبي
[ ٢ / ٥٩٩ ]
حمرة لسانه بهش إليه".
قال: حدَّثناه "يزيد" عن "محمَّد بن عمرو" عن "أبي سلمة" يرفعه.
قوله: يهش إليه":
يقال للإنسان إذا نظر إلى الشَّيء، فأعجبه، واشتهاه، فتناوله، وأسرع إليه، وفرح به: قد بهش إليه، وقال "المغيرة بن حبناء التَّميميُّ" يمدح رجلًا:
سبقت الرِّجال الباهشين إلى النَّدى فعالًا ومجدًا، والفعال سباق
[ ٢ / ٦٠٠ ]
٣٠٧ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنه قرأ عليه "أبيُّ] بن كعب [" فاتحة الكتاب، فقال:
"والذي نفسي بيده ما أنزل في التَّوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزَّبور ولا في الفرقان مثلها، إنَّها للسَّبع من المثاني والقرآن العظيم الَّذي أعطيته".
[ ٢ / ٦٠١ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "العلاء بن عبد الرَّحمن" عن "أبيه" عن "أبي هريرة" عن النَّبي -ﷺ-:
قال "أبو عبيد": وجدت المثاني على ما جاء في الآثار، وتأويل القرآن في ثلاثة أوجه فهي في أحدها: القرآن كلُّه.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
منها قول الله -﵎- (٢٢٨):﴾ الله نزَّل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا مثاني] تقشعرُّ منه [". فوقع المعنى على القرآن كلِّه.
قال "أبو عبيد": ويقال: إنَّما سمِّى المثاني؛ لأنَّ القصص والأنباء ثنِّيت فيه.
ومنه هذا الحديث أيضًا، ألا تسمع إلى قوله: "إنها للسَّبع من المثاني".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
يريد تأويل قوله]-تعالى-[: "ولقد آتيناك سبعًا من المثاني] والقرآن العظيم [".
فالمعنى -والله أعلم- أنَّها السَّبع الآيات من القرآن.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وهي في العدد ستُّ، وقال النَّبيُّ -ﷺ-: "سبعٌ".
ويروى أنَّ السَّابعة "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم" فإنَّها تعدُّ آيًة في فاتحة الكتاب خاصَّةً يحقِّق ذلك حديث "ابن عبَّاس":
قال: حدَّثناه "حجَّاجٌ" عن "ابن جريج" عن "أبيه" عن "سعيد بن جبير" عن "ابن عبَّاس" في قوله: "ولقد آتيناك سبعًا من المثاني". قال: هي فاتحة الكتاب. قال: وقرأها علىَّ "ابن عبَّاس" وعدَّ فيها "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم".
فقلت لأبي: أأخبرك "سعيد بن جبير" عن "ابن عبَّاس" أنَّ "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم" آية من كتاب الله؟
قال: نعم.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
قال "أبو عبيد": فهذا أحد الوجوه من المثانى، أنه القرآن كله.
وقال بعض النَّاس] بل [فاتحة الكتاب هي السَّبع من المثانى.
واحتجَّ بأنها تثنَّى في الصَّلاة في كلِّ ركعة.
وفي وجه آخر: أنَّ المثانى ما كان دون المئين، وفوق المفصَّل من السُّور
[ ٢ / ٦٠٦ ]
قال: حدَّثنا "جرير" عن "منصور" عن "إبراهيم" قال:
قدم "علقمة" "مكَّة"، فطاف بالبيت أسبوعًا، فصلَّى عند المقام ركعتين قرأ فيهما بالسَّبع الطُّول.
ثمَّ طاف أسبوعًا، ثمَّ صلَّى ركعتين قرأ فيهما بالمئين.
ثم طاف أسبوعًا، ثم صلَّى ركعتين قرأ فيهما بالمثانى.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ثم طاف أسبوعًا، ثمَّ صلَّى ركعتين قرأ فيهما بالمفصَّل.
ومن ذلك حديث "ابن عبَّاس"] ﵄ [حين قال "لعثمان":
"ما حملكم على أن عمدتم إلى "سورة براءة" وهي من المئين، وإلى "الأنفال" وهي من المثانى، فقرفتم بينهما، ولم تجعلوا بينهما سطر "بسم الله الرَّحمن الرَّحيم" وجعلتموها. في السبع الطُّول؟ (٢٢٩)
فقال "عثمان": إنَّ رسول الله -ﷺ- كان إذا
[ ٢ / ٦٠٨ ]
أنزلت عليه السُّورة، أو الآية، يقول: "أجعلوها في الموضع الَّذي يذكر فيه كذا وكذا" وتوفِّي رسول الله]-ﷺ-[ولم يبيِّن لنا.
قال "أبو عبيد": أحسبه قال: "أين نضعها"؟
وكانت قصَّتها شبيهًة بقصَّتها، فلذلك قرنت بينهما.
قال "أبو عبيد": فالمثانى في هذين الحديثين تأويلهما: ما نقص من المئين.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
٣٠٨ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبي -ﷺ-: أنَّه قال: "بئس ما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، ليس هو نسيها، ولكن نسِّى.
واستذكروا القرآن، فلهو أشدُّ تفصِّيًا من صدور الرِّجال من النَّعم من عقلها".
[ ٢ / ٦١٠ ]
قال: حدَّثناه "الأبَّار محمَّد بن عبد الرَّحمن" عن "منصور": عن "أبي وائلٍ" عن "عبد الله يرفعه.
قال "أبو عبيد": يقال: إنَّ وجه هذا الحديث إنمَّا هو التارك لتلاوة القرآن الجافي عنه.
[ ٢ / ٦١١ ]
ومَّما يبيِّن ذلك قوله: "واستذكروا القرآن".
وفي حديثٍ آخر: "تعهَّدوا القرآن".
فليس يقال هذا إلَّا للتَّارك.
وكذلك حديث "الضَّحَّاك] بن مزاحم [":
قال: حدَّثنا "ابن المبارك" عن "عبد العزيز بن أبي روَّاد" قال: "سمعت الضَّحَّاك بن مزاحم" يقول: ما من أحد تعلَّم القرآن، ثمَّ نسيه إلَّا بذنبٍ يحدثه؛ لأنَّ الله]-﵎-[يقول:﴾ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم" وإنَّ نسيان القرآن من أعظم المصائب ﴿.
[ ٢ / ٦١٢ ]
قال "أبو عبيد": إنَّما هذا على التَّرك، فأمَّا الذَّي هو دائبٌ في تلاوته حريصٌ على حفظه، إلَّا أن النِّسيان يغلبه، فليس من ذاك في شيءٍ.
ومَّما يحقِّق ذلك أن النَّبيَّ -ﷺ- كان ينسَّى الشَّيء من القرآن حتَّى يذكَّره.
من ذلك حديث "عائشة" -﵂-.
قال: حدثنيه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن "أبيه" عن "عائشة" -﵂- أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- سمع قراءة رجل في المسجد، فقال:
"ماله -﵀-: لقد أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة
[ ٢ / ٦١٣ ]
كذا وكذا".
[ ٢ / ٦١٤ ]
٣٠٩ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنَّ رجلًا أتاه بضباب قد احترشها، فقال: إنَّ أمَّةً قد مسخت، فلا أدري لعل هذه منها".
[ ٢ / ٦١٥ ]
قال: حدثنيه (٢٣٠) "ابن مهدي" عن "شعبة" عن "عديِّ ابن ثابت" عن "زيد بن وهبٍ" عن "ثابت بن وديعة".
قال "أبو عبيد": قوله: "] قد [احترشها": هو أن يأتي جحر الضَّبِّ، فيدخل فيه عودًا أو شيئًا، فيحرِّكه، حتَّى يسمع الضَّبُّ، فيظن أنَّه حيَّة تريد أن تدخل عليه الجحر.
والحيَّة زعموا أنَّها تدخل عليه الجحر، فتستخرجه منه.
[ ٢ / ٦١٦ ]
قال: ومنه قيل هذا المثل: "أظلم من الحيَّة".
فإذا سمع صوت تلك الحركة أخرج ذنبه إليها؛ ليضربها به، فربُّما قطعها بإثنين، فإذا رآه المحترش قد أخرج ذنبه قبض عليه حتَّى يجتذبه.
فهكذا تحترش الضباب، فيما تقول الأعراب.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وفي هذا الحديث من الفقه أنَّه لم يدع أكل الضَّبِّ على التَّحريم له، ولكن للتَّقذُّر.
٣١٠ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ- في الضَّالَّة إذا كتمها. قال: "فيها قرينتها مثلها، إن أدَّاها بعد ما كتمها أو وجدت عنده فعليه مثلها".
[ ٢ / ٦١٨ ]
قال: حدثنيه "حجاج" عن "ابن جريج" قال: حدَّثني "عمرو ابن مسلم" قال: سمعت "طاووسًا" و"عكرمة" يقولان: قال رسول الله]-ﷺ-[ذلك.
قال "أبو عبيد": قوله: "فيها قرينتها مثلها" يقول: إن وجد رجلٌ ضالَّةً وهي من الحيوان خاصَّةً يعني الإبل، والبقر، والخيل، والبغال، والحمير، يقول: فكان ينبغي له ألَّا يؤويها.
[ ٢ / ٦١٩ ]
فإنه لا يؤوي الضَّالَّة إلَّا ضالُّ.
وقال: "ضالَّة المسلم حرق النَّار".
فإن لَّم ينشدها حتَّى توجد عنده أخذها صاحبها-، وأخذ أيضًا منه مثلها.
وهذا عندي على وجه العقوبة والتَّأديب له.
وهو مثل قوله في منع الصَّدقة:
[ ٢ / ٦٢٠ ]
"إنَّا آخذوها وشطر إبله عزمةٌ من عزمات ربِّنا".
وهذا كما قضى "عمر" -﵀- على "حاطب".
قال: حدَّثنا "عبَّاد بن عبَّاد" عن "محمَّد بن عمرو" عن
[ ٢ / ٦٢١ ]
"يحيي بن عبد الرَّحمن بن حاطب" عن "أبيه" أنَّ عبيدًا له سرقوا ناقًة لرجل من "مزينة" فنحروها، فأمر "عمر" بقطعهم.
ثمَّ قال: ردُّوهم علىَّ. وقال "لحاطب": "إنِّي أراك تجيعهم" ثم قال "للمزنيِّ": كم كانت قيمة ناقتك؟
قال: طلبت منِّي بأربعمائة درهم.
فقال "لحاطب": اذهب (٢٣١) فادفع إليه ثمانمائة درهم".
فأضعف عليه القيمة عقوبًة له.
لا أعرف للحديث وجهًا غير هذا.
قال "أبو عبيد": وليس الحكَّام على هذا اليوم، إنَّما يلزمونه القيمة.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
٣١١ - وقال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ- حين ذكر أشراط السَّاعة، فقال: "من أشراطها كذا وكذا، وأن ينطق الرويبضة. قيل يا رسول الله! وما الرويبضة؟
فقال: الرَّجل التَّافه ينطق في أمر العامَّة".
[ ٢ / ٦٢٣ ]
قال: حدثنيه "يزيد" عن "عبد الملك بن قدامة"] عن "إسحاق ابن أبي الفرات" [عن "المقبريِّ" عن "أبي هريرة" رفعه.
قال "أبو عبيد": قوله: "التَّافه": يعني الخسيس الخامل من النَّاس، وكذلك كلُّ خسيس، فهو تافه.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ومنه قول "إبراهيم": "تجوز شهادة العبد في الشَّيء التَّافه"
ومنه قول "عبد الله" في القرآن: "لا يتفه، ولا يتشانُّ".
وتأويل حديث النبي -ﷺ- هذا مثل الحديث الآخر: "لا تقوم السَّاعة حتَّى يكون أسعد النَّاس لكع بن لكع".
وهو العبد والسِّفلة.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
ومنه قيل للأمة: يا لكاع!
ويروى عن "عمر" -﵀- أنَّه كان إذا رأى أمًة متقنِّعة ضربها بالدِّرَّة.
وقال: "يا لكاع: لا تشبَّهي بالحرائر".
ويقول: "اكشفي رأسك".
وكذلك يقال للرَّجل: يا خبث، وللأنثى: يا خباث، وكذلك: غدر وغدار من الغدر.
ومنه حديث "المغيرة بن شعبة" ورأى "عروة بن مسعود"] عمَّه [يكلِّم "النَّبيَّ" -ﷺ- ويتناول لحيته يمسّها، فقال: "أمسك يدك عن لحية النَّبيِّ]-ﷺ-[قبل ألَّا تصل إليك".
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فقال "عروة": يا غدر! وهل غسلت رأسك من غدرتك إلَّا بالأمس؟
وممَّا يثبت حديث الرويبضة الحديث الآخر، أنَّه قال:
"من أشراط السَّاعة أن يرى رعاء الشَّاة رءوس النَّاس، وأن ترى العراة الجوَّع يتبارون في البنيان، وأن تلد المرأة ربَّها وربَّتها".
[ ٢ / ٦٢٧ ]
٣١٢ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
"أنَّه بعث مصدِّقًا فانتهى إلى (٢٣٢) رجلٍ من العرب له إبلٌ، فجعل يطلب في إبله، فقال له: ما تنظر؟
قال: بنت مخاض، أو بنت لبون.
فقال: إنِّي لأكره أن أعطي الله من مالي مالًا ظهر فيركب، ولا لبن فيحلب، فاخترها ناقة".
[ ٢ / ٦٢٨ ]
قال: حدَّثناه "هشيمٌ" قال: أخبرنا "يونس" عن "الحسن" يرفعه.
قال "أبو عبيد": قوله: "فاخترها ناقًة" يريد: فاختر- منها ناقًة.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
والعرب تقول: اخترت بني فلان رجلًا، يريدون: اخترت منهم رجلًا.
قال الله]-﷿-[:﴾ واختار موسى قومه سبعين رجلًا] لميقاتنا [﴿.
يقال] هو [: التفسير: إنَّما هو اختار موسى من قومه سبعين رجلًا.
وقال "الرَّاعي" يمدح رجلًا:
اخترتك النَّاس إذ رثَّت خلائقهم واعتلَّ من كان يرجى عنده السُّول
[ ٢ / ٦٣٠ ]
فقال: اخترتك الناس، يريد: من النَّاس.
٣١٣ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنه سئل عن الإبل فقال:
"أعنان الشياطين لا تقبل إلَّا مولِّيًة، ولا تدبر إَّلا مولِّيًة، ولا يأتي نفعها إلَّا من جانبها الأشأم".
[-قال أبو عبيد-]: من حديث يروى عن "أبي عوانة" عن "قتادة" يرفعه إلى النَّبيِّ -ﷺ-:
قوله: "أعنان الشَّياطين".
[ ٢ / ٦٣١ ]
قال: بلغني عن "يونس بن حبيب البصريِّ" أنَّه قال: أعنان كل شيءٍ: نواحيه.
وأمَّا الَّذي نحكيه نحن فأعناء الشَّيء نواحيه.
قالها "أبو عمرٍو" وغيره من علمائنا.
فإن كانت الأعنان محفوظًة، فإنَّه أراد أن الإبل من نواحي -الشياطين أنَّها على أخلاقها وطبائعها.
وهذا شبيه بالحديث الآخر: "أنَّها خلقت من الشَّياطين".
[ ٢ / ٦٣٢ ]
وفي حديث ثالث: "إنَّ على ذروة كلِّ بعير شيطانًا".
وقوله: "لا تقبل إلَّا مولِّيًة، ولا تدبر إلَّا مولِّيًة". فهذا عندي كالمثل الذي يقال فيها: "إنَّها إذا أقبلت أدبرت وإذا أدبرت أدبرت".
وذلك لكثرة آفاتها، وسرعة فنائها.
[ ٢ / ٦٣٣ ]
وقوله: "لا يأتي خيرها إلَّا من جانبها الأشأم" يعني الشِّمال، ويقال لليد الشِّمال الشؤمى.] قال الشاعر:
وأنحى على شؤمى يديه فذادها بأظمأ من فرع الذؤابة أسحما [
ومنه قول الله -جلَّ ثناؤه-: "وأصحاب المشأمة] ما أصحاب المشأمة [" يريد أصحاب الشِّمال.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
ومعنى قوله: "لا يأتي نفعها إلَّا من هناك" يعني أنَّها لا تحلب، ولا تركب (٢٣٣) إلَّا من شمالها، وهو الجانب الِّذي يقال له: الوحشيُّ في قول "الأصمعيِّ" لأنَّه الشِّمال.
قال: واليمين هو الإنسيُّ، والأنسيُّ أيضًا.
وقال بعضهم: لا ولكنَّ الإنسيَّ هو الَّذي يأتيه النَّاس في الاحتلاب والرُّكوب، والوحشيُّ هو الأيمن؛ لأنَّ الدَّابَّة لا تؤتي من جانبها الأيمن إنما تؤتى من الأيسر.
[ ٢ / ٦٣٥ ]
قال "أبو عبيد": وهذا هو القول عندي لا غير.
وقال "زهيرٌ" يذكر بقرًة أفزعتها الكلاب، فانصرفت، فقال: فجالت على وحشيِّها وكأنَّها مسربلةٌ من رازقيٍّ معضَّد
[ ٢ / ٦٣٦ ]
وقال "ذو الرمة" يصف ثورًا في مثل تلك الحال:
فانصاع جانبه الوحشيَّ وانكدرت يلحبن لا يأتي المطلوب والطَّلب
يعني بالطَّلب: الكلاب.
فعلى هذا أشعارهم.
إنَّما هو الجانب الوحشي الأيمن؛ لأن الخائف إنَّما يفرُّ من موضع المخافة إلى موضع الأمن.
٣١٤ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-.
"في الأنف إذا استوعب جدعه الدِّيَّة".
[ ٢ / ٦٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٣٨ ]
قال: أخبرنا "هشيمٌ" قال: أخبرنا "ابن أبي ليلى" عن "عكرمة بن خالد" رفعه.
قوله: "استوعب": يعني: استؤصل.
وكذلك كلُّ شيءٍ اصطلم، فلم يبق منه شيء فقد أوعب، وهو الاستيعاب.
يقال منه: قد أوعبته فهو موعب، قال "أبو النَّجم".
(يجدع من عاداه جدعًا موعبا)
(بكرٌ وبكرٌ أكرم النَّاس أبا)
وكذلك القوم إذا شخصوا جميعًا في غزوٍ، أو في غيره. يقال: قد أوعبوا.
قال "عبيدٌ":
أنبئت أنَّ بني جديلة أوعبوا نفراء من سلمى لنا وتكتَّبوا
[ ٢ / ٦٣٩ ]
ومنه قول "حذيفة" في الجنب قال:
"ينام قبل أن يغتسل فهو أوعب للغسل".
قال: حدَّثناه "جرير" عن "مغيرة" عن "إبراهيم" عن "حذيفة".
قال "أبو عبيد": يعني أنَّه أحرى أن يخرج كل بقيَّةٍ في ذكره من الماء.
٣١٥ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنه قال: "نزِّل القرآن على سبعة أحرف كلُّها كاف شاف".
[ ٢ / ٦٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٦٤١ ]
وبعضهم يرويه: "فاقرءوا كما علِّمتم".
قال: حدثناه "هشيمٌ" (٢٣٤) و"يحيي بن سعيد" عن "حميد" عن "أنس" عن "أبيّ بن كعب" عن "النَّبيِّ -ﷺ-.
قال: وحدَّثني "ابن مهديٍّ" عن "مالك بن أنس" عن "الزُّهريِّ" عن "عروة" عن "عبد الرَّحمن بن عبد] القاريِّ [" عن "عمر" عن "النَّبيِّ -ﷺ-.
قال "أبو عبيد": قوله: "سبعة أحرف" يعني: سبع لغات من لغات العرب، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه: هذا لم يسمع به قطُّ.
ولكن يقول: هذه اللُّغات السَّبع متفرِّقةٌ في القرآن:
فبعضه نزل بلغة "قريش"،
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وبعضه بلغة "هوازن"، وبعضه بلغة "هذريا"، وبعضه بلغة "أهل اليمن".
وكذلك سائر اللُّغات.
ومعانيها في هذا كلِّه واحدةٌ.
وممَّا يبيِّن لك ذلك قول "ابن مسعود".
قال: حدَّثني "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "أبي وائل" عن "عبد الله" قال: "إنِّي قد سمعت القراءة، فوجدتهم متقاربين، فاقرءوا كما علِّمتم، إنَّما هو كقول أحدكم: هلمَّ، وتعال".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وكذلك قال "ابن سيرين": "إنَّما هو كقولك: هلمَّ، وتعال، وأقبل"، ثمَّ فسَّره "ابن سيرين" فقال في قراءة "ابن مسعود": "إن كانت إلَّا زقيًة واحدًة" وفي قراءتنا "] إن كانت إلَّا [صيحًة واحدًة".
والمعنى فيهما واحد.
وعلى هذا سائر اللُّغات.
وقد روى في حديث خلاف هذا.
من حديث "اللَّيث بن سعد" عن "عقيل" عن "ابن شهاب" عن "سلمة بن أبي سلمة" عن "أبيه" يرفعه، قال:
"نزل القرآن على سبعة أحرف: حلال، وحرام، وأمر، ونهي،
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وخبر ما كان قبلكم، وخبر ما هو كائن بعدكم، وضرب الأمثال".
قال "أبو عبيد": ولسنا ندري ما وجه هذا الحديث؛ لأنَّه شاذ غير مسند، والأحاديث المسندة المثبتة تردُّه.
ألا ترى أنَّ في حديث " عمر" الَّذي ذكرناه في أوَّله
[ ٢ / ٦٤٥ ]
أنَّه قال: "سمعت "هشام بن حكيم بن حزام" يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها -وقد كان "النَّبيُّ" -ﷺ- أقرأنيها.
فأتيت به "النَّبيَّ" -ﷺ- فأخبرته.
فقال له: اقرأ. فقرأ تلك القراءة، فقال: "هكذا أنزلت".
ثم قال لي: اقرأ، فقرأت قراءتي. فقال: "هكذا أنزلت".
ثم قال: إن هذا القرآن نزل (٢٣٥) على سبعة أحرف فاقرءوا منه ما تيَّسر".
وكذلك حديث "أبي بن كعب" هو مثل حديث "عمر" أو "نحوه".
فهذا يبيِّن لك أن الاختلاف إنما هو في اللفظ، والمعنى واحدٌ.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
ولو كان الاختلاف في الحلال والحرام لما جاز أن يقال في شيءٍ هو حرامٌ هكذا نزل ثم يقول آخر في ذلك بعينه: إنه حلال، فيقول: هكذا نزل.
وكذلك الأمر والنهي.
وكذلك الأخبار: لا يجوز أن يقال في خبر قد مضى إنه كان كذا وكذا، فيقول: هكذا نزل.
ثم يقول آخر بخلاف ذلك الخبر، فيقول: هكذا نزل.
وكذلك الخبر المستأنف، كخبر القيامة، والجنة، والنار.
ومن توهم أن في هذا شيئًا من الاختلاف، فقد زعم أن القرآن يكذِّب بعضه بعضًا، ويتناقض.
فليس يكون المعنى في السبعة الأحرف إلِّا على اللُّغات لا غير. بمعنى واحد لا يختلف فيه في حلال، ولا حرامٍ، ولا خبر، ولا غير ذلك.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
قال "أبو عبيد": إلَّا أنه في بعض الحديث: "نزل القرآن على خمسة" وليس فيه ذكر أحرف.
[ ٢ / ٦٤٨ ]
فهذا] قولٌ [قد يحتمل المعنى الذي في حديث الليث.
٣١٦ قال "أبو عبيد" في حديث "النبيِّ" ﷺ:
"من شرِّ ما أعطى العبد أو كلامٌ هذا معناه -شحٌّ هالعٌ وجبنٌ خالعٌ" يروي هذا عن "موسى بن عليِّ] بن رباح [" عن "أبيه"
[ ٢ / ٦٤٩ ]
عن "عبد العزيز بن مروان" عن "أبي هريرة" عن "النبي"- ﷺ-
قال "أبو عبيد": أمَّا قوله: "الهالع" فإنه المحزن، وأصله من الجزع.
قال "أبو عبيدة": والاسم منه الهلاع، وهو أشد الجزع.
وقد روى عن "الحسن" في قوله: "إنَّ الإنسان خلق هلوعًا". قال: بخيلًا بالخير
ويرى عن "عكرمة" أنَّه قال: "ضجورًا".
قال "أبو عبيد": وقد يكون البخل والضَّجر من الجزع.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
و"الجبن الخالع": الَّذي يخلع قلبه من شدَّته.
٣١٧ - قال "أبو عبيد" في حديث "النبيِّ" -ﷺ-: أنَّه سئل عن حريسة الجبل.
[ ٢ / ٦٥١ ]
فقال:
"فيها غرم مثلها، وجلداتٌ نكالًا، فإذا آواها المراح، ففيها القطع" (٢٣٦).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال: حدَّثناه "ابن عليَّة" عن "ابن جريج" عن "عمرو ابن شعيب" يرفعه.
قال "أبو عبيد: قلت: إنَّما هذا في الإبل والبقر، والغنم، فإنَّها ربَّما أدركها اللَّيل وهي في الجبل لم تصل إلى مراحها فلا قطع على سارقها فإذا آواها المراح، فكانت في حرز ولها حافظٌ، فعلى سارقها القطع.
وفي هذا الحديث من الفقه أنَّه حيث ذكر القطع لم يذكر غرم السَّارق.
٣١٨ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ- حين ذكر الدَّجَّال فقال: "جفال الشَّعر" في صفة ذكرها.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
قال: حدَّثنيه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "شقيق" عن "حذيفة" عن "النَّبيِّ" -ﷺ-.
قال "أبو عبيد": قوله: "الجفال": يعني الكثير الشَّعر، قال "ذو الرُّمَّة" يصف شعرًا:
وأسود كالأساود مسبكرًّا على المتنين منسدرًا جفالا
[ ٢ / ٦٥٤ ]
المسبكرُّ: المسترسل، وقد يكون أيضًا المعتدل المستقيم في غير هذا] الموضع [.
والمنسدر: المنصبُّ.
وبعضهم يرويه: "منسدلًا" من السدل، وهما سواء.
وفي حديث آخر في الدَّجَّال: "رأسه حبكٌ حبكٌ".
[ ٢ / ٦٥٥ ]
يقال: هي الطَّرائق، ومنه قول] الله -﵎-[: "والسَّماء ذات الحبك".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
٣١٩ - قال "أبو عبيد" في حديث "النَّبيِّ" -ﷺ-: أنَّه قال:
"ليس أحدٌ يدخل الجنَّة بعمله.
قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلَّا أن يتغمدني الله برحمته".
[ ٢ / ٦٥٧ ]
قال "الأصمعيُّ": قوله: "] إلَّا أن [يتغمَّدني": يلبسني، ويغشِّيني، قال "العجَّاج":
(يغمِّد الأعداء جونًا مردسا
قال: يعني أنَّه يلقي نفسه عليهم، ويركبهم، ويغشِّيهم نفسه ويقبل عليهم.
والمردس: الحجر الَّذي يرمي به.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
يقال: ردست أردس ردسًا: إذا رميت.
قال "أبو عبيد": ولا أحسب قوله: "يتغمَّدني" إلَّا مأخوذًا من غمد (٢٣٧) السَّيف؛ لأنَّك إذا غمدته، فقد ألبسته إيَّاه، وغشَّيته به.
٣٢٠ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
"لولا بنو إسرائيل ما خنز الطَّعام، ولا أنتن اللَّحم، كانوا يرفعون طعام يومهم لغدهم".
[ ٢ / ٦٥٩ ]
قوله: "خنز": يعني أنتن، وفيه لغتان.
يقال: خنز يخنز، وخزن يخزن مقلوبٌ.
كقولهم: جبذ وجذب، قال "طرفة":
ثم لا يخزن فينا لحمها إنَّما يخزن لحم المدَّخر
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وفي نتن اللَّحم أيضًا لغاتٌ في غير الحديث.
يقال: صلَّ اللَّحم وأصلَّ، وخمَّ] اللحم [وأخمَّ، وثنت] اللَّحم [ونثت كل هذا إذا أروح، وتغَّير.
وبعض المحدِّثين لا يرفع هذا الحديث.
قال: حدثنيه "حجَّاج" عن "ابن جريج" عن "عمرو بن دينار" عن "عكرمة" لم يرفعه. ورفعه غيره.
[ ٢ / ٦٦١ ]
٣٢١ - قال "أبو عبيد" في حديث "النَّبيِّ" -ﷺ- حين ذكر المدينة، فقال:
"من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ".
[ ٢ / ٦٦٢ ]
قال: سمعت "هشيمًا" يحدِّثه عن شيخ له قد سمَّاه عن "مكحول"
قال: الصَّرف: التَّوبة، والعدل: الفدية.
وفي القرآن ما يصدِّق هذا التفسير قوله: "وإن تعدل كلَّ عدل] لا يؤخذ منها [".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
وقوله: "لا يقبل منها عدلٌ] ولا تنفعها شفاعة [" فهذا من قول "النبيِّ"]-ﷺ-[: "لا يقبل منه عدلٌ".
فأمَّا الصَّرف فلا أدرى أقوله: "فما تستطيعون صرفًا ولا نصرًا" من هذا أم لا.
وبعض الناس يحمله على هذا.
ويقال: إن الصرف النَّافلة، والعدل: الفريضة.
قال "أبو عبيد": والتَّفسير الأول أشبه بالمعنى.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وقوله: "من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا": فإن الحدث: كلّ حدِّ لله يجب على صاحبه أن يقام عليه.
وهذا شبيهٌ بحديث "ابن عبَّاس" في الرَّجل يأتي حدًّا من الحدود ثم يلجأ إلى الحرم، أنَّه] قال [:
"لا يقام عليه الحدُّ في الحرم، ولكنَّه لا يجالس، ولا يبايع، ولا (٢٣٨) يكلَّم حتَّى يخرج منه، فإذا خرج منه أقيم عليه الحدُّ".
فجعل "النَّبيّ" -ﷺ- حرمة "المدينة" كحرمة "مكَّة" في المآثم.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
في صاحب الحدِّ أنَّه لا يؤويه أحد حتى يخرج منها، فيقام عليه الحدٍّ، وليس حكمها في الحدود في الدنيا سواءٌ؛ لأنَّ الحدود لا تقام في "مكَّة" إلَّا لمن أصابهما "بمكَّة".
ولكنها في المآثم سواءٌ.
٣٢٢ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: "أنَّه كره عشر خلال فيها: تغيير الشَّيب -يعني نتفه- وعزل الماء عن محلِّه، وإفساد الصَّبِّي غير محرِّمه".
[ ٢ / ٦٦٦ ]
قال: حدَّثناه "جريرٌ" عن "الرُّكين بن الرَّبيع" عن "القاسم بن حسَّان" عن عمِّه "عبد الرحمن بن حرملة" عن "ابن مسعود" عن النَّبيِّ -ﷺ-.
قال "أبو عبيد: أمَّا "تغيير الشَّيب" فإنَّ تفسيره في الحديث أنَّه نتفه.
وأمَّا "عزل الماء عن محلِّه": فإنَّه العزل عن النِّساء في النِّكاح.
وأمَّا "إفساد الصَّبيِّ غير محرِّمه": فإن إفساد الصَّبيِّ أن يجامع الرَّجل المرأة وهي ترضع، وهول الغيل والغيلة. ومنه حديثه.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
-ﷺ- أنَّه قال: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة".
وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.
وقوله: "غير محرمة": يعني أنَّه كرهه كراهًة، ولم يبلغ به التَّحريم.
٣٢٣ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ-:
[ ٢ / ٦٦٨ ]
ما من أمير عشرة إلَّا وهو يجيء يوم القيامة مغلولًة يداه إلى عنقه حتَّى يكون عمله هو الَّذي يطلقه أو يوتغه".
قوله: "يطلقه": معناه ينجيه.
وقوله: "يوتغه": يهلكه.
يقال: وتغ الرَّجل: يوتغ وتغًا إذا هلك.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وقد أوتغه غيره.
و] قد [يكون أيضًا "أن يتغيه" في معنى "يوتغه".
وبعضهم يرويه بالقاف.
فأما من رواه] يتغقه [بالقاف فإنَّه لا وجه له عندنا ولا نعرفه.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
٣٢٤ - قال "أبو عبيد" في حديث النَّبيِّ -ﷺ- أنَّه قال:
"] إنَّ الشَّيطان ليعقد [على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد، فإذا قام من اللَّيل فتوضَّأ انحلَّت عقدةٌ".
قال "أبو عبيد": القافية: هي القفا، فكأنَّ معناه أنَّ على قفا أحدكم ثلات عقد للشَّيطان.
[ ٢ / ٦٧١ ]
وإنَّما قيل لآخر حرف من بيت الشِّعر قافيةٌ؛ لأنَّه خلف (٢٣٩) البيت كلِّه وهي كلمةٌ تقفو البيت، فهي قافيةٌ.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
٣٢٥ - قال "أبو عبيد في حديث النَّبيِّ -ﷺ-: أنَّه كتب "لثقيف" حين أسلموا كتابًا فيه.
"أن لهم ذمَّة الله، وأنَّ واديهم حرامٌ عضاهه وصيده وظلمٌ فيه، وأنَّ ما كان لهم من دين إلى أجل فبلغ أجله، فإنَّه لياطٌ مبرَّأ من الله، وأنَّ ما كان لهم من دين في رهن وراء عكاظٌ، فإنَّه يقضي إلى رأسه، ويلاط بعكاظ، ولا يؤخَّر".
قال "أبو عبيد": قوله: "لياطٌ مبَّرأٌ من الله".
أصل اللِّياط كلُّ شيء ألصقته بشيء فقد لطته به.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
واللِّياط ها هنا: الرِّبا الَّذي كانوا يربون في الجاهلَّية سمِّى لياطًا؛ لأنَّه شيءٌ لا يحلُّ ألصق بشيء، فأبطل النَّبيُّ]-ﷺ-[ذلك الرِّبا، وردَّ الأمر إلى رأس المال كما قال الله]-﵎-[في كتابه: "فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون".
[ ٢ / ٦٧٤ ]
بهذا الحديث وتفسير غريبه والتعليق عليه
ينتهي بعون الله وفضله وتوفيقه
"الجزءُ الثاني"
من تحقيقي لكتاب غريب حديث الإمام
"أبي عبيد القاسم بن سلام"
ويتلوه إن شاء الله الجزءُ الثالث من هذا التحقيق وأوله
الحديث رقم ٣٢٦
قال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-:
"أنُّه قيل له يومًا في المسجد: يا رسول الله! هده.
فقال: بل عرشٌ كعرش موسى".
قال "أبو عبيد": قوله: هذه "كان" سفيان بن عيينة" يقول: معناه: أصلحه.
وتأويله كما قال .. "
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المدينة المنورة في مساء الإثنين ٥ من جمادي الأولى ١٤٠٤ هـ
٦ من فبراير ١٩٨٤ م
حسين محمد محمد شرف
[ ٢ / ٦٧٥ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الثالث
من كتاب "غريب الحديث"
"لأبي عبيد القاسم بن سلام"
وأوله "الحديث":
قال "أبو عبيد" في حديث -النبي ﷺ:
أنه قيل له يومًا في المسجد: يا رسول الله! هِدْهُ.
فقال:
"بل عرش كعرش موسى".
"المحقق"
[ ٣ / ١ ]
٣٢٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-: أنه قيل له [يومًا] في المسجد: يا رسول الله! هِدْهُ.
فقال "بل عرش كعرش موسى".
[ ٣ / ٣ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "هِدْهُ":
كان "سفيان بن عيينة" يقول:
معناه: أصلحه.
وتأويله كما قال.
وأصله: أنه يراد به الإصلاح بعد الهدم.
وكل شيءٍ حركته فقد هِدْتَه تهيده هيدًا.
فكأن المعنى أنه يهدم، ثم يستأنف بناؤه، ويصلح.
٣٢٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي -ﷺ-: أنه قال؛ "من منحه المشركون أرضًا، فلا أرض له".
[ ٣ / ٤ ]
وهذا الحديث يروى عن "بقية بن الوليد" عن "وزير بن عبد الله الخولاني" عن "محمد بن الوليد الزبيدي" عن "الزهري" عن "سعيد بن المسيب" عن "عمر بن الخطاب" عن "النبي" -ﷺ- قوله:
"من منحه المشركون أرضًا، فلا أرض له".
قال "أبو عبيد": وجهه عندنا -والله أعلم- أن الذمي يمنح المسلم أرضًا، والمنيحة: العارية؛ ليزرعها.
وقوله: "فلا أرض له": يعني أن خراجها على ربها المشرك، ولا يسقط الخراج عنه منحته المسلم إياها، ولا يكون على المسلم خراجها.
وهذا مثل حديثه الآخر: "ليس على المسلم جزية".
يروى ذلك عن "قابوس بن أبي ظبيان" عن "أبيه" عن "النبي" -ﷺ-.
[ ٣ / ٥ ]
٣٢٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ- حين ذكر الله -﵎- فقال:
"حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره" هذا يروى عن "الأعمش" عن "عمرو بن مرة" عن "أبي عبيدة" عن "أبي موسى" عن "النبي" -ﷺ-
[ ٣ / ٦ ]
يقال في السبحة: إنها جلال وجهه ونوره، ومنه قيل: سبحان الله إنما هو تعظيم له، وتنزيه.
وهذا الحرف قوله: "سبحات" -ألم نسمعه إلا في هذا الحديث.
٣٢٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-:
"إن أكبر الكبائر [عند الله] أن تقاتل أهل صفقتك، وتبدل سنتك، وتفارق أمتك".
قال: حدثناه "حجاج" عن "حماد بن سلمة" عن "علي بن زيد ابن جدعان" عن "الحسن" يرفعه.
[ ٣ / ٧ ]
قال: قتاله أهل صفقته: أن يعطى الرجل عهده وميثاقه، ثم يقاتله.
وتبديل سنته: أن يرجع أعرابيًا بعد هجرته.
ومفارقته أمته: أن يلحق بالمشركين.
قال "أبو عبيد": وهذا التفسير كله في الحديث ولا أدري: أهو عن "الحسن" أو غيره؟
٣٣٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -صلى الله
[ ٣ / ٨ ]
عليه وسلم- أنه قال:
"لا تغار التحية".
فالغرار: النقصان، وأصله من غرار الناقة، وهو أن ينقص لبنها.
يقال: قد غارت [الناقة] فهي تغار.
فمعنى الحديث: أنه لا ينقص السلام.
ونقصانه: أنه يقال: السلام عليك، وإذا سلم عليك، أن تقول: وعليك.
والتمام: أن تقول: السلام عليكم.
[ ٣ / ٩ ]
وإذا رددت أن تقول: وعليكم، وإن كان الذي تسلم عليه أو ترد عليه واحدًا وكان "ابن عمر" يرد كما يسلم عليه.
٣٣١ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ- أنه قال في بعض أسفاره:
"تحينوا نوقكم".
[قال أبو عبيد]: قال "أبو عمرو": التحيين: أن تحلبها مرةً واحدةً.
[ ٣ / ١٠ ]
يقال: قد حينها: إذا جعل لها ذلك الوقت، قال "المخبل":
إذا أفنت أروى عيالك أفنها وإن حينت أربى على الوطب حينها
٣٣٢ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ- حين قال:
"فلعل طبا أصابه ثم نشره بـ (قل أعوذ برب الناس).
قال "أبو عبيد": قال "الأصمعي": الطب: السحر، وإنما كنى عن السحر بالطب كما كنى عن اللديغ بالسليم.
[ ٣ / ١١ ]
والطب: الرجل [العالم] الحاذق بالأمور، وقال "عنترة":
إن تغدفي دوني القناع فإنني طب بأخذ الفارس المستلئم
فالمستلئم: الذي قد لبس لأمته، واللامة: الدرع.
٣٣٣ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- أنه قال:
"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد".
[ ٣ / ١٢ ]
قوله: "عفراء"، الأعفر: الأبيض ليس بشديد البياض.
والنقي: الحواري، والمعلم: الأثر، قال الشاعر:
يطعم الناس إذا ما أمحلوا من نقي دوقه أدمه
٣٣٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- حين دفع من عرفات [يسير] العنق، فإذا وجد فجوة نص".
[ ٣ / ١٣ ]
قال "أبو عبيد": النص: التحريك حتى يستخرج من الدابة أقصى سيرها".
قال الشاعر:
تقطع الخرق يسير نص
[ ٣ / ١٤ ]
٣٣٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-: "أنه أفاض وعليه السكينة/ فأوضع في وادي محسرٍ".
[ ٣ / ١٥ ]
قال "أبو عبيد": الإيضاع: سير مثل الخبب، وهو من سير الإبل، يقال له؛ الإيضاع، وقال الشاعر:
إذا أعطيت راحلةً ورحلًا ولم أوضع فقام على ناعي
٣٣٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- أنه كلما امرأةً قبطيةً، فقال رسول الله -ﷺ-:
"مرها فلتتخذ تحتها غلالةً، لا تصف حجم عظامها".
[ ٣ / ١٦ ]
يقول: إذا لصق الثوب بالجسد أبدى عن خلقها.
٣٣٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه نهى عن التلقي، وعن ذبح ذوات الدر، وعن ذبح قنى الغنم".
[ ٣ / ١٧ ]
قال "أبو عبيد": ذوات الدر: ذوات اللبن.
وقنى الغنم: التي تقتني للولد أو اللبن.
يقال: قنْوةٌ وقُنْوةٌ، والمصدر منه القنيان والقنيان، وقال الشاعر:
لو كان للدهر مال كان متلده لكان للدهر صخر مال قنيان
والتلقي: أن يتلقى الرجل الأعراب تقدم بالسلعة، ولا تعرف سعر السوق فتبيعها رخيصةً".
[ ٣ / ١٨ ]
٣٣٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- أنه أتى برجل نعت له الكي، فقال:
"اكووه أو ارضفوه"
قال: الرضف: الحجارة تسخن، ثم يكمد بها.
[ ٣ / ١٩ ]
٣٣٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- حين قال:
"ألا أنبئكم ما العضه؟
قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: هي النميمة.
[ ٣ / ٢٠ ]
قال "أبو عبيد": وكذلك هي عندنا، قال الشاعر:
أعوذ بربي من النافثا ت في عقد العاضه المعضه
٣٤٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- حين قال:
"من رأى مقتل "حمزة"؟
[ ٣ / ٢١ ]
فقال رجل أعزل: أنا رأيته".
قال "أبو عبيد": الأعزل: الذي لا سلاح معه، وقال "الأحوص":
وأرى المدينة حين كنت أميرها أمن البرئ بها ونام الأعزل
٣٤١ - وقال أبو عبيد، في حديث النبي -ﷺ- أنه قال "لزيدٍ":
"أنت مولانا" فحجل.
[ ٣ / ٢٢ ]
قال "أبو عبيد": الحجل: أن يرفع رجلًا، ويقفز على الأخرى من الفرح.
وقد يكون بالرجلين جميعًا إلا أنه قفز، وليس بالمشي.
٣٤٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-:
أنه أتى بهدية في أديمٍ مقروظ.
[ ٣ / ٢٣ ]
يعني المقروظ: المدبوغ بالقرظ.
٣٤٣ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"لعن الله من غير منار الأرض".
[ ٣ / ٢٤ ]
قال "أبو عبيد": المنار: التي تضرب على الحدود فيما بين الجار والجار.
فتغييره أن يدخله في أرض جاره؛ ليقتطع به من أرضه شيئًا".
٣٤٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -صل الله عليه وسلم حين قال:
"وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم".
[ ٣ / ٢٥ ]
قال "أبو عبيد": الحصائد: ما قاله اللسان، وقطع به على الناس.
٣٤٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي"
[ ٣ / ٢٦ ]
-ﷺ-:
أنه غضب غضبًا شديدًا حتى يخيل إلي أن أنفه يتمزع.
قال "أبو عبيد": ليس يتمزع بشيءٍ، ولكني أحسبه يترمع وهو أن تراه كأنه يرعد من شدة الغضب.
٣٤٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي"
[ ٣ / ٢٧ ]
ﷺ:
"أن الشمس تطلع ترقرق".
يعني: تدور، وتجيء وتذهب.
[ ٣ / ٢٨ ]
٣٤٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه أتى حائش نخل، أو حشا فقضى حاجته".
قال ["أبو عبيد"]: الحائش: جماعة النخل، وهو البستان، والحش جماعة النخل أيضًا، وفيه لغتان: يقال: حَشُّ وحُشٌّ.
٣٤٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ- "أنه أهدى إليه هديةً، فلم يجد شيئًا يضعه عليه، فقال:
[ ٣ / ٢٩ ]
"ضعه، بالحضيض فإنما أنا عبد أكل كما يأكل العبد".
قال "أبو عبيدٍ": الحضيض: الأرض، والحضيض: منقطع الجبل إذا أفضيت منه إلى الأرض.
وفي بعض الحديث أن رجلًا كتب: أن العدو بعرعرة الجبل، ونحن بحضيضه:
إنما هو أسفله عند منقطعه.
٣٤٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"إن رجلًا قال: يا رسول الله: مالي ولعيالي هارب ولا قارب غيرها".
[ ٣ / ٣٠ ]
قال "أبو عبيد": إنما هذا مثل، يقول: ليس لي شيء. وأصل الهارب: الذي قد هرب في الأرض.
والقارب: الذي يطلب الماء.
٣٥٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"إن عقبة بن عامرٍ" قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- وعليه فروج من حريرٍ".
[ ٣ / ٣١ ]
قال: هو القباء الذي فيه شق من خلفه.
٣٥١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-:
"إن أنس بن مالك" قال: أقاد رسول الله -ﷺ- من يهودي قتل جويريةً على أوضاحٍ لها.
[ ٣ / ٣٢ ]
قال "أبو عبيدٍ": يعني: حلى فضة.
٣٥٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- حين قال: "اهتف بالأنصار.
قال: فهتفت بهم، فجاؤا حتى أطافوا به، وقد وبشت قريش
[ ٣ / ٣٣ ]
أوباشًا وأتباعًا".
قال "أبو عبيد": الأوباش: الأخلاط من الناس.
[ ٣ / ٣٤ ]
٣٥٣ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ-:
إن أعرابيًا بال في المسجد، فقال [النبي -ﷺ-]:
"إن هذا المسجد لا يبال فيه، إنما بنى لذكر الله والصلاة، ثم أمر بجسل من ماءٍ فأفرغ على بوله.
[ ٣ / ٣٥ ]
قال "أبو عبيد": فالسجل: الدلو.
٣٥٤ - وقال "أبو عبيد": في حديث "النبي" -ﷺ- أنه رأى في بيت "أم سلمة" جاريةً ورأى بها سفعةً، فقال:
"إن بها نظرةً، فاسترقوا لها".
[ ٣ / ٣٦ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "سفعةً" يعني: أن الشيطان أصابها، وهو من قول الله [﷿]:
(كلا لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية).
وحديث "ابن مسعودٍ" أنه رأى رجلًا، فقال: "إن بهذا سفعةً من الشيطان" وهو من هذا.
٣٥٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- أنه لما فتح "مكة".
قال: "لا تغزى "قريش" بعدها".
[ ٣ / ٣٧ ]
قال "أبو عبيد": إنما وجه هذا عندنا أنه يقول: لا تكفر "قريش" بعد هذاحتى تغزى على الكفر.
ومنه الحديث الآخر:
"لا يقتل قرشى صبرًا".
قال "أبو عبيد": ليس معناه -والله أعلم- أنه نهى أن يقتل إذا استوجب القتل.
وما كانت "قريش" وغيرهم في الحق [عنده] إلا سواء.
[ ٣ / ٣٨ ]
ولكن وجهه، إنما هو على الخبر، أنه لا يرتد قرشي، فيقتل صبرًا على الكفر.
٣٥٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- أنه قال:
"ليس منا من غشنا".
[ ٣ / ٣٩ ]
قال ["أبو عبيد"]: فبعض الناس يتأوله: أنه يقول: ليس منا: أي [ليس] من أهل ديننا.
يعني: أنه ليس من أهل الإسلام.
وكان "سفيان بن عيينة" يرويه عن غيره أنه قال:
ليس منا: أي [ليس] مثلنا، وهذا تفسير لا أدري ما وجهه؛ لأنا قد علمنا أن من غش، ومن لم يغش ليس يكون مثل "النبي" [-ﷺ-] فكيف يكون من غشنا ليس مثلنا؟ .
وإنما وجهه عندي -والله أعلم- أنه أراد: ليس منا، أي ليس هذا من أخلاقنا ولا من فعلنا، إنما نفى الغش أن يكون من أخلاق الأنبياء والصالحين.
[ ٣ / ٤٠ ]
وهذا شبيه بالحديث الآخر: "يطبع المؤمن على كل شيءٍ إلا الخيانة والكذب" إنهما ليسا من أخلاق الإيمان.
وليس هو على معنى أنه من غش، أو من كان خائنًا فليس بمؤمنٍ، ومثله كثير في الحديث.
٣٥٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه نهى عن شبر الجمل".
يروى ذلك عن "سعيد بن السائب" عن "إبراهيم بن ميسرة" أنه بلغه عن "النبي" -ﷺ- ذلك
[ ٣ / ٤١ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "شبر الجمل"، يعني أخذ الأجر على ضرابه.
ومثل ذلك: "أنه نهى عن عسب الفحل.
فالعسب هو الكراء للضراب.
قال "أبو عبيد": ومما يبين ذلك، حديث يروى عن "سفيان الثوري" عن "أبي معاذ"، قال:
"كنت تياسًا، فقال لي "البراء بن عازب": "لا يحل لك عسب الفحل".
[ ٣ / ٤٢ ]
ويروى عن "معمر" عن "قتادة" أنه كره عسب الفحل لمن أخذه، ولم ير به بأسًا لمن أعطاه.
٣٥٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
أنه ندب الناس إلى الصدقة، فقيل له: قد منع "أبو جهمٍ" و"خالد بن الوليد" و"العباس" عم النبي -ﷺ-.
قال: فقال رسول الله -ﷺ-: أما "أبو جهمٍ" فلم ينقم منا إلا أن أغناه الله ورسوله من فضله.
وأما "خالد" فإن الناس يظلمون "خالدًا" إن "خالدًا" قد جعل رقيقه ودوابه حبسًا في سبيل الله.
وأما "العباس" عم رسول الله [-ﷺ-] فإنها
[ ٣ / ٤٣ ]
عليه، ومثلها معها.
قال "أبو عبيدٍ": يروى هذا عن "ورقاء بن عمر" عن "أبي الزناد" عن "الأعرج" عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة".
قال "أبو عبيدٍ" [قوله]: "فإنها عليه ومثلها معها" نراه -والله أعلم- أنه كان أخر عنه الصدقة عامين، وليس وجه ذلك
[ ٣ / ٤٤ ]
إلا أن يكون من حاجةٍ "بالعباس" إليها، فإنه [قد] يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر، ثم يأخذها منه بعد.
ومن هذا حديث "عمر" أنه أخر الصدقة عام الرمادة، فلما أحيا الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين.
وأما الحديث الذي يروى أن النبي -ﷺ- قال:
"إنا قد تعجلنا من "العباس" صدقة عامين فهو عندي من هذا أيضًا، إنما تعجل منه أنه أوجبها عليه، وضمنها إياه، ولم يقبضها منه، فكانت دينًا على العباس [-﵀-]؛ ألا ترى أن "النبي" [-ﷺ-] يقول: "فإنها عليه ومثلها معها".
[ ٣ / ٤٥ ]
٣٥٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- في كتابه "لأكيدر":
"هذا كتاب من "محمد" رسول الله [-ﷺ-] "لأكيدر" حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام مع "خالد ابن الوليد" سيف الله في "دومة" الجندل وأكنافها. إن لنا الضاحية من الضحل والبور، والمعامي، وأغفال الأرض، والحلقة والسلاح.
ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور بعد الخمس، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها عليكم، بذلك عهد الله وميثاقه".
[ ٣ / ٤٦ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "خلع الأنداد" يعني الآلهة التي جعلها المشركون لله أندادًا.
وقوله: "الضاحية من الضحل" فالضاحية: ما ظهر وبرز، وكان خارجًا من العمارة.
والضحل: القليل من الماء، والبور: الأرض التي لم تزرع. والمعامي: الأرض المجهولة. والأغفال: نحوها واحدتها غفل.
"والحلقة": السلاح، والدروع".
وأما قوله: "الضامنة من النخل" فإن الضامنة ما كان داخلًا في العمارة.
والمعين: الظاهر من الماء.
وقوله: "لا تعدل سارحتكم": السارحة: الماشية التي تسرح، وترعى، وهو من قوله -جل وعز- "حين تريحون وحين تسرحون".
[ ٣ / ٤٧ ]
وقوله: لا تعدل: يقول: لا تصرف عن مرعى تريده.
وقوله: " [و] لا تعد فاردتكم": يعني الزائدة على ما تجب فيه الزكاة يقول: لا تعد عليكم تلك في الزكاة حتى تنتهي إلى الفريضة الأخرى.
وقوله: "لا يحظر عليكم النبات": يقول: لا تمنعون من الزراعة حيث شئتم.
[ ٣ / ٤٨ ]
٣٦٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"وقبض له الأرض: يعني جمعها له".
٣٦١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- قال:
"يؤتى بالدنيا بقضها وقضيضها".
يعني: كل ما فيها.
[ ٣ / ٤٩ ]
قال "أبو عبيد" ويروى بالكسر أيضًا "بقضها".
قال: وأحسبها لغة.
٣٦٢ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- في الرجل الذي استعمله، فأهدى له، فقال: هذا لي.
فقال: "ألا جلس في حفش أمه، فينظر أكان يهدي إليه شيء".
[ ٣ / ٥٠ ]
قال "أبو عبيدة": الحفش: الدرج، وجمعه أحفاش.
قال "أبو عبيدٍ": شبه بيت أمه في صغره بالدرج.
[قال أبو عبيدٍ]: وليس هذا الحرف [في كل الحديث هو] في بعض الحديث [في بيت أمه].
٣٦٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- أن رجلًا شكا إليه امرأته، فقال:
"اللهم أر بينهما".
[ ٣ / ٥١ ]
يعني: ثبت الود، ومكنه، ومنه قول "أعشى باهلة":
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعض على شرسوفه الصفر
لا يتأرى: يقول: لا يتلبث، ولا يحتبس ويطمئن.
[قال "أبو عبيدٍ"]: وبعضهم يروى هذا الحديث عن "النبي" -ﷺ- أنه دعا بهذا الدعاء "لعلي" و"فاطمة" [﵄].
[ ٣ / ٥٢ ]
٣٦٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث يروى عن "موسى ابن علي بن رباح" عن "حبان بن أبي جبلة" قال: لا أدري أرفعه أم لا؟ قال:
"من دعا دعاء الجاهلية، فهو من جثا جهنم".
قال: واحدة الجثا جثوه، وهو -بضم الجم، وهو الشيء المجموع، قال "طرفة [بن العبد] ":
ترى جثوتين من ترابٍ عليهما صفائح صم من صفيح موصد
يصف قبرين.
فكأن معنى الحديث أنه من جماعات جهنم، أي من الزمر التي تدخلها.
[ ٣ / ٥٣ ]
هذا فيمن قال: "من جثا" فخفف الياء.
ومن قال: "جثى جهنم" فشدد الياء، فإنه يريد الذين يجثون على الركب، واحدها جاث، وجمعه جثي -بتشديد الياء- قال الله -﷿-: "ثم لنحضرلهم حول جهنم جئيا" وهذا أحب إلي من الأول.
٣٦٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"إذا وجد أحدكم طخاءً على قلبه، فليأكل السفرجل".
[ ٣ / ٥٤ ]
قال "أبو عبيد": الطخاء: ثقل وغشى [يتجلاه وكل شيء ألبس شيئًا فهو طخاء]. يقال منه: ما في السماء طخاء؛ أي سحاب وظلمة، والطخية: الظلمة، قال "النابغة":
فلا تذهب بعقلك طاخيات من الخيلاء ليس لهن باب
٣٦٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث ["النبي" -ﷺ- الذي] يرويه [عنه] " واثلة بن الأسقع" قال: "كنت من أهل الصفة، فدعا "النبي" -ﷺ-
[ ٣ / ٥٥ ]
يومًا بقرص، فكسره في صحفة، ثم صنع فيها ماءً سخنًا وصنع فيها ودكًا، وصنع منه ثريدةً، ثم سغسغها، ثم لبقها، ثم صعبنها" قوله: "لبقها" يعني جمعها بالمقدحة، وهي المغرفة.
و"سغسغها": أفرغ عليها زغلةً من سمن، فرواها [بها]، وفرقها فيها.
قال: و"صعنبها": يعني رفع رأسها.
[ ٣ / ٥٦ ]
٣٦٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في هذا الحديث:
"إن الشيطان نشوقًا ولعوقًا ودسامًا".
فالدسام: ما سد به الأذن.
يقال منه: دسمت الشيء دسمًا: إذا سددته.
واللعوق في الفم.
والنشوق في الأنف.
٣٦٨ - وقال "أبو عبيد" في هذا الحديث: أنه قال: "مثل العالم كالحمة يأتيها البعداء، ويتركها القرباء،
[ ٣ / ٥٧ ]
فبينما هم كذلك إذ غار ماؤها، فانتفع بها قوم، وبقي قوم يتفكنون" يعني: يتندمون، والتفكن: التندم.
٣٦٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث [النبي ﷺ] "لو أن أحدهم دعى إلى مرماتين لأجاب، وهو لا يجيب إلى الصلاة".
يقال: إن المرماة ما بين ظلفي الشاة.
[ ٣ / ٥٨ ]
قال "أبو عبيدٍ": وهذا حرف لا أدري ما وجهه إلا أنه هكذا يفسر -والله أعلم-.
وفي بعض الحديث: "لو أن رجلًا ندا الناس إلى مرماتين، أو عرق أجابوه.
فمن قال: "ندا" جعله من النادي، وهو المجلس.
يقال: ندوت القوم أندوهم.
قال "أبو عبيد": وفيها لغة أخرى: "مرماة" [بفتح الميم]
٣٧٠ - وقال "أبو عبيد" في حديثه [﵇] في خلايا النحل: "أن فيها العشر".
[ ٣ / ٥٩ ]
قال: هي المواضع التي يعسل فيها النحل، وهي مثل الراقود ونحوه يعمل لها من طينٍ أو غيره، واحدتها خلية.
٣٧١ - وقال "أبو عبيد" في حديثه: [ﷺ]: "ما تعدون فيكم الصرعة"؟
[ ٣ / ٦٠ ]
قال: فالصرعة: الذي يصرع الرجال.
٣٧٢ - و[قال "أبو عبيدٍ"] في حديث آخر قال: "صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى".
يقول: إذا وجد الفصيل حر الشمس على الرمضاء. يقول: فصلاة الضحى تلك الساعة.
[ ٣ / ٦١ ]
٣٧٣ - وقال "أبو عبيد" في حديث آخر: قوله: "فوردناه على جد جدٍ متدمن".
قال: قوله: "جدجد" وإنما المعروف من كلامهم الجد، قال "الأعشى":
ما جعل الجد الظنون الذي جنـ ـنب صوب اللجب الماطر
وكان "الأصمعي" يقول: الجد: البئر الجيدة الموضع من الكلإ.
[ ٣ / ٦٢ ]
وأما الجدجد، فإنه عندنا دويبة، وجمعها جداجد.
وأما المتدمن: فالماء الذي قد سقطت فيه دمن الإبل والغنم، وهي أبعارها.
٣٧٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديثٍ آخر، قوله: "اللهم إنا نعوذ بك من الألس والألق، والكبر والسخيمة".
قوله "الألس": هو اختلاط العقل.
يقال منه قد ألس الرجل، فهو مألوس.
[ ٣ / ٦٣ ]
وأما "الألق" فإني لا أحسبه أراد إلا الأولق: والأولق: الجنون، وقال "الأعشى":
وتصبح عن غب السرى وكأنما ألم بها من طائف الجن أولق
يصف ناقته، يقول: هي من سرعتها كأنها مجنونة وإن كان أراد الكذب، فهو الولق.
ويروى عن "عائشة" أنها كانت تقرأ: "إذ تلقونه بألسنتكم" يقال من هذا: قد ولقت ألق ولقًا.
وأما السخيمة" فهي الضغينة والعداوة.
٣٧٥ - و[قال "أبو عبيدٍ"] في حديث آخر قال: "قاموا صتيتين".
[ ٣ / ٦٤ ]
أي جماعتين.
يقال: قد صات القوم. مشدد.
٣٧٦ - و[قال "أبو عبيدٍ"] في حديث آخر: "في الوعثاء".
قال: الوعثاء: الأرض ذات الوعث.
وقد أوعث القوم [أي] صاروا في الوعث
[ ٣ / ٦٥ ]
٣٧٧ - و[قال "أبو عبيدٍ"] في حديث آخر قال: يقال: "اللهم غبطًا لا هبطًا".
قال: يعني نسألك الغبطة، ونعوذ بك أن نهبط عن حالنا. وهو مثل قوله: "الحور بعد الكور".
٣٧٨ - و[قال "أبو عبيد"] في حديث آخر: "اللهم المم شعثنا".
أي اجمع ما تشتت من أمرنا.
[ ٣ / ٦٦ ]
يقال لممت الشيء ألمه لما أي جمعته.
٣٧٩ - [و] قال "أبو عبيد" في حديث آخر، قال: يسلط عليهم موت طاعونٍ ذفيف [يحوف القلوب].
وقوله: "ذفيف": هو المجهز الذي يذفف عليهم، ويقتلهم كما يذفف على الجريح.
٣٨٠ - [قال "أبو عبيد"]: وحديثه في الرثع".
قال: الرثع: الحرص الشديد.
[ ٣ / ٦٧ ]
٣٨١ - [قال: "أبو عبيدٍ"]: وقوله: "الخريف" إنما سمي الخريف خريفًا؛ لأنه تخترف فيه الثمار.
ويقال: أرض مخروفة: أي أصابها مطر الخريف.
[ ٣ / ٦٨ ]
٣٨٢ - وقال ["أبو عبيدٍ"] في حديثه: "أما سمعته من "معاذٍ" يدبره عن رسول الله [-ﷺ-].
قال "أبو عبيدٍ": قوله: يدبره؛ أي يحدثه.
٣٨٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-:
"تجيء البقرة، وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان
[ ٣ / ٦٩ ]
أو غيايتان".
قال "الأصمعي": الغيابة كل شيءٍ أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة، والغبرة، والظل ونحوه.
يقال: غايا القوم فوق رأس فلان بالسيف، كأنهم أظلوه به.
قال "الكسائي"، و"أبو عمرو" في الغياية مثله. ولم يذكرا
[ ٣ / ٧٠ ]
قوله: غايا بالسيف، قال "لبيد":
فتدليت عليه قافلًا وعلى الأرض غيايات الطفل
٣٨٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- حين قال "لعمرو بن العاص":
"وأزعب لك زعبةً من المال".
قال: حدثنا "سعيد بن عبد الرحمن الجمحي" عن "موسى بن علي بن رباح" عن "أبيه" عن "عمرو بن العاص"، قال: أرسل إلى رسول الله -ﷺ-:
[ ٣ / ٧١ ]
"أن اجمع عليك سلاحك وثيابك، ثم ائتني، فأتيته، وهو يتوضأ، فقال:
"يا عمرو! إني أرسلت إليك لأبعثك في وجه يسلمك الله فيه ويغنمك، وأزعب لك زعبةً من المال".
[قال]: فقلت: يا رسول الله! ما كانت هجرتي للمال، وما كانت إلا لله ورسوله.
قال: فقال: نعما بالمال الصالح للرجل الصالح".
[ ٣ / ٧٢ ]
قال "الأصمعي" قوله: "وأزعب لك زعبةً" أي أعطيك دفعةً من المال.
قال: "والزعب هو الدفع".
يقال: جاءنا سيل يزعب زعبًا، أي يتدافع.
وقال "الأصمعي": يقال: جاءنا سيل يرعب الوادي -بالراء-، أي يملأه.
قال ["أبو عبيدٍ"]: وأما الذي في الحديث فبالزاي.
قال "أبو عبيد": وقول "الأصمعي" يرعب الوادي [بالراء] ليس من هذا.
[ ٣ / ٧٣ ]
٣٨٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أن رجلًا كان واقفًا معه، وهو محرم، فوقصت به ناقته في أخاقيق جرذان فمات".
[ ٣ / ٧٤ ]
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "أبو بشرٍ" عن "سعيد بن جبيرٍ" عن "ابن عباس" أن رجلًا كان واقفًا مع "النبي" -ﷺ فوقصت به دابته أو راحلته، وهو محرم".
فقال رسول الله -ﷺ: "اغسلوه، وكفنوه، ولا تخمروا وجهه [ورأسه] فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا". أو قال: ملبدًا.
وقال غير "هشيم" فوقصت به ناقته في أخاقيق جرذان.
قال: سمعت "المسيب" يذكر هذا الحرف.
قال "الأصمعي": إنما هي لخاقيق واحدها لخقوق، وهي شقوق في الأرض.
[ ٣ / ٧٥ ]
قال "أبو عبيد": والوقص: كسر العنق.
ومنه قيل للرجل: أوقص إذا كان مائل العنق قصيرها.
ومن ذلك حديث "علي" [﵁] "في القارصة والقامصة والواقصة".
[ ٣ / ٧٦ ]
قال: حدثنا "ابن أبي زائدة" عن "مجالد بن سعيد" عن "الشعبي" عن "علي" [﵁] أنه قضى في القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثًا. قال "ابن أبي زائدة": وتفسيره؛ أن ثلاث جوارٍ كن يلعبن، فركبت إحداهن صاحبتها، فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت، فسقطت الراكبة، فوقصت عنقها، فجعل "علي" [كرم الله وجهة] على القارصة ثلث الدية، وعلى القامصة الثلث، وأسقط الثلث.
يقول: لأنه حصة الراكبة، يقول: لأنها أعانت على نفسها.
ومنه قولهم، وقصت الشيء، أي كسرته، قال "ابن مقبل" يذكر الناقة:
فبعثتها تقص المقاصر بعد ما كربت حياة النار للمتنور
[ ٣ / ٧٧ ]
قوله: تقص: تكسر وتدق، وواحدة المقاصر مقصرة.
قال "أبو زياد" قوله: مقصرة من قصر العشى.
قال "أبو عبيد" وهو عندي من اختلاط الظلام.
٣٨٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"ليس منا من صلق أو حلق".
[ ٣ / ٧٨ ]
قال "الأصمعي": والصلق بالصاد هو الصوت الشديد.
وقال غيره: بالسين، ومنه قوله -﵎-: "سلقوكم بألسنة حدادٍ".
وقال "الأعشى":
فيهم الخصب، والسماحة والنجد ة فيهم، والخاطب السلاق
ويروى: المسلاق".
[ ٣ / ٧٩ ]
٣٨٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"لاثنى في الصدقة".
قال "الأصمعي": هو مقصور -بكسر الثاء-: يعني ألا تؤخذ في السنة مرتين.
وقال "الكسائي" في "الثنا": مثله.
[ ٣ / ٨٠ ]
قال "أبو عبيدٍ": وقال في ذلك "كعب بن زهير" أو "معن ابن أوس" يذكر امرأته، وكانت لامته في بكرٍ نحره:
أفي جنب بكرٍ قطعتني ملامةً لعمري لقد كانت ملامتها ثنا
يقول: إن هذا ليس بأول لومها. قد فعلته قبل هذا، وهذا ثنىً بعده.
٣٨٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-:
"إنما هو جبرئيل وميكائيل كقولك: عبد الله وعبد الرحمن"
[ ٣ / ٨١ ]
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "إسماعيل بن رجاء" عن "عمير" مولى "ابن عباس" [عن "ابن عباس"] قال: "إنما هو جبرئيل وميكائيل، كقولك عبد الله وعبد الرحمن".
وغير "أبي معاوية" يرفعه، ولم يرفعه. "أبو معاوية".
قال "الأصمعي": معنى "إيل" معنى الربوبية، فأضيف "جبر" و"ميكا" إليه.
[فقال: جبرئيل وميكائيل].
[ ٣ / ٨٢ ]
وقال "أبو عمرو": جبر: هو الرجل: قال "أبو عبيد": فكأن معناه: عبد إيل رجل إيل مضاف إليه. فهذا تأويل قوله: عبد الرحمن وعبد الله.
قال: حدثني "عفان بن عبد الوارث" عن "إسحاق بن سويدٍ" عن "يحيى بن يعمر" أنه كان يقروها "جبرإل" ويقول: جبر هو عبد، وإل هو الله.
قال: وحدثني "عبد الرحمن بن مهدي" و"الأشجعي" عن "سفيان" عن "ابن أبي نجيح" عن "مجاهد" في قوله: عز ذكره-: "لا يرقبون في مؤمنٍ إلا ولا ذمة". إلا، قال: الله.
[ ٣ / ٨٣ ]
قال: وحدثنا "إسماعيل بن مجالدٍ" عن "بيانٍ" عن "الشعبي" في قوله:
"لا يرقبون في مؤمنٍ إلا".
قال: الإل: إما الله، وإما كذا وكذا، أظنه قال: العهد.
قال "أبو عبيد": ويروى عن "ابن إسحاق" أن وفد "بني حنيفة" لما قدموا على "أبي بكرٍ" [﵁] بعد مقتل "مسيلمة" ذكر لهم "أبو بكر" قراءة "مسيلمة" فقال: إن هذا الكلام لم يخرج من "إل".
قال "أبو عبيد": كأنه يعني الربوبية.
[ ٣ / ٨٤ ]
قال: والإل في غير هذين الموضعين القرابة، وأنشد لحسان [ابن ثابت الأنصاري]:
لعمرك إن إلك في قريشٍ كإل السقب من رأل النعام
قال "أبو عبيدٍ": فالإل ثلاثة أشياءٍ: الله -جل ثناؤه-، والعهد، والقرابة.
٣٨٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه نهى أن يضحي بشرقاء أو خرقاء، أو مقابلة،
[ ٣ / ٨٥ ]
أو مدابرة، أو جدعاء".
قال: حدثناه "أبو بكر بن عياش" عن "أبي إسحاق" عن "شريح بن النعمان" عن "علي بن أبي طالب" [كرم الله وجهه] أن رسول الله -ﷺ- نهى عن ذلك".
[ ٣ / ٨٦ ]
قال "الأصمعي": الشرقاء في الغنم: المشقوقة الأذن باثنين. والخرقاء: أن يكون في الأذن ثقب مستدير.
والمقابلة: أن يقطع من مقدم أذنها شيء، ثم يترك معلقًا لايبين، كأنه زنمة.
ويقال لمثل ذلك من الإبل المزنم، ويسمى ذلك المعلق الرعل.
قال: والمدابرة أن يفعل ذلك بمؤخر الأذن من الشاة.
وقال غير "الأصمعي": وكذلك إن بان ذلك من الأذن أيضًا، فهي مقابلة ومدابرة، بعد أن يكون قد قطع.
والجدعاء: المجدوعة الأذن ..
٣٩٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي -ﷺ-:
"إذا توضأت فأنثر، وإذا استجمرت فأوثر .. ".
[ ٣ / ٨٧ ]
قال: حدثناه "عبد الرحمن" عن "سفيان" عن "منصور" عن "هلال بن يسافٍ" عن "سلمة بن قيس" قال: قال لي رسول الله -ﷺ- ذلك.
[ ٣ / ٨٨ ]
قال "الأصمعي": فسر "مالك" قوله: "استجمرت أنه الاستنجاء [بالأحجار] قال: ولم أسمعه من غيره.
[قال "أبو عبيد"]: وقال "محمد بن الحسن": هو الاستنجاء [بالحجارة].
وقال "أبو زيد": هو الاستنجاء بالأحجار.
وقال "الكسائي" و"أبو عمرو": هو الاستنجاء أيضًا.
٣٩١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- في المرأة: "أنها وضيئة قتين".
[ ٣ / ٨٩ ]
قال "الأصمعي": القتين: هي القليلة الطعم.
يقال منه: امرأة قتين بينة القتن.
"قال أبو زيدٍ": وكذلك الرجل.
وقد قتن قتانة.
قال "أبو عبيد": قال "الشماخ" يذكر ناقةً:
وقد عرقت، مغابنها وجادت بدرتها قرى جحن قتين
[ ٣ / ٩٠ ]
يعني أنها عرقت، فصار عرقها قرى للقراد.
والجحن: السيء الغذاء.
والقتين: القليل الطعم.
٣٩٢ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- حين بال عليه "الحسن" [﵁] فأخذ من حجره فقال:
"لا تزرموا ابني".
[ ٣ / ٩١ ]
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "يونس" عن "الحسن" أن رسول الله -ﷺ- أتى "بالحسن بن علي"، فوضع في حجره، فبال عليه، فأخذ، فقال "لا تزرموا ابني" ثم دعا بماء، فصبه عليه".
[ ٣ / ٩٢ ]
قال "الأصمعي": الإزرام: القطع.
يقال للرجل إذا قطع بوله: قد أزرمت بولك.
وأزرمه غيره: قطعه.
وزرم البول نفسه: إذا انقطع.
قال "أبو عبيد": قال الشاعر، يقال: إنه "لعدي بن زيدٍ" أو "لسواد بن زيد بن عدي [بن زيد] ".
أو كماء المثمود بعد جمامٍ زرم الدمع لا يؤوب نزورا
فالزرم: القليل المنقطع. والمثمود: الذي قد ثمده الناس: أي ذهبوا به، فلم يبق منه إلا قليل. والجمام: الكثير.
قال "أبو عبيدٍ": السنة عندنا أن يغسل بول الجارية. ويصب على بول الغلام [ماء] ما لم يطعم.
[ ٣ / ٩٣ ]
يروى ذلك من ثلاثة أوجه عن "النبي" -ﷺ-
[ ٣ / ٩٤ ]
٣٩٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-
"أنه أتى بعرقٍ من تمرٍ".
[ ٣ / ٩٥ ]
[قال: حدثنا "ابن أبي عدي" عن "أشعث" عن "ابن سيرين" عن "ابن عباس" أن "النبي" -ﷺ- أتى بعرق من تمرٍ"].
قال "الأصمعي": أصل العرق السفيفة المنسوجة من الخوص قبل أن يجعل منها زبيل، فسمي الزبيل عرقًا لذلك.
[ ٣ / ٩٦ ]
قال: ويقال له العرقة أيضًا.
قال: وكذلك كل شيء مصطف مثل الطير إذا صفت في السماء، فهي عرقة.
وقال غير "الأصمعي": وكذلك كل شيءٍ مضفورٍ، فهو عرق. قال: وقال "أبو كبيرٍ الهذلي":
نغدو فنترك في المزاحف من ثوى ونمر في العرقات من لم يقتل
يعني نأسرهم، فنشدهم في العرقات، وهي النسوع.
[ ٣ / ٩٧ ]
٣٩٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"إن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون".
[ ٣ / ٩٨ ]
قال: حدثنا "يزيد [بن هارون] عن داود بن أبي هند" عن "مكحولٍ" عن "أبي ثعلبة الخشني" قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون".
قال "الأصمعي": أصل الفهق: "الامتلاء، فمعنى المتفيهق: الذي يتوسع في كلامه، ويفهق به فمه، ونحو ذلك، قال "الأعشى":
تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق
يعني الامتلاء.
وقال غيره: الثرثار: المكثار في الكلام.
[ ٣ / ٩٩ ]
وقال "الفراء" مثل قول "الأصمعي" أو نحوه.
قال "أبو عبيدٍ": وقد جاء تفسير الحديث فيه، قالوا: يا رسول الله: وما المتفيهقون؟
قال: "المتكبرون".
[قال "أبو عبيدٍ":] وهذا يؤول إلى المعنى الذي فسره "الأصمعي" وغيره؛ لأن ذلك، إنما يكون من التكبر.
[ ٣ / ١٠٠ ]
٣٩٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- في "مكة":
"لا تزول حتى يزول أخشباها".
[يروى عن "عباد بن عوام" عن "ابن إسحاق" عن "مجاهد" عن "ابن عمر" عن "النبي" -ﷺ-: "لا تزول حتى يزول أخشباها"].
قال "الأصمعي": الأخشب: الجبل.
[ ٣ / ١٠١ ]
قال "أبو عبيدٍ": وأراه يعني الغليظ، وأنشد "الأصمعي":
تحسب فوق الشول منه أخشبا
يعني: البعير، شبه ارتفاعه فوق النوق بالجبل.
٣٩٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" بـ ﷺ-:
"أنه دخل على "عائسة" [-﵂-] تبرق أسارير وجهه".
[ ٣ / ١٠٢ ]
قال: حدثناه "حجاج" عن "ابن جريج" عن "ابن شهاب الزهري" عن "عروة" عن "عائشة" عن "النبي" -ﷺ-.
وكان "ابن عيينة" يحدثه عن "الزهري" ولا يذكر أسارير وجهه.
قال "أبو عمروٍ": هي الحطوظ التي في الجبهة مثل التكسر فيها، واحدها سرر، وسر.
وجمعه أسرار وأسرة.
[ ٣ / ١٠٣ ]
قال ["أبو عبيدٍ"]: وكذلك الخطوط في كل شيءٍ، قال "عنترة":
بزجاجةٍ صفراء ذات أسرة قرنت بأزهر في الشمال مفدم
ثم الأسارير جمع الجمع.
قال "الأصمعي": في الخطوط التي في الكف هي مثلها، قال "الأعشى":
فانظر إلى كف وأسرارها هل أنت إن أوعدتني ضائري
يعني: خطوط باطن الكف.
[ ٣ / ١٠٤ ]
٣٩٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه كان يحلى بنات فلان -وكن في حجره- رعاثًا من ذهبٍ".
قال: حدثناه "صفوان بن عيسى" و"عبد الله بن جعفر" عن "محمد بن عمارة" عن "زينب بنت نبيط" عن "أمها" قالت: "كنت أنا وأختاي في حجر رسول الله -ﷺ- فكان يحلينا.
[ ٣ / ١٠٥ ]
قال "ابن جعفرٍ": رعاثًا من ذهبٍ ولؤلؤ.
وقال "صفوان": يحلينا التبر واللؤلؤ.
قال "أبو عمروٍ": وواحد الرعاث رعثة ورعثة، وهو القرط.
[قال]: "والرعث أيضًا في غير هذا: العهن من الصوف.
[ ٣ / ١٠٦ ]
٣٩٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
في "التحيات لله".
قال: حدثنا "هشيم" قال: أخبرنا "حصين" و"مغيرة" و"الأعمش" عن "أبي وائل" عن "عبد الله" قال:
"كنا إذا صلينا خلف رسول الله [-ﷺ-] قلنا: السلام على الله، السلام على فلان، السلام على فلان، فقال لنا: قولوا: "التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته إلى آخر التشهد.
فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالحٍ [لله] في السماوات والأرض"
[ ٣ / ١٠٧ ]
قال: "أبو عمرو": التحية: الملك، قال "عمرو بن معد يكرب":
أسيرها إلى النعمان حتى أنيخ على تحيته بجند
[ ٣ / ١٠٨ ]
يعني: على ملكه.
وأنشد "لزهير بن جنابٍ الكلبي":
ولكل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية
يعني: الملك.
قال "أبو عبيدٍ: " والتحية في غير هذا السلام.
٣٩٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ- حين رمى المشركين بالتراب، وقال:
"شاهت الوجوه".
[ ٣ / ١٠٩ ]
قال: حدثنا "عبد الواحد بن زيادٍ" عن "الحوت بن حصين" عن "عبد الرحمن بن القاسم". عن "أبيه" عن "عبد الله بن مسعودٍ" أن رسول الله -صلى الله عليه وآله- رمى المشركين بالتراب، فقال: "شاهت الوجوه، ما فيهم أحد إلا يشكو القذى في عينيه".
قال "أبو عمرو": يعني قبحت.
يقال منه: شاه وجهه يشوه شوهًا، [وشوهةً].
وشوهه الله فهو مشوه.
[ ٣ / ١١٠ ]
ويقال منه: رجل أشوه، وامرأة شوهاء.
٤٠٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أن رجلًا كان في بصره سوء، فمر على بئر عليها خصفة، فوقع فيها، فضحك القوم في الصلاة فأمرهم بإعادة الوضوء والصلاة".
قال: حدثنا: "هشيم" قال أخبرنا "خالد" و"هشام بن حسان" أو أحدهما عن "حفصة" عن "أبي العالية" أن رسول الله -صلى الله
[ ٣ / ١١١ ]
عليه وسلم- كان يصلي. فأقبل رجل في بصره سوء، فمر ببئرٍ عليها خصفة، فوقع فيها، فضحك بعض من كان خلف النبي -ﷺ- فأمر رسول الله [ﷺ] من ضحك أن يعيد الوضوء والصلاة".
قال "أبو عمرو": الخصفة: الجلة التي تعمل من الخوص للتمر، وجمعها خصاف.
قال: وقال "الأخطل" يذكر قبيلة من القبائل
تبيع بنيها بالخصاف وبالتمر
[ ٣ / ١١٢ ]
٤٠١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- حين تكلم الرجل خلفه في الصلاة.
قال الرجل: "فبأبي هو وأمي ما كهرني ولا شتمني".
قال: حدثنا: "إسماعيل بن إبراهيم" عن "الحجاج بن أبي عثمان" عن "يحيى بن أبي كثير" عن "هلال بن أبي ميمونة" عن "عطاء بن يسار" عن "معاوية بن الحكم السلمي" قال: "صليت مع رسول الله -ﷺ- فعطس بعض القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، وجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، قلت: واثكل أمياه مالكم تصمتونني؟ لكني سكت.
فلما قضى رسول الله [ﷺ] صلاته،
[ ٣ / ١١٣ ]
فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله، ولا بعده كان أحسن تعليمًا منه ما ضربني ولا شتمني، ولا كهرني" قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي للتسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن". أو كالذي قال رسول الله [ﷺ].
قال "أبو عمرو": وقوله: "ولا كهرني" الكهر: الانتهار.
يقال منه: كهرت الرجل فأنا أكهره كهرًا.
وقال "الكسائي": وفي قراءة عبد الله [بن مسعودٍ] ":
[ ٣ / ١١٤ ]
"فأما اليتيم فلا تكهر" قال "أبو عبيد": والكهر في غير هذا ارتفاع النهار. ومنه قول "عدي بن زيد":
فإذا العانة في كهر الضحى [معها أحقب ذو لحمٍ زيم]
[العانة: حمر الوحش].
٤٠٢ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"من قتل نفسًا معاهدةً لم يرح رائحة الجنة".
[ ٣ / ١١٥ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن إبراهيم" عن "يونس بن عبيد" عن "الحكم بن الأعرج" عن "الأشعث بن ثرملة" عن "أبي بكرة" عن "النبي" -ﷺ- قال: "من قتل نفسًا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يجد ريحها".
وقال غير "إسماعيل": لم يرح رائحة الجنة".
[ ٣ / ١١٦ ]
قال "أبو عمرو" هو من رحت الشيء فأنا أريحه إذا وجدت ريحه.
وقال "الكسائي": لم يرح رائحة الجنة.
قال هو من [قولك]: أرحت الشيء فأنا أريحه.
"الأصمعي": قال: لا أردي هو من رحت أم أرحت.
قال "أبو عبيد": وأنا أحسبها من غير هذا كله أراه لم يرح -بالفتح-، قال "أبو كبير الهذلي"، أو غيره:
وماءٍ وردت على زورةٍ كمشي السبنتي يراح الشفيفا
[ ٣ / ١١٧ ]
ويروى على زورة، وزورة أجود، وهي من الازورار.
السبنتي: النمر، سمي بذلك لشدته، والشفيف: الريح الباردة.
وقوله: يراح: يجد الريح فهذا يبين لك أنه من رحت أراح، فيقال منه: لم يرح رائحة الجنة.
٤٠٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تميلها الريح مرة هكذا، ومرة هكذا ومثل المنافق مثل الأرزة المجذية على الأرض حتىي كون انجعافها مرة".
[ ٣ / ١١٨ ]
قال: حدثناه "عبد الرحمن بن مهدي" عن "سفيان" عن "سعيد بن إبراهيم" عن "ابن كعب بن مالك" عن "أبيه" عن "النبي" -ﷺ- أنه قال ذلك.
قال "عبد الرحمن" انجعافها أو انخعافها.
[قال "أبو عبيدٍ": ليس انخعافها بشيءٍ].
[ ٣ / ١١٩ ]
قال "أبو عمرو": هي الأرزة -مفتوحة الراء- من الشجر الأرزن.
والانجعاف: الانقلاع.
ومنه قل: جعفت الرجل: إذا صرعته، فضربت به الأرض، ولم يعرفها بالخاء -يعني انخعافها.
وقال "أبو عبيدة": هي الآرزة مثال فاعلة، وهي الثابتة في الأرض.
قال: وقد أرزت تأرز [أروزًا].
والمجذية: الثابتة في الأرض أيضًا.
قال "أبو عبيدة": فيها لغتان، يقال: جذت تجذو، وأجذت تجذي.
[ ٣ / ١٢٠ ]
وقال "أبو عبيدة" في الانجعاف مثل قول "أبي عمرو" أيضًا.
قال "أبو عبيدٍ": والأرزة عندي غير ما قال "أبو عمرو" و"أبو عبيدة" إنما هي "الأرزة" -بتسكين الراء- وهو شجر معروف بالشام، وقد رأيته.
يقال له الأرز واحدتها أرزة، وهو الذي يسمى "بالعراق" الصنوبر، وإنما الصنوبر ثمر الأرز، فسمي الشجر صنوبرًا من أجل ثمره.
والخامة: الغضة الرطبة، قال الشاعر:
إنما نحن مثل خامة زرع فمتى يأن يأت محتصده
قال "أبو عبيدٍ" والمعنى -فيما نرى- أنه شبه المؤمن بالخامة
[ ٣ / ١٢١ ]
التي تميلها الريح؛ لأنه مرزًا في نفسه، وأهله وولده وماله.
وأما الكافر، فمثل الأرزة التي لا تميلها الرياح، والكافر لا يرزأ شيئًا حتى يموت، [فإن رزئ لم يؤجر عليه] فشبه موته بانجعاف تلك، حتى يلقى الله بذنوبه، وهي جمة.
٤٠٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ- أنه قال للنساء:
"إنكن إذا جعتن دقعتن، وإذا شبعتن خجلتن".
قال "أبو عمرو": الدقع: الخضوع في طلب الحاجة والحرص عليها.
والخجل: الكسل والتواني في طلب الرزق.
[ ٣ / ١٢٢ ]
وقال غيره: أخذ الدقع من الدقعاء، وهو التراب، يعني أنهن يلصقن بالأرض من الخضوع.
والخجل مأخوذ من الإنسان يبقى ساكنًا لا يتحرك، ولا يتكلم.
ومنه قيل للإنسان: قد خجل إذا بقى كذلك.
[قال أبو عبيدٍ]: قال "الكميت":
ولم يدقعوا عندما نابهم لوقع الحروب، ولم يخجلوا
يقول: لم يخضعوا للحروب، ولم يستكينوا، ولم يخجلوا: أي لم يبقوا فيها باهتين كالإنسان المتحير الدهش، ولكنهم جدوا فيها، وتأهبوا [لها].
[ ٣ / ١٢٣ ]
وقال غيره: لم يخجلوا: يبطروا، ولم يأشروا.
وذلك معنى حديث. النبي [ﷺ]:
إذا شبعتن خجلتن: أي أشرتن وبطرتن.
قال "أبو عبيدٍ": وهذا أشبه الوجهين بالصواب.
قال ["أبو عبيدٍ"]: وأما حديث "أبي هريرة": "أن رجلا مر بوادٍ خجل مغن معشبٍ" فليس من هذا، ولكنه الكثير النبات الملتف.
٤٠٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه كان يتخولهم بالموعظة مخافة السآمة عليهم".
[ ٣ / ١٢٤ ]
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "أبي وائل" عن "عبد الله" قال: كان رسول الله -ﷺ- يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا".
قال "أبو عمرو": يتخولهم: أي يتعهدهم بها، والخائل: المتعهد للشيء، والمصلح له، والقائم به.
قال "أبو عبيدٍ": و"أهل الشام" يمسون القائم بأمر الغنم والمتعهد لها الخولي.
[ ٣ / ١٢٥ ]
ولم يعرفها "الأصمعي" وقال: أظنها بالنون: "يتخونهم" قال: وهو التعهد أيضًا، قال: ومنه قول "ذي الرمة":
لا ينعش الطرف إلا ما تخونه داعٍ يناديه باسم الماء مبغوم
[قوله تخونه] يعني تعهده.
وقال "الفراء": الخائل: الراعي للشيء والحافظ له.
وقد خال يخول خولًا.
قال "أبو عبيدٍ": وأخبرني "يحيى بن سعيدٍ [القطان] " عن "أبي عمرو بن العلاء" أنه كان يقول [إنما هو] يتخولهم بالموعظة: أي ينظر حالاتهم التي ينشطون فيها للموعظة والذكر، فيعظهم فيها، ولا يكثر عليهم فيملوا.
[ ٣ / ١٢٦ ]
٤٠٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه كان إذا مشى كأنما يمشي في صببٍ".
[ ٣ / ١٢٧ ]
قال: حدثنا "أبو إسماعيل المؤدب" عن "عمر" مولى "غفرة" عن "إبراهيم بن محمد بن الحنفية" قال: كان "علي" [﵁] إذا وصف "النبي" -ﷺ- ذكر كذا وكذا، ثم ذكر هذا الكلام فيه".
قال "أبو عمرو": الصبب: ما انحدر من الأرض، وجمعه أصباب، قال رؤبة [بن العجاج]:
بل بلدٍ ذي صعدٍ وأصبابٍ
بل في معنى رب.
٤٠٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاعًا أقرع".
[ ٣ / ١٢٨ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "عبد الله بن دينار" عن "ابن عمر" [عن "النبي" -ﷺ-].
قال: وحدثنا "هاشم بن القسم" عن "عبد العزيز ابن عبد الله بن أبي سلمة" عن "عبد الله بن دينار" عن "ابن عمر" عن "النبي" [ﷺ] قال يجيء كنز أحدهم يوم القيامة شجاعًا".
[ ٣ / ١٢٩ ]
وفي أحد الحديثين "أقرع".
قال "أبو عمرو": هو ههنا الذي لا شعر على رأسه.
وقال غير "أبي عمرو": الشجاع: الحية، وإنما سمي [شجاعًا] أقرع؛ لأنه يقري السم ويجمعه في رأسه حتى يتمعط منه شعره، قال الشاعر يذكر حية ذكرًا:
قرى السم حتى انماز فروة رأسه عن العظم صل فاتك اللسع مارده
وفي حديث آخر: "شجاعًا أقرع له زبيبتان".
[ ٣ / ١٣٠ ]
وهما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات وأخبثه.
ويقال في الزبيبتين: إنهما الزبدتان اللتان تكونان في الشدقين. إذا غضب الإنسان، أو أكثر من الكلام حتى يزبد.
قال [أبو عبيدٍ] وحدثني شيخ من أهل العلم عن "أم غيلان بنت جرير بن الخطفي" أنها قالت: ربما أنشدت أبي حتى يذبب شدقاي، قال الراجز:
إني إذا مازبب الأشداق
وكثر الضجاج واللقلاق
ثبت الجنان مرجم وداق
[ ٣ / ١٣١ ]
اللقلاق: الصوت.
قال "أبو عبيدٍ": وهذا التفسير عندنا أجود من الأول.
قال "أبو عمرو": وأما قولهم: ألف أقرع، فهو التام.
٤٠٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث "النبي" -ﷺ-: أنه أمر بصدقةٍ أن توضع في الأوفاض".
[ ٣ / ١٣٢ ]
قال "أبو عمرو": الأوفاض: [هم] الفرق من الناس والأخلاط.
وقال "الفراء": [الأوفاض]: هم الذين مع كل واحد منهم وفضة، وهي مثل الكنانة يلقي فيها طعامه.
قال "أبو عبيدٍ": وبلغني عن "شريك" وهو [الذي] روى هذا الحديث، أنه قال: هم أهل الصفة.
[ ٣ / ١٣٣ ]
قال "أبو عبيدٍ": وهذا كله عندنا واحد؛ لأن أهل الصفة إنما كانوا أخلاطًا من الناس من قبائل شتى.
وقد يمكن أن يكون مع كل واحد منهم وفضة كما قال "الفراء".
وقال بعضهم: "الأوقاص" وهو عندنا خطأ في هذا الموضع إلا في الفرائض.
٤٠٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-: في الشهداء. قال: ومنهم أن تموت المرأة بجمعٍ".
[ ٣ / ١٣٤ ]
قال "أبو زيد": يعني أن تموت، وفي بطنها ولد.
وقال "الكسائي"، مثل ذلك.
قال: ويقال أيضًا: بجمع لم يقله إلا "الكسائي".
وقال غيرهما: وقد يكون التي تموت بجمعٍ أن تموت، ولم يمسسها رجل لحديث آخر يروى مرفوعًا:
"أيما امرأةٍ ماتت بجمع لم تطمث، دخلت الجنة".
[ ٣ / ١٣٥ ]
قال: حدثناه رجل من "أهل الكوفة" عن "عبد الله بن المبارك" عن "الحكم بن هشام الثقفي" عن "غطيف بن أبي سفيان" عن "النبي" [ﷺ] أنه قال ذلك.
قال "أبو عبيد" قوله: "لم تطمث" لم تمسس.
وهكذا هو في تفسير قوله: "لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان".
وقال الشاعر يذكر ماءً ورده:
وردناه في مجرى سهيلٍ يمانيًا بصعر البرى من بين جمعٍ وخادج
فالجمع: الناقة التي في بطنها ولد.
والخادج: التي قد ألقت ولدها.
[ ٣ / ١٣٦ ]
٤١٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي -ﷺ-:
"ما أحد من الناس عرضت عليه الإسلام إلا كانت له عنده كبوة غير "أبي بكرٍ" فإنه لم يتلعثم".
قال "أبو زيد": يقول: لم ينتظر ولم يتمكث.
يقال: تلعثم الرجل: إذا تمكث في الأمر، وتأنى، وتردد فيه.
وقوله: "كبوة" عن غير "أبي زيدٍ" هي مثل الوقفة تكون عند الشيء يكرهه الإنسان يدعى إليه أو يراد منه.
[ ٣ / ١٣٧ ]
ومنه قيل: قد كبا الزند، فهو يكبو إذا لم يخرج شيئًا.
والكبوة في غير هذا السقوط للوجه، قال "أبو ذويب" يصف ثورًا رمى فسقط:
فكبا كما يكبو فنيق تارز بالخبت إلا أنه هو أبرع
ويروى "أضلع".
٤١١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه خطب الناس يوم النحر، وهو على ناقةٍ مخضرمة".
[ ٣ / ١٣٨ ]
قال: حدثناه "غندر" محمد بن جعفر، عن "شعبة" عن "عمرو ابن مرة" عن "مرة" عن رجل من أصحاب "النبي". -ﷺ-.
قال "أبو عبيدة": المخضرمة: التي [قد] قطع طرف أذنها.
ومنه يقال للمرأة المخفوضة: مخضرمة.
[ ٣ / ١٣٩ ]
٤١٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه كان يلطح أغيلمة بني عبد المطلب ليلةً المزدلفة، ويقول: أبيني لا ترموا جمرةً العقبة حتى تطلع الشمس".
[ ٣ / ١٤٠ ]
قال: حدثنا "عبد الرحمن بن مهدي" عن "سفيان" عن "سلمة بن كهيل" عن "الحسن العرني" عن "ابن عباس" قال:
بعثنا رسول الله [ﷺ] أغيلمة بني عبد المطلب من جمع بليلٍ، ثم جعل -ﷺ- يلطح أفخاذنا، ويقول: أبيني! لا ترموا جمرةً العقبة حتى تطلع الشمس".
قال "أبو عبيدة": اللطح الضرب.
يقال منه: لطحت الرجل بالأرض.
قال غير "أبي عبيدة": هو الضرب ليس بالشديد ببطن الكف ونحوه.
[ ٣ / ١٤١ ]
قال "أبو عبيدٍ": وقوله: أبيني! تصغير بني، يريد: يا بني، قال الشاعر:
إن يك لا ساء فقد ساءني ترك أبينيك إلى غير راع
٤١٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"في السقط يظل محبنطيًا على باب الجنة".
[ ٣ / ١٤٢ ]
قال "أبو عبيدة": المحبنطي بغير همز هو المتغضب المستبطي للشيء، والمحبنطي بالهمز: العظيم البطن المنتفح.
قال: ومنه قيل للعظيم البطن: حبنطي.
قال ["أبو عبيدٍ"]: وسألت "الأصمعي" عنه فلم يقل فيه شيئًا.
وقال: السقط والسقط لغنان.
وعن "أبي عبيدة": سقط، وسقط، وسقط، وكذلك في الرمل والنار.
[ ٣ / ١٤٣ ]
قال "أبو عبيد": ولم أعلم أحدًا يقول بالفتح غيره.
وزعم "الكسائي" أن احبنطيت واحبنطأت لغتان.
٤١٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم".
[ ٣ / ١٤٤ ]
قال: حدثناه "غندر" عن "شعبة" عن "عمرو بن مرة" عن "أبي البختري" قال: حدثني من سمع النبي -ﷺ. يقول: "لا يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم".
قال "أبو عبيدة" يقول: حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم.
وفيه لغتان، يقال: أعذر الرجل إعذارًا: إذا صار ذا عيب وفسادٍ، وكان بعضهم يقول: عذر يعذر بمعناه، ولم يعرفه "الأصمعي".
قال "أبو عبيدٍ": ولا أرى هذا أخذ إلا من العذر يعني [أن] يعذروا من أنفسهم، فيستوجبوا العقوبة، فيكون لمن يعذبهم [إذًا الحجة و] العذر في ذلك.
[ ٣ / ١٤٥ ]
وهو كالحديث الآخر: "لن يهلك الله إلا هالك".
قال: "أبو عبيد": ومنه قول "الأخطل":
فإن تك حرب ابنى نزار تواضعت فقد عذرتنا في كلابٍ وفي كعب ويروى: "أعذرتنا" أي فقد جعلت لنا عذرا فيما صنعنا.
ومنه قول الناس: من يعذرني من فلان".
قال "أبو عبيد" ومنه قولهم:
عذير الحى من عدوا ن كانوا حية الأرض
[ ٣ / ١٤٦ ]
ومنه قولهم:
عذيرك من خليلك من مراد
[قال "أبو عبيد"]: ويقال في غير هذا المعنى: أعذرت في طلب الحاجة: إذا بالغت فيها. وعذرت: إذا لم تبالغ.
وأعذرت الغلاموعذرته لغتان، ومعناهما الختان.
وعذرته: إّا كانت به العذرة، وهو وجع في الحلق فغمزته.
٤١٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ -:
"أنه قام من الليل يصلى فحل شناق القربة".
[ ٣ / ١٤٧ ]
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "حصين" عن "حبيب ابن أبي ثابت"، عن "محمد بن علي بن عبد الله بن عباس" عن "أبيه" عن "ابن عباس" قال: "بت عند النبي -ﷺ-[قال]: فقام من الليل يصلي، ثم ذكر هذا في حديث فيه طول.
قال "أبو عبيدة": "شناق القربة": هو الخيط أو السير الذي تعلق به القربة على الوتر.
[ ٣ / ١٤٨ ]
يقال منه: أشنقتها إشناقًا: إذا علقتها.
وقال غيره: الشناق: خيط يشد به فم القربة.
قال "أبو عبيدٍ": هذا أشبه القولين.
قال "أبو عبيدٍ": ويقال أيضًا: أشنفت الناقة مثله، وذلك إذا مدها راكبها بزمامها إليه كما يكبح الفرس [باللجام].
قال: وقال "أبو زيدٍ" شنقت الناقة -بغير ألفٍ- أشنقها شنقًا.
٤١٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
[ ٣ / ١٤٩ ]
"اتقوا النار ولو بشق تمرةٍ، ثم أعرض وأشاح".
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "خيثمة" عن "عدي بن حاتم" عن "النبي" -ﷺ-.
[ ٣ / ١٥٠ ]
قال "أبو عبيدة": قوله: وأشاح، يعني حذر من الشيء، وعدل عنه، وأنشدنا:
[إذا سمعن الرز من رباح]
شايحن منه أيما شياح
ويقال، في غير هذا: قد أشاح: إذا جد في قتالٍ أو غيره.
قال "أبو عبيدٍ" قال "أبو النجم" في الجد يذكر العير والأتن:
قبا أطاعت راعيًا مشيحا
لا منفشًا رعيًا ولا مريحًا
[ ٣ / ١٥١ ]
يقول: إنه جاد في طلبها وطردها. والمنفش الذي يدعها ترعى ليلًا بغير راع، يقول: فليس هذا الحمار كذاك، ولكنه حافظ لها، قال "عبيد بن الأبرص":
قطعته غدوةً مشيحا وصاحي بازل خبوب
يعني جادًا.
وأنشد "أبو عبيدة" ["لأبي ذؤيب"]:
بدرت إلى أولاهم فوزعتهم وشايحت قبل اليوم إنك شيح
يعني الجد في القتال.
قال "أبو عبيدٍ": وقد يكون معنى حديث النبي -صلى الله عليه
[ ٣ / ١٥٢ ]
وسلم- حين أعرض وأشاح أنه الحذر كأنه كان ينظر إلى النار حين ذكرها، فأعرض لذلك.
ويكون أنه أراد الجد في كلامه.
والأول أشبه بالمعنى.
٤١٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه أتاه "عمر" وعنده قبص من الناس.
قال "أبو عبيدة" هم العدد الكثير قال "أبو عبيد" وقال "الكميت" في القبص:
لكم مسجدا الله المزوران والحصا لكم قبصه من بين أثرى وأقترا
[ ٣ / ١٥٣ ]
يقال: فعل ذاك فلان من بين أثرى وأقل؛ أي من بين كل مثرٍ ومقل. كأنه يقول: من بين الناس.
قال "أبو عبيدٍ": القبصة في غير هذا بأطراف الأصابع دون القبضة والقبضة بالكف كلها.
قال "أبو عبيدٍ": وكان "الحسن" يقرأ: "فقبصت قبصةً من أثر الرسول" -بالصاد.
٤١٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله كذا وكذا مرة".
[ ٣ / ١٥٤ ]
قد سماه في الحديث.
قال "أبو عبيدة": يعني أنه يتغشى القلب ما يلبسه.
وقال غير "أبي عبيدة": كأنه يعني من السهو.
وكذلك كل شيء تغشاه حتى يلبسه فقد غين عليه.
قال "الأصمعي": يقال: غينت السماء غينًا [وغانت]. قال: وهو إطباق الغيم السماء، وأنشدنا هو أو غيره:
كأني بين خافيتي عقاب أصاب حمامةً في يومٍ غين
[ ٣ / ١٥٥ ]
٤١٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ -:
"الأنصار كرشى وعيبتي، ولولا الهجرة لكنت رجلا من الأنصار" قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "حميد" عن "أنس" عن "النبي" - ﷺ -.
قال "أبو زيد الأنصارى" يقال: عليه كرش من الناس يعنى جماعة [من الناس].
[ ٣ / ١٥٦ ]
وقال غيره: فكأنه أراد أنهم جماعتى وصحابتى الذين أثق بهم، وأعتمد عليهم.
وقال "الأحمر": يقال: هم كرش منثورة.
وقال غير واحد: "عيبتى" عيبة [٢٧٠] الرجل: موضع سره الذين يأتمنهم على أمره.
قال "أبو عبيد": ومنه الحديث الآخر: "كانت خزاعة عيبة "النبي" - ﷺ - مؤمنهم وكافرهم" وذلك لحلف كان بينهم في الجاهلية.
قال "أبو عبيد" ولا أرى عيبة الثياب إلا مأخوذة من هذا؛ لأنه
[ ٣ / ١٥٧ ]
إنما يضع فيها الرجل حر ثيابه، وخير متاعه، وأنفسه عنده.
٤٢٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم".
[ ٣ / ١٥٨ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" عن "محمد بن عمرو" عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة".
وعن "العلاء بن عبد الرحمن" عن "أبيه" عن "أبي هريرة".
أو بأحد هذين الإسنادين عن "النبي" -ﷺ-. قال "الكسائي": قوله: "بيد" يعني: غير أنا أوتينا الكتاب من بعدهم. فمعنى "بيد" معنى "غير" بعينها.
وقال "الأموي": "بيد" معناها "على"، وأنشدنا لرجل يخاطب امرأة:
عمدًا فعلت ذاك بيد أني
إخال لو هلكت لم ترني
[ ٣ / ١٥٩ ]
يعني من الرنين يقول: على أني إخال ذاك.
[قال "أبو عبيدٍ"]: وفيه لغة أخرى: "ميد" بالميم، والعرب تفعل هذا، تدخل الميم على الباء، والباء على الميم كقولك: أغمطت عليه الحمى وأغبطت.
وقولهم: سبد رأسه وسمده، وهذا كثير في الكلام.
وأخبرني بعض الشاميين أن النبي -ﷺ- قال:
[ ٣ / ١٦٠ ]
"أنا أفصح العرب ميد أني من "قريش" ونشأت في "بني سعد ابن بكر".
وفسره: أي من أجل.
وبعض المحدثين يحدثه بأيدٍ أنا أعطينا الكتاب من بعدهم يذهب [به] إلى القوة، وليس له ها هنا معنى نعرفه.
قال "أبو عبيد": وهذه الأقوال كلها بعضها قريب من بعض في المعنى مثل "غير" و"على".
٤٢١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"من اطلع في بيتٍ بغير إذنٍ، فقد دمر".
[ ٣ / ١٦١ ]
قا: حدثناه "هشيم" عن "عوف" عن "الحسن" قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد دمر".
قال "الكسائي": قوله: "دمر" يعنى دخل.
يقول: لأن الاستئذان إنما هو من البصر.
يقال منه: قد دمرت على القوم أدمر [عليهم] دمورا.
قال: "أبو عبيد": ولا يكون الدمور إلا أن يدخل عليهم بغير إذن، فإن دخل بإذن فليس بدمور.
[ ٣ / ١٦٢ ]
٤٢٢ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ -:
"من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا"
قال: حدثناه "مروان بن معاوية [الفزارى"] عن "عوف" عن "الحسن" عن "عتى بن ضمرة السعدى" عن "أبى بن كعب" أنه سمع رجلا قال: يال فلان: !
فقال له: إعضض بهن أبيك، ولم يكن.
[ ٣ / ١٦٣ ]
فقالوا له: يا أبا المنذر: ما كنت فحاشًا، فقال: إني سمعت رسول الله [ﷺ] يقول: "من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا".
قال "الكسائي": قوله: "تعزى يعني: انتسب، وانتمى كقولهم: يال فلانٍ ويال بني فلانٍ، قال "الراعي":
فلما التقت فرساننا ورجالهم دعوا يال كلبٍ واعتزينا لعامر
وقال "بشر بن أبي خازم [الأسدي] ":
نعلو القوانس بالسيوف ونعتزي والخيل مشعرة النحور من الدم
[ ٣ / ١٦٤ ]
يقال منه: عزوت الرجل وعزيته: إذا نسبته، وكذلك كل شيء نسبته إلى شيء، فهو مثله، وإن كان في غير الناس.
قال "أبو عبيدٍ": وأخبرني "يحيى بن سعيد" عن "ابن جريج" أن "عطاء" حدثه بحديث.
قال: فقلت "لعطاء" أتعزيه إلى أحدٍ، يعني: أتسنده إليه، وهو مثل النسبة.
ومن هذا قوله: من لم يتعز بعزاء الله، فليس منا.
يقول: من استغاث، فقال: يا للمسلمين، فهذا عزاء الإسلام. [قال]: ويقال: كنيت الرجل وكنوته لغتان.
قال: وسمعت من "أبي زياد" ينشد "الكسائي":
وإني لأكنو عن قذور بغيرها وأعرب أحيانًا بها فأصارح
[ ٣ / ١٦٥ ]
٤٢٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه سقط من فرس فجحش شقه".
[ ٣ / ١٦٦ ]
قال: حدثناه "هشيم" عن "حميد" عن "أنس بن مالك" عن "النبي" -ﷺ-.
قال "الكسائي": في جحش: هو أ، يصيبه شيء، فينسحج منه جلده، وهو كالخدش أو اكثر من ذلك.
يقال منه: جحش يجحش، فهو مجحوش.
٤٢٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه قال "لبلالٍ" يا بلال! ما عملك؟ فإني لا أراني أدخل الجنة،
[ ٣ / ١٦٧ ]
فأسمع الخشفة، فأنظر إلا رأيتك".
قال: حدثناه "جرير" عن "مغيرة" و"ابن شبرمة" عن "الحارث" عن "أبي زرعة بن عمرو بن جرير" عن "النبي" -ﷺ-.
[ ٣ / ١٦٨ ]
قال "الكسائي": الخشفة: الصوت.
قال "أبو عبيدٍ": أحسبه يعني ليس بالصوت الشديد.
قال "الكسائي": يقال منه: قد خشف يخشف خشفًا: إذا سمعت له صوتًا أو حركةً.
٤٢٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي -ﷺ- أنه قال:
"إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين، كما ترون الكوكب الدري
[ ٣ / ١٦٩ ]
في أفق السماء، وإن "أبا بكرٍ" و"عمر" منهم، وأنعما".
قال: حدثناه "أبو إسماعيل" قال: حدثنا "عطية العوفي" عن "أبي سعيدٍ الخدري" وعن "مجالدٍ" عن "أبي الوداك" عن "أبي سعيد الخدري" عن "النبي" -ﷺ.
قال "الكسائي" قوله: "وأنعما" يعني: زادا على ذلك.
قال: يقال من هذا: قد أحسنت إلي، وأنعمت أي زدت علي الإحسان.
وكذلك قولهم دققت الدواء، فأنعمت دقه، أي بالغت في دقه وزدت.
[ ٣ / ١٧٠ ]
قال "أبو عبيدٍ": وقال "ورقة بن نوفل" في "زيد بن عمرو ابن نفيل".
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما تجنبت تنورا من النار حاميا
قال "أبو عبيدٍ": ورشدت أيضًا.
قال: وقرأ "أبو عمروٍ" و"الكسائي" "درئ كسرًا وهمزًا" و"أهل المدينة" ضموا بغير همزٍ، وأما قراءة "حمزة" فبالضم والهمز.
[ ٣ / ١٧١ ]
٤٢٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-: حين قال "للمغيرة بن شعبة" وخطب امرأةً:
"لو نظرت إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
[ ٣ / ١٧٢ ]
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "عاصم" عن "بكر بن عبد الله" عن "المغيرة بن شعبة" عن "النبي" -ﷺ-.
قال "الكسائي": قوله: "يؤدم" يعني أن تكون بينهما المحبة والاتفاق.
يقال منه: أدم الله بينهما على مثال فعل يأدمه أدمًا.
وقال "أبو الجراح العقيلي" مثله.
قال "أبو عبيدٍ": ولا أرى أصل هذا إلا من أدم الطعام؛ لأن صلاحه وطيبه إنما يكون بالإدم، وكذلك يقال طعام مأدوم.
[ ٣ / ١٧٣ ]
قال: وأخبرني "يحيى بن سعيد" عن "عوفٍ" عن "ابن سيرين" في إطعام كفارة اليمين "أكلة مأدومة حتى يصدروا".
قال: وحدثني بعض أهل العلم أن "دريد بن الصمة" أراد أن يطلق امرأته.
فقالت: أبا فلانٍ! أتطلقني؟
فوالله لقد أطعمتك مأدومي، وأبثثتك مكتومي، وأتيتك باهلًا غير ذات صرار".
فالباهل: الناقة التي ليست بمصرورة فلبنها مباح لمن حلب، فجلعت هذا مثلًا لمالها، تقول: فأبحتك مالي.
قال "أبو عبيد": وفي الأدم لغة أخرى، يقال: آدم الله
[ ٣ / ١٧٤ ]
بينهما يودمه إيدامًا فهو مؤدم بينهما، وقال الشاعر:
والبيض لا يؤدمن إلا مودمًا
أي لا يحببن إلا محببًا موضعًا لذلك.
٤٢٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"البذاذة من الإيمان".
[ ٣ / ١٧٥ ]
قال: حدثناه "يزيد" عن "محمد بن عمرو" عن "عبد الله بن أبي أمامة" يرفعه.
قال "الكسائي": هو أن يكون الرجل متقهلًا رث الهيئة.
يقال منه: رجل باذ الهيئة، أي في هيئته بذاذاة وبذة.
ومنه الحديث الآخر.
قال: حدثنيه "يحيى بن سعيدٍ" عن "ابن عجلان" عن "عياض ابن عبد الله بن سعد بن أبي سرح" عن "أبي سعيد الخدري" أن رجلًا دخل المسجد والنبي -ﷺ- يخطب، فأمره أن يصلي ركعتين، ثم قال: إن هذا دخل المسجد في هيئة بذةٍ، فأمرته أني يصلي ركعتين وأنا أريد أن يفطن له رجل فيتصدق عليه.
[ ٣ / ١٧٦ ]
قال: وسمعت "ابن علية" يحدث عن "الجريري" قال: حدثت أن "أبا الدرداء" ترك الغزو عامًا، فأعطى رجلًا صرةً فيها دراهم، فقال: انطلق، فإذا رأيت رجلًا يسير من القوم حجرةً في هيئته بذاذة، فادفعها إليه.
قال: ففعل، فرفع رأسه إلى السماء فقال: لم تنس "حديرًا"، فاجعل "حديرًا" لا ينساك.
قال: فرجع إلى "أبي الدرداء" فأخبره، فقال:
"ولي النعمة ربها".
٤٢٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-
"أن رجلًا أتاه الله مالًا، فلم يبتئر خيرًا".
[ ٣ / ١٧٧ ]
قال: حدثناه "إسماعيل" وغيره عن "بهز بن حكيم" عن "أبيه" عن "جده" عن "النبي" - ﷺ -:
قال "الكسائي" في قوله: "لم يبتئر خيرا" يعنى لم يقدم خيرا.
وقال "الأصمعى" نحوا من ذلك.
وقال "الأموى": هو من الشئٍ يخبأ، كأنه لم يقدم لنفسه خيرا خبأه لها.
يقال منه: بأرت الشيء، وابتأرته: إذا خبأته مثله.
قال "الأموى": ومنه سميت الحفرة: البؤرة.
[ ٣ / ١٧٨ ]
قال "أبو عبيد" وفى الابتئار لغتان: ابتأرت الشئ [٢٧٥] وأتبرته ائتبارا وابتئارا، قال "القطامى":
فإن لم تأتبر رشدا قريش فليس لسائر الناس ائتبار
يعنى اصطناع الخير، وتقديمه، واتخاذه
٤٢٩ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ -:
"أنه أمر أن تحفى الشوارب، وتعفى اللحى".
[ ٣ / ١٧٩ ]
قال: حدثناه "هشيم" عن "عمر بن أبي سلمة؛ عن "أبيه" عن "أبي هريرة" عن "النبي" -ﷺ-.
قال "الكسائي" قوله: تعفى: يعني توفر، وتكثر.
قال "أبو عبيدٍ": يقال منه: قد عفا الشعر وغيره: إذا كثر يعفو، فهو عافٍ.
وقد عفوته وأعفيته لغتان: إذا فعلت ذاك به، قال الله -﵎- "حتى عفوا"، [وقالوا] يعني كثروا.
[ ٣ / ١٨٠ ]
ويقال في غير هذا: قد عفا الشيء: إذا درس، وانمحى، قال "لبيد [بن ربيعة] ":
عفت الديار محلها فمقامها بمنى تأبد غولها فرجامها
[وهذا كثير في الشعر].
وعفا أيضًا: إذا أتى الرجل الرجل يطلبه حاجةً: فقد عفاه، فهو يعفوه وهو عافٍ.
ومنه الحديث المرفوع: "من أحيا أرضًا ميتة، فهي له وما أصابت العافية منها، فهو له صدقة".
[ ٣ / ١٨١ ]
فالعافية ها هنا كل طالب رزقًا من إنسانٍ، أو دابةٍ أو طائر، أو غير ذلك.
وجمع العافي عفاة، قال "الأعشى" يمدح رجلًا:
تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصارى ببيت الوثن
ويروى: "تطيف" [أيضًا]
والمعتفي مثل العافي إنما هو مفتعل منه.
٤٣٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه نهى أن يصلي الرجل وهو زناء" محدود.
[ ٣ / ١٨٢ ]
قال: حدثناه "أبو اليمان الحمصي" عن "أبي بكر بن أبي مريم" عن رجل قد سماه عن "النبي" -ﷺ- أنه قال ذلك.
قال "الكسائي": هو الحاقن بوله.
يقال منه: قد زنأ بوله يزنأ زنوءا: إذا احتقن.
وأزنأ الرجل بوله إزناءً: إذا حقنه.
قال "أبو عبيدٍ": فهو الزناء ممدودًا.
والأصل منه الضيق، وكل شيء ضيق قهو زناء، قال "الأخطل" يذكر حفرة القبر:
وإذا قذفت إلى زناءٍ قعرها غبراء مظلمة من الأحفار
[ ٣ / ١٨٣ ]
فكأنه إنما سمي الحاقن زناءً؛ لأن البول يجتمع، فيضيق عليه:
٤٣١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-:
في الرجلين اللذين اختصما إليه، فقال: من قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعةً من النار.
[ ٣ / ١٨٤ ]
فقال الرجلان كل واحد منهما يا رسول الله! حقي هذا لصاحبي.
فقال: لا. ولكن اذهبا، فتوخيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه".
قال: حدثناه "صفوان بن عيسى" عن "أسامة بن زيد" عن "عبد الله بن رافع" عن "أم سلمة" عن "النبي" -ﷺ:
قال "الكسائي": الاستهام: الاقتراع.
يقال [منه]: استهم القوم، فسهمهم فلان يسهمهم سهمًا: إذا قرعهم.
[و] قال "أبو الجراح العقيلي" مثله في الاستهام.
[ ٣ / ١٨٥ ]
قال "أبو عبيدٍ": ومنه قول الله -جل ثناؤه-: "فساهم فكان من المدحضين" وهو من هذا فيما يروى في التفسير.
وفي هذا الحديث من الفقه تقوية لحديث القرعة في الذي أعتق ستة مملوكين عند الموت لا مال له غيرهم، فأقرع النبي -ﷺ- بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعةً وذلك؛ لأن الاستهام هو الاقتراع.
[ ٣ / ١٨٦ ]
وفي هذا الحديث أيضًا قوله: "من قضيت له بشيءٍ من حق أخيه، فإنما أقطع له قطعةً من النار.
فهذا يبين لك أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا.
وهذا مثل حكمه في "عبد بن زمعة" حين قضى أنه أخوها؛ لأن الولد للفراش، ثم أمرها أن تحتجب عنه.
٤٣٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-.
"لا تبادروني بالركوع والسجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني إذا رفعت.
[ ٣ / ١٨٧ ]
ومهما أسبقكم به إذا سجدت تدركوني إذا رفعت؛ إني قد بدنت.
قال "أبو عبيدٍ": وهذا الحديث حدثني به "يحيى بن سعيد القطان" عن "ابن عجلان" عن "محمد بن يحيى بن حبان" عن "ابن محيريز" عن "معاوية" عن "النبي" -ﷺ-
[ ٣ / ١٨٨ ]
قال: وحدثناه "هشيم" عن "يحيى بن سعيد" عن "محمد ابن يحيى" يرفعه.
قال "هشيم" "بدنت" ولا أدري كيف قال "يحيى"؟
قال "الأموي": هو [قد] بدنت يعني كبرت، أسننت.
يقال: بدن الرجل تبدينًا: إذا أسن، وأنشد [للكميت]:
وكنت خلت الشيب والتبدينا
والهم مما يذهل القرينا
قال "أبو عبيدٍ": ومما يحقق هذا المعنى الحديث الآخر: "أنه كان يصلي بعض صلاته [بالليل] جالسًا، وذلك بعد ما حطمته السن
[ ٣ / ١٨٩ ]
وفي حديث آخر بعد ما حطمتموه.
وهذا يروى عن "عائشة" في "النبي" -ﷺ-:
قال "أبو عبيدٍ": وأما قول "هشيم" قد بدنت، فليس لهذا معنىً غلا كثرة اللحم، وليست صفته [ﷺ] فيما يروى عنه هكذا.
إنما يقال في نعته: رجل بين الرجلين جسمه ولحمه.
قال: هكذا حدثني "الفزاري" عن "عوفٍ" عن "يزيد الفارسي" عن "ابن عباس".
[ ٣ / ١٩٠ ]
قال "أبو عبيدٍ": والأول أشبه بالصواب [في بدنت] والله أعلم.
٤٣٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"سوآء ولود خير من حسناء عقيم".
قال "الأموي": السوآء: القبيحة.
ويقال: للرجل من ذلك: رجل أسوأ.
وقال "الأصمعي" في السوآء مثله.
[ ٣ / ١٩١ ]
قال "أبو عبيدٍ": وكذلك كل كلمةٍ أو فعلةٍ قبيحةٍ، فهي سوآء.
قال "أبو زبيدٍ" في رجل من "طيئٍ" نزل به رجل من "بني شيبان" فأضافه الطائي، وأحسن إليه، وسقاه، فلما أسرع الشراب في "الطائي" افتخر، ومد يده، فوثب عليه "الشيباني" فقطع يده، فقال ["أبو زبيد"]:
ظل ضيفًا أخوكم لأخينا في شرابٍ ونعمةٍ وشواء
لم يهب حرمة النديم وحقت يا لقومي للسوءة السوآء
قال "أبو عبيدٍ" يخاطب بذلك "بني شيبان".
[ ٣ / ١٩٢ ]
٤٣٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-، وذكر أهل الجنة، فقال: "لا يتغوطون، ولا يبولون إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل ريح المسك".
[ ٣ / ١٩٣ ]
قال "الأموي": واحد الأعراض عرض، وهو كل موضعٍ يعرق من الجسد.
يقال منه: فلان طيب العرض".
[وقال "الأصمعي" يقال: فلان طيب العرض] أي طيب الريح.
قال "أبو عبيدٍ": المعنى في العرض هاهنا أنه كل شيءٍ في الجسد من المغابن، وهي الأعراض، وليس العرض في النسب من هذا في شيءٍ.
[ ٣ / ١٩٤ ]
٤٣٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه نهى عن عسب الفحل".
[ ٣ / ١٩٥ ]
قال "الأموي": العسب: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل.
يقال منه: عسبت الرجل أعسبه عسبًا: إذا أعطيته الكراء على ذلك.
وقال غيره: العسب هو الضراب نفسه لقول الشاعر، وذكر قومًا أسروا له عبدًا فرماهم به:
فلولا عسبه لتركتموه وشر منيحةٍ عسب معار
[ ٣ / ١٩٦ ]
قال "أبو عبيدٍ": والوجه عندي ما قال "الأموي" أنه الكراء.
ولو كان المعنى على الضراب نفسه، لدخل النهي على كل من أنزى فحلًا، وفي هذا انقطاع النسل.
وأما قول الشاعر، فقد يجوز؛ لأن العرب قد تسمي الشيء باسم غيره إذا كان معه أو من سببه كما قالوا للمزادة راوية، وإنما الراوية البعير الذي يستقى عليه، فسميت المزادة راويةً؛ لأنها تكون عليه.
وكذلك الغائط من الإنسان. كان "الكسائي" يقول: إنما سمي غائطًا؛ لأن أحدهم كان إذا أراد قضاء الحاجة، قال: حتى آتي الغائط، فأقضي حاجتي، وإنما أصل الغائط المطمئن من الأرض.
قال: فثكر ذلك في كلامهم حتى سمي غائط الإنسان بذلك.
وكذلك العذرة إنما هي فناء الدار، فسميت به؛ لأنه كان يلقي بأفنية الدور.
[ ٣ / ١٩٧ ]
٤٣٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أنه أوصى "أبا قتادة" بالإناء الذي توضأ منه، فقال: ازدهر بهذا فإن له شأنًا".
[ ٣ / ١٩٨ ]
قال "الأموي": قوله: ازدهر به: أي احتفظ به، ولا تضيعه، وأنشد:
كما ازدهرت قينة بالشراع لأسوارها عل منها اصطباحًا
يقول: كما احتفظت القينة بالشراع، وهي الأوتار، والواحدة شرعةً.
وجمعه شرع وشرع، ثم الشراع جمع الجمع.
والأسوار: هو الواحد من أساورة "فارس" وهم الفرسان.
وليس تفسير الشرع من الأموي.
قال الكسائي: إسوار وأسوار.
قال "أبو عبيدٍ": وأظن قوله ازدهر كلمةً ليست بعريبة، كأنها نبطية، أو سريانية، فعربت.
[ ٣ / ١٩٩ ]
٤٣٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"عند وفاته أنه أغبطت عليه الحمى".
قال "الأموي": يعني لزمته، وأقامت عليه.
وقال "الواقدي": في هذا الحديث أصابته حمى مغمطة -بالميم- في معنى الباء.
وقال "الأصمعي" أغمطت علينا السماء، أي دام قطرها، وهو من هذا.
قال "أبو عبيدٍ": وهما لغتان، قد سمعناهما بالباء والميم.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
وهذا مثل قولهم: سيد الرجل رأسه، وسمده: إذا استأصله في أشباهٍ لذلك كثيرة.
٤٣٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-: أنه بعث سريةً، فنهى فيها عن قتل العسفاء والوصفاء.
قال: حدثناه "إسماعيل" عن "أيوب" قال: حدثني
[ ٣ / ٢٠١ ]
رجل عن أبيه، قال: بعث رسول الله -ﷺ- سرية كنت فيها، فنهى عن قتل العسفاء والوصفاء".
قال "أبو عمرو": العسفاء: الأجراء، والواحد عسيف.
ومنه الحديث الآخر: "أن رجلين اختصما إليه، فقال: أحدهما: إن ابني كان عسيفًا على هذا، وأنه زنى بامرأته" يعني كان أجيرًا.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
قال: وأما الأسيف في غير هذا الحديث فإنه العبد.
قال "أبو عبيدٍ": والأسيف أيضًا في غير هذا السريع الحزن والبكاء.
ومنه حديث "عائشة" [رحمها الله] حين أمر رسول الله -ﷺ-: "أبا بكر" أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه، فقالت: "إن "أبا بكر" رجل أسيف ومتى يقم مقامك لا يقدر على القراءةط.
والأسوف مثل الأسيف.
وأما الأسيف، فهو الغضبان المتلهف وعلى الشيء، قال الله -جل ثناؤه-: "ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا".
[ ٣ / ٢٠٣ ]
ويقال من هذا كله: قد أسفت آسف أسفًا.
٤٣٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"عليكم بالحجامة لا يتبيغ بأحدكم الدم، فيقتله".
قال "الكسائي": التبيغ: الهيج.
وقال غيره: أصله من البغي. قال يتبيغ يريد يتبغى، فقدم الياء وأخر الغين، وهذا كقولهم: جبذ وجذب، وما أطيبه وأيطبه، ومثله في الكلام كثير.
[ ٣ / ٢٠٤ ]
٤٤٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"تراصوا بينكم في الصلاة لا تتخللكم الشياطين كأنها بنات حذفٍ".
وهذا يروى عن "عبد الله" غير مرفوع.
ومن وجه آخر مرفوعًا.
قال "الكسائي": التراص أن يلصق بعضهم ببعضٍ حتى لا يكون بينهم خلل.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
ومنه قول الله -جل ثناؤه-: "كأنهم بنيان مرصوص".
وقوله: "بنات حذفٍ": هي هذه الغنم الصغار الحجازية واحدتها حذفة.
ويقال: هي النقد أيضًا، واحدتها نقدة.
وقد جاء تفسير الحذف في بعض الحديث عن "النبي" -ﷺ-: أنه قال: "أقيموا صفوفكم [وتراصوا] لا يتللكم الشياطين كأولاد الحذف.
قيل يا رسول الله! وما أولاد الحذف؟
قال: ضأن سود جرد صغار تكون باليمن".
قال "أبو عبيدٍ": وهو أحب التفسيرين إلي؛ لأن التفسير في نفس الحديث.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
٤٤١ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"أن رجلًا أتاه وعليه مقطعات له".
قال "الكسائي": المقطعات: هي الثياب القصار.
قال "أبو عبيدٍ": وكذلك غير الثياب أيضًا.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
ومنه حديث "ابن عباس" في وقت صلاة الضحى، قال "إذا تقطعت الظلال؛ وذلك لأنها تكون ممتدة في أول النهار، فكلما ارتفعت الشمس قصرت الظلال، فذلك تقطعها.
ويروى أن "جرير بن الخطفي" كان بينه وبين "العجاج" اختلاف في شيءٍ فقال: أما والله لئن سهرت له ليلةً لأدعنه، وقل ما تغني عنه مقطعاته، أي أبيات الرجز، سماها مقطعت لقصرها.
٤٤٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" -ﷺ-:
"الثيب يعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها".
[ ٣ / ٢٠٨ ]
قال "أبو عبيدٍ" هذا الحرفُ يُروى في الحديث "يُعرب" - بالتخفيف-.
وقال "الفراء": هو "يُعرب" - بالتشديد-.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
يقال: عربت عن القوم: إذا تكلمتُ عنهم، واحتججتُ لهم.
قال "أبو عبيدٍ": وكذلك الحديث الآخر في الذي قتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فقال القاتل: يا رسول الله! إنما قالها متعوذًا.
فقال "النبي" - ﷺ- فهلا شققت عن قلبه؟
فقال الرجل: هل كان يُبين لي ذلك شيئًا؟
فقال "النبي" [- ﷺ-]: فإنما كان يُعرِّبُ عما في قلبه لسانه". قال: ومنه حديثٌ، قال: حدثناه "هُشيم" عن "العوام" عن "إبراهيم التيمي" قال: "كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي حين يُعرب أن يقول: "لا إله إلا الله" سبع مراتٍ.
[ ٣ / ٢١٠ ]
قال "أبو عبيدٍ" وليس هذا من إعراب الكلام في شيءٍ، إنما معناه أنه يبين ذلك القول ما في قلبه.
وقد روي عن "عمر" أنه قال: ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل يُخرقُ أعراض الناس ألا تعربوا عليه".
وليس ذلك من هذا، وقد ذكرناه في موضعه.
ومعنى "لا" صلة، إنما أراد ما يمنعكم أن تُعربوا [عليه].
[ ٣ / ٢١١ ]
٤٤٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "ألنبي" - ﷺ-:
"يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذجٌ من الذل".
[ ٣ / ٢١٢ ]
قال "الفراءُ" قوله: بذج هو ولد الضأن وجمعه بذجانٌ، قال [أبو عبيدٍ]:
وهذا معروفٌ عندهم، قال الشاعر:
قد هلكت جارتنا من الهجم
وإن تجع تأكل عتودا أو بذج [٢٨٢]
والبذج من أولاد الضأن، والعتودُ من أولاد المعز، وهو ما قد شبَّ وقوِيَ.
ومن العتود حديثُ الرجل حين ذبح قبل الصلاة، فأمره "النبي"- ﷺ- أن يعيد، فقال: عندي عتودٌ.
[ ٣ / ٢١٣ ]
٤٤٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-:
"أنه لعن النامصة والمتنمصة، والواشرة والمستوشرة والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة".
[ ٣ / ٢١٤ ]
قال "الفراء": النامصة: هي التي تنتف الشعر من الوجه.
ومنه قيل للمنقاش: المنماص؛ لأنه يُنتف به [الشعر].
والمتنمصة: التي يُفعل بها ذلك قال "امرؤ القيس": تجبَّر بعد الأكل فهو نميص.
يصف نباتًا قد رعته الماشية، فأكلته، ثم نبت منه بقدر ما يُمكن أخذه أي بقدر ما ينمص، وهو أن ينتف منه ويُجز.
[ ٣ / ٢١٥ ]
وقال غير "الفراء": الواشرة: التي تشر أسنانها، وذلك أنها تفلجها، وتحددها حتى يكون لها أشر، والأشر تحدد ورقة في أطراف الأسنان.
ومنه قيل: ثغر مؤشرٌ، وإنما يكون ذلك في أسنان الأحداث، وتفعله المرأة الكبيرة تتشبه بأولئك.
وأما الواصلة والمستوصلة، فإنه في الشعر، وذلك أنها تصله بشعرٍ آخر.
ومنه الحديث الذي يرويه "معاوية" عن "النبي" - ﷺ- أنه قال: "أيما امرأةٍ وصلت شعرها بشعر آخر كان زورًا".
وقد رخصت الفقهاء في القرامل، وكل شيءٍ وصل به الشعر
[ ٣ / ٢١٦ ]
ما لم يكن الوصل شعرًا فلا بأس به.
وأما قوله: الواشمة والمستوشمة، فإن الوشم في اليد، وذلك أن المرأة كانت تغرز ظهر كفها أو معصمها بإبرةٍ أو مسلةٍ حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه ب الكحل أو بالنؤور، فيتخضر، تفعل ذلك بدارات ونقوش.
يقال منه قد وشمت تشمُ وشمًا، فهي واشمةٌ، والأخرى موشومةٌ، ومستوشمةٌ.
ومنه حديث "أسماء بنت عُميس"، قال: حدثنا "هُشيمٌ" عن "إسماعيل بن أبي خالد" عن "قيسٍ بن أبي حازمٍ" قال: "دخلتٌ على "أبي بكرٍ" فرأيت "أسماء بنت عميس موشومة [٢٨٣] اليدين.
قال "أبو عبيد": ولا أُري هذا الفعل كان منها إلا في الجاهلية، ثم بقي فلم يذهب.
[ ٣ / ٢١٧ ]
قال "أبو عبيدٍ": وإنما يُراد من [هذا] الحديث أنه رأى كفها، قال "لبيدٌ" [في الواشمة].
أو رجعُ واشمةٍ أُسفَّ نؤورها كِففًا تعرض فوقهن وشامها
وقال الآخر:
كما وُشم الرواهش بالنؤور
وهذا في أشعارهم كثيرٌ لا يُحصى
٤٤٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - صلى الله
[ ٣ / ٢١٨ ]
عليه وسلم- حين قال لعيينة أو لغيره، وطلب القودلولي له قتل:
"ألا الغير تريد"؟
وقال بعضهم: "ألا تقبلُ الغير"؟
قال "الكسائي": الغيرُ: الديةُ، وهو واحدٌ مذكر، وجمعه أغيار.
وقال غيره: ولا أعلمه إلا "أبا عمرو": والغير جمع الديات، والواحدة غيرةٌ.
قال بعض "بني عُذرة":
لنجدعن بأيدينا أنوفكم بني أميمة إن لم تقبلوا الغيرا
[ ٣ / ٢١٩ ]
قال "أبو عبيدٍ": وإنما سميت الدية غيرًا فيما نُرى من غير القتل؛ لأنه كان يجب القود، فغير القود ديةً، فسميت الديةُ غيرًا.
ويبين ذلك حديثٌ يروى عن "عبد الله" في الرجل الذي قتل امرأة، ولها أولياءٌ فعفا بعضهم، فأراد "عمر" أن يقيد من لم يعف منهم، فقال له "عبد الله": "لو غيرت بالدية كان في ذلك وفاءٌ لهذا الذي لم يعف، وكنت قد أتممت للعافي عفوه".
فقال "عمر": كنيفٌ ملء عليمًا".
[قوله] كنيفٌ تصغيرُ كنفٍ وهو وعاءٌ للأداة التي يُعمل بها فشبهه في العلم بذلك، وإنما صغره على جهة المدح له عندنا كقول حُباب بن المنذر": أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب".
وقولهم: فُلان صديقي، وهو يريد أخص أصدقائي.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
٤٤٦ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ-
"أنه كان يُحنك أولاد [٢٨٤] الأنصار".
قال "لليزيدي": التحنيك أن يمضُغ التمر، ثم يدلكه بحنك الصبي داخل فمه.
ويقال منه: حَنَكْتُهُ وحَنَّكْتُهُ - بتخفيف وتشديد- فهو محنوكٌ ومحنكٌ.
[ ٣ / ٢٢١ ]
٤٤٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي - ﷺ-:
"أن رجلًا رغسه الله مالًا".
قال "الأموي": رغسه: أكثر له منه، وبارك له فيه.
قال "أبو عبيدٍ": يقال منه: رغسه الله يرغسه رغسًا: إذا كان ماله ناميًا كثيرًا.
وكذلك هو في الحسب وغيره، قال "العجاج" يمدح بعض الخلفاء:
خليفةٌ ساس بغير تعس
إمام رغسٍ في نصاب رغس
والنصابُ: الأصل.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
٤٤٨ - وقال "أبو عبيدٍ"؛ في حديث "النبي"- ﷺ-:
"أنه نهى عن المكاعمة والمكامعة".
[ ٣ / ٢٢٣ ]
قال: حدثنيه "أبو النضر" عن "الليث بن سعدٍ" عن "عياش ابن عباس" رفعه.
وذكر غيره بعض هذا الحديث.
قال غير واحدٍ: أما المكامعة فأن يلثم الرجل صاحبه، أخذه من كعام البعير، وهو أن يُشدَّ فمهُ إذا هاج.
يقال منه: كعمته أكعمه كعمًا، فهو مكعومٌ، وكذلك. كل مشدود الفم فهو مكعومٌ، قال "ذو الرمة" يصف الفلاة:
[بين الرجا والرجا من جنبِ واصية] يهماء خابطها بالخوف مكعوم
[ ٣ / ٢٢٤ ]
يُقال منه: قد شد الخوف فمه، فمنعه من الكلام، فجعل "النبي"- ﷺ- اللثام حين يلثمه بمنزلة ذلك الكعام.
وأما قوله: المكامعة، فهو أن يضاجع الرجل صاحبه في ثوب واحدٍ أخذه من الكميع والكمع، وهو الضجيعُ.
ومنه قيل لزوج المرأة هو كميعها، قال "أوس بن حجر" يذكر أزمةً في شدة البرد:
وهبتِ الشمال البليلُ وإذ بات كميعُ الفتاة ملتفعا
[٢٨٥] وقال "البعيثُ":
لما رأيتُ الهم ضافٍ كأنه أخو لطفٍ دون الفراش كميعُ
[ ٣ / ٢٢٥ ]
٤٤٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-: في الرهط العرنيين الذين قدموا عليه المدينة، فاجتووها، فقال:
"لو خرجتم إلى إبلنا، فأصبتم من أبوالها وألبانها.
ففعلوا، فصحوا، فمالوا على الرعاء فتقلوهم، واستاقوا الإبل، وارتدوا عن الإسلام. فأرسل "النبي" - ﷺ- في آثارهم، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وتُركوا بالحرة حتى ماتوا".
[ ٣ / ٢٢٦ ]
قال: حدثناه "هُشيمٌ عن "عبد العزيز بن صُهيب" و"حُميد الطويل" عن "أنس" قال: وحدثنا "إسماعيل بن جعفر" عن "حُميدٍ" عن "أنس" عن "النبي" - ﷺ- جميعًا.
قال: السملُ: أن تفقأ العين بحديدةٍ محماةٍ أو بغير ذلك.
يُقال من ذلك: سملت عينه أسملها سمار.
[ ٣ / ٢٢٧ ]
[قال أبو عبيدٍ]: وقد يكون السملُ بالشوك، قال "أبو ذؤيب" يرثى بنين له ماتوا:
فالعين بعدهم كأن حداقها سُملت بشوكٍ فهي عورٌ تدمع
وقال "الشماخ" يصف أتانًا، ويذكر أن عينها قد غارت من شدة العطش:
قد وكلت بالهدى إنسان ساهمةٍ كأنه من تمام الظمء مسمول
قال: وقوله: "قاموا المدينة فاجتووها" قال "أبو زيد": يقال: اجتويت البلاد إذا كرهتها، وإن كانت موافقةً لك في بدنك.
ويقال: استوبلتها إذا لم توافقك في بدنك، وإن كنت محبًا لها
[ ٣ / ٢٢٨ ]
قال "أبو عبيد": وفي هذا الحديث من الفقه قول: "النبي" - ﷺ-.
"لو خرجتم إلى إبلنا فأصبتم من أبوالها وألبانها".
فهذا رُخصةٌ في شرب بول ما أُكِل لحمهُ، وهذا أصلُ هذا الباب.
وكذلك لو وقع في ماء لم ينجس.
وأما قطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، فيروى - والله أعلم- أن هذا كان في أول الإسلام قبل أن تنزل الحدود [٢٨٦] فنُسخ.
ألا ترى أن المرتد ليس حده إ لا القتل، فأما السمل، فإنه مُثلةٌ، وقد نهى "النبي" [ﷺ] عن المثلة.
قال حدثنا "ابن مهديٌّ" عن "همامٍ" عن "قتادة" عن "ابن سيرين" قال: كان أمر العرنيين قبل أن تنزل الحدود.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
قال "أبو عبيد": فنرى أن هذا هو الناسخ للأول والله أعلم.
٤٥٠ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ. في الجنين أن "حمل بن مالك بن النابغة" قال له: إني كنت بين جارتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فألقت جنينًا ميتًا، وماتت.
فقضى رسول الله - ﷺ- بدية المقتولة على عاقلة القاتلة، وجعل في الجنين غرةً عبدًا أو أمةً".
[ ٣ / ٢٣٠ ]
قال: "المسطح: عودٌ من عيدان الخباء أو الفسطاط أو نحوه، قال "مالك بن عوفٍ النضري":
تعرض ضيطارو فعالة دوننا وما خير ضيطارٍ يقلب مسطحًا
فالضيطار: الضخم من الرجال، فيقول: ليس معه سلاحٌ يقاتل به غير مسطحٍ.
والجمع ضيطارون وضياطرة، قالها "أبو عمرو".
[ ٣ / ٢٣١ ]
قال "أبو عبيد": وأما الغرة، فهو عبدٌ أو أمةٌ [و] قال في ذلك "مهلهلٌ":
كُل قتيل في كُليبٍ غره
حتى ينال القتل آل مُره
يقول: كلهم ليس بكفءٍ "لكليبٍ" إنما هم بمنزلة العبيد والإماء إن قتلتهم، حتى أقتُل "آل مرة" فإنهم الأكفاء حينئذٍ.
وأما قوله: "كنتُ بين جارتين لي" يُريد امرأتيه.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
قال: حدثناه "يزيدُ" عن "هشامٍ" عن "ابن سيرين" قال: "كانوا يكرهون أن يقولوا: ضرةً، ويقولون: إنها لا تذهب من رزقها بشيءٍ، ويقولون: جارةٌ.
وقال "أبو عبيدٍ" في حديثٍ آخر عن "عمر" [-﵀-] أنه سأل عن إملاص المرأة، فقال "المغيرة بن شعبة": قضى فيه رسول الله [-ﷺ-] بغرةٍ" فهو مثل هذا [٢٨٧].
وإنما سماه إملاصًا؛ لأن المرأة تُزلقه قبل وقت الولادة، وكذلك كل ما زلق، من اليد أو غيرها فقد ملص يملصُ ملصًا، وأنشدني "الأحمر":
فرَّ وأعطاني رشاءً ملصا
[ ٣ / ٢٣٣ ]
يعني رطبًا يزلق من اليد.
فإذا فعلت أنت ذلك به، قلت: أملصته إملاصًا، فذلك قوله: إملاص المرأة [يعني أنها تزلقه].
٤٥١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-:
"إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليُصَل".
[ ٣ / ٢٣٤ ]
قال: حدثناه "ابنُ عُلية" و"يزيد" كلاهما عن "هشام بن حسان" عن "ابن سيرين" عن "أبي هريرة" عن "النبي" - ﷺ-.
قالا: قوله: "فليُصلِّ" يعني يدعو لهم بالبركة والخير.
قال "أبو عبيدٍ": وكذلك كل داعٍ، فهو مُصلٍّ، وكذلك هذه الأحاديث التي جاء فيها ذكرُ صلاة الملائكة، كقوله: "الصائمُ إذا أُكِل عناه الطعام صلت عليه الملائكة حتى يُمسي".
وحديثه: "من صلى على النبي [-ﷺ-] صلاةً صلت عليه الملائكة عشرًا".
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وهذا في حديثٍ كثيرٍ، فهو كله عندي الدعاء، ومثله في الشعر في غير موضع، قال "الأعشى":
وصهباء طاف يهوديها وأبرزها وعليها ختم
وقابلها الريحُ في دنها وصلى على دنها وارتسم
يقول: دعا لها بالسلامة والبركة، يصف الخمر.
وقال أيضًا:
- تقول بنتي وقد قربتُ مرتحلًا يا رب جَنِّب أبي الأوصاف والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
[ ٣ / ٢٣٦ ]
يقول: ليكن لك مثل الذي دعوت لي به.
قال "أبو عبيد": وأما حديث "ابن أبي أوفى" أنه قال أعطاني أبي صدقة ماله فأتيت به رسول الله - ﷺ- فقال:
"اللهم صلِّ على آل أبي أوفى". [٢٨٨] فإن هذه الصلاة عندي الرحمة.
ومنه قول الله [- ﷿-]: "إن الله - وملائكته يصلون على النبي" فهو من الله رحمةٌ، ومن الملائكة دعاء
[ ٣ / ٢٣٧ ]
ومنه قولهم: "اللهم صل على محمد".
قال: فالصلاة ثلاثة أشياء: الرحمة والدعاء والصلاة.
٤٥٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: أنه خرج يريد حاجةً، فاتبعه بعض أصحابه، فقال:
"تنح عنِّي فإن كل بائلة تفيخ".
قال: حدثنيه "محمد بن ربيعة الكوفي الرواسي" عن "ابن جُريج" عن "عبد الله بن عبيد بن عمير" رفعه.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
قال "أبو زيدٍ" الإفاخة: الحدثُ. يعني من خروج الريح خاصةً.
يقال: قد أفاخ الرجل يفيخُ إفاخةً.
وإذا جعلت الفعل للصوت قلت: قد فاخ يفوخُ.
وأما الفوح بالحاء فمن الريح أن نجدها لا من الصوت.
قال "أبو عبيدٍ" وكراهيةُ النبي - ﷺ- أن يكون قربه أحدٌ عند البول مثل حديثه الآخر: "أنه كان إذا أتى الحاجة استبعد [وتوارى] ".
ويروى عن "أبي ذرٍ" أنه بال ورجلٌ قريبٌ منه فقال: "يا ابن أخي قطعت عليَّ لذة بيلتي".
[ ٣ / ٢٣٩ ]
كأنه استحيا من قُرب من معه، فمنعه ذلك من التنفس عند البول.
٤٥٣ - قال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ في الاستنجاء "أنه كان يأمر بثلاثة أحجارٍ، وينهى عن الروث والرمة".
قال: حدثنيه "يحيى بن سعيدٍ القطان" عن "أبن عجلان" عن "القعقاع بن حكيمٍ" عن "أبي صالحٍ" عن "أبي هُريرة" عن "النبي" - ﷺ قال "أبو عمروٍ" وغيره: أما الروث فروث الدواب.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
وأما الرمة، فإنها العظام البالية، قال "لبيدٌ":
والنيب إن تعرمني رمةً خلقًا بعد الممات فإني كنت أتثر
قال: "أبو عبيدٍ": والرميمُ: مثل الرمة، قال الله - ﵎-: "وضرب لنا مثلًا ونسي خلقهُ، قال من يُحيي العظام وهي رميمٌ".
يقال منه: قد رم العظم وهو يرمُّ، ويروى [منه] أن
[ ٣ / ٢٤١ ]
"أُبي بن خلف" أنه لما نزلت هذه الآية أتى بعظمٍ بال إلى النبي - ﷺ- فجعل يفته، ويقول: أترى الله يا "محمد" يُحيي هذا بعد ما قد رمّ؟
[٢٨٩] [قال "أبو عبيدٍ"]؛ وفي حديث آخر أنه نهى أن يُستنجى برجيعٍ أو عظمٍ. فأما الرجيعُ، فقد يكون الروث، والعذرة جميعًا، وإنما سُميَ رجيعًا؛ لأنه رجع عن حاله الأولى، بعد أن كان طعامًا أو علفًا إلى غير ذلك.
وكذلك كل شيءٍ يكون من قول أو فعل يُرد، فهو رجيعٌ؛ لأن معناه مرجوعٌ، أي مردودٌ.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
وقد يكون الرجيع الحجر الذي قد استنجى به مرة، ثم رجع إليه فاستنجى به، وقد روي عن مجاهد أنه كان يكره أن يستنجي بالحجر الذي قد استنجى به مرة.
وفي غير هذا الحدث أنه أُتي بروثٍ في الاستنجاء، فقال: "إنه ركسٌ" وهو شبيه المعنى بالرجيع.
يقال: ركستُ. الشيء وأركسته لغتان: إذا رددتهُ، قال الله - ﵎-: "والله أركسهم بما كسبوا" وتأويله فيما نُري: أنه ردهم إلى كفرهم.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
[قال: وفي الرجيع وجهٌ آخر أنه أراد الحجر الذي قد استُنجي به مرةً، وكره أن يُرجع إلى الاستنجاء به ثانيةً].
٤٥٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي -ﷺ- "من بات على إجارٍ- أو قال: سطحٍ- ليس عليه ما يرد قدميه فقد برئت منه الذمة. ومن ركب البحر إذا التج- أو [قال] ارتج قال "أبو عبيد": وأكبر ظني أنه باللام التج- فقد برئت منه الذمة.
أو قال: "فلا يلومن إلا نفسه-".
[ ٣ / ٢٤٤ ]
قال: حدثنيه "عبادُ بن عباد" عن "أبي عمران الجوني" عن "زهير بن عبد الله" يرفعه.
قال "أبو عبيد": الإجار والسطحُ واحدٌ.
ومن ذلك حديثُ "ابن عمر" قال: حدثنيه "هشيمٌ" عن "يحيى بن سعيد الأنصاري" وحدثنيه "يحيى بن سعيد القطان عن "عبيد الله بن عمر" كلاهما عن "محمد بن يحيى بن حبان" عن عمه "واسع بن حبان" عن "ابن عمر" قال:
"ظهرت على "إجار" "لحفصة" [-﵂-]- وقال بعضهم على سطح- فرأيت رسول الله - ﷺ- جالسًا على حاجته مستقبلًا بيت المقدس مستدبرًا الكعبة".
[ ٣ / ٢٤٥ ]
[قال "أبو عبيدٍ"]: وجمعُ الإجار أجاجيرُ وأجاجرةٌ، وهو [من] كلام أهل الشام وأهل الحجاز.
٤٥٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "أنه كان يسجدُ على الخُمرة".
قال: حدثناه "هشيمٌ، وعباد بن العوام" عن "الشيباني" عن "عبد الله بن شداد" عن "ميمونة" عن "النبي" - ﷺ-:
[ ٣ / ٢٤٦ ]
قال: "أبو عبيد": الخمرة شيء منسوج يعمل من سعف النخل ويرملُ بالخيوط وهو صغيرٌ على قدر ما يسجد عليه المصلي، أو فويق ذلك.
فإن عظُمَ حتى يكفي الرجل لجسده كله في صلاة أو مضطجعٍ، أو أكثر [٢٩٠] من ذلك، فهو حينئذ حصيرٌ، وليس بخمرةٍ.
٤٥٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-: "أنه نهى عن اتطيين القبور وتقصيصها".
[ ٣ / ٢٤٧ ]
قال: حدثنيه "ابن عُلية" عن "أيوب" عن "أبي الزبير" عن "جابر بن عبد الله" أنه قال: نهى عن تقصيص القبور.
فقيل له: عن "النبي" [- ﷺ-]؟
فقال: ذاك أراد.
قوله: التقصيص هو التجصيص، وذلك أن الجص يقال له: القصة.
يقال منه: قصصت القبور والبيوت: إذا جصصتها.
ومنه حديث "عائشة" [-﵂] حين قالت للنساء: "لا تغتسلن من المحيض حتى ترين القصة البيضاء".
[ ٣ / ٢٤٨ ]
قال: حدثناه "إسماعيل بن عمر" عن "مالكٍ" عن "علقمة ابن أبي علقمة" عن "أمه" عن "عائشة".
قال "أبو عبيد": ومعناه أن يقول؛ حتى تخرج القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها المرأة كأنها قصةٌ لا يخالطها صفرةٌ ولا تريةٌ.
وقد قيل: إن القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله والله أعلم.
وأما التريةُ: فالشيء الخفي اليسير، وهو أقل من الصفرة والكدرة.
ولا تكون الترية إلا بعد الاغتسال [والمحيض]، فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيضٌ وليس بترية.
[ ٣ / ٢٤٩ ]
٤٥٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-: في المستحاضة أنه قال لها: "احتشي كرسفًا.
قالت: إنه أكثر من ذلك إني أثجهُ ثجًا.
قال: تلجمي، وتحيضي - في علم الله- ستًا أو سبعًا، ثم اغتسلي وصلي".
قال: حدثنيه "يزيد بن هارون" عن "شريك" عن "عبد الله بن محمد بن عقيل" عن "إبراهيم بن محمد بن طلحة" عن عمه
[ ٣ / ٢٥٠ ]
"عمران بن طلحة" عن "أمه حمنةٌ بنت جحش" أنها استحيضت، فسألت النبي - ﷺ- فأجابها بذلك.
أما قوله: "احتشي كرسفًا" فإن الكرسف، القطن.
وقولها: "أثجه ثجًا" هو من الماء [٢٩١] الثجاج، وهو السائل.
ومنه الحديث المرفوع أنه سُئل عن [بِرِّ] الحج، فقال: "هو العج والثجُّ".
فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي.
وقوله: "تلجمي" يقول: شدِّي لجامًا وهو شبيهٌ بقوله: "استثفري" والاستثفار مأخوذٌ من شيئين: يكون من ثفر الدابة أنه شبه هذا اللجام بالثفر لأنه يكون تحت ذنب الدابة.
ويكون من الثفر، والثفر ويكون أصله للسباع، كما يقال للناقة حياؤها، وإنما هذه كلمةٌ استعيرت كما استعارها "الأخطل" في قوله:
[ ٣ / ٢٥١ ]
جزى الله فيها الأعورين ملامةً وفروة ثفر الثورة المتضاجم
فقال: ثفر للبقرة، وإنما هي للسباع.
فكذلك نرى: "استثفري" أخذه من هذا إنما هو كنايةٌ عن الفرج.
وقوله: "تحيضي" يقول: أقعدي أيام حيضك، ودعي فيها الصلاة والصيام، فهذا التحيض، ثم اغتسلي وصلي.
وقال في حديث آخر: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
فهذا قد فسر التحيض.
وقوله: أيام أقرائك يبين لك أن الأقراء إنما هي الحيض، وهذا
[ ٣ / ٢٥٢ ]
مما اختلف فيه "أهل العراق" و"أهل الحجاز".
فقال "أهل العراق" إن قول الله [تعالى]: "يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ" إنما هي الحيض.
وقال أهل الحجاز [إنما] هي الأطهار.
فمن قال: إنها الحيض فهذا الحديث حُجةٌ له: لقول النبي - ﷺ-:
"دعي الصلاة أيام أقرائك".
ومن زعم أنها الأطهار، فله حجةٌ أيضًا، يقال: قد أقرأت المرأة: إذا دنا حيضها، وأقرأت إذا دنا طهرها.
زعم ذلك "أبو عبيدة" و"الأصمعي" و"عيرهما" وقد ذكر ذلك "الأعشى" في شعرٍ مدح به رجلًا غزا غزوةً غنم فيها وظفر: فقال [٢٩٢]:
مورثة عزًا، وفي الحي رفعةً لما ضاع فيها من مروء نسائكا
[ ٣ / ٢٥٣ ]
قال "أبو عبيد": فمعنى القروء ها هنا الأطهارُ: لأنه ضيع أطهارهن في غزاته.
وآثرها عليهن، وشُغل بها عنهن.
ومثله قول "الأخطل":
قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهار
٤٥٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-:
"العجماء جبارٌ، والبشر جبارٌ، والمعدن جُبارٌ، وفي الركاز الخمس".
قال: حدثنيه "إسماعيل بن جعفر" عن "محمد بن عمرو"
[ ٣ / ٢٥٤ ]
عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة" عن "النبي" - ﷺ-:
قوله "العجماء"" يعني البهيمة وإنما سُميت عجماءُ، لأنها لا تتكلم.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
قال: وسمعتُ "المباركبن سعيد بن مسروق" يُحدث عن "عمرو بن قيس" عن "الحسن" قال:
"من ذكر الله [-﵎-] في السوق كان له من الأجر بعدد كل فصيح فيها وأعجم".
فقال "المبارك" الفصيح: الإنسان، والأعجم: البهيمة.
قال "أبو عبيدٍ": وكذلك كل من لا يقدر على الكلام، فهو أعجم ومستعجمٌ.
ومن هذا حديثُ "عبد الله" "إذا كان أحدكم يصلي فاستعجمت عليه قراءته فلينم".
[ ٣ / ٢٥٦ ]
يعني: إذا انقطعت، فلم يقدر على القراءة من النعاس.
ومنه قول "الحسن": "صلاة النهار عجماء".
يقول: لا يسمع فيها قراءةٌ.
وأما الجبار: فهو الهدر، وإنما جُعل جرحُ العجماء هدرًا إذا كانت منفلتةً ليس لها قائدٌ، ولا سائقٌ، ولا راكبٌ.
فإذا كان معها واحدٌ من هؤلاء الثلاثة، فهو ضامنٌ؛ لأن الجناية حينئذٍ ليست للعجماء، إنما هي جنايةُ صاحبها الذي أوطأها الناس.
وقد رُوي ذلك عن "عليٍ" و"عبد الله" و"شريح" وغيرهم وأما الحديث المرفوع: "الرجل جبارٌ".
[ ٣ / ٢٥٧ ]
فإن معناه أن يكون الراكب يسير على دابته، فتنفح الدابة برجلها في سيرها فذلك [٢٩٣] هدرٌ أيضًا، وإن كان عليها راكبٌ؛ لأن له أن يسير في الطريق وأنه لا يُبصر ما خلفهُ.
فإن كان واقفًا عليها في طريق لا يملكه، فما أصابت بيدها أو برجلها أو غير ذلك فهو ضامنٌ على كُلِّ حال.
وكذلك إن أصابت بيدها وهي تسيرُ، فهو ضامنٌ أيضًا.
واليد والرجل في الوقوف سواء، هو ضامنٌ له.
وأما قوله: "البئر جُبارٌ" فإن فيها غير قول:
يقال: إنها البئر يعني يكتري عليها صاحبها رجلًا يحفرها في ملكه فتنهار على الحافر، فليس على صاحبها ضمانٌ.
ويقال: هي البئر تكون في ملك الرجل. فيسقط فيها إنسانٌ أو دابةٌ، فلا ضمان عليه؛ لأنها في ملكه فهذا قولٌ يقال.
ولا أحسب هذا وجه الحديث: لأنه لو أراد الملك لما خص البئر خاصةً دون الحائط والبيت والدابة وكل شيءٍ يكون في ملك الرجل، فلا ضمان عليه فيه.
[ ٣ / ٢٥٨ ]
ولكنها عندي: البئر العادية القديمة التي لا يعلم لها حافرٌ، ولا مالكٌ تكون بالبوادي، فيقع فيها الإنسان أو الدابة، فذلك، هدرٌ بمنزلة الرجل يوجد قتيلًا. بفلاة من الأرض لا يعلم له قاتلٌ فليس فيه قسامة ولا ديةٌ.
وأما قوله: "المعدن جبارٌ" فإنها هذه المعادن التي يُستخرج منها الذهب والفضة، فيجيء قومٌ، يحتفرونها بشيءٍ مسمى لهم، فربما أنهار المعدن عليهم، فقتلهم، فيقول: دماؤهم هدرٌ؛ لأنهم إنما عملوا بأجرة.
وهذا أصلٌ عاملٍ عمل عملًا بكراءٍ، فعطب فيه أنه هدرٌ لا ضمان على من استعمله. إلا أنهم إذا كانوا جماعةً ضمن بعضهم لبعضٍ على قدر حصصهم من الديةً. وقال "أبو عبيدٍ": ومن هذا لو أن
[ ٣ / ٢٥٩ ]
رجلين هدما حائطًا [بأجر] فسقط عليهما فقتل أحدهما كان على عاقله الذي لم يمت نصف الدية لورثة الميت، ويسقط عنه النصف؛ لأن الميت أعان على نفسه.
وأما قوله [٢٩٤]: "في الركاز الخُمس" فإن "أهل العراق" و"أهل الحجاز" اختلفوا في الركاز.
فقال "أهل العراق": الركاز: المعادن كلها، فما استخرج منها من شيءٍ، فلمستخرجها أربعة أخماس مما أصاب، ولبيت المال الخمس.
قالوا: وكذلك المال العادي يوجد مدفونًا هو مثل المعدن على قياسه سواء.
وقالوا: إنما أصل الركاز المعدن، والمال العادي الذي قد ملكه الناس مشبةٌ بالمعدن.
وقال "أهل الحجاز": إنما الركاز: المال المدفون خاصةً مما كنزه "بنو آدم" قبل الإسلام، فأما المعادن، فليست بركاز، وإنما فيها مثلُ ما في أموال المسلمين من الزكاة إذا بلغ ما أصاب مائتي درهم كان فيها خمسة دراهم [لبيت المال] وما زاد فبحساب ذلك.
وكذلك الذهب إذا بلغ عشرين مثقالًا كان فيه نصف مثقال، وما زاد فبحساب ذلك.
[ ٣ / ٢٦٠ ]
٤٥٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ- في الإهلال بالحج:
قال: حدثنيه "إسماعيل بن جعفر" و"يحيى بن سعيد" عن "جعفر بن محمد" عن "أبيه" عن "جابر [بن عبد الله] عن "النبي - ﷺ-:
قال "الأصمعي" وغيره: الإهلال: التلبية، وأصل الإهلال [رفع] الصوت، وكل رافعٍ صوته، فهو مُهلٌّ.
[ ٣ / ٢٦١ ]
قال "أبو عبيد": وكذلك قول الله - جل ثناؤه- في الذبيحة: "وما أُهل به لغير الله". هو ما ذُبح للآلهة، وذلك لأ، الذابح يسميها عند الذبح، فذلك هو الإهلال، وقال "النابغة الذبياني" يذكر درةٌ أخرجها الغواص من البحر، فقال:
أو دُرةٌ صدفيةٌ غواصها بهجٌ متى يرها يُهل ويسجد
يعني بإهلاله رفعه صوته بالدعاء والتحميد لله [-﷿-] إذا رأها.
وكذلك الحديث في استهلال الصبي أنه إذا ولد لم يرث ولم يورث حتى يستهل صارخًا.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
قال "أبو عبيدٍ": فالاستهلال: هو الإهلال.
وإنما يراد من هذا [٢٩٥] الحديث أن يُستدل باستهلاله على حياته؛ ليعلم أنه سقط حيًا، فإذا لم يصح، [ولم يُسمع رفع صوته] وكانت علامةٌ أخرى يستدل بها على حياته من حركة يد، أو رجل، أو طرفة بعين فهو مثل الاستهلال، قال "ابن أحمر":
يُهل بالفرقد ركبانها كما يُهل الراكب المعتمر
قال "أبو عبيدٍ": [قوله]: المعتمر، أراد هاهنا من
[ ٣ / ٢٦٣ ]
العمرة، وهو في غ ير هذا المعتم.
٤٦٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "لا قطع في ثمر ولا كثر".
قال: حدثنيه "هُشيمٌ" و"يزيد" عن "يحيى بن سعيد"
[ ٣ / ٢٦٤ ]
عن "محمد بن يحيى بن حبان" عن "رافع بن خديج" عن "النبي" - ﷺ-.
قال "أبو عبيدة" وغيره: الكثر: جُمارُ النخل في كلام الأنصار وهو الجذب أيضًا.
وقال "أبو عبيد": أما قوله "في الثمر" فإنه يعني الثمر المعلق في النخل الذي لم يُجدد، ولم يحرز في الجرين، وهو معنى حديث "عُمر" [-﵁-]: "لا قطع في عام سنة ولا في عذقٍ مُعلق".
والجرين هو الذي يسميه "أهل العراق" البيدر، ويسميه "أهل الشام" الأندر، ويسمى "بالبصرة" الجوخان.
وقد يقال له أيضًا بالحجاز المربد والجرينُ.
٤٦١ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي" - ﷺ- أنه خطب في حجته أو في عام الفتح، فقال:
[ ٣ / ٢٦٥ ]
"ألا إن كل دمٍ ومال ومأثرةٍ كانت في الجاهلية، فهي تحت قدمي هاتين، منها دم "ربيعة بن الحارث" إلا سدانه الكعبة وسقاية الحاج".
قال: حدثنيه "يزيد" عن "سليمان التيمي" عن رجل رفعه إلى "النبي" [- ﷺ-].
و[قال] غير "يزيد" عن "عوف" عن "الحسن" و"قسامة بن زهير" عن "النبي" - ﷺ-.
[ ٣ / ٢٦٦ ]
قال: وحدثناه "إسماعيل بن عياش" عن "ابن أبي حسين" رفعه.
[قال "أبو عبيدٍ"]: وهو "عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين".
[قال أبو عبيد]: قوله: المأثرة: هي المكرمةُ، ويقال: إنها إنما سميت مأثرة؛ لأنها تؤثر، يأثرها قرنٌ عن قرن، أي يُتحدث بها، كقولك: أثرتُ الحديث آثره أثرًا؛ ولهذا قيل: حديثٌ مأثورٌ. ومأثرةٌ مفعلةٌ [من هذا].
وأما قوله: سدانةُ البيت، فإنه يعني خدمتهُ.
[ ٣ / ٢٦٧ ]
يقال منه: سدنته أسدُنه سدانةً.
وهو رجلٌ سادنٌ من قومٍ سدنةٍ، وهم الخدم.
فكانت السدانة واللواء [٢٩٦] في الجاهلية في بني "عبد الدار".
وكانت السقاية والرفادة إلى "هاشم بن عبد منافٍ" ثم صارت إلى "عبد المطلب" ثم إلى "العباس" فأقر رسول الله [- ﷺ-] ذلك على حاله في الإسلام، والسدانة هي الحجابة.
وأما [قوله]: دم ربيعة بن الحارث: فإن "ابن الكلبي" أخبرني أن "ربيعة" لم يُقتل، وقد عاش بعد رسول الله - ﷺ دهرًا إلى زمن "عمر [بن الخطاب﵁]-، ولكنه قتل له ابنٌ صغيرٌ في الجاهلية [قال: أحسبه كان يقال له "لباس"] فأهدر النبي [- ﷺ-] دمه فيما أهدر.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
قال: وإنما قال: دمُ "ربيعة [بن الحارث]؛ لأنه ولي الدم فنسبه إليه.
وأما الرفادة فإنه شيء كانت قريش ترافد به في الجاهلية، فيخرج كل إنسان [منهم] بقدر طاقته، فيجمعون من ذلك مالًا عظيمًا أيام الموسم، فيشترون به الجزر والطعام والزبيب للنبيذ، فلا يزالون يطعمون الناس حتى ينقضي الموسم، وكان أول من قام بذلك وسنه "هاشم بن عبد منافٍ".
ويقال: إنه إنما سُمي "هاشمًا" لهذا؛ لأنه هشم الثريد، واسمه "عمرو"، وفيه قال الشاعر:
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال "مكة" مُسنتون عجاف
ثم قام بعده "عبد المطلب" ثم "العباس" [- ﵁-]
[ ٣ / ٢٦٩ ]
فقام الإسلام؛ وذلك في يد "العباس" ثم كان في زمن "النبي" - ﷺ- ثم لم تزل الخلفاء تفعل ذلك إلى اليوم.
وقوله: "تحت قدمي هاتين" يعني أنه قد أهدر ذلك كله.
وهذا كلام العرب. يقول الرجل للرجل إذا جرى بينهما شر، ثم أرادا الصلح: اجعل ذلك تحت قدميك أي أبطله، وارجع إلى الصلح.
٤٦٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي"- ﷺ- أن "سعد بن عبادة" أتاه برجلٍ [كان] في الحي مُخدجٍ سقيمٍ وُجد على أمة من إمائهم يخبث بها، فقال النبي - ﷺ-: "خذوا له عثكالًا فيه مائة شمراخٍ، فاضربوه به ضربةً".
[ ٣ / ٢٧٠ ]
قال: حدثنيه "يزيدُ" عن "محمد بن إسحاق" عن "يعقوب بن عبد الله بن الأشج" عن "أبي أمامة [٢٩٧] بن سهل بن حنيفٍ" عن "سعيد بن سعد بن عبادة".
قال "الأصمعي" وغير واحدٍ في المخدج: هو الناقص الخلق، ومنه قيل للمقتول "بالنهروان" في الخوارج مُخدجُ اليد.
وأما العثكال فهو الذي يسميه الناس الكباسة، وفيه لغتان: عثكالٌ وعثكولٌ.
و"أهل المدينة" يُسمونه العذق- بكسر العين-.
[ ٣ / ٢٧١ ]
وأما العذقُ - بالفتح- فالنخلة نفسها، قال "امرؤ القيس" يصف شعر امرأة يشبهه بالعثكال [فقال]:
وفرعٍ يزين المتن أسود فاحمٍ أثيث كقنو النخلة المتعثكل
والقنو هو العثكال أيضًا، وجمع القنو أقناء وقنوانٌ.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه عجل ضربه، فلم يمنعه سُقمه من إقامة الحد عليه.
وفيه تخفيفُ الضرب عنه، ولا نرى ذلك إلا لمكان مرضه.
وفيه أنه لم ينفه في الزنا.
٤٦٣ - وقال "أبو عُبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ- "من منح منحة ورقٍ، أو منح لبنًا كان له كعدل رقبةٍ أو نسمة"
[ ٣ / ٢٧٢ ]
قال: حدثنيه "يحيى بن سعيد" عن "شُعبةً" قال: حدثنا "طلحة بن مصرفٍ" عن "عبد الرحمن بن عوسجة" عن "البراء بن عازب" عن "النبي" - ﷺ-.
قوله: "من منح منحةورقٍ، أو منح لبنًا".
فإن المنحة عند العرب على معنيين:
أحدهما أن يُعطى الرجل صاحبه المال هبةً أو صلةً فيكون له.
وأما المنحة الأخرى فإن للعرب أربعة أسماءٍ تضعها في موضع العارية، فينفع بها المدفوعة إليه، والأصل في ذلك كله لربها ترجع
[ ٣ / ٢٧٣ ]
إليه، وهي المنحة والعرية، والإفقار والإخبال، وكلها في الحديث إلا الإخبال.
فأما المنحة: فالرجل يمنحُ أخاه ناقته أو شاته فيحتلبها عامًا أو أقل من ذلك أو أكثر ثم يردها، وهو تأويل هذا الحديث.
وأما العرية: فالرجل يُعرى الرجل ثمر نخلةٍ من نخيله فيكون له الثمر عامة ذلك فهذه [٢٩٨] العرية التي رخص النبي [ﷺ-] في بيع ثمرها قبل أن تُصرم [بتمر].
وأما الإفقار: فأن يعطى الرجل الرجل دابته، فيركبها ما أحب في سفر أو حضرٍ، ثم يردها عليه، وهو الذي يروي- فيه الحديث
[ ٣ / ٢٧٤ ]
عن "عبد الله" أنه سُئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أفقر المقرض ظهر دابته، فقال "عبد الله": "ما أصاب من ظهر دابته فهوربًا" قال حدثناه "هُشيمٌ" قال: أخبرنا "يونس" و"خالدٌ" عن "ابن سيرين" عن "عبد الله" بذلك يذهب إلى أنه قرضٌ جر منفعةً.
وأما الإخبال: فإن الرجل منهم كان يُعطي البعير أو الناقة يركبها، ويجتز وبرها، وينتفع بها، ثم يردها، وإياه عني "زهير بن أبي سلمى" [فقال] لقوم يمدحهم:
هنالك إن يُستخبلوا المال يخبلوا وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
[ ٣ / ٢٧٥ ]
يقال منه: أخبلتُ الرجل أخبله إخبالًا.
وكان "أبو عبيدة" يقول:
"هنالك إن يستخولوا المال يخولوا".
من الخول.
وفي حديث آخر يروى من حديث "عوفٍ" وغيره يُرفع إلى النبي - ﷺ-:
"من منح منحةً وكوفًا فله كذا وكذا".
[ ٣ / ٢٧٦ ]
فالوكوف: الغزيرة الكثيرة الدر:
ومن هذا قيل: وكف البيت بالمطر، وكذلك وكفُ العين بالدمع، وفي قوله: منحةً وكوفًا ما يبين لك أنه لم يرد بالمنحة الشربة يسقيها الرجل صاحبه، إنما أراد بالمنحة الناقة أو الشاة يدفعها إليه؛ ليحتلبها.
ومن المنحة أيضًا أن يمنحه الرجل الرجل أرضه يزرعها.
ومنه حديث النبي - ﷺ-:
"من كانت له أرضٌ فليزرعها، أو ليمنحها أخاه".
قال "أبو عبيد": وأكثر العرب يجعل المنحة العارية خاصةً، ولا يجعل الهبة منحةً.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
٤٦٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث [٢٩٩] النبي - ﷺ-:
"من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حق".
قال: "سمعتُ سعيد بن عبد الرحمن الجمحي" يُحدثه عن هشام بن عُروة" عن أبيه يرفعه.
قال "الجمحي" قال "هشامٌ" العرقُ الظالمُ: أن يجيء الرجل إلى أرضٍ قد أحياها رجلٌ قبله، فيغرس فيها غرسًا، أو يحدث فيها شيئًا: ليستوجب به الأرض.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
هذا الكلام أو نحوه.
قال "أبو عبيدٍ": فهذا التفسير في الحديث.
ومما يحقق ذلك حديثٌ آخر، قال سمعت "عباد بن العوام" يحدثه عن "محمد بن إسحاق" عن "يحيى بن عروة" عن أبيه يرفعه إلى النبي - ﷺ- مثل هذا الحديث.
قال: قال "عروة": فلقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلًا غرس. في أرض رجل من الأنصار نخلًا، فاختصما إلى "النبي" - ﷺ- فقضى للأنصاري بأرضه، وقضى على الآخر أن ينزع نخله.
قال: فلقد رأيتها يُضرب في أصولها بالفؤوس وإنها لنخلٌ عُم".
قال "أبو عبيدٍ": هذا الغارس في أرض غيره هو العرقُ الظالمُ.
[ ٣ / ٢٧٩ ]
وقوله: "نخلٌ عُم: هي التامة في طولها والتفافها، وواحدتها عميمةٌ.
ومنه قيل للمرأة عميمةٌ إذا كانت كذلك في خلقها، وقال "لبيدٌ" يصف نخلًا:
سُحقٌ يمتعها الصفا وسريه عم نواعم بينهن كروم
فالسحق: الطوال، وقوله: يمتعها يعني يطولها، وهو مأخوذٌ من الماتع وهو الطويل من كل شيءٍ، والصفا: اسم نهرٍ، والسرى: النهر الصغير.
وفي هذا الحديث من الحكم أنه من اغتصب رجلًا أرضًا أو دارًا،
[ ٣ / ٢٨٠ ]
فغرس فيها، وبنى، وأنفق، ثم جاء ربها، فاستحقها بحكم حاكم أنه يُقضى على الغاصب بقلع ما أحدث فيها، وإن أضر ذلك به، ولا يقال للمستحق: اغرم له القيمة، ودع البناء على حاله، ولكن إنما له نقضه لا غير إلا أن يشاء المستحق ذلك، فهذا الأصلُ في حكم الغاصب.
وفي حديث آخر زيادةٌ ليست في هذا.
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن "عبيد الله بن عبد الرحمن" عن "جابر بن عبد الله" عن النبي [٣٠٠]- ﷺ- قال:
"من أحيا أرضًا ميتةً فهي له، وما أكلت العافية منه، فهو له صدقةٌ".
[ ٣ / ٢٨١ ]
فالواحد من العافية عافٍ، وهو كل من جاءك يطلب فضلًا أو رزقًا فهو معتفٍ وعافٍ، وقد عفاك يعفوك [عفوًا] وجمعه عفاةٌ.
وقال "الأعشى" يمدح رجلًا:
تطوف العفاة بأبوابه كطوف النصىر ببيت الوثن
وقد تكون العافية في هذا الحديث من الناس وغيرهم.
وبيان ذلك في حديث آخر، قال: حدثنيه "أبو اليقظان" عن "الأعمش" عن "أبي سفيان" عن "جابر بن عبد الله" عن "أم مبشرٍ الأنصارية" قالت: دخل علي رسول الله - ﷺ- وأنا في نخل لي فقال:
"من غرسه؟ أمسلمٌ أم كافرٌ؟
[ ٣ / ٢٨٢ ]
قلت: لا بل مسلمٌ.
فقال: "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسانٌ، أو دابةٌ، أو طائرٌ، أو سبعٌ إلا كانت له صدقةٌ".
٤٦٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-:
"أن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب".
قال: حدثناه "هُشيمٌ" قال: أخبرنا "إسماعيل بن أبي خالدٍ" عن "زبيد اليامي" عن من أخبره عن "عبد الله بن مسعودٍ" عن "النبي" - ﷺ- قوله: "نفث في روعي" هو كالنفث بالفم شبيهٌ بالنفخ.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
وأما التفل فلا يكون إلا ومعه شيءٌ من الريق.
ومن ذلك حديثه الآخر "أنه كان إذا مرض يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث". قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "مالك" عن "الزهري" عن "عروة" عن "عائشة" عن "النبي" - ﷺ-.
وقال "عنترة":
فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يُفقد فحق له الفقود
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وقوله "روعي": معناه كقولك في خلدي، وفي نفسي، ونحو ذلك، فهذا بضم الراء، وأما الروع - بالفتح- فالفزع، وليس هو من هذا في شيء.
٤٦٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-.
"تسعة أعشار الرزق [٣٠١] في التجارة، والجزء الباقي في السابياء".
قال: حدثناه "هشيمٌ" قال: أخبرنا "داود بن أبي هند" عن "نعيم بن عبد الرحمن الأزدي" يرفعه.
قال "هُشيمٌ": يعني بالسابياء النتاج.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
قال "الأصمعي": السابياء: هو الماء الذي يخرج على رأس الولد إذا وُلد.
وقال "أبو زيدٍ [الأنصاري] " ذلك الماء هو الحولاء ممدودٌ.
قال: وأما الجلدةُ الرقيقة التي يكون فيها الولد فإنها السلا، ومنه قيل في المثل: "انقطع السلا في البطن" يُضرب في الأمر العظيم إذا نزل بهم.
وقال "الأحمر"؛ السابياء، والحولاء، والسخد كله: الماء الذي يكون مع الولد [قال]: وهو ماءٌ غليظٌ.
ومنه قيل للرجل إذا أصبح ثقيلًا مورمًا: إنه لمسخدُ.
قال "أبو عبيدٍ": ومعنى هذا الحديث، والذي يرجع إليه ما قال "هُشيمٌ" إنه إنما أراد النتاج، ولكن الأصل ما فسر هؤلاء؛
[ ٣ / ٢٨٦ ]
لأنه عُلم لِم سُمي النتاج السابياء. ومما يبين ذلك حديث "عمر" [- ﵀-] فيه:
قال: حدثنيه "الأشجعي" [عبيد الله بن عبد الرحمن] عن "محمد بن قيسٍ" عن "أبي هند" عن "أبي ظبيان" وليس بالجنبي، قال: قال لي "عمر" [- ﵀-] ما مالك يا أبا ظبيان؟ ".
قال: قلت: عطائي ألفان.
قال: "اتخذ من هذا الحرث والسابياء قبل أن تليك غلمةٌ من قريش لا تعد العطاء معهم مالًا.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
٤٦٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "من تعزى بعزاء الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا".
قال: حدثنيه "الفزاري" عن "عوف" عن "الحسن" عن "عتي بن ضمرة السعدي" عن "أبي بن كعب" عن "النبي" - ﷺ-.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
قوله: "عزاء الجاهلية": الدعوى للقبائل أن يُقال: بالتميم ويالعامر! وأشباه ذلك.
ومنه حديثٌ يروى قال: سمعته من بعض أهل العلم أن رجلًا قال "بالبصرة": يالعامرٍ! فجاء النابغة الجعدي [٣٠٢] بعُصيةٍ له، فأخذته شُرط "أبي موسى"، فضربه خمسين سوطًا بإجابته دعوى الجاهلية.
ويقال منه: اعتزينا وتعزينا، قال "عبيدٌ [بن الأبرص] ":
نُعليهمُ تحت العجا ج المشرقي إذا اعتزينا
وقال "الراعي":
فلما التقت فرساننا ورجالهم دعوا يا لكلبٍ واعتزينا لعامر
[ ٣ / ٢٨٩ ]
[وقال بشرُ بن أبي خازمٍ:
نعلوا الفوارس بالسيوف ونعتزي والخيل مشعرةُ النحور من الدم]
يقال منه: عزوت الرجل إلى أبيه وعزيتُه - لغتان- إذا نسبته إليه، وكذلك الحديث: إذا أسندته.
[وكذلك كل شيءٍ نسبته إلى شيءٍ، فهو مثله، وإن كان في غير الناس].
قال [أبو عبيد]: أخبرني "يحيى بن سعيدٍ [القطان] " عن "ابن جُريجٍ" أن "عطاء" حدثه بحديثٍ.
قال: فقلت لعطاءٍ: أتعزيه إلى أحدٍ؟ أي أتسنده إليه، وهو مثل النسبة.
[ ٣ / ٢٩٠ ]
[قال]: وأما الحديث الآخر قوله: "من لم يتعز بعزاءٍ الإسلام، فليس منا" فإن عزاء الإسلام أن يقول: يا للمسلمين!
وكذلك يُروى عن "عمر" [- ﵁-] قال:
"إنه ستكون للعرب دعوى قبائل، فإذا كان ذلك فالسيف السيف والقتل القتل حتى يقولوا: يا للمسلمين"!
٤٦٨ - وقال أبو عُبيدٍ في حديث النبي - ﷺ-: "أنه كان إذا سجد جافي عضديه عن جنبيه، وفتخ أصابع رجليه".
[ ٣ / ٢٩١ ]
قال حدثنيه "يحيى بن سعيد" عن "عبد الحميد بن جعفرٍ" عن "محمدبن عمرو بن عطاء" عن "أبي حُميدٍ" الساعدي عن "النبي" - ﷺ-:
قال "يحيى": الفتخ أن يصنع هكذا، ونصب أصابعه، ثم غمز موضع المفاصل منها إلى باطن الراحة: يعني أنه كان يفعلُ ذلك بأصابع رجليه في السجود.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
قال "الأصمعي": أصل الفتخ: اللين.
وقال "أبو عبيد" ويقال للبراجم إذا كان فيه لينٌ وعرضٌ إنها لفتخٌ.
ومنه قيل للعقاب فتخاءُ، لأنها إذا انحطت كسرت جناحيها وغمزتهما، وهذا لا يكون إلا من اللين، قال "امرؤ القيس" [٣٠٣] يصف الفرس، يشبهها بالعقاب:
كأني بفتخاء الجناحين لقوةٍ دفوفٍ من العقبان طأطأت شملال
وقال آخر:
كأنها كاسرٌ في الجو فتخاءُ
وإنما سميت كاسرًا لكسرها جناحيها إذا انحطت.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
وفي هذا الحديث من الفقه أنه كان ينصب قدميه في السجود نصبًا، ولولا نصبه إياهما لم يكن هناك فتخٌ، وكانت الأصابع منحنيةً، فهذا الذي يُراد من الحديث.
وهو مثل حديثه الآخر:
"أنه أمر بوضع الكفين ونصب القدمين في الصلاة".
٤٦٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ- في حديث ذكر فيه نعت أهل الجنة، فقال:
"ويرفع أهل الغرف إلى غ رفهم في درةٍ بيضاء ليس فيها قصمٌ ولا فصمٌ".
[ ٣ / ٢٩٤ ]
قال: حدثنيه "أبو اليقظان" عن "ليث بن أبي سُليمٍ" عن "فلانٍ" عن "أنس بن مالك" رفعه.
قوله: القصمُ - بالقاف- هو أن ينكسر الشيء، فيبين.
يقال منه: قصمت الشيء أقصمه قصمًا: إذا كسرته حتى يبين.
ومنه الحديث الآخر:
"استغنوا عن الناس ولو عن قصمة السواك".
يعني ما انكسر منه إذا استيك به ..
وأما الفصمُ - بالفاء- فهو أن ينصدع اغلشيء من غير أن يبين. يقال منه: فصمت الشيء أفصمه فصمًا: إذا فعلت [ذلك]
[ ٣ / ٢٩٥ ]
به، فهو مفصومٌ، قال "ذو الرمة" يذكر غزالًا شبهه بدملج فضة:
كأنه دُملجٌ من فضة نبهٌ في ملعبٍ من جواري الحي مفصومٌ
وإنما جعله مفصومًا لتثنيه، وانحنائه، إذا نام ولم يقل: مقصوم، فيكون بائنًا باثنين، قال: الله﵎-: "لا انفصام لها".
وأما الوصم - بالواو-[٣٠٤] وليس هو في هذا الحديث، فإنه العيب يكون بالإنسان، وفي كل شيءٍ منه.
يقال [منه]: ما في فلان وصمةٌ إلا كذا وكذا يعني العيب.
وأما التوصيم، فإنه الفترة والكسل يكون في الجسد. ومنه الحديث: "إن الرجل إ ذا قام، يُصلي من الليل أصبح طيب النفس، وإن نام حتى
[ ٣ / ٢٩٦ ]
يصبح أصبح ثقيلًا موصمًا" وقال "لبيدٌ":
وإذا رمت رحيلًا فارتحل واعص ما يأمر توصيم الكسل
٤٧٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ: "من فاتته صلاة العصر فكأنمنا وتر أهله وماله".
قال: حدثناه "هُشيمٌ" قال: أخبرنا "حجاجٌ" عن "نافع" عن "ابن عمر" يرفعه.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
قال "الكسائي" هو من الوتر، وذلك أن يجني الرجل على الرجل جنايةً، يقتل له قتيلًا، أو يذهب بماله وأهله، فيقال: قد وتر فلانٌ فلانًا أهله وماله.
قال "أبو عبيدٍ": يقول: فهذا فيما فاته من صلاة العصر بمنزله الذي قد وُتر فذهب بماله وأهله.
وقال غيره: قوله: وُتر أهله [وماله] يقول: نُقص أهله وماله، وبقي فردًا، وذهب إلى قوله: "ولن يتركم أعمالكم" يقول: لن ينقصكم يقال: قد وترته حقه: إذا نقصته.
قال "أبو عبيدٍ": وأحد القولين قريب من الآخر.
٤٧١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ- أنه جاء إلى البقيع ومعه مِخصرةٌ له" فجلس، ونكت بها
[ ٣ / ٢٩٨ ]
الأرض، ثم رفع رأسه، وقال: "ما من نفسٍ منفوسةٍ إلا وقد كُتب مكانُها من الجنة والنار".
ثم ذكر حدثنثًا طويلًا في القدر.
قال: حدثنيه "أبو حفصٍ الأبار" عن "منصورٍ" و"الأعمش"
[ ٣ / ٢٩٩ ]
عن "سعد بن عبيدة" عن "أبي عبيد الرحمن السلمي" عن "علي" عن النبي - ﷺ-.
قوله: ومعه مخصرةٌ له: فإن المخصرة ما اختصر [به] الإنسان بيده فأمسكه [٣٠٥] من عصًا أو عنزةٍ أو عُكازةٍ، وما أشبه ذلك.
ومنه أن يُمسك الرجل بيد صاحبه، فيقال: فلانٌ مخاصرُ فلانٍ.
ومنه حديث "عبد الله بن عمرو": "أنه كان عنده رجل من قريش، وهو مخاصره".
[ ٣ / ٣٠٠ ]
قال: أخبرنيه "محمد بن كثير" عن "الأوزاعي" أسنده.
قال [أبو عبيد]: وأخبرني "مسلمة بن سهلٍ" شيخٌ من أهل العلم بإسنادٍ له لا أحفظه أن "يزيد بن معاوية" قال لأبيه "معاوية" ألا ترى "عبد الرحمن بن حسان" يُشببُ بابنتك؟
فقال "معاوية": وما قال؟
فقال: قال:
هي زهراءُ مثلُ لؤلؤة الغوا ص ميزت من جوهر مكنون
قال "معاوية": صدق.
فقال "يزيدُ": وقال:
وإذا ما نسبتها لم تجدها في سناءٍ من المكارم دون
[ ٣ / ٣٠١ ]
قال [معاوية]: وصدق.
قال فأين قوله؟:
ثم خاصرتها إلى القبة الخضرا ء تمشي في مرمرٍ مسنون
قال "معاوية": كذب.
قال "أبو عبيدٍ": قوله: خاصرتها: أي أخذت بيدها.
قال "الفراء": يُقال: خرج القوم متخاصرين: إذا كان بعضهم آخذًا بيد بعض.
وأما الحديث الذي يُروى: "أنه نهى أن يُصلي الرجل مختصرًا".
[ ٣ / ٣٠٢ ]
فليس من هذا في شيءٍ، إنما ذاك أن يصلي وهو واضعٌ يده على خصره، فذلك يروى في كراهته حديثٌ مرفوعٌ.
قال: حدثناه "عمرو بن هارون البلخي" عن "سعيد بن أبي عروبة" عن "قتادة" يرفعه.
ويروى فيه الكراهة أيضًا عن "عائشة [-﵂-] و"أبي هريرة" و[هو] في بعض الحديث "أنه راحة أهل النار".
[ ٣ / ٣٠٣ ]
٤٧٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي -ﷺ-: "أنه كان لا يُصلي في شُعُر نسائه".
قال: حدثناه "معاذ بن معاذٍ" عن "أشعث بن عبد الملك" عن "ابن سيرين" عن "عبد الله بن شقيقٍ" عن "عائشة" [- ﵂-] قالت: "كان رسول الله [- ﷺ-] لا يُصلي في [٣٠٦] شُعُرنا، ولا في لُحفنا".
[ ٣ / ٣٠٤ ]
قوله: الشعر: واحدها شعارٌ، وهو ما ولي جلد الإنسان من اللباس.
وأما الدثار: فما فوق الشعار مما يُتدفأ به.
وأما اللحاف: فكل ما تغطيت به فقد التحفت به.
يُقال منه: لحفتُ الرجل ألحفه لحفًا: إذا فعلت ذلك به، قال "طرفة" [بن العبد]:
ثم راحوا عبقُ المسك بهم يلحفون الأرض هُداب الأزر
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه إنما كره الصلاة في ثيابهن فيما
[ ٣ / ٣٠٥ ]
نرى- والله أعلم- مخافة أن يكون أصابها شيءٌ من دم الحيض، ولا، أعرفُ للحديث وجهًا غيره.
فأما عرق الحائض والجنب، فلا نعلم أحدًا كرهه، ولكنه لمكان الدم كما، كره "الحسنُ" الصلاة في ثياب الصبيان، وكره بعضهم الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني، وذلك لمخافة أن يكون أصابه شيء من القذر، لأنهم لا يستنجون، وقد رُوي مع هذا الرخصة في الصلاة في ثياب النساء.
قال: سمعت "يزيد" يُحدثه عن "هشام بن حسان" عن "الحسن" أن رسول الله - ﷺ- كان يُصلي في مُروط نسائه، وكانت أكسيةً أثمان خمسة دراهم أو ستة، والناس على هذا.
[ ٣ / ٣٠٦ ]
٤٧٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ- "لقد هممت ألا أتهب إلا من قُرشيٍّ، أو أنصاريٍّ أو ثقفيٍّ".
لا أعلمه إلا من حديث "ابن عيينة" عن "عمرو" عن "طاووس" وعن "ابن عجلان" عن "المقبري" يرفعان الحديث إلى النبي - ﷺ-.
قوله: لا أتهبُ، يقولُ: لا أقبل هبةً إلا من هؤلاء.
ومثال هذا من الفعل أفتعِلُ، كقولك من العدة: أتعدُ، ومن الصلة: أتصلُ، ومن الزنة اتزن.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
قال "أبو عبيدٍ": ويقال: إن النبي - ﷺ- إنما قال هذه المقالة؛ لأن الذي اقتضاه الثواب من أهل البادية، فخص هؤلاء بالاتهاب [٣٠٧] منهم؛ لأنهم أهل حاضرة، وهم أعلم بمكارم الأخلاق.
وبيان ذلك في حديث آخر أنه قال:
"لقد هممتُ ألا أقبل هبةً- أو قال: هديةً- إلا من "قُرشيٍّ"، أو "أنصاريٍّ" أو "ثقفيٍّ".
قال: حدثنيه "يزيدُ" عن "محمد بن عمرو" عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة" عن "النبي" - ﷺ-.
فهذا قد بَين لك أنه أراد بقوله: "لا أتهبُ": أي "لا أقبلُ هبةً.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
وفي هذا الحديث [من الفقه] أنه - ﷺ- كان يقبلُ الهدية والهبة، وليس هذا لأمير بعده من الخلفاء؛ لأنه يُروى عنه:
"هدايا الأمراء غلولٌ".
وبلغني عن "أبي المليح الرقي" عن "عمر بن عبد العزيز" أنه قال: "كانت لرسول الله - ﷺ- هديةً، وللأمراء بعده رشوةً".
٤٧٤ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي - ﷺ- "أنه حرم ما بين لا بتي المدينة".
[ ٣ / ٣٠٩ ]
قال "الأصمعي": اللابة: الحرة، وهي الأرض قد ألبستها حجارةٌ سودٌ، وجمع اللابة لاباتٌ ما بين الثلاث إلى العشر، فإذا كثرت فهي اللاب واللوب لغتان.
قال "بشر بن أبي خازمٍ" يذكر كتيبةً:
معاليةٌ لا هم إلا محجرٌ وحرة ليلى السهلُ منها فلوبها
[ ٣ / ٣١٠ ]
يُريدُ جمع لابة، ومثلُ هذا في الكلام قليلٌ ومنه: قارةٌ وقورٌ، وساحةٌ وسوحٌ.
وفي حديثٍ آخر "أن رسول الله - ﷺ- حرم ما بين "عير" إلى "ثور".
وهما اسما جبلين بالمدينة.
وقد كان بعض الرواة يحمل معنى بيت الحارث بن حلزة" في قوله: زعموا أن كل من ضرب العيير موالٍ لنا وأنا الولاء على هذا العير يذهبُ إلى كُلِّ من ضرب إليه، وبلغه.
وبعض الرواة يحمله على أن العير الحمارُ.
قال "أبو عبيدٍ": وهذا حديث "أهل العراق".
[ ٣ / ٣١١ ]
و"أهل المدينة" لا يعرفون بالمدينة جبلًا يقال له "ثور" وإنما "ثورٌ" "بمكة".
فنُرى أن الحديث إنما أصله: "ما بين "عيرٍ" إلى "أُحدٍ".
٤٧٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي - ﷺ- أنه أتاه [٣٠٨] "مالك بن مُرارة الرهاوي" فقال [له]: يا رسول
[ ٣ / ٣١٢ ]
الله! إني قد أُوتيت من الجمال ما ترى ما يسرني أن أحدًا يفضلني بشراكين فما فوقهما فهل ذلك من البغي"؟
فقال رسول الله - ﷺ-: "إنما ذلك من سفه الحق، وغمط الناس".
[ ٣ / ٣١٣ ]
قال: حدثنيه "معاذ بن معاذٍ" عن "ابن عونٍ" عن "عمرو بن سعيدٍ" عن حميد بن عبد الرحمن عن "ابن مسعودٍ" عن النبي - ﷺ-: أما قوله: سفه الحق: فإنه أن يرى الحق سفهًا وجهلًا، قال الله - ﵎-: "إلا من سفه نفسه".
قال "أبو عبيد": وبعض المفسرين يقول في قوله [-تعالى-] "إلا من سفه نفسه" يقول "سفهها".
وأما قوله: وغمط الناس: فإنه الاحتقار لهم، والازدراء بهم، وما أشبه ذلك.
[ ٣ / ٣١٤ ]
وفيه لغةٌ أخرى في غير هذا الحديث غمص الناس - بالصاد- وهو بمعنى "غمط".
ومنه حديثٌ يُروى عن "عبد الملك بن عُمير" عن "قبيصة بن جابرٍ" أنه أصاب ظبيًا وهو محرمٌ، فسأل "عمر" فشاور "عبد الرحمن" ثم أمره أن يذبح شاةً.
فقال "قبيصةُ" لصاحبه: والله ما علم أمير المؤمنين حتى سأل غيره، وأحسبني سأنحرُ ناقتي، فسمعه "عمر" فأقبل عليه ضربًا بالدرة، وقال: أتغمص الفتيا وتقتل الصيد، وأنت مُحرمٌ، قال الله [- ﵎-]: "يحكم به ذوا عدل منكم" فأنا "عمر" وهذا "عبد الرحمن".
قال "أبو عبيد": فقوله: أتغمص الفتيا، يريد تحتقرها، وتطعن فيها.
[ ٣ / ٣١٥ ]
ومنه يقال للرجل إذا كان مطعونًا عليه في دينه: إنه لمغموصٌ عليه.
وفي هذا الحديث من الفقه أن "عمر" [- ﵀-] لم يحكم عليه حتى حكَّم معه غيره لقوله [-تعالى-] "يحكم به ذوا عدل منكم".
وفيه أنه جعل في الظبي شاةً أو كبشًا، ورآه ندهُ من النعم.
وفيه أنه لم يسأله: أقتله عمدًا أم خطأ؟ ورآهما عنده سواءٌ في الحكم.
وهذا غيرُ قول من يقول: إنما الجزاء في العمد.
وفيه أنه لم يسأله: هل أصاب صيدًا قبله أم لا؟
ولكنه حكم عليه، فهذا يرد قول من يقول: إنما يحكم عليه
[ ٣ / ٣١٦ ]
مرةً واحدةً، فإن عاد لم يُحكم عليه، وقيل له: إذهب فينتقم الله [- ﵎-] منك.
٤٧٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث [٣٠٩] النبيﷺ-[أنه قال]: "لا يُعدى شيء شيئًا.
فقال أعرابي: يا رسول الله! إن النقبة قد تكون بمشفر البعير، أو بذنبه في الإبل العظيمة، فتجرب كلها.
فقال رسول الله [- ﷺ-] فما أجرب الأول؟
[ ٣ / ٣١٧ ]
قال: حدثنيه "أبو بدرٍ شجاعُ بن الوليد" عن "ابن شُبرمة" عن "أبي زرعة" عن "أبي هريرة" عن "النبي" - ﷺ-.
قال "الأصمعي": النقبة: أول الجرب حين يبدو، يقال للناقة والجمل به نُقبةٌ، وجمعه نقبٌ.
قال ["أبو عبيد"]: وأخبرني "ابن الكلبي" أن "دريد ابن الصمة" خطب الخنساء بنت عمرو" إلى أخويها "صخر"
[ ٣ / ٣١٨ ]
و"معاوية" فوافقها، وهي تهنأ إبلًا لها، فاستأمرها أخواها فيه، فقالت: "أترونني كنت تاركةً بني عمي كأنهم عوالي الرماح، ومرتثةً شيخ بني جُشمٍ".
فانصرف "دريدٌ" [وهو] يقول:
ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم هانئ أينقٍ صهب
متبذلًا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النقب
وفي الحديث أيضًا أنه - ﷺ- قال:
"لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر".
وقد فسرناه في موضعٍ آخر.
[ ٣ / ٣١٩ ]
٤٧٧ - وقال أبو "عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ- أنه قال:
"ثلاث من أمر الجالهية: الطعن [٣١٠] في الأنساب والنياحة والأنواء".
قال "أبو عبيد" سمعت عدةً من أهل العلم يقولون: أما الطعن في الأنساب والنياحة فمعروفان.
وأما الأنواء فإنها ثمانيةٌ وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها من الصيف والشتاء والربيع والخريف يسقط منها في كل ثلاث
[ ٣ / ٣٢٠ ]
عشرة ليلةً نجمٌ في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته، وكلاهما معلومٌ مسمى، وانقضاء هذه الثمانية والعشرين كلها مع انقضاء السنة ثم يرجع الأمر إلى النجم الأول مع استئناف السنة المقبلة، فكانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجمٌ؛ وطلع آخر، قالوا: لا بد من أن يكون عند ذلك مطرٌ ورياحٌ، فينسبون كل غيث يكون عند ذاك إلى ذلك النجم الذي يسقط حينئذٍ، فيقولون: مُطرنا بنوء الثريا، والدبران والسماك، وما كان من هذه النجوم، فعلى هذا فهذه هي الأنواء، وواحدها نوءٌ.
وإنما سمي نوءًا؛ لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق للطلوع، فهو ينوء نوءًا، وذلك النهوض هو النوء، فسمي النجم
[ ٣ / ٣٢١ ]
به، وكذلك كل ناهضٍ بثقلٍ وإبطاءٍ، فإنه ينوء عند نهوضه.
وقد يكون النوء السقوط.
قال "أبو عبيدٍ": ولم أسمع أن النوء السقوط إلا في هذا الموضع.
وقال الله - ﷿-: "ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة" وقال "ذو الرمة" يذكر امرأةً بالعظم:
تنوء بأخراها فلأيًا قيامها وتمشي الهوينا من قريب فتبهر
وقد ذكرت العرب الأنواء في أشعارها فأكثرت حتى جاء فيه النهي عن النبي - ﷺ-.
٤٧٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي - ﷺ- "أن رجلًا كان يخدمه في سفرٍ، فقال له النبي - ﷺ: هل في أهلك من كاهل؟
[ ٣ / ٣٢٢ ]
قال: لا. ما هم إلا أصيبيةٌ صغارٌ.
قال: ففيهم فجاهد.
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "ابن علية" [٣١١] عن "خالدٍ" عن "أبي قلابة". عن "مسلم بن يسار" رفعه.
قوله: "من كاهل" يعني: من أسن [وصار كهلًا] وهو من الكهل.
يُقال: كاهل الرجل، واكتهل: إذا أسن، وكذلك يقال: اكتهل النبات: إذا تم طوله.
وهو رجلٌ كهلٌ، وامرأةٌ كهلةٌ، قال الراجز:
ولا أعود بعدها كريا
أمارس الكهلة والصبيا
[ ٣ / ٣٢٣ ]
٤٧٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-:
"إذا دخل شهر رمضان صُفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار".
[ ٣ / ٣٢٤ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "إسماعيل بن جعفر" عن "أبي سهيل نافع ابن مالك" عمِّ "مالك بن أنسٍ" عن "أبيه" عن "أبي هريرة" عن "النبي" - ﷺ-.
قال "الكسائي" وغيرُ واحدٍ: قوله: صفدت، يعني: شُدت بالأغلال، وأوثقت.
يقال منه: صفدت الرجل، فهو مصفودٌ، وضفدته، فهو مصفدٌ.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
فأما أصفدته بالألف إصفادًا، فإنه أن تُعطيه وتصله، والاسم من العطية ومن الوثاق جميعًا الصفد.
قال "ألنابغة الذبياني" في الصفد يريد العطية:
هذا الثناءُ لأن بُلغت معتبةً ولم أُعرض- أبيت اللعن - بالصفد
بالصفد: يُريد لم أُعرض بالعطية، يقول: لم أمدحك لتعطيني. والجمع منهما [جميعًا] أصفادٌ، قال الله - ﵎-:
[ ٣ / ٣٢٦ ]
"وآخرين مقرنين في الأصفاد" وقال "الأعشى" في العطية أيضًا يمدح رجلًا:
نضيفته يومًا، فأكرم مقعدي وأصفدني على الزمانة قائدا
يقول: وهب لي قائدًا يقودني، والمصدر من العطية الإصفاد، ومن الوثاق الصفدُ والتصفيد.
ويقال للشيء الذي يُوثق به الإنسان: الصفادُ، يكون من نسع أو قِد.
وقال الشاعر يُعيرُ "لقيط بن زرارة" باسر أخيه "معبدٍ":
هلا مننت على أخيك معبدٍ والعامري يقوده بصفاد
[ ٣ / ٣٢٧ ]
٤٨٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ-:
"أن الله [- ﵎-] جعل حسنات بني آدم أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، وقال الله [-جل وعز-]: إلا الصوم فإن الصوم لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك".
[ ٣ / ٣٢٨ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "أبو اليقظان" عن "إبراهيم الهجري" عن "أبي الأحوص" عن "عبد الله" يرفعه.
قوله: "الصوم لي، وأنا أجزي به" [قال] وقد علمنا أن أعمال البر كلها له وهو يجزي بها، فنرى - والله أعلم- أنه إنما خص الصوم بأن يكون هو [- سبحانه-] الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم ليس يظهر من ابن آدم بلسانٍ ولا فعل، فتكتبه الحفظةُ إنما هو نيةٌ في القلب، وإمساكٌ عن حركة المطعم والمشرب [والنكاح] يقول [- ﷿-]: فأنا أتولى جزاءه على ما أُحب من التضعيف، وليس على كتابٍ كتب له.
[ ٣ / ٣٢٩ ]
ومما يُبين ذلك قوله - ﷺ-: "ليس في الصوم رياءٌ". حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "شبابةُ" عن "ليثٍ" عن "عُقيلٍ" عن "ابن شهابٍ" رفعه.
وذلك أن الأعمال كلها لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم خاصةً، فإنما هو بالنية التي قد خفيت على الناس، فإذا نواها، فكيف يكون ها هنا رياء؟
هذا عندي وجه الحديث- والله أعلم.
قال "أبو عبيد": وبلغني عن "سفيان بن عيينة" أنه فسر قوله: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به".
قال: لأن الصوم هو الصبر يصبرُ الإنسان على المطعم والمشرب
[ ٣ / ٣٣٠ ]
والنكاح، ثم قرأ: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حسابٍ" يقول: فثواب الصوم ليس له حسابٌ يعلم من كثرته.
ومما يقوى قول "سفيان" الذي يُروى في التفسير قول الله [﵎] "السائحون" [هو في التفسير] الصائمون.
يقول: فإنما الصائم بمنزله السائح [ليس يتلذذ بشيءٍ].
وأما قوله: في الخلوف، فإنه تغير طعم الفم [وريحه] لتأخير الطعام، يُقال منه: خلف فمه يخلف خلوفًا، قاله "الأصمعي" و"الكسائي" وغيرهما ومنه حديثُ "عليٍّ" [﵁] حين سُئل عن القُبلة للصائم، فقال: "وما أربك إلى خلوف فيها"
[ ٣ / ٣٣١ ]
حدثنا [٣١٣] "أبو عبيد": قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "أبي إسحاق" عن "عُبيد بن عمرو [الخارفي] عن "علي".
والصوم أيضًا في أشياء سوى هذا.
يُقال للقائم الساكت صائمٌ، قال "النابغة الذبياني".
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة تحت العجاج وأخرى تعلكُ اللجما
ويقال للنهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة: قد صام النهار، قال "امرؤ القيس":
فدعها وسل الهمَّ عنك بجسرةٍ ذمول إذا صام النهار وهجرا
[ ٣ / ٣٣٢ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: وحدثنا "عباد بن العوام" عن "سليمان التيمي" قال: سمعتُ "أنس بن مالك" يقرأ: "إني نذرت للرحمن صومًا" و[يروى] "صمتًا".
٤٨١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي"- ﷺ-: "أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم"
[ ٣ / ٣٣٣ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "علي بن ثابت" عن "عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة الأنصاري" عن "أبيه" عن "جده" رفعه.
قوله: المروح: أراد المطيب بالمسك، فقال: مروحٌ بالواو، وإنما هو من الريح، وذلك أن أصل الريح الواو، وإنما جاءت الياء لكسرة الراء قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو، ألا ترى أنهم قالوا: تروحتُ بالمروحة بالواو، وجمعوا الريح، فقالوا: أرواحٌ لما انفتحت الواو؟ وكذلك قولهم: قد أروح الماء، وغيره: إذا تغيرت ريحه.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه رخص في المسك أن يُكتحل به، ويتطيب به.
وفيه أنه كرهه للصائم، وإنما وجه الكراهة [أن يكتحل به] أنه ربما خلص إلى الحلق.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وقد جاء في غير هذا الحديث الرخصة فيه، وعليه الناس: "أنه لا بأس بالكحل للصائم".
٤٨٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "النبي" - ﷺ:
"لعلكم ستدركون أقوامًا يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى، فصلوا الصلاة للوقت الذي تعرفون، ثم صلوها معهم".
[ ٣ / ٣٣٥ ]
قال: حدثناه "أبو معاوية"، عن "الأعمش"، عن "إبراهيم ابن علقمة" و"الأسود" عن "عبد الله".
أما قوله: "يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى" فإن في ذلك تفسيرين أحدهما يروى عن "الحسن بن محمد بن الحنفية".
قال "أبو عبيدٍ": سمعت "مروان الفزاري" يُحدثه عنه أنه سُئل عن ذلك، فقال: ألم تر إلى الشمس إذا ارتفعت عن الحيطان، وصارت بين القبور كأنها لُجةٌ؟ فذلك شرق الموتى.
قال "أبو عبيدٍ": يعني أن طلوعها وشروقها إنما هو تلك الساعة، وهما للموتى دون الأحياء.
وأما التفسير الآخر، فإنه عن غيره.
قال: هو أن يغص الإنسان بريقة، وأن يشرق به عند الموت، فأراد: أنهم كانوا يُصلون الجمعة، ولم يبق من النهار إلا بقدر ما بقي من نفس هذا الذي قد شَرِق بريقه.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وفي غير هذا الحديث زيادةٌ ليست في هذا.
قال: حدثنا "أبو بكر بن عياش" عن "عاصم بن أبي النجود" عن "زر بن حُبيش" عن "عبد الله" عن النبي - ﷺ- في تأخير الصلاة مثل ذلك، إلا أنه لم يذكر شرق الموتى، وزاد فيه: فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون فيه، واجعلوا صلاتكم معهم سبحةً".
قال "أبو عبيدٍ" يعني بالسبحة: النافلة.
وبيان ذلك في حديث آخر، أنه قال: "واجعلوها نافلةً".
وكذلك كل نافلة في الصلاة فهي سُبحةٌ.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
ومنه حديثُ "ابن عُمر" أنه كان يُصلي سبحته في مكانه الذي يُصلي فيه المكتوبة.
وقال الله - ﷿-: "فلولا أنه كان من المسبحين" يروى في التفسير: من المصلين.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه يرد قول من خرج على السلطان ما دام يقيم الصلاة.
فلو رُخص لهم في حالٍ لكان في هذه الحال إذا كانوا يصلون الصلاة لغير وقتها، فكيف إذا صلوها لوقتها؟
هذا يرد قولهم أشد الرد.
وفي الحديث أيضًا ما يُبين لك اختلاف الناس فيمن صلى وحده، ثم أعاد في جماعة.
فقال بعضهم: صلاته هي الأولى.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وقال بعضهم: بل هي التي صلاها في جماعة.
فقد تبين لك في هذا الحديث أن صلاته المكتوبة هي الأولى، وأن التي بعدها نافلةٌ وإن كانت في جماعةٍ.
٤٨٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "أنه كانت فيه دُعابةٌ".
[ ٣ / ٣٣٩ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "ابن علية" عن "خالد الحذاء" عن "عكرمة". رفعه.
قوله [٣١٤]: الدعابة يعني المزاح.
وفيه ثلاث لغاتٍ: المزاحة، والمزاح، والمزحُ.
وفي حديث آخر يروى عنه - ﷺ- أنه قال: "إني لأمزح وما أقول إلا حقًا".
وذلك فيما نرى مثل قوله: "اذهبوا بنا إلى فُلانٍ البصير نعوده" لرجل مكفوفٍ، أي البصير القلب.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
ومثل قوله للعجوز التي قالت: "ادع الله أن يدخلني الجنة" فقال: "إن الجنة لا يدخلها العُجُزُ" كأنه أراد قول الله - ﷿-: "إن أنشأناهن إنشاءً، فجعلناهن أبكارًا؛ عربًا أترابًا".
يقول: فإذا صارت إلى الجنة فليست بعجوزٍ حينئذ.
ومنه قوله لابن أبي طلحة، وكان له نُغرٌ فمات، فجعل يقول له: "ما فعل النغير يا أبا عمير".
هذا وما أشبه المزاح، وهو حق كله.
وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النغير: إنه أحل صيد المدينة وقد حرمها، فكأنه إنما حرم الشجر أن تُعضد، ولم يُحرم الطير كما حرم طير مكة.
[ ٣ / ٣٤١ ]
قال "أبو عبيدٍ": وقد يكون وجهُ هذا الحديث أن يكون الطائر إنما أدخل من خارج المدينة إلى المدينة، فلم يُنكره لهذا.
قال "أبو عبيد": ولا أُرى هذا إلا وجه الحديث.
ومما يبين لك أن الدعابة المزاح، قوله لجابر بن عبد الله حين قال له: "أبكرًا تزوجت أم ثيبًا"؟
فقال: بل ثيبًا.
قال: "فهلا بكرًا تُداعبها وتداعبك".
وبعضهم يقول: "تلاعبها وتلاعبك".
[ ٣ / ٣٤٢ ]
قال "اليزيدي": يُقال من الدعابة: هذا رجل دعابة.
وقال بعضهم: دعبٌ.
وكان "اليزيدي" يقول: إنما هو المزاح، وينكر ما سواها.
قال "أبو عبيدٍ": وإنما المزاح عندنا مصدر مازحته ممازحةً ومزاحًا.
فأما مصدر مزحت فكما قال أولئك مزاحًا.
٤٨٤ - وقال "أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ-:
"إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار، وغابت الشمس فقد أفطر الصائم".
[قال]: حدثناه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن
[ ٣ / ٣٤٣ ]
"أبيه" عن "عاصم بن عمر" عن "عُمر [بن الخطاب﵁-] عن النبي - ﷺ-:
وفي [٣١٥] هذا الحديث من الفقه أن الصائم إن أكل أولم يأكل فهو مفطرٌ: هذا يرد قول المواصلين، يقول: ليس للمواصل فضلٌ على الآكل؛ لأن الصيام لا يكون بالليل، فهو يفطر على كل حال أكل أو ترك.
٤٨٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-:
"صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابٌ، أو ظلمةٌ، أو هبوةٌ، فأكملوا العدة، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا، ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان" حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنا
[ ٣ / ٣٤٤ ]
"ابن أبي عدي" عن "حاتم بن أبي صغيرة" عن "سماك بن حرب" عن "عكرمة" عن "ابن عباس" عن النبي - ﷺ-:
قوله: الهبوة: يعني الغبرة تحولُ دون رؤية الهلال، وكل غبرة هبوةٌ.
ويقال لدقاق التراب إذا ارتفع قد هبا يهبو هبوًا، فهو هابٍ.
وكان "الكسائي" يُنشد هذه الأبيات، قال "الكسائي": أنشدني أشياخٌ من بني تميم يروونها عن أشياخهم عن "هوبر الحارثي":
ألا هل أتى التيم بن عبد مناةٍ على الشيء فيما بيننا ابن تميم
بمصرعنا النعمان يوم تألبت علينا تميمٌ من شطًا وصميم
تزود منا بين أذناه ضربةً دعته إلى هابي التراب عقيم
فقال: هابي [التراب] يعني ما ارتفع من التراب، ودق.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
وقوله: بين أذناه: هي لغة "بلحارث بن كعبٍ" يقولون: رأيت رجلان.
وقول النبي - ﷺ- "لا تستقبلوا الشهر استقبالًا": يقول؛ لا تقدموا رمضان بصيامٍ قبله، وهو قوله: "ولا تصلوا رمضان بيوم من شعبان".
قال: وسمعت "محمد بن الحسن" يقول في هذا: إنما كره التقدم قبل رمضان إذا كان يراد به رمضان، فأما إذا كان يراد به التطوع فلا بأس به.
قال "أبو عبيدٍ": وبيان هذا في حديث مرفوع.
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر" و"يزيد بن هارون" عن محمد بن عمرو" عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة" عن النبي [٣١٦]- ﷺ- قال:
[ ٣ / ٣٤٦ ]
"لا تقدموا رمضان بيومٍ ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم، فصوموا ثلاثين [يومًا] ثم أفطروا".
وفي هذا الحديث من الفقه قوله: "فإن غُم عليكم" فعدوا ثلاثين، فجعله لا يجزئهم على غير رؤيةٍ أقل من ثلاثين.
وفي هذا ما يبين لك أنه لا يجزئ في شيء تسعةٌ وعشرون إلا أن يكون ذلك على الرؤية.
وكذلك لو كان على رجلٍ صوم شهرٍ في نذر أو كفارة، فصام مع الرؤية وأفطر معها، وكان الشهر تسعًا وعشرين أجزأه، وإن اعترض الشهر لم يُجزه أقل من ثلاثين، فهذا وما أشبهه على ذا.
فحديث "أبي هريرة" أصل لكل شيءٍ من هذا الباب.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
٤٨٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-:
"صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم".
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "إبراهيم بن مهاجر" عن "مجاهدٍ" عن "قائد السائب" عن "السائب" عن "النبي" - ﷺ-:
[ ٣ / ٣٤٨ ]
قال "أبو عبيدٍ": وحدثني "ابن مهدي" أيضًا عن "محمد بن مسلم" عن "إبراهيم بن ميسرة" عن "مجاهد" عن "قيس بن السائب" عن "أبيه" قال: كان النبيﷺ- شريكي، فكان خير شريك لا يدارئ ولا يمارى".
وفي حديث "سفيان" قال "السائب" للنبي - ﷺ-: "كنت شريكي فكنت خير شريكٍ لا تدارئ ولا تمارى".
قوله: [- ﷺ-]: "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم": إنما معناه- والله أعلم- على التطوع خاصةً من غير علة من مرض ولا سواه.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
ولا تدخل الفريضة في هذا الحديث؛ لأن رجلًا لو صلى الفريضة قاعدًا أو نائمًا، وهو لا يقدر إلا على ذلك كانت صلاته تامةً مثل صلاة القائم- إن شاء الله-؛ لأنه من عذر.
وإن صلاها من غير عذرٍ قاعدًا أو نائمًا لم تجزه البتة، وعليه الإعادة، وهذا وجه الحديث.
وأما قوله: "كنت لا تدارئ ولا تمارى" [٣١٧].
فإن المدارأة هاهنا مهموزة من دارأت، وهي المشاغبة والمخالفة على صاحبك، ومنها قول الله [-﷿-]. "وإذا قتلتم نفسًا فادارأتم فيها" يعني اختلافهم في القتيل.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
ومن ذلك حديث "إبراهيم" أو "الشعبي" [شك أبو عبيد] في المختلعة إذا كان الدرء من قبلها، فلا بأس أن يأخذ منها.
والمحدثون يقولون: هذا الدرو بغير همز، وإنما هو الدرؤ يا هذا من درأت قال: إذا كان الدرء من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها، وإن كان من قبله فلا يأخذ.
يعني بالدرء: النشوز والإعوجاج والاختلاف.
وكل من دفعته عنك، فقد درأته، قال "أبو زبيدٍ" يرثي ابن أخته:
كان عني يرد درؤك بعد الليـ ـه شغب المستصعب المريد.
يعني دفعك.
[ ٣ / ٣٥١ ]
وفي حديث آخر أنه قال للنبي - ﷺ-: "كان لا يشارى ولا يمارى" فالمشاراة الملاجة، يقال للرجل: قد استشرى: إذا لج في الشيء، وهو شبيهٌ بالمدارأة.
وأما المداراة في حسن الخلق والمعاشرة مع الناس، فليس من هذا.
هذا غير مهموز وذاك مهموزٌ.
وزعم "الأحمر" أن مداراة الناس تُهمز ولا تُهمز.
قال "أبو عبيدٍ": والوجه عندنا ترك الهمز.
وهو مأخوذٌ من الدرية، وهو الشيء يستتر به الصائد.
٤٨٧ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي - ﷺ-:
"لا يدخل الجنة قتات".
[ ٣ / ٣٥٢ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثناه "أبو معاوية الضرير" عن "الأعمش" عن "إبراهيم" عن "همام بن الحارث" عن "حذيفة" عن "النبي" - ﷺ-:
قال "الكسائي" و"أبو زيدٍ" أو أحدهما: قوله: "قتاتٌ" يعني النمام.
يقال منه: فلانٌ يقت الأحاديث قتا، أي ينمها نما.
وقال "الأصمعي" في الذي ينمي الأحاديث هو مثل القتات إذا كان يبلغ هذا عن هذا على وجه الإفساد والنميمة.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
يقال منه: نميت- مشددةً- تنميةً.
قال: وإذا كان إنما ببلغُ على وجه [٣١٨] الإصلاح وطلب الخير قيل منه: نميت الحديث إلى فلانٍ مخففةً، فأنا أنميه.
قال "أبو عبيدٍ": ومنه حديث النبي - ﷺ-:
حدثناه "ابن علية" عن "معمرٍ" عن "الزهري" عن "حميد ابن عبد الرحمن بن عوف" عن "أمه أم كلثوم بنت عقبة"؛ عن "النبي"- ﷺ- قال: "ليس بالكاذب من أصلح بين الناس: فقال خيرًا ونمى خيرًا".
[ ٣ / ٣٥٤ ]
يعني: أبلغ ورفع، وكل شيءٍ رفعته فقد نميته، ومنه قول النابغة:
فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له وانم القتود على عيرانة أُجد.
ولهذا قيل: نمى الخضاب في اليد والشعر إنما هو ارتفع وعلا، فهو ينمي. وزعم بعض الناس أن ينمو لغةٌ.
قال "أبو عبيدٍ": وبلغني عن "سفيان بن عيينة" أنه قال: "لو أن رجلًا اعتذر إلى رجل فحرف الكلام وحسنه ليرضيه بذلك لم يكن كاذبًا".
يتأول الحديث: "ليس بالكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرًا ونمى خيرًا" قال: فإصلاحه ما بينه وبين صاحبه أفضل من إصلاحه ما بين الناس.
٤٨٨ - وقال "أبو عبيد" في حديث "النبي"- ﷺ- "أنه نهى عن كسب الزمارة".
[ ٣ / ٣٥٥ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "حجاجٌ" عن "حماد بن سلمة" عن "هشام بن حسان" و"حبيب بن الشهيد" عن "ابن سيرين" عن "أبي هريرة" عن "النبي" - ﷺ-: قال "الحجاج": الزمارة: الزانية.
قال "أبو عبيدٍ": فمعناه مثل قوله: "أنه نهى عن مهر البغي" والتفسير في الحديث.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
ولم أسمع هذا الحرف إلا فيه، ولا أدري من أي شيءٍ أُخذ.
قال "أبو عبيد": وقال بعضهم: هي الرمازة.
وهذا عندي خطأ في هذا الموضع.
إنما الرمازة في حديث آخر، وذلك أن معناها مأخوذٌ من الرمز، وهي التي تومئ بشفتيها أو بعينيها [٣١٩] فأي كسب لها ها هنا ينهى عنه.
ولا وجه للحرف إلا ما قال "الحجاج": زمارة، وهو عندنا أثبت ممن خالفه إنما نهى رسول الله - صلى الله علهي وسلم- عن كسب الزانية، وبه نزل القرآن في قوله: "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردنا تحصنًا: لتبتغوا عرض الحياة الدنيا". فهذا العرض
[ ٣ / ٣٥٧ ]
هو الكسبُ، وهو مهر البغي الذي جاء فيه النهي، وهو كسب الأمة، كانوا يُكرهون فتياتهم على البغاء، ويأكلون كسبهن حتى أنزل الله [- ﵎-] في ذلك النهي.
قال "أبو عبيدٍ": حدثني "يحيى بن سعيد" عن "الأعمش" عن "أبي سفيان" عن "جابر". قال: كانت أمةٌ "لعبد الله بن أُبي" وكان يُكرهها على الزنا، فنزلت: "ولا تُكرهوا فتياتكم على
[ ٣ / ٣٥٨ ]
البغاء إن أردن تحصنًا؛ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفورٌ رحيمٌ".
قال "أبو عبيدٍ" المغفرة لهن لا للمولى.
قال "أبو عبيدٍ": وحدثني "إسحاق الأزرق" عن "عوف" عن "الحسن" في هذه الآية قال: لهن والله. لهن والله.
٤٨٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "لا ترفع عصاك عن أهلك".
قال "الكسائي" وغيره؛ يقال: إنه لم يرد [بها] العصا التي يُضرب بها، ولا أمر أحدًا قط بذلك، ولكنه أراد الأدب.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
قال "ابو عبيدٍ": وأصل العصا الاجتماع والائتلاف، ومنه قيل للخوارج: قد شقوا عصا المسلمين، أي فرقوا جماعتهم.
وكذلك قول "صلة بن أشيم" "لأبي السليل": "إياك وقتيل العصا".
يقول: إياك أن تكون قاتلًا أو مقتولًا في شق عصا المسلمين.
ومنه قيل للرجل إذا أقام بالمكان واطمأن به واجتمع إليه أمره: قد ألقى عصاه.
وقال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينًا بالإياب المسافر
وكذلك يقال: ألقى أرواقه وألقى بوانيه، فكأن وجه الحديث [٣٢٠] أنه أراد بقوله: "لا ترفع عصاك عن أهلك" أي امنعهم من الفساد والاختلاف وأدبهم.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
وقد يقال للرجل إذا كان رفيقًا حسن السياسة لما ولى: إنه للين العصا.
قال "معن بن أوس المزني":
عليه شريبٌ وادع لين العصا يساجلها جماته وتساجله
ذكر ماءً وإبلًا ورجلًا يقوم عليها، فقال هذا.
٤٩٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "أنه لم يشبع من خبز ولحمٍ إلا على ضفف".
[ ٣ / ٣٦١ ]
وبعضهم يقول: شظف.
قال "أبو عبيدٍ": حدثنيه "محمد بن كثير" عن "عبد الله بن شوذبٍ" عن "مالك بن دينار" عن "الحسن" عن النبيﷺ- إلا أن "ابن كثيرٍ" قال: "ضفف".
قال "أبو زيدٍ": يقال في الضفف والشظف جميعًا: إنهما الضيق والشدة، يقول: لم يشبع إلا بضيق وقلة. وقال ابن الرقاع:
ولقد أصبتُ من المعيشة لذة ولقيت في شظف الأمور شدادها
ويقال في الضفف قول آخر.
قالوا: هو اجتماع الناس، يقول: لم يأكل وحده، ولكن مع الناس.
قال "الأصمعي": يقال: هذا ماءٌ مضفوفٌ، وهو الذي قد كثر عليه الناس.
قال "أبو عبيدٍ" قال الشاعر:
* لا يستقي في النزح المضفوف*
* إلا مداراة القروب الجوف*
[ ٣ / ٣٦٢ ]
فالنزح: الماء القليل. والقروب: الدلاء التي يستقى بها على الإبل، والجوف: العظام الأجواف.
قال "الأصمعي": ويقال أيضًا: ماءٌ مشفوهٌ: إذا كثر عليه الناس.
وماءٌ مثمودٌ كذلك أيضًا إذا كثروا عليه حتى ينفذوه إلا أقله.
ومنه قيل: رجلٌ مثمودٌ: إذا أكثر النكاح حتى يُنزف.
٤٩١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "بلوا أرحامكم ولو بالسلام".
حدثنا "أبو عبيدٍ" قال: حدثناه "الفزاري مروان بن معاويةً" عن "مجمع بن يحيى الأنصاري" عن من حدثه، يرفعه.
قال "أبو عمرو" وغيره: يُقال: بللت رحمي أبُلها بلًا وبلالًا: إذا وصلتها ونديتها بالصلة.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وإنما شُبهت [٣٢١] قطيعة الرحم بالحرارة تطفأ بالبرد، كما قالوا:
سقيته شربةً بردت بها عطشه. قال "الأعشى":
أما لطالب نعمةٍ تممتها ووصال رحمٍ قد بردت بلالها
وفي هذا الحديث من العلم أنه جعل السلام صلةً، وإن لم يكن بر غيره.
٤٩٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
[ ٣ / ٣٦٤ ]
[قال]: حدثنا [هـ]: "إسماعيل بن جعفر" عن "العلاء ابن عبد الرحمن" عن "ابيه" عن "أبي هريرة" عن النبيﷺ-.
قال "الكسائي" وغيره: بوائقه: غوائله وشره.
يقال للداهية والبلية تنزل بالقوم: قد أصابتهم بائقةٌ.
ومنه حديثه الآخر في الدعاء:
"أعوذ بك من بوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام".
قال "الكسائي": ويقال [منه]: باقتهم البائقة، فهي تبوقهم بوقًا.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
ومثله: فقرتهم الفاقرة، وصلتهم الصالة بمعناها.
[قال]: ويقال: رجلٌ صل إذا كان داهيةً منكرًا شبه بالحية.
٤٩٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "خير المال سكةٌ مأبورةٌ وفرسٌ مأمورةٌ".
وبعضهم يقول: "مهرةٌ مأمورةٌ".
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثني غيرُ واحدٍ عن "أبي نعامة العدوي عمرو بن عيسى"، عن "مسلم بن بديلٍ"، عن "إياس بن زهيرٍ" عن "سويد بن هبيرة" عن النبي - ﷺ.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
أما قوله: سكةٌ مأبورةٌ، فيقال: هي الطريقة المستوية المصطفة من النخل.
ويقال: إنما سميت الأزقة سككًا لاصطفاف الدور فيها كطرائق النخل.
وأما المأبورة: فإنها التي قد لُقحت.
يقال: أبرتُ النخل فأنا أبرها أبرًا، وهي نخلٌ مأبورةٌ.
ومنه الحديث المرفوع: "من باع نخلًا قد أُبرت- ويقال: قد أُبرت- فثمرها للبائع إلا أن يشترط المبتاع".
[ ٣ / ٣٦٧ ]
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنا [٣٢٢] "ابن علية" عن "ابن جريجٍ" عن "الزهري" عن "سالمٍ" عن "أبيه" عن النبي - ﷺ.
ويقال أيضًا: ابإيتبرت غيري إذا سألته أن يأبر لك نخلك، وكذلك الزرع. قال "طرفة":
ولي الأصل الذي في مثله يُصلح الآبر زرع المؤتبر
فالآبر: العامل، والمؤتبر: رب الزرع، والمأبور: الزرع والنخل الذي قد لُقح.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وأما الفرس أو المُهرة المأمورة، فإنها الكثيرة النتاج، وفيها لغتان. يقال: أمرها الله فهي مأمورةٌ، وآمرها ممدودة- فهي مؤمرةٌ.
وقد قرأ بعضهم: "وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها" غير ممدودة فقد يكون هذا من الأمر، يُروى عن "الحسن" أنه فسرها: أمرناهم بالطاعة فعصوا.
وقد يكون أمرنا بمعنى أكثرنا، وعلى هذا قال: فرسٌ مأمورةٌ.
ومن قرأ: "آمرنا" فمدها، فليس معناها إلا أكثرنا.
ومن قرأ: "أمرنا" - مشددة- فهو من التسليط، يقول: سلطنا
[ ٣ / ٣٦٩ ]
ويقال في الكلام: قد أمر القوم يأمرون: إذا كثروا، وهو من قوله: فرسٌ مأمورةٌ.
٤٩٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث النبي - ﷺ-: "قلدوا الخيل، ولا تقلدوها الأوتار".
[ ٣ / ٣٧٠ ]
قال: بلغني عن "النضر بن شُميلٍ" أنه قال: عُرضت الخيلُ على "عبيد الله بن زياد" فمرت به خيل "بني مازن" فقال "عبيد الله": إن هذه لخيلٌ.
قال: والأحنف [بن قيس] جالسٌ، فقال: إنها لخيلٌ لو كانوا يضربونها على الأوتار. فقال "فلان بن مشجعة المازني" قال: لا أعلمه إلا قال "خيثمة".
قال: وبعض الناس يقول: هذا الذي رد على الأحنف "فلان ابن الهلقم": "أما يوم قتلوا أباك، فقد ضربوها على الأوتار".
قال: "لم يُسمع للأحنف سقطةٌ غيرها".
فمعنى الأوتار ها هنا الذحول. يقول: لا يطلبون عليها [٣٢٣] الوتر الذي وتروا به في الجاهلية.
[ ٣ / ٣٧١ ]
قال "أبو عبيدٍ": وهذا معنىً يذهب إليه بعض الناس: أن النبي - ﷺ- أراد ألا يطلبوا عليها الذحول.
وغير هذا الوجه أشبه عندي بالصواب.
قال "أبو عبيد": سمعت "محمد بن الحسن" يقول: إنما معناه: أوتار القسي كانوا يقلدونها تلك، فتختنق، فقال: لا تقلدوها بها.
ومما يُصدق ذلك حديث "هُشيم" عن "أبي بشر" عن "سليمان اليشكري" عن "جابر" أن النبي - ﷺ-: "أمر أن تقطع الأوتار من أعناق الخيل".
[ ٣ / ٣٧٢ ]
قال: "أبو عبيدٍ": وبلغني عن "مالك [بن أنس] " أنه قال: إنما كان يُفعل بها ذلك مخافة العين عليها.
قال "أبو عبيد": حدثنيه عنه "أبو المنذر الواسطي" يعني أن الناس كانوا يقلدونها؛ لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي - ﷺ- بقطعها يعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله - ﷿- شيئًا.
وهذا شبيه بما يُكره من التمائم.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
٤٩٥ - وقال "أبو عبيد" في حديث النبي - ﷺ-: "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ولا يبيع على بيع أخيه".
[ ٣ / ٣٧٤ ]
حدثنا "أبو عبيدٍ": قال: حدثنيه "يحي بن سعيد القطان"، عن "عبيد الله"، عن "نافعٍ"، عن "ابن عمر"، عن النبيﷺ.
قال "أبو عبيدٍ": وحدثناه "إسماعيل بن جعفر"، عن "محمد بن عمرو"، عن "أبي سلمة" عن "أبي هريرة"، عن النبي - ﷺ- بمثله أو نحوه.
قال "أبو عبيدٍ": كان "أبو عبيدة" و"أبو زيد" وغيرهما من أهل العلم، يقولون: إنما النهي في قوله: "لا يبع على بيع أخيه" إنما هو لا يشترى على شراء أخيه، فإنما وقع النهي على المشتري لا على البائع؛ لأن العرب تقول: بعتُ الشيء بمعنى اشتريته.
قال "أبو عبيدٍ": وليس للحديث عندي وجهٌ غير هذا؛ لأن البائع لا يكاد يدخل [٣٢٤] على البائع. هذا قليلٌ في معاملة الناس
[ ٣ / ٣٧٥ ]
وإنما المعروف أن يُعطي الرجلُ الرجلَ بسلعته شيئًا، فيجيء مشترٍ آخر، فيزيد عليه ومما يبين ذلك ما تكلم الناس فيه من بيع من يزيدُ حتى خافوا كراهته. فقال: كانوا يتبايعونه في مغازيهم، فقد عُلم أنه في بيع من يزيدُ، إنما يدخل المشترون بعضهم على بعضٍ، فهذا يبين لك أنهم إنما طلبوا الرخصة فيه؛ لأن الأصل إنما هو على المشترين.
قال "أبو عبيدٍ": وقد حدثني "علي بن عاصمٍ" عن "أخضر بن عجلان" عن "أبي بكر الحنفي" عن "أنس [بن مالك] " أن
[ ٣ / ٣٧٦ ]
النبي - ﷺ- "باع قدح رجل وحلسه فيمن يزيد" فإنما المعنى ها هنا للمشترين أيضًا.
ومثله أنه نهى عن الخطبة كما نهى عن البيع.
فقد علمنا أن الخاطب إنما هو طالبٌ بمنزلة المشتري.
فإنما وقع النهي على الطالبين دون المطلوب إليهم.
وقد جاء في أشعار العرب أن قالوا للمشتري بائعٌ، قال: أخبرني "الأصمعي" أن "جرير بن الخطفي" كان يُنشد "لطرفة بن العبد":
غدٌ ما غدٌ ما أقرب اليوم من غدِ
ويأتيك بالأنباء من لم تبع له بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد
[ ٣ / ٣٧٧ ]
قوله: لم تبع له: لم تشتر له.
وقال "الحطيئة":
وباع بنيه بعضهم بخشارة وبعت لذبيان العلاء بمالكا
قوله:
* وباع بنيه بعضهم بخشارة*
هو من البيع يذمه به.
وقوله:
* وبعت لذبيان العلاء بمالكا*
[ ٣ / ٣٧٨ ]
يقول: اشتريت لقومك العلاء أي الشرف بمالك.
قال: وبلغني عن "مالك بن أنس" أنه قال: إنما نُهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إذا كان كل واحد من الفريقين قد رضي بصاحبه وركن إليه، فأما قبل الرضا فلا بأس أن يخطبها من شاء.
٤٩٦ - وقال "أبو عبيدٍ" [٣٢٥] في حديث النبي - ﷺ-: أنه قال ذات غداة: [إنه] أتاني الليلة آتيان فابتعثاني، فانطلقت معهما، فأتيا على رجلٍ مضطجع، وإذا رجلٌ قائمٌ عليه بصخرةٍ وإذا هو يهوي بالصخرة فيثلغ [بها] رأسه، فتدهدى الصخرة.
قال: "ثم انطلقنا فأتينا على رجلٍ مستلقٍ، وإذا رجلٌ قائمٌ عليه بكلوبٍ، وغذا هو يأتي أحد شقي وجهه، فيشر شرٌ شدقه إلى قفاه".
"ثم انطلقنا فأتينا على مثل بناء التنور فيه رجالٌ ونساءٌ يأتيهم لهب من أسفل، فإذا أتاهم اللهب ضوضوا".
[ ٣ / ٣٧٩ ]
فانطلقنا، وانتهينا إلى دوحة عظيمة، فقالا لي: ارق فيها، فارتقينا، فإذا نحن بمدينة مبنية بلبن ذهبٍ وفضةٍ فسما بصري صُعدًا، فإذا قصرٌ مثل الربابة البيضاء".
قال "أبو عبيدٍ": يروى ذلك عن "عوفٍ" عن "أبي رجاء" عن "سمرة بن جُندبٍ" عن النبي - ﷺ-.
أما قوله: "رجلٌ مضطجعٌ ورجلٌ يهوي بصخرة فيثلغ بها رأسه"، فإنه يعني يشدخه.
يقال: ثلغت رأسه أثلغه ثلغًا إذا شدخته.
وقوله: "فيتدهدى الحجر" يعني يتدحرج.
يقال: تدهدى الحجر وغيره تدهديًا: إذا تدحرج.
ودهديته أنا أدهديه دهداةً ودهداءً: إذا دحرجته.
قال: "الكسائي": وقوله: "كلوبٌ من حديد": هو الكلاب، وهما لغتان: كلوبٌ وكلابٌ، والجمع منهما: كلاليب.
وقوله: "يُشرشر شدقه إلى قفاه": يعني يشققه ويقطعه.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
قال: "أبو زبيد الطائي" يصف الأسد:
يظل مغبًا عنده من فرائس رفات عظامٍ أو غريضٌ مشرشر
وقوله: "فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا يعني ضجوا وصاحوا، والمصدر منه الضوضاة غير مهموز.
وأما الدوحة: فالشجرة العظيمة من أي شجرٍ كان.
وأما قوله: "مثل الربابة البيضاء" فإنها السحابة التي قد ركب بعضها بعضًا، وجمعها ربابٌ. وبه سميت المرأة الرباب، وقال الشاعر [٣٢٦]:
سقى دار هندٍ حيث حلت بها النوى مسف الذرى دانى الرباب ثخين
وأما الربابة - بكسر الراء- فإنها شبيهةٌ بالكنانة يكون فيها السهام قال "أبو ذؤيب" يصف الحمار والأُتن:
وكأنهن ربابةٌ وكأنه يسرٌ يُفيض على القداح ويصدع
قال: وبعض الناس يقول: الربابة: خرقةٌ أو جلدةٌ يجعل فيها القداح شبه الوعاء لها.
[ ٣ / ٣٨١ ]
٤٩٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ-:
"إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفق، ولا تُبغض إلى نفسك عبادة الله [﵎] فإن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى".
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه: أبو معاوية الضرير عن محمد بن سوقة، عن محمد بن المنكدر رفعه.
وغير أبي معاوية لا يرفعه.
[قال أبو عبيد]: قال الأصمعي وغيره: قوله: "فأوغل فيه برفقٍ" الإيغال: السير الشديد والإمعان فيه. يقال منه: أوغلت أوغِلُ إيغالًا.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
قال أبو عبيد قال "الأعشى" يذكر الناقة:
تقطع الأمعز المكوكب وخدًا بنواجٍ سريعة الإيغال
وأما الوغول: فإنه الدخول في الشيء، وإن لم يبعد فيه، وكل داخلٍ فهو واغلٌ [ووغلٌ].
يقال منه: وغلتُ أغلُ وغلًا ووغولًا.
ولهذا قيل للداخل على الشرب من غير أن يُدعى: واغِلٌ ووغلٌ.
وأما قوله: "فإن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى": فإن الذي يُغذ السير ويتعب [نفسه] بلا فتور حتى تعطب دابته، فيبقى منبتًا منقطعًا به لم يقض سفره، وقد أعطب ظهره، فشبهه بالمجتهد في العبادة حتى يحسر.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
ومن هذا حديث "سلمان" [- ﵀-]: "وشر السير الحقحقة" وقد قاله "مطرف بن الشخير" لابنه.
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه "ابن علية"، عن "إسحاق ابن سويدٍ" قال: تعبد "عبد الله بن مطرف" فقال له "مُطرفٌ": يا عبد الله: [٣٢٧] العلمُ أفضلُ من العمل، والحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة".
أما قوله: "الحسنة بين السيئتين": فإنه أراد أن الغلو في العمل سيئةٌ، والتقصير عنه سيئةٌ، والحسنة بينهما، وهو القصد، كما جاء في الحديث الآخر في فضل قارئ القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه، فالغلو فيه التعمق، والجفاء عنه التقصير، وكلاهما
[ ٣ / ٣٨٤ ]
سيئةٌ، ومما يبين ذلك قول الله - ﵎-: "ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط".
وكذلك قوله: "لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا".
ومما يشبه هذا الحديث قول "تميم الداري": حدثنا أبو عبيدٍ قال: حدثنا "عبد الله بن المبارك"، عن "الجريري" عن - "أبي العلاء" قال: قال "تميم الداري": "خذ من دينك لنفسك ومن نفسك لدينك؛ حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها".
وكان "إسماعيل بن علية" يحدثه عن "الجريري"، عن رجل عن "تميم [الداري] "، ولا يذكر "أبا العلاء".
ومثل ذلك حديث يروى عن "بريدة الأسلمي" عن النبي
[ ٣ / ٣٨٥ ]
- ﷺ- أنه قال: "من يشاد هذا الدين يغلبه".
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثنيه "يزيد" و"إسماعيل" جميعًا عن "عيينة بن عبد الرحمن" عن "أبيه" عن "بريدة" قال: "بينما أنا ماشٍ في طريق إذ أنا برجلٍ خلفي، فالتفت، فإذا رسول الله - ﷺ- فأخذ بيدي، فانطلقنا، فإذا نحن برجلٍ يصلي يكثر الركوع والسجود. قال: فقال لي: يا بريدة! أتراه يرائي؟ ثم أرسل يده من يدي، وجمع يديه [جميعًا] وجعل يقول: "عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا؛ إنه من يشاد هذا الدين يغلبه".
[ ٣ / ٣٨٦ ]
٤٩٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ-:
"يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى [٣٢٨] في النار، فتندلق أقتابُ بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيقال: مالك؟ فيقول: إني كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".
[ ٣ / ٣٨٧ ]
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "شقيق" عن "أسامة بن زيد" عن النبي - ﷺ.
قال الأصمعي، و"الكسائي": الأقتاب: الأمعاء.
[قال الكسائي]: واحدها قتبٌ.
وقال الأصمعي: واحدها قتبةٌ.
[قال]: وبها سمي الرجل قتيبة وهو تصغيرها.
وقال أبو عبيدة: القتب: ما تحوي من البطن يعني استدار، وهو الحوايا.
قال: وأما الأمعاء فإنها الأقصاب واحدها قصبٌ.
قال أبو عبيد: وأما قوله: "فتندلق أقتاب بطنه" فإن الاندلاق
[ ٣ / ٣٨٨ ]
خروج الشيء من مكانه سلسًا سهلًا، وكل شيءٍ ندر خارجًا، فقد اندلق، ومنه قيل للسيف: قد اندلق من جفنه: إذا شقه حتى يخرج منه. ويقال للخيل: قد اندلقت: إذا خرجت فأسرعت السير، قال "طرفة":
دُلقٌ في غارةٍ مسفوحةٍ كرعال الطير أسرابًا تمر
٤٩٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-:
[ ٣ / ٣٨٩ ]
"أنه ادهن بزيتٍ غير مقتتٍ وهو محرمٌ".
حدثنا أبو عبيد قال: حدثنيه "محمد بن كثير"، عن "حماد بن سلمة"، عن "فرقد السبخي"، عن "الحسن"، أو سعيد بن جبير، عن "بن عمر"، عن النبي - ﷺ-.
[قال أبو عبيد]: قوله: "غير مقتت" يعني غير مُطيب. والمقتت: هو الذي فيه الرياحين يُطبخ بها الزيت حتى يطيب ويتعالج منه للرياح.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
فمعنى الحديث أنه ادهن بالزيت بحتًا لا يخالطه شيء.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه كره الريحان أن يشمه المحرم.
٥٠٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ:
"ألا إن التبين من الله، والعجلة من الشيطان، فتبينوا".
قال الكسائي وغيره [٣٢٩]: التبين مثل التثبت في الأمور والتأني فيها.
وقد روى عن عبد الله بن مسعود: أنه كان يقرأ: "إذا ضربتم في سبيل الله فتثبتوا"، وبعضهم: "فتبينوا" والمعنى بعضه قريبٌ
[ ٣ / ٣٩١ ]
من بعض.
وأما البيان فإنه من الفهم وذكاء القلب مع اللين.
ومنه الحديث المرفوع: إن من البيان سحرًا.
وذلك أن قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم قدموا على النبيﷺ- فسأل النبي - ﷺ- عمرًا عن الزبرقان [بن بدر] فأثنى عليه خيرًا، فلم يرض
[ ٣ / ٣٩٢ ]
الزبرقان بذلك، وقال: والله يا رسول الله إنه ليعلم أنه أفضل مما قال، ولكنه حسدني [علي] مكاني منك، فأثنى عليه عمروٌ شرًا، ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبتُ عليه في الأولى ولا في الآخرة، ولكنه أرضاني، فقلت بالرضا، ثم أسخطني فقلت بالسخط.
فقال رسول الله - ﷺ-: "إن من البيان سحرًا" فكأن المعنى- والله أعلم- أنه يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه، حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه، فيصدق فيه، حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه قد سحر السامعين بذلك، فهذا وجه قوله: "إن من البيان سحرًا".
قال أبو عبيد: هو من حديث عباد بن عباد المهلبي، عن محمد بن الزبير [الحنظلي].
قال: وحدثني أبو عبد الله الفزاري، عن مالك بن دينار، قال:
[ ٣ / ٣٩٣ ]
ما رأيت أحدًا أبين من الحجاج إن كان ليرقى المنبر، فيذكر إحسانه إلى أهل العراق، وصفحه عنهم، وإساءتهم إليه، حتى أقول في نفسي: والله إني لأحسبه صادقًا، وإني لأظنهم ظالمين له.
٥٠١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: أن رجلًا أتاه، فشكا إليه الجوع، فأُتي النبي - ﷺ- بشاةٍ مصلية، فأطعمه منها.
حدثنا أبو عبيد قال: "حدثناه خلفُ بن خليفة"، "عن ليثٍ"، عن "مجاهد"، و"إبراهيم" إلا أنه قال:
قال أحدهما [أُتي] بشاة مصلية، وقال الآخر: بقصعةٍ من ثريدٍ.
قال الكسائي وغير واحد [٣٣٠] قوله: مصلية يعني: مشوية.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
يقال منه: صليت اللحم وغيره: إذا شويته. فأنا أصليه صليًا مثال: رميته أرميه رميًا: إذا فعلت ذلك وأنت تريد أن تشويه. فإن ألقيته فيها إلقاءً كأنك تريد الإحراق قلت: أصليته بالألف.
إصلاءً.
وكذلك: صليته أصليه تصليةً، قال الله - ﵎-: "ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا، فسوف نصليه نارًا".
وروي عن علي [كرم الله وجهه] أنه كان يقرأ: "ويصلى سعيرًا".
وكان الكسائي يقرأ به، فهذا ليس من الشي إنما هو من إلقائك إياه فيها، قال أبو زبيد الطائي:
[ ٣ / ٣٩٥ ]
فقد تصليت حر حربهم كما تصلى المقرور من قرس
يعني البرد.
يقال: قد صليت بالأمر فأنا أصلى به إذا قاسى حره وشدته.
ويقال في غير هذا المعنى: صليت لفلانٍ بالتخفيف، وذلك إذا عملت له في أمرٍ تريد أن تمحل به [فيه] وتوقعه في هلكةٍ، والأصل من هذا المصالي، وهي شبيهٌ بالشرك يُنصبُ للطير وغيرها.
وقد روي في حديثٍ من حديثِ أهل الشام: "أن للشياطين
[ ٣ / ٣٩٦ ]
مصالى وفخوخًا" يعني ما يصيد به الناس، وهو من هذا وليس- من الأول.
٥٠٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- في السنة في الرأس والجسد قال: "قص الشارب، والسواك، والاستنشاق، والمضمضة، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، والختان، والاستنجاء بالأحجار، والاستحداد"، وفي بعض الحديث "وانتقاص الماء".
[ ٣ / ٣٩٧ ]
فأما الاستحداد، فإنه حلق العانة.
ومن ذلك قولهﷺ- حين قدم من سفر، فأراد الناس أن يطرقوا النساء ليلًا، فقال:
"أمهلوا حتى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة".
حدثنا "أبو عبيد" قال: حدثناه هشيمٌ عن سيار، عن الشعبي عن جابر بن عبد الله [٣٣١]، عن النبي - ﷺ.
وفي آخر هذا الحديث حرفٌ لا أحفظه عن هشيم. قال أبو عبيد:
[ ٣ / ٣٩٨ ]
حدثنيه إسحاق بن عيسى عنه أنه قال: "فإذا قدمتم فالكيس الكيس.
قال أبو عبيد: فكأنه ذهب به إلى طلب الولد والنكاح.
ونرى أن أصل الاستحداد- والله أعلم- إنما هو الاستفعال من الحديدة، يعني الاستحلاق بها، وذلك أن القوم لم يكونوا يعرفون النورة.
وأما إحداد المرأة على زوجها فمن غير هذا، إنما هو ترك الزينة، والخضاب. فنراه مأخوذًا من المنع؛ لأنها قد منعت من ذلك.
ومنه قيل للرجال المحارف محدودٌ؛ لأنه ممنوع من الرزق؛ ولهذا قيل للبواب حدادٌ؛ لأنه يمنع الناس من الدخول، قال "الأعشى":
فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونةٍ عند حدادها
[ ٣ / ٣٩٩ ]
يعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. والجونة: خابية الخمر.
وفي إحداد المرأة لغتان:
يقال: حدت على زوجها تَحُد وتَحِدُّ حدادًا.
وأحدت تُحِدُّ إحدادًا.
وأما قوله: "وانتقاص الماء" فإنا نُراه غسل الذكر بالماء، وذلك أنه إذا غُسل الذكر بالماء ارتد البول، ولم ينزل، وإن لم يُغسل نزل منه الشيء حتى يُستبرى.
قال أبو عبيد: وليس معنى الحديث أنه سمى البول ماءً، ولكنه أراد انتقاص البول بالماء إذا غُسل به.
٥٠٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ
[ ٣ / ٤٠٠ ]
أن قومًا مروا بشجرة فأكلوا منها، فكأنما مرت بهم ريحٌ فأخمدتهم، فقال النبي - ﷺ-: "قرِّصوا الماء في الشنان ثم صبوا عليهم فيما بين الأذانين". قال أبو عبيد: سمعت يزيد، يحدثه، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عثمان النهدي يرفعه.
قوله: قرِّسُوا يعني: بردوا، وفيه لغتان: القرس بفتح الراء، والقرس بجذمها، وقول الناس: قد قَرِسَ البردُ إنما هو من هذا بالسين ليس بالصاد.
وأما حديثه الآخر [٣٣٢] أن امرأةً سألته عن دم المحيض في الثوب، فقال النبي - ﷺ-: "قرِّصيه بالماء" فإن هذا
[ ٣ / ٤٠١ ]
بالصاد يقول: قطعيه به، وكل مقطع فهو مقرصٌ، يقال للمرأة: قد قرصت العجين إذا قطعته لتبسطه.
وأما قوله: "في الشنان" فإنها الأسقية [والقرب] الخلقان، يقال للسقاء شن وللقربة شنةٌ.
وإنما ذكر الشنان دون الجدد لأنها أشد تبريدًا.
وقوله: "بين الأذانين" يعني أذان الفجر والإقامة، فسمى الإقامة أذانًا وقد فسرنا هذا في غير هذا الموضع.
وفي هذا الحديث من الفقه أن هذا الفعل شبيهٌ بالنشرة، فجاءت فيه الرخصة عن النبي - ﷺ- في غير إصابة العين.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
٥٠٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "ماذا في الأمرين من الشفاء الصبر والثفاء".
يقال: إن الثفاء هو الحرف. والتفسير هو في الحديث، ولم نسمعه في غير هذا المكان.
وقد رويت أشياءٌ مثل هذا لم نسمعها في كلامهم ولا في أشعارهم إلا أن التفسير في الحديث.
منه قوله: "أنه نهى عن كسب الزمارة".
وتفسيره في الحديث: الزانية.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
ومنه حديث سالم بن عبد الله أنه مر به رجلٌ معه صيرٌ، فذاق منه ثم سأل عنه كيف تبيعه؟
تفسيره في الحديث أنه الصحناء.
وكذلك حديثه الآخر: "من اطلع من صير باب، ففقئت عينه فهي هدرٌ" فتفسيره في هذا الحديث أن الصير: الشق.
ومن ذلك حديث عمر [﵁] حين سأل المفقود الذي كانت الجن استهوته ما كان شرابهم؟ فقال: الجدف.
وتفسيره في الحديث أنه ما لا يغطى، ويقال: هو نباتٌ يكون بأرض اليمن لا يحتاج الذي يأكله إلى أن يشرب عليه الماء، وفي
[ ٣ / ٤٠٤ ]
مثل هذا أحاديثٌ كثيرةٌ.
٥٠٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "أنه احتجم على رأسه بقرن حين طُب".
حدثنا أبو عبيد قال: حدثاه "هُشيمٌ"، عن "حصين بن [٣٣٣] عبد الرحمن" عن "عبد الرحمن بن أبي ليلى" رفعه.
قوله: طُب يعني سُحِر.
يقال منه: رجلٌ مطبوبٌ.
ونرى أنه إنما قيل له مطبوبٌ؛ لأنه كُني بالطب عن السحر
[ ٣ / ٤٠٥ ]
كما كنوا عن اللديغ بالسليم، فقالوا: سليمٌ تطيروا إلى السلامة من اللدغ، وكما كنوا عن الفلاة وهي المهلكة التي لا ماء فيها، فقالوا: مفازةٌ تطيروا إلى الفوز من الهلاك.
وأصل الطب: الحذق بالأشياء، والمهارة بها، يقال للرجل: طب وطبيبٌ إذا كان كذلك، وإن كان في غير علاج المرض، قال عنترة:
إن تُغدفي دوني القناع فإنني طب بأخذ الفارس المستلئم
وقال علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني بصيرٌ بأدواء النساء طبيب
[ ٣ / ٤٠٦ ]
قوله: تسألوني بالنساء، يريد عن النساء.
ومنه قول [الله ﷿]: "فاسأل به خبيرًا".
وكذلك قول الناس: "أتينا فلانًا نسأل به" هو من هذا [أي نسأل عنه].
٥٠٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "الطيرة، والعيافة، والطرق من الجبت".
[ ٣ / ٤٠٧ ]
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه مروان الفزاري، وإسحاق الأزرق أو أحدهما عن عوفٍ، عن حيان، عن قطن بن قبيصة، عن قبيصة بن المخارق الهلالي، عن النبي - ﷺ.
قوله: "العيافة" يعني زجر الطير.
يُقال منه: عفتُ الطير أعيفها عيافةً.
ويقال في غير هذا: عافت الطيرُ تعيف عيفًا إذا كانت تحوم على الماء. وعاف الرجل الطعام يعافُه عيافًا، وذلك إذا كرهه.
وأما قوله في الطرق فإنه الضرب بالحصا، ومنه قول "لبيد":
لعمرُك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
[ ٣ / ٤٠٨ ]
وبعضهم يرويه: "الضوارب بالحصا"، ومعناهما واحد.
وأصل الطرق الضربُ، ومنه سُميت مطرقة الصانع والحداد؛ لأنه يطرق [بها ٣٣٤]- أي يضرب بها، وكذلك عصا النجاد التي يضرب بها الصوف.
والطرق أيضًا في غير هذا الموضع هو الماء الذي قد خوضته الإبل وبولت فيه، فهو طرقٌ ومطروقٌ.
ومنه حديث "إبراهيم" أنه قال: "الوضوء بالطرق أحب إلى من التيمم" وأما الطروق، فإنه من الطارق الذي يطرق ليلًا.
وأما الإطراق، فإنه يكون من السكوت، ويكون أيضًا من استرخاء في جفون العين.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
يقال منه: رجلٌ مطرقٌ، قال الشاعر في "عمر بن الخطاب"- ﵁- يرثيه:
وما كنت أخشى أن تكون وفاته بكفَّى سبنني أزرق العين مطرق
وأما التطارق، فإنه اتباع القوم بعضهم بعضًا.
يقال [منه]: قد تطارق القوم: إذا فعلوا ذلك.
ومنه قيل للترسة المجان المطرقة يعني قد أُطرقت بالجلود والعقب. أي ألبسته، وكذلك النعل المطرقة هي التي قد أُطبقت عليها أخرى.
[ ٣ / ٤١٠ ]
٥٠٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أنه "نهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. ونهى عن عقوق الأمهات ووأد البنات، ومنعٍ وهات" [قال أبو عبيد]: يُقال: إن قوله: "إضاعة المال" [أن] يكون في وجهين أما أحدهما وهو الأصل فما أنفق في معاصي الله - ﷿- وهو السرف الذي عابه الله [﵎] ونهى عنه فيما أخبرني به
[ ٣ / ٤١١ ]
"ابن مهدي" أن كل ما أنفق في غير طاعة الله [سبحانه] من قليل أو كثير فهو سرفٌ.
والوجه الآخر دفع المال إلى ربه وليس له بموضع، ألا تراه قد حصن أموال اليتامى، فقال [﵎]: "وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم، وأشهدوا عليهم".
قال أبو عبيد: حدثنا "جرير بن عبد الحميد"، عن "منصور"، عن "مجاهد"، في قوله: "فإن آنستم منه رشدًا" قال: العقل.
حدثنا [٣٣٥] أبو عبيد: قال: حدثنا "يزيد"، عن "هشام"، عن "الحسن" قال: صلاحًا في دينه وحفظًا لماله.
[ ٣ / ٤١٢ ]
قال أبو عبيد: هذا هو الأصل في الحجر على المفسد لماله، ألا تراه قد أمره بمنع اليتيم ماله، فهل يكون الحجر إلا هكذا؟ ومنه قوله [تعالى]: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا".
وكذلك قوله [سبحانه]: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وتدلوا بها إلى الحكام" فهذا كله وأشباهه فيما نهى الله [سبحانه] عنه ورسوله - ﷺ- من إضاعة المال.
وقوله: "وكثرة السؤال" فإنها مسألة الناس أموالهم، وقد يكون أيضًا من السؤال عن الأمور، وكثرة البحث عنها، كما قال [سبحانه]: "لا تسألوا عن أشياء إن تبُد لكم تسؤكم".
[ ٣ / ٤١٣ ]
وكما قال: "ولا تجسسوا".
وأما قوله: "ووأد البنات" فهو من المؤودة، وذلك أن الرجال كانوا يفعلون ذلك ببناتهم في الجاهلية، كان أحدهم ربما ولدت له البنت فيدفنها، وهي حيةٌ حين تولد، ولهذا كانوا يُسمون القبر صِهرًا أي [إني] قد زوجتها منه، قال الشاعر:
سميتها إذ ولدت تموت
والقبر صهرٌ ضامنٌ زميتُ
يا بنت شيخ ماله سُبروت
يقال: أرض سباريت، والواحدة سبروت، وهي الأرض التي لا شيء فيها.
[ ٣ / ٤١٤ ]
قال أبو عبيد، فهذا ما في الحديث من الفقه.
وفي قوله: "نهى عن قيل وقال" نحوٌ وعربيةٌ وذلك أنه جعل القال مصدرًا، ألا تراه يقول: عن قيلٍ وقالٍ، فكأنه قال: عن قيل وقول، يُقال على هذا: قلت قولًا وقيلًا وقالًا.
قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي، يقول في قراءة "عبد الله": "ذلك عيسى بن مريم قال الحق [الذي فيه تمترون] " فهذا من هذا، كأنه قال: قول الحق.
٥٠٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أنه نهى عن التبقر في الأهل [٣٣٦] والمال.
[ ٣ / ٤١٥ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "حجاج"، عن "شعبة"، عن "أبي التياح"، عن رجلٍ من طيئ، عن "ابن مسعودٍ"، عن النبي - ﷺ- وتفسيره في الحديث أن "ابن مسعود" رواه عن النبي - ﷺ- ثم قال: "فكيف بمالٍ براذان ومالٍ بكذا، ومالٍ بكذا، يُريد الكثرة والسعة.
قال الأصمعي: هو من هذا، وأصل التبقر: التوسع والتفتح.
[ ٣ / ٤١٦ ]
قال: ومنه قيل: بقرت بطنه إنما هو شققته وفتحته.
قال أبو عبيد: ومن هذا حديث "أبي موسى" حين أقبلت الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفان [﵁] فقال: "إن هذه الفتنة باقرةٌ كداء البطن لا يُدرى أنى يؤتى له".
إنما أراد أنها مفسدة للدين، ومفرقةٌ بين الناس، ومشتتةٌ أمورهم. وكذلك معنى الحديث الأول أنه إنما أراد النهي عن تفرق الأموال في البلاد فيتفرق القلب لذلك.
٥٠٩ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "إن أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر".
[ ٣ / ٤١٧ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه "يحيى بن سعيدٍ"، و"محمد بن عمر الواقدي"، عن "ثور بن يزيد"، عن "راشد بن مسعد".
قال يحيى: عن عبد الله بن لحىٍ.
وقال محمد: عن "عبد الله بن لحىً"، عن "عبد الله بن قُرطٍ"، عن النبي - ﷺ- قال أبو عبيد: هو عندنا لحىٌ- بالفتح- إلا أن تريد التصغير، فتقول: لحىٌ.
وقوله: "يوم القر" يعني الغد من يوم النحر، وإنما سُمي
[ ٣ / ٤١٨ ]
يوم القرِّ؛ لأن أهل الموسم يوم التروية وعرفة والنحر في تعب من الحج فإذا كان الغد من يوم النحر قروا بمنىً، فلهذا سُمي يوم القر، وهو معروفٌ من كلام أهل الحجاز.
قال أبو عبيد: وسألت عنه أبا عبيدة وأبا عمرو فلم يعراه، ولا الأصمعي فيما أعلم.
وفي الحديث أن رسول الله - ﷺ- أُتي ببدناتٍ [٣٣٧] خمسٍ أو ستٍ، فطفقن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، فلما وجبت لجنوبها، قال عبد الله بن قُرط: فتكلم رسول الله - ﷺ- بكلمة خفيةُ لم أفهمها أو قال: لم أفقهها، فسألت الذي يليه، فقال: قال: من شاء فليقتطع.
أما قوله: "يزدلفن إليه" فإنه من التقدم، وقال الله
[ ٣ / ٤١٩ ]
[﷿]: "وأزلفنا ثم الآخرين".
وفي هذا الحديث من الفقه أنه رخص في النهبة إذا كانت بإذن صاحبها وطيب نفسه؛ ألا تسمع إلى قوله: "من شاء فليقتطع" ففي هذا ما يبين لك أنه لا بأس بنهبة السكر في الأعراس، وقد كرهه عدةٌ من الفقهاء، وفي هذا رخصةٌ بينةٌ.
٥١٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه سئل عن بعيرٍ شرد، فرماه بعضهم بسهم حبسه الله به عليه، فقال النبي - ﷺ-: "إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش فما غلبكم منها، فاصنعوا به هكذا".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
قال أبو عبيد: حدثنيه "المبارك بن سعيدٍ"، عن أبيه، عن "عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج"، عن جده "رافع بن خديج"، عن النبي - ﷺ.
قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما دخل كلامُ بعضهم في بعض
[ ٣ / ٤٢١ ]
قالوا: قوله: "أوابد كأوابد الوحش" يعني بالأوابد: التي قد توحشت ونفرت من الإنس يقال منه: قد أبدت تأبُدُ وتأبِدُ أبودًا، وتأبدت تأبدًا.
ومنه قيل للدار إذا خلا منها أهلها، وخلفتهم الوحش بها: تأبدت، قال "لبيد":
عفت الديار محلها فمقامها بمنىً تأبد غولها فرجامها
وفي هذا الحديث أنه قيل: يا رسول الله إنا نلقى العدو غدًا، وليست لنا مُدىً، فبأي شيءٍ نذبح؟ فقال: "أنهروا الدم بما شئتم إلا الظفر والسن، فأما السن فعظمٌ وأما الظفر فمدى الحبش"
[ ٣ / ٤٢٢ ]
وقال بعض الناس [٣٣٥] في هذا: يعني السن المركبة في فم الإنسان، والظفر المركب في أصبعه ليس بمنزوعٍ؛ لأنه إذا ذبح بذلك فهو خنقٌ.
واحتج فيه بقول "ابن عباس" [﵁] في الذي ذبح بظفريه "إنه إنما قتلها خنقًا".
قال أبو عبيد: ومع هذا أنه ليس يمكن الذبح بالظفر والسن المنزوعين لصغرهما.
وقال بعض الناس: لا بل المعنى في النهي واقعٌ على كل ذابح
[ ٣ / ٤٢٣ ]
بسنٍ أو ظُفرٍ منزوع أو غير منزوع؛ لأن الحديث مبهمٌ - والله أعلم- وفي حديث آخر أن "عدي بن حاتم" سأل النبي - ﷺ- فقال: إنا نصيد الصيد؛ فلا نجد ما نُذكي به إلا الظرار، وشقة العصا؟ فقال: "أمر الدم بما شئت".
قال الأصمعي: الظرار: واحدها ظررٌ، وهو حجرٌ محددٌ، وجمعه: ظرارٌ وظرانٌ، قال "لبيدٌ" يصف الناقة أنها تنفي الحصى بخفها:
بجسرةٍ تنجل الظران ناجيةٍ إذا توقد في الديمومة الظرر
[ ٣ / ٤٢٤ ]
[قوله]: تنجلُ: تدفع، وكل شيءٍ رميت به، فقد نجلته، قال حسان [بن ثابت]:
نجلت به بيضاء آنسةٍ من عبد شمسٍ صلبة الخدم
وقوله: "أمر الدم بما شئت" يقول: سيله واستخرجه، ومنه قيل: مريتُ الناقة فأنا أمريها مريًا: إذا مسحت ضرعها؛ لينزل اللبن.
ومنه حديث "ابن عباس" [﵄] أنه سئل عن الذبيحة بالعود فقال: "كل ما أفرى الأوداج غير مثرد.
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "ابن عُلية"، عن "أيوب"، عن "عِكرمة"، عن "ابن عباسٍ".
قوله: ما أفرى الأوادج، يعني ما شقَّها وأسال منها الدم.
[ ٣ / ٤٢٥ ]
يقال: أفريتُ الثوب - بالألف - وأفريت الجلة: إذا شققتها فأخرجت منها ما فيها.
فإذا قُلت: فريت - بغير ألفٍ- فإن معناه أن تقدر الشيء وتعالجه وتصلحه مثل النعل تحذوها، أو النطع أو القربة ونحو ذلك.
يقال منه: فريتُ أفرى فريًا، ومنه قول "زهير":
ولأنت تفرى ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفرى [٣٣٩]
وكذلك فريت الأرض: أي سرتها وقطعتها.
وأما الأول بالألف أفريت أفرى إفراءً، فإنه من التشقيق على وجه الفساد.
وقوله: "غير مثردٍ".
[ ٣ / ٤٢٦ ]
قال أبو زياد الكلابي في المثرد: الذي يقتل بغير ذكاةٍ.
يقال: قد ثردت ذبيحتك إذا قتلتها من غير أن تُفرى الأوداج وتُسيل الدم.
وأما الحديث المرفوع في الذبيحة بالمروة، فإن المروة حجارةٌ بيضٌ، وهي التي تُقدح منها النار.
قالها الأصمعي وغيره.
٥١١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أنه سمع "عمر" يحلف بأبيه فنهاه عن ذلك.
قال: "فما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا".
[ ٣ / ٤٢٧ ]
قال: أما قوله: ذاكرًا، فليس هو من الذكر بعد النسيان، إنما أراد متكلمًا به [بعدُ] كقولك: ذكرتُ لفلانٍ حديث كذا وكذا.
وقوله: "آثرًا" يريد: ولا مُخبرًا عن غيري أنه حلف به يقول: لا أقول: إن فلانًا قال: وأبي لا أفعل كذا وكذا.
ومن هذا قيل: حديثٌ مأثورٌ، أي يخبر به الناس بعضهم بعضًا.
يُقال منه: أثرت الحديث فأنا آثره أثرًا، فهو مأثورٌ وأنا آثرٌ على مثال فاعل، قال الأعشى:
إن الذي فيه تماريتما بُيِّن للسامع والآثر
[ ٣ / ٤٢٨ ]
[يُروى: بيَّن وبُيِّن].
ومنه حديث ابن عمر حين سأل سلمة بن الأزرق، وحدثه سلمة بحديثٍ عن أبي هريرة، عن النبيﷺ- في الرخصة في البكاء على الميت، فقال له ابن عمر أأنت سمعت هذا من أبي هريرة؟
قال: نعم.
قال: وبأثره عن رسول الله - ﷺ-؟
قال: نعم.
قال: فالله ورسوله أعلم.
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفر"، عن "محمد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي"، عن "محمد بن عمرو بن عطاء" عن "ابن عمر".
[ ٣ / ٤٢٩ ]
قال أبو عبيد: محمد بن عمرو بن عطاء هو من بني عامر بن لؤي.
قال أبو عبيد: ويقال [٣٤٠] إن المأثرة مفعلة من هذا، وهي المكرمة وإنما أُخذت من هذا، أي إنها يأثرها قرنٌ عن قرنٍ يتحدثون بها.
٥١٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أن رجلًا قال له: يا رسول الله! إنا قومٌ نتساءل أموالنا [بيننا] فقال: "يسأل الرجل في الجائحة والفتق، فإذا استغنى أو كرب استعف".
[ ٣ / ٤٣٠ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه "محمد بن أبي عدي"، "ويزيد بن هارون" عن "بهز بن حكيم"، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ-.
أما قوله: "استغنى أو كرب" يقول: أودنا من ذلك وقرُب منه، وكل دان قريبٍ فهو كاربٌ، قال الشاعر، وأراه لعبد القيس "بن خفاف البرجمي":
أبُني إن أباك كارب يومه فإذا دُعيت إلى المكارم فاعجل
وأما قوله: "في الجائحة" فإنها المصيبة تحل بالرجل في ماله فتجتاحه كله.
وأما "الفتق" فالحرب تكون بين الفريقين، فتقع بينهما
[ ٣ / ٤٣١ ]
الدماء والجراحات فيتحملها رجلٌ ليصلح بذلك بينهم، ويحقن دماءهم فيسأل فيها حتى يؤديها إليهم.
ومما يبين ذلك حديثه الآخر:
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "ابن عُلية" عن "أيوب"، عن "هارون بن رياب"، عن "كنانة بن نعيم"، عن "قبيصة بن المخارق" عن النبي - ﷺ- قال: "إن المسألة لا تحل إلا لثلاثةٍ:
رجلٍ تحمل بحمالةٍ بين قوم، ورجلٍ أصابته جائحةٌ فاجتاحت ماله، فيسأل حتى يصيب سدادًا من عيش أو قوامًا من عيشٍ.
ورجلٍ أصابته فاقةٌ حتى يشهد له ثلاثةٌ من ذوي الحي من قومه أن قد أصابته فاقةٌ، وأن قد حلت له المسألة.
وما سوى ذلك من المسائل سُحتٌ".
[ ٣ / ٤٣٢ ]
أما قوله: رجل تحمل بحمالة، ورجل أصابته جائحة فعلى ما فسرت لك.
وأما الفاقة: فالفقر.
وقوله: سدادٌ من عيشٍ، فهو بكسر السين، وكل شيءٍ سددت به خللًا فهو سدادٌ، ولهذا سُمي سداد القارورة، وهو صمامها؛ لأنه يسد رأسها، ومنه سداد [٣٤١] الثغر إذا سُد بالخيل والرجال.
قال الشاعر، وهو العرجي واسمه "عبد الله بن عمرو بن عثمان" وإنما سُمي العرجي؛ لأنه كان ينزل موضعًا يقال له: العرج [بناحية الطائف ليس بالمنزل الذي يُسمى العرج بين المدينة ومكة]:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
[ ٣ / ٤٣٣ ]
وأما السداد -بالفتح- فإنما معناه الإصابة في المنطق أن يكون الرجل مسددا.
يقال منه: إنه لذو سداد في منطقة وتدبيره، وكذلك الرمى، فهذا ما [جاء] في الحديث من العربية.
وأما ما فيه من الفقه، فإنه أخبرك بمن تحل له المسألة، فخص هؤلاء الأصناف الثلاثة، ثم حظر المسألة على سائر الخلق.
وأما حديث "ابن عمر": "إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع، أو غرم مفظع، أو دم موجع" فإن هذه الخلال الثلاث هي تلك التي في حديث "أيوب"، عن "هارون بن رياب"، عن النبي - ﷺ - بأعيانها إلا أن الألفاظ اختلفت فيهما، فلا أرى المسألة تحل في هذا الحديث أيضا إلا لأولئك الثلاثة بأعيانهم.
[ ٣ / ٤٣٤ ]
٥١٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ -: "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ولا تقولوا هجرا"
حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنيه "حجاج"، عن "المسعودى"، عن النبى - ﷺ -.
قال الكسائى، وبعضه عن الأصمعى، وعن غيرهما قالوا: الهجر: الإفحاش في المنطق والخنا ونحوه.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
يقال منه: أهجر الرجل يهجر إهجارا، قال الشماخ بن ضرار:
كما جدة الأعراق ابن ضرة عليها كلاما جار فيه وأهجرا
[قال أبو عبيد]: الأعراق والأعراض يرويان.
قال أبو عبيد: ومنه حديث أبى سعيد الخدرى.
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "هشيم" عن "عبد الملك بن أبى سليمان" عن "أبى سعيد مولى أبى سعيد الخدرى" عن "أبى سعيد الخدرى" أنه كان يقول لبنيه: إذا طفتم بالبيت فلا [٣٤٢] تلغوا، ولا تهجروا، ولا تقاضوا أحدا، ولا تكلموه هكذا.
قال هشيم: [ولا] تهجروا.
[ ٣ / ٤٣٦ ]
قال أبو عبيد: ووجه الكلام عندنا: "تهجروا" في هذا الموضع لأن الإهجار كما أعلمتك من سوء المنطق وهو الهجر.
وأما الهجر في الكلام، فإنه الهذيان مثل كلام المحموم والمبرسم. يقال منه: قد هجرت فأنا أهجر هجرا، وأنا هاجر، والكلام مهجور.
وقد روى عن إبراهيم ما يثبت هذا القول.
حدثنا أبو عبيد قال: حدثناه "هشيم" عن "مغيرة"، عن "إبراهيم" في قوله [سبحانه]: "إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا".
[ ٣ / ٤٣٧ ]
قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض إذا هجر قال غير الحق؟
حدثنا أبو عبيد قال: وحدثني "حجاج"، عن "ابن جريج"، عن "مجاهد" نحوه.
٥١٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ -: "في إشعار الهدى".
قال الأصمى: [الشعار] هو أن يطعن في أسنمتها في أحد الجانبين بمبضع أو نحو بقدر ما يسيل الدم، وهو الذي كان "أبو حنيفة" زعم يكرهه.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
وسنة النبي - ﷺ - في ذلك أحق أن تتبع.
قال الأصمعى: أصل الإشعار العلامة يقول: فكأن ذلك إنما يفعل بالهدى؛ ليعلم أنه قد جعل هديا.
قال أبو عبيد و[قد]: حدثناه "أبو معاوية" بما يبين ذلك.
حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا "أبو معاوية" عن "الأعمش"، عن "إبراهيم"، عن "الأسود"، عن "عائشة" [﵂] قالت: إنما تشعر البدنة؛ ليعلم أنها بدنة.
قال الأصمعى: ولا أرى مشاعر الحج إلا من هذا؛ لأنها علامات له: وجاءت أم معبد الجهنى إلى "الحسن" فقالت [له]: إنك قد أشعرت ابنى فى الناس، أى إنك قد تركته كالعلامة فى الناس".
[ ٣ / ٤٣٩ ]
قال أبو عبيد: ومنه حديث النبي - ﷺ-: "أن جبريل أتاه فقال: مر أمتك أن يرفعوا [٣٤٣] أصواتهم بالتلبية، فإنها من شعائر الحج".
ومنه شعار العساكر، إنما يُسمون بتلك الأسماء علامةً لهم، ليعرف الرجل بها رفقته.
ومنه حديث "عمر" حين رمى رجلٌ الجمرة فأصاب صلعته فسال الدم، ونادى رجلٌ رجلًا [فقال]: يا خليفة، فقال رجلٌ من "خثعم" أُشعر أمير المؤمنين دمًا؟ أي أساله، ونادى رجلٌ: يا خليفة،
[ ٣ / ٤٤٠ ]
فقال: ليقتلن أمير المؤمنين، فتفاءل عليه القتل، فرجع، فقتل [﵁].
٥١٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "أنه أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب".
قال "أبو عبيدة": جزيرة العرب ما بين حفر "أبي موسى" إلى أقصى "اليمن" في الطول، وأما العرض فما بين رمل "سيرين" إلى منقطع السماوة.
وقال "الأصمعي": جزيرة العرب من أقصى "عدن أبين" إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن "جُدة"، وما والاها من ساحل
[ ٣ / ٤٤١ ]
البحر إلى أطراف الشام.
قال أبو عبيد: فأمر رسول الله - ﷺ- بإخراجهم من هذا كله، فيرون أن "عمر" إنما استجاز إخراج أهل "نجران" من اليمن وكانوا نصارى إلى سواد العراق لهذا الحديث، وكذلك إخلاؤه أهل "خيبر" إلى الشام وكانوا يهودًا.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
انتهى الجزء الثالث
من كتاب
غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام
ويليه الجزء الرابع
وأوله
من أحاديث رسول الله -ﷺ-
وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- فيمن خرج مجاهدًا في سبيل الله:
"فإن لسعته دابةٌ أو أصابه كذا وكذا فهو شهيد، ومن مات حتف أنفه- قال الذي سمع هذا الحديث من النبيﷺ-: والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قطُّ قبل- رسول الله (ﷺ) - فقد وقع أجره على الله، ومن قُتل قعصًا، فقد استوجب المآب".
[ ٣ / ٤٤٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
الجزء الرابع
من كتاب "غريب الحديث"
"لأبي عبيد القاسم بن سلام"
وأوله "الحديث":
"وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ: فيمن خرج مجاهدًا في سبيل الله قال: فإن لسعته دابةٌ أو أصابه كذا وكذا فهو شهيدٌ ومن مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله، ومن قتل قعصًا فقد استوجب المآب".
"المحقق"
[ ٤ / ٥ ]
٥١٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- فيمن خرج مجاهدًا في سبيل الله.
[قال]: فإن لسعته دابةً، أو أصابه كذا وكذا فهو شهيدٌ، ومن مات حتف أنفه- قال الذي سمع هذا الحديث من النبي - ﷺ-: "والله إنها لكلمةٌ ما سمعتها من أحدٍ من العرب قط قبل رسول الله ﷺ- فقد وقع أجره على الله، ومن قتل قعصًا فقد استوجب المآب".
[ ٤ / ٧ ]
حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا يزيد: [٣٤٤] عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه، عن النبي - ﷺ- أما قوله "مات حتف أنفه" فهو أن يموت موتًا على فراشه من غير قتلٍ ولا غرقٍ، ولا سبُع، ولا غيره.
وكذلك حديث "ابن عيينة" عن ابن أبي نجيح عمن سمع عبيد بن عمير، يقول في السمك: "ما مات حتف أنفه فلا تأكله" يعني الذي يموت منه في الماء، كأنه كره الطافي.
قال: وقد رواه بعض أصحابنا عن سفيان بن عيينة: "ما مات حتفًا فيه" يعني في الماء.
قال أبو عبيد: ولا أراه حفظ هذا عن ابن عيينة، وكلام العرب هو الأول. والقعص: أن يُضرب الرجل بالسلاح أو بغيره فيموت في مكانه قبل أن يريم،
[ ٤ / ٨ ]
فذلك القعص. يقال: أقعصته تقعصه إقعاصًا، وكذلك الصيد، وكل شيءٍ.
وأما "المآب" فالمرجع، قال [﵎]: "وحسن مآبٍ".
٥١٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- "إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الركب أسنتها".
حدثنا "أبو عبيد": قال: حدثنيه يزيد [بن هارون]، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن جابر، عن النبي - ﷺ-.
أما قوله: "الركب" فإنها جماعة الركاب، والركاب هي الإبل التي يُسار عليها، ثم تجمع الركاب، فيقال: رُكبٌ.
[ ٤ / ٩ ]
وأما قوله: "أسنتها" فإنه أراد الأسنان، يقول: أمكنوها من المرعى.
[قال أبو عبيد]: وهذا كحديثه الآخر. قال أبو عبيد: حدثناه عنبسة بن عبد الواحد بن عبد الله بن سعيد بن العاص، عن يونس، عن الحسن، قال: قال رسول الله - ﷺ-: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الكلأ، وإذا سافرتم في الجدوبة فاستنجوا".
وقوله الأسنة، ولم يقل الأسنان، وهكذا الحديث، ولا تعرف الأسنة في الكلام إلا أسنة الرماح، فإن كان هذا محفوظًا، فإنه أراد جمع السن، فقال: أسنان، ثم جمع الأسنان، فقال: أسنة [٣٤٥] فصار جمع الجمع. هذا وجهه في العربية.
[ ٤ / ١٠ ]
وقوله: فاستنجوا، يريد فانجوا إنما هو استفعال من النجاء.
٥١٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- في قتلى أحدٍ: "زملوهم في دمائهم وثيابهم" هو من حديث غير واحدٍ. عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير، عن النبي - ﷺ-:
أما قوله: "زملوهم" فإنه يقول: لفوهم بثيابهم التي فيها دماؤهم وكذلك كل ملفوفٍ في ثياب فهو مزمل.
ومنه حديث النبي - ﷺ- في المغازي في أول ما رأى.
[ ٤ / ١١ ]
"جبريل" [﵇] فقال: "جُثت منه فرقًا" وبعضهم يقول: "جُثثت".
قال "الكسائي": هما جميعًا من الرعب، يقال: رجل مجؤوثٌ ومجثوثٌ.
قال: فأتى "خديجة" [﵂] فقال: "زملوني".
فإذا فعل الرجل ذلك بنفسه قيل: قد تزمل، وتدثر، فهو متزمل ومتدثر، فإذا أدغم التاء، قال: مزملٌ ومدثرٌ، وبهذا أنزل القرآن بالإدغام.
وكذلك: "مُدكرٌ" إنما هو مذتكر، فأدغمت التاء، وأبدلت الذال دالًا.
قال "أبو عبيد": وفي [هذا] الحديث من الفقه أن الشهيد إذا مات
[ ٤ / ١٢ ]
في المعركة لم يُغسل، ولم ينزع عنه ثيابه. ألا تسمع إلى قوله: "زملوهم بثيابهم ودمائهم"؟
قال: إلا أني سمعت محمد بن الحسن يقول: ينزع عنه الجلد والفرو قال: وأحسبه قال: والسلاح، ويترك سائر ثيابه عليه.
هذا إذا مات في المعركة، فإن رُفع وبه رمقٌ غسل وصلى عليه.
قال: وأهل الحجاز لا يرون الصلاة على الشهيد إذا حُمل من المعركة ميتًا، ولا الغسل. وأهل العراق يقولون: لا يُغسل، ولكن يُصلى عليه.
٥١٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه أراد أن يُصلى على جنازةٍ فجاءت امرأةً معها مجمرٌ، فمازال يصيح بها حتى توارت بآدام المدينة".
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه هشيمٌ ويزيد، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ [٣٤٦] سمع حنش بن المعتمر يحدثه عن النبي - ﷺ-
[ ٤ / ١٣ ]
أما قوله: "آجام المدينة" فإنه يعني الحصون، وهذا كلام أهل الحجاز، واحدها أُجُمٌ، قال امرؤ القيس يصف شدة المطر:
وتيماء لم يترك بها جذع نخلةٍ ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل
"قال أبو عبيدة": [إن] المشيد المعمول بالشيد، وهو الجص. وأما المشيد فهو المطول.
وأهل الحجازي سمون الآجام أيضًا آطامًا وهي مثلها، واحدها أُطُمٌ.
٥٢٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "عليكم بالباءة، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يقدر فعليه
[ ٤ / ١٤ ]
بالصوم، فإنه له وجاء".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي - ﷺ-.
قال "أبو زيد" وغيره في الوجاء، يقال للفحل إذا رُضت أنثياه: قد وجئ وجاء [ممدودٌ] فهو موجوءٌ، وقد وجأته. فإن نُزعت الأنثيان نزعًا فهو خصيٍّ وقد خصيته خصاءً. فإن شُدت الأنثيان شدًا حتى تندرا قيل: قد عصبته عصبًا، فهو معصوبٌ.
[ ٤ / ١٥ ]
قال أبو عبيد: فقوله: "فإنه له وجاء" يعني أنه يقطع النكاح؛ لأن الموجوء لا يضرب. وقد قال بعض أهل العلم: "وجاء" بفتح الواو مقصورٌ، يريد الحفا، والأول أجود في المعنى؛ لأن الحفا لا يكون إلا بعد طول مشيٍ أو عملٍ. والوجاء: الانقطاع من الأصل.
قال: ويروى في حديثٍ آخر ما يشبهه.
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه ابن أبي عدي، عن حسينٍ المعلم، عن قتادة، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ-:
"صوموا ووفروا أشعاركم فإنها مجفرةٌ".
يقول: مقطعةٌ للنكاح ونقصٌ للماء.
يقال للبعير إذا أكثر الضراب [٣٤٧] حتى ينقطع: قد جفر يجفر جفورًا، وهو جافرٌ، قال ذو الرمة يصف النجوم:
[ ٤ / ١٦ ]
وقد عارض الشعري سهيلٌ كأنه قريع هجانٍ يتبع الشول جافر
ويروى أيضًا:
وقد لاح للساري سهيلً كأنه قريع هجانٍ عارض الشول جافر
وفي هذا الحديث من العربية، قوله: "فعليه بالصوم" فأغرى غائبًا ولا تكاد العرب تُغرى إلا الشاهد.
يقولون: عليك زيدًا، ودونك، وعندك، ولا يقولون: عليه زيدًا إلا في هذا الحديث، فهذا حجة لكل من أغرى غائبًا.
٥٢١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه قال لسراقة بن جعشم: "ألا أدلك على أفضل الصدقة؟ ابنتك مردودةٌ عليك ليس لها كاسبٌ غيرك".
[ ٤ / ١٧ ]
قال [أبو عبيد]: قال الأصمعي: المردودة: المطلقة.
قال "أبو عبيد": وإنما هذا كنايةٌ عن الطلاق.
وكذلك حديث "الزبير" [- ﵁-].
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه أبو يوسف القاضي، عن هشام بن عروة، أن الزبير جعل دوره صدقةً، قال: وللمردودة من بناته أن تسكن غير مضرةٍ، ولا مضر بها، فإن استغنت بزوجٍ فلا شيء لها.
[ ٤ / ١٨ ]
وأما المرأة الراجح، فإنها التي مات عنها زوجها، فرجعت إلى أهلها.
وفي حديث الزبير من الفقه أن الرجل يجعل الدار والأرض وقفًا على قوم ويشترط أنه يزيد فيهم من شاء، وينقص منهم من شاء، فيجوز له ذلك. وإنما جاز هذا في الوقف خاصةٌ دون الصدقة النافذة الماضية؛ لأن حكمهما مختلفٌ. ألا ترى أن الوقف قد يجوز ألا يخرجه صاحبه من يده، وأن الصدقة لا تكون ماضية حتى تخرج من يد صاحبها في قول بعضهم.
٥٢٢ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- في العُمري [٣٤٨] والرقبى أنها لمن أعمرها، ولمن أرقبها ولورثتهما من بعدهما".
[ ٤ / ١٩ ]
قال أبو عبيد: وتأويل العمري: أن يقول الرجل للرجل: هذه الدار لك عمرك، أو يقول له: هذه الدار لك عمري.
وقال أبو عبيد: وقد حدثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في تفسير العمري بمثل ذلك أو نحوه.
فأما الرقبى، فإن ابن علية حدثنا عن حجاج بن أبي عثمان، قال: سألت أبا الزبير عن الرقبى، فقال: هو أن يقول الرجل للرجل: إن مُت
[ ٤ / ٢٠ ]
قبلي رجع إليَّ، وإن مُت قبلك فهو لك.
قال أبو عبيد: وحدثني ابن علية أيضًا عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: الرقبى: أن يقول [الرجل للرجل] كذا وكذا لفلان، فإن مات فهو لفلانٍ.
قال أبو عبيد: وأصلُ العمري عندنا إنما هو مأخوذٌ من العمر. ألا تراه يقول: هو لك عمري أو عمرك.
وأصل الرقبى من المراقبة، فكأن كل واحدٍ منهما إنما يرقب موت صاحبه، ألا تراه يقول: إن مُت قبلي رجعت إليَّ، وإن مت قبلك فهو لك؟ فهذا ينبئك عن المراقبة.
والذي كانوا يريدون بهذا أن يكون الرجل يريد أن يتفضل على صاحبه بالشيء، فيستمتع منه ما دام حيًا، فإذا مات الموهوب له لم يصل إلى ورثته منه شيءٌ، فجاءت سنة النبي - ﷺ- بنقص ذلك أنه من ملك شيئًا حياته، فهو لورثته من بعد موته. وفيه أحاديث كثيرةٌ.
[ ٤ / ٢١ ]
حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمروٍ، عن طاوس عن حجرٍ المدري، عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﷺ- قضى بالعُمري للوارث.
حدثنا أبو عبيد: قال: وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن سليمان بن يسار أن طارقًا- أميرًا كان على المدينة- قضى بالعُمري للورثة، عن قول جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ-.
قال أبو عبيد [٣٤٩]: وحدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ- قال: "العُمري جائزةً لأهلها".
[ ٤ / ٢٢ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: وحدثنا ابن عُلية، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس، قال: قال رسول الله - ﷺ-: "لا رُقبى فمن أرقب شيئًا فهو لورثة المرقب".
قال أبو عبيد: وهذه الآثار أصلٌ لكل من وهب هبة واشترط فيها شرطًا أن الهبة جائزةٌ، وأن الشرط باطل كالرجل يهب للرجل جارية على ألا تباع ولا توهب أو على أن يتخذها سريةً، أو على أنه إن أراد بيعها فالواهب أحق بها.
هذا وما أشبهه من الشروط، فقبضها الموهوب له على ذلك وعوَّض الواهب منها فالهبة ماضيةٌ والشرط باطلٌ في ذلك كله.
قال أبو عبيد: وكان مالك [بن أنس] يقول: إذا أعمر الرجل الرجل دارًا، فقال: هي لك عمرك، فإنهما على شرطهما إذا مات الموهوب له رجعت إلى الواهب، إلا أن يقول: هي لك ولعقبك من بعدك.
[ ٤ / ٢٣ ]
٥٢٣ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أنه سأل رجلًا فقال: "هل صمت من سرار هذا الشهر شيئًا؟
فقال: لا.
قال: فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه يزيد بن هارون، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن أخيه مطرفٍ، عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ-.
قال الكسائي وغيره: السرار: آخر الشهر ليلة يستسر الهلال.
[ ٤ / ٢٤ ]
قال أبو عبيد: فربما استسر ليلةً، وربما استسر ليلتين إذا تم الشهر، وأنشدنا الكسائي:
نحن صبحنا عامرًا في دارها
جُردًا تعادى طرفي نهارها
عشية الهلال أو سرارها
قال أبو عبيد: وفي لغة أخرى: سرر الشهر.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه إنما سأله عن سرار شعبان، فلما أخبره أنه لم يصم أمره أن يقضي بعد الفطر يومين.
قال أبو عبيد: فوجه الحديث عندي - والله أعلم- أن هذا من نذرٍ كان على ذلك الرجل في ذلك الوقت، أو تطوع قد كان ألزمه نفسه، فلما فاته أمره بقضائه. لا أعرف للحديث وجهًا غيره.
وفيه أيضًا أنه لم ير بأسًا أن يصل رمضان بشعبان إذا كان لا يراد به رمضان، إنما يراد به التطوع، أو النذر يكون في ذلك الوقت.
[ ٤ / ٢٥ ]
ومما يشبه هذا الحديث حديثه الآخر: "لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين إلا أن يكون يوافق ذلك صومٌ كان يصومه أحدكم" فهذا معناه التطوع أيضًا. فأما إذا كان يريد به رمضان فلا؛ لأنه خلاف الإمام والناس.
٥٢٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "أنه مر بامرأةٍ مجح، فسأل عنها. فقالوا: هذه أمةٌ لفلانٍ.
فقال: أيلم بها؟
فقالوا: نعم.
فقال: لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه في قبره. كيف يستخدمه وهو لا يحل له أم كيف يورثه، وهو لا يحل له؟ "
[ ٤ / ٢٦ ]
حدثنا أبو عبيد: قال حدثناه يزيد، عن شعبةً، عن يزيد بن خمير، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفيرٍ، عن أبيه، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ.
أما قوله: "مجح" فإنها الحامل المقرب.
وأما قوله: "كيف يستخدمه"؟ أو كيف يورثه؟ فإن وجه الحديث أن يكون الحمل قد كان ظهر بها قبل أن تسبى، فيقول: إن جاءته بولدٍ وقد وطئها بعد ظهور الحمل، لم يحل له أن يجعله مملوكًا، لأنه لا يدري [٣٥١] لعل الذي ظهر لم يكن حملًا، وإنما حدث الحمل من وطئه، فإن المرأة ربما ظهر
[ ٤ / ٢٧ ]
بها الحمل، ثم لا يكون شيئًا حتى يحدث الحمل بعد ذلك، فيقول: لا يدري لعله ولده.
وقوله: "أم كيف يورثه؟ " يقول: لا يدري لعل الحمل قد كان بالصحة قبل السبي، فكيف يورثه؟
وإنما يراد من هذا الحديث أنه نهى عن وطء الحوامل من السبي حتى يضعن.
٥٢٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أنه سأل عاصم بن عدي الأنصاري، عن ثابت بن الدحداح، وتوفي، "هل تعلمون له نسبًا فيكم؟
فقال: لا، إنما هو أُتي فينا.
قال: فقضى رسول الله - ﷺ- بميراثه لابن أخته".
[ ٤ / ٢٨ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه عباد بن عبادٍ، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن محمد بن يحي بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، رفعه.
[قال أبو عبيد]: قال الأصمعي: أما قوله: أتى فينا، فإن الأتى الرجل يكون في القوم ليس منهمن، ولهذا قيل للسيل الذي يأتي من بلدٍ قد مُطر فيه إلى بلدٍ لم يُمطر فيه فذلك السيل أتى، قال العجاج:
سيل أتى مده أتى
يقال منه: أتيت السيل فأنا أؤتيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضعٍ؛ ليخرج إليه.
وأصل هذا من الغربة، ولهذا قيل: رجلٌ أتاوىٌّ إذ كان غريبًا في غير بلاده.
[ ٤ / ٢٩ ]
ومنه حديث عثمان [﵁] حين بعث إلى عبد الله بن سلام رجلين، فقال لهما: قولًا: إنا رجلان أتاويان.
وقد قال بعض أصحاب الحديث في حديث ثابت بن الدحداح. إن عاصم بن عدي قال: إنما هو آتٍ فينا، فجعله من الإتيان، وليس هذا بشيء [٣٥٢] والمحفوظ ما قلت لك: أُتيٍّ، بتشديد الياء.
وفي [هذا] الحديث من الفقه أنه أعطى ميراثه ابن الأخت لما لم يوجد له وارث فورث ابن أخته، لأنه من ذوي الأرحام.
وفيه أنه اكتفى بمسألة رجلٍ واحدٍ عن نسبه، ولم يسأل غيره.
٥٢٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- وذكر فتنةً
[ ٤ / ٣٠ ]
تكون في أقطار الأرض كأنها صياصي بقرٍ".
قوله: صياصي [بقرٍ]: يعني قرونها، وإنما سُميت صياصي، لأنها حصونها التي تحصن بها من عدوها، وكذلك كل من تحصن بشيءٍ فهو له صيصيةً، قال الله - ﷿-: "وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم" يقال في التفسير: إنها حصونهم.
وكذلك يقاللأصبع الطائر الزائدة في باطن رجله: صيصيةٌ، والصيصيةٌ في غير هذا: شوكة الحائك.
[ ٤ / ٣١ ]
٥٢٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- حين قال لعوف بن مالكٍ: "أمسك ستًا تكون قبل الساعة:
أولهن موت نبيكم - ﷺ- وكذا وكذا، وموتان يكون في الناس كقعاص الغنم، وهدنةٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون بكم، فتسيرون إليهم في ثمانين غابةٌ تحت كل غابةٍ اثنا عشر ألفًا.
[ ٤ / ٣٢ ]
وبعضهم يقول: غاية".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه هشيم، قال: أخبرنا بعلي بن عطاءٍ عن محمد بن أبي محمد، عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ.
[قال أبو عبيد]: أما قوله: "موتان يقع في الناس" فإن الموتان هو الموت، ويقال: وقع في المال موتانٌ: إذا وقع الموت في الماشي.
[ ٤ / ٣٣ ]
قاله الكسائي. وقال الفراء: وأما الموتان من الأرض، فإنه الذي لم [٣٥٣] يُحي بعد. ومنه الحديث: "موتان الأرض لله [- ﵎-] ولرسوله، فمن أحيا منها شيئًا فهو له".
وأما القعاص، فهو داء يأخذ الغنم لا يلبثها أن تموت، ومنه أخذ الإقعاص في القتل، يقال: رميت الصيد فأقعصته: إذا مات مكانه. وأما الهدنة فالسكون والصلح.
وقوله: "في ثمانين غابةً" من قالها بالباء، فإنه يريد الأجمة شبه كثرة الرماح بها ومن قال: غايةً، فإنه يريد الراية.
قال "لبيد" يذكر ليلة سمرها، فقال:
[ ٤ / ٣٤ ]
قد بت سامرها وغاية تاجرٍ وافيت إذ رفعت وعز مدامها
قوله: غاية تاجرٍ، يقول: إن صاحب الخمر كانت له رايةٌ يرفعها ليعرف بها أنه بائع خمرٍ.
ويقال: بل أراد بقوله: غاية تاجر أنها غايةٌ متاعه في الجودة.
وبعضهم يروى الحديث في ثمانين غيابة، وليس هذا بمحفوظٍ، ولا موضع للغياية ها هنا.
٥٢٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه قال: "أنا برئٌ من كل مسلمٍ مع مشركٍ.
قيل: لم يا رسول الله؟
قال: لا تراءى ناراهما".
[ ٤ / ٣٥ ]
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه هشيمٌ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم يرفعه.
قوله: "لا تراءى ناراهما" فيه قولان:
أما أحدهما، فيقول: لا يحل لمسلمٍ أن يسكن بلاد المشركين فيكون منهم بقدر ما يرى كل واحدٍ منهما نار صاحبه. فجعل الرؤية في الحديث للنار ولا رؤية للنار، وإنما معناه أن تدنو هذه من هذه.
[ ٤ / ٣٦ ]
وكان الكسائي يقول: العرب تقول: داري تنظر إلى دار فلانٍ ودورنا تناظر. وتقول: إذا أخذت في طريق كذا وكذا، فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينه أو عن يساره فهذا كلام العرب.
وقال الله - ﵎- وذكر الأصنام، فقال: "والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون [٣٥٤] وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون" فهذا وجهٌ، وأما الوجه الآخر فيقال: إنه أراد بقوله: "لا تراءى ناراهما" يريد: نار الحرب، قال الله - ﷿-: "كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله" يقول: فناراهما مختلفتان:
[ ٤ / ٣٧ ]
هذه تدعو إلى الله [سبحانه] وهذه تدعو إلى الشيطان، فكيف تتفقان؟ وكيف يساكن المسلم المشركين في بلادهم؟ وهذه حال هؤلاء وهؤلاء؟
ويقال: إن أول هذا [كان] أن قومًا من أهل مكة أسلموا، فكانوا مقيمين بها على إسلامهم قبل فتح "مكة" فقال النبي -ﷺ هذه المقالة فيهم، ثم صارت للعامة.
٥٢٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه بعث مصدقًا فقال: لا تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئًا. خذ الشارف والبكر وذا العيب".
حدثنا أبو عبيدٍ قال: حدثناه أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه رفعه.
[ ٤ / ٣٨ ]
[قال أبو عبيد]: أما قوله: "من حزرات أنفس الناس" فإن الحزرة خيار المال، قال الشاعر:
الحزرات حزرات النفس
فيقول: لا تأخذ خيار أموالهم، خذ الشارف، وهي: المسنة الهرمة، والبكر، وهو: الصغير من ذكور الإبل، فقال: الشارف والبكر.
وإنما السنة القائمة في الناس ألا يؤخذ في الصدقة إلا ابنة مخاضٍ، أو ابنة لبونٍ، أو حقةٌ، أو جذعة، ليس فيها سن فوق هذه الأربع ولا دونها. وإنما وجه هذا الحديث عندي - والله أعلم- أنه كان في أول الإسلام قبل أن يؤخذ الناس بالشرائع فلما قوي الإسلام واستحكم، جرت الصدقة على مجاريها ووجوهها.
وأما حديث عمر [٣٥٥] [﵁]: "دع الربى والماخض والأكولة".
[ ٤ / ٣٩ ]
فإن الربى: هي القريبة العهد بالولادة، ويقال: هي في ربابها ما بينها وبين خمس عشرة ليلة، وأنشدني الأصمعي لبعض الأعراب:
حنين أم البو في ربابها
وأما الماخض فالتي قد أخذها المخاض لتضع.
والأكولة: هي التي تُسمن للأكل ليست بسائمةٍ.
والذي يروى في الحديث: الأكيلة. وإنما الأكيلة: المأكولة، يقال: هذه أكيلة الأسد والذئب، وأما هذه فإنها الأكولة.
[ ٤ / ٤٠ ]
وأما قول "عمر": "احتسب عليهم بالغذاء" فإنها السخال الصغار، واحدها غذى. قال: وأنشدني الأصمعي، قال: أنشدني أبو عمرو بن العلاء:
لو أنني كنت من عادٍ ومن إرمٍ غذى بهم ولقمانًا وذا جدن
قال الأصمعي: وأخبرني خلف الأحمر أنه سمع العرب تنشده "غذي بهم" بالتصغير.
قال أبو عبيدٍ: وأما الحديث الآخر أن النبي - ﷺ- بعث مصدقًا فأتى بشاةٍ شافعٍ، فلم يأخذها، وقال: "ائتني بمعتاطٍ" فإن الشافع التي معها ولدها سميت شافعًا؛ لأن ولدها شفعها، أو شفعته
[ ٤ / ٤١ ]
هي، والشفع: الزوج، والوتر: الفرد.
وأما المعتاط فالتي ضربها الفحل، فلم تحمل، يقال منه: هي معتاطٌ وعائطٌ وحائلٌ، وجمع العائط عوطٌ، وجمع الحائل حول.
قال أبو عبيد: وسمعت الكسائي يقول: جمع العائط عوط وعوطط، وجمع الحائلحول وحولل. قال: وبعضهم يجعل حوللًا مصدرًا، ولا يجعله جمعًا وكذلك عوطط.
٥٣٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ-: "تنكح المرأة لميسمها [٣٥٦]، ولمالها، ولحسبها، عليك بذات الدين تربت يداك".
[ ٤ / ٤٢ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه ابن علية، عن عبيد الله بن العيزار، عن طلق بن حبيب رفعه.
[قال أبو عبيد]: أما قوله "لميسمها" فإنه الحسن، وهو الوسامة ومنه قيل: رجلٌ وسيمٌ وامرأةٌ وسيمةٌ.
وأما قوله: "تربت يداك" فإن أصله أن يقال للرجل إذا قل ماله: قد ترب، أي: افتقر، حتى لصق بالتراب، وقال الله - ﵎-: (أو مسكينًا ذا متربة) فيرون- والله أعلم- أن النبي - ﷺ- لم يتعمد الدعاء عليه بالفقر، ولكن هذه كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها وهم لا يريدون وقوع الأمر.
[ ٤ / ٤٣ ]
وهذا كقوله [ﷺ] لصفية بنت حيي حين قيل له يوم النفر: إنها حائض. فقال: عقري حلقي ما أراها إلا حابستنا" فأصل هذا معناه: عقرها الله وحلقها. فقوله: عقرها يعني عقر جسدها، وحلقها أي أصابها الله بوجعٍ في حلقها. هذا كما تقول: قد رأس فلان فلانًا: إذا ضرب رأسه، وصدره: إذا أصاب صدره، وكذلك حلقه: إذا أصاب حلقه.
قال أبو عبيد: إنما هو عندي عقرًا حلقًا. قال: وأصحاب الحديث يقولون: عقري حلقي وقال بعض الناس: بل أراد النبي - ﷺ-
[ ٤ / ٤٤ ]
بقوله: "تربت يداك" نزول الأمر به عقوبةً لتعديه ذوات الدين إلى ذوات المال والجمال. واحتج بقوله - ﷺ: "اللهم إنما أنا بشرٌ، فمن دعوت عليه بدعوةٍ، فاجعل دعوتي عليه رحمةٌ له". والقول الأول أعجب إليَّ وأشبه بكلام العرب، ألا تراهم يقولون: لا أرض لك ولا أم لك، وهم قد يعلمون أن له أرضًا وأما، وزعم بعض العلماء أن قولهم: لا أبًا لك ولا أب لك: مدحٌ، ولا أم لك: ذم.
قال أبو عبيد: وقد وجدنا قوله لا أم لك قد وضع في موضع المدح أيضًا قال كعب بن سعد الغنوي يرثى أخاه:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديًا وماذا يؤدي الليل حين يؤوب
[ ٤ / ٤٥ ]
وقد قال بعض الناس: إن قوله: تربت يداك، يريد به استغنت يداك من الغنى. وهذا خطأ لا يجوز في الكلام. إنما ذهب إلى المترب وهو الغني فغلط، ولو أراد هذا لقال: أتربت يداك؛ لأنه يقال: أترب الرجل: إذا كثر ماله، فهو متربٌ. وإذا أرادوا الفقر، قالوا: ترب بتربُ.
٥٣١ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أن امرأة توفى عنها زوجها، فاشتكت عينها فأرادوا أن يداووها، فسئل النبي - ﷺ- عن ذلك، فقال: قد كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها في بيتها إلى الحول، فإذا كان الحول فمر كلب رمته ببعرةٍ، ثم خرجت أفلا أربعة أشهرٍ وعشرًا"؟
[ ٤ / ٤٦ ]
[قال أبو عبيد]: أما قوله: "مر كلبٌ رمته ببعرةٍ" يعني أنها كانت في الجاهلية تعتد سنةٌ على زوجها لا تخرج من بيتها، ثم تفعل ذلك في رأس الحول، لترى الناس أن إقامتها حولًا بعد زوجها أهون عليها من بعرةٍ يرمى بها كلبٌ وقد ذكروا هذه الإقامة عامًا في أشعارهم، قال بيد يمدح قومه:
وهم ربيعٌ للمجاور فيهم والمرملات إذا تطاول عامها
ونزل بذلك القرآن في أول الإسلام قوله [تعالى]: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصيةً لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراجٍ).
ثم نُسخ ذلك بقوله: [سبحانه]: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا).
[ ٤ / ٤٧ ]
فقال النبي - ﷺ- كيف لا تصبر إحداكن قدر هذا، وقد كانت تصبر حولًا؟
وهذا الحديث حدثناه يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاري، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها، عن النبي - ﷺ- بهذا [٣٥٨] أو ببعضه.
٥٣٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- في [ابن] الملاعنة قال: "إن جاءت به أصيهب أثيبج حمش الساقين فهو لزوجها وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًا خدلج سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به".
[ ٤ / ٤٨ ]
حدثنا أبو عبيد قال: سمعت يزيد بن هارون يحدثه عن عباد بن منصورٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ-.
[قال أبو عبيد]: أما قوله: أصيهب فهو تصغير أصهب، والأثيبج تصغير أثبج، وهو الناتئ الثبج، والثبج ما بين الكاهل ووسط الظهر، وهو من كل شيء وسطه وأعلاه.
والحمش: الدقيق الساقين.
والأورق: الذي لونه [ما] بين السواد والغبرة، ومنه قيل للرماد: أورق وللحمامة ورقاء، وإنما وصفه بالأدمة.
وأما الخدلج فالعظيم الساقين.
وأما قوله: الجمالى، فإنهم يروونها هكذا بفتح الجيم، يذهبون بها
[ ٤ / ٤٩ ]
إلى الجمال، وليس هذا من الجمال في شيء، ولو أراد ذاك لقال جميل ولكنه جمالى بضم الجيم، يعني أنه عظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل، ولهذا قيل للناقة: جمالية؛ لأنها تشبه بالفحل من الإبل في عظم الخلق، قال "الأعشى" يصف ناقةٌ:
جمالية تغتلي بالرداف إذا كذب الآثمات الهجيرا
وفي هذا الحديث من الفقه أنه لاعن بين المرأة وزوجها وهي حاملٌ، وقد كان بعض الفقهاء لا يرى اللعان بالحمل حتى تضع، فإن انتفى منه حينئذٍ لاعن، يذهب إلا أنه لا يدري لعل ذلك ليس بحملٍ، يقول: لعله من ريحٍ، وهذا رأى أبي حنيفة.
وأما حديث النبي - ﷺ-[٣٥٩] فإنما لاعن بينهما؛ لأنه قذفها قذفًا بالزنا، ولم يذكر حملًا، فلهذا أوقع اللعان.
٥٣٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه قال: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، ثم ذكرت أن فارس والروم يفعلونه فلا
[ ٤ / ٥٠ ]
يضرهم".
قال أبو عبيد: بلغني هذا الحديث عن مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة ﵂، عن جذامة بنت وهب، عن النبي - ﷺ- قال أبو عبيدة، واليزيدي، وأظن الأصمعي، وغيرهم: قوله: الغيلة هو الغيل، وذلك أن يجامع الرجل المرأة وهي تُرضع.
يقال منه: قد أغال الرجل وأغيل، والولد مغالٌ، ومغيلٌ.
[قال أبو عبيد]: وأنشدني الأصمعي بيت امرئ القيس:
[ ٤ / ٥١ ]
فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضعٍ فألهيتها عن ذي تمائم مغيل
هكذا روايته، وغيره يقول: "محول".
ومنه الحديث الآخر: "لا تقتلوا أولادكم سرًا، إنه ليدرك الفارس فيدعثره".
يقول: يهدمه ويطحطحه بعدما قد صار رجلًا قد ركب الخيل، قال ذو الرمة يصف المنازل أنها قد تهدمت وتغيرت، فقال:
آربها والمنتأى المدعثرا
يعني بالمنتأى النؤى، وهو الحفير يُحفر حول الخباء للمطر، والمدعثر: المهدوم.
[ ٤ / ٥٢ ]
والعرب تقول في الرجل تمدحه: ما حملته أمه وضعًا، ولا أرضعته غيلًا ولا وضعته يتنًا، ولا أباتته مئقًا.
قوله: حملته وضعًا: يريد ما حملته على حيضٍ، وبعضهم يقول: تضعًا.
وقوله ولا أرضعته غيلًا يعني أن توطأ وهي تُرضع. وقوله: ولا وضعته بتنًا يعني أن تخرج رجلاه قبل يديه في الولادة، يقال منه: قد أيتنت المرأة فهي موتن، والولد موتن.
وقوله: ولا أباتته مئقًا، وبعضهم يقول: ولا أباتته على مأقةٍ، فإنه شدة البكاء.
٥٣٤ - وقال أبو عبيد [٣٦٠] في حديث النبي - ﷺ-: "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يدٌ على من سواهم لا يقتل مسلمٌ بكافرٍ، ولا ذو عهدٍ في عهده".
[ ٤ / ٥٣ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن عن قيس بن عبادٍ، عن علي [كرم الله وجهه] عن النبي - ﷺ.
[قال أبو عبيد]: أما قوله: تتكافأ دماؤهم، فإنه يُريد تتساوى في القصاص والديات، فليس لشريفٍ على وضيعٍ فضلٌ في ذلك.
ومن هذا قيل: في العقيقة عن الغلام شاتان مكافئتان، قال: والمحدثون يقولون: شاتان مكافأتان- يقول: متساويتان، وكل شيء ساوى شيئًا حتى يكون مثله فهو مكافئ [له]، والمكافأة بين الناس من هذا.
[ ٤ / ٥٤ ]
يقال: كافأت الرجل، أي فعلت به مثل ما فعل بي، ومنه الكفء من الرجال للمرأة- كفءٌ وكفئٌ-. يقال: إنه مثلها في حسبها، قال الله [﵎]: (ولم يكن له كفوًا أحد).
وأما قوله: يسعى بذمتهم أدناهم: فإن الذمة الأمان، يقول: إذا أعطى الرجل منهم العدو أمانًا جاز ذلك على جميع المسلمين ليس لهم أن يخفروه كما أجاز عمر [﵁] أمان عبدٍ على جميع أهل العسكر، وكان "أبو حنيفة" لا يجيز أمان العبد إلا بإذن مولاه.
وأما حديث عمر [﵁] فليس فيه ذكر مولى.
ومنه قول سلمان الفارسي [﵁] "ذمة المسلمين واحدة" والذمة هي الأمان. ولهذا قيل للمعاهد: ذميٌّ؛ لأنه قد أعطي الأمان على ماله ودمه؛ للجزية التي تؤخذ منه.
[ ٤ / ٥٥ ]
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنا هشيمٌ، عن محمد بن قيس، عن الشعبي قال: لم يكن لأهل السواد عهدٌ، فلما أخذت منهم الجزية صار لهم عهدٌ، أو قال: ذمةٌ. الشك من أبي عبيدٍ.
وأما قوله: "يرد عليهم أقصاهم" فإن هذا في الغزو إذا دخل العسكر أرض الحرب، فوجه الإمام منه السرايا، فما غنمت من شيءٍ. جعل لها ما سمي لها، ورد ما بقي على أهل العسكر؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة ردءً للسرايا.
وأما قوله: "وهم يدٌ على من سواهم": فإنه يقول: إن [٣٦١] المسلمين جميعًا كلمتهم ونصرتهم واحدةٌ على جميع الملل المحاربة لهم يتعاونون على ذلك ويتناصرون ولا يخذل بعضهم بعضًا.
وأما قوله: "لا يقتل مؤمن بكافرٍ" فقد تكلم الناس في معنى هذا قديمًا، فقال بعضهم: لا يقتل مؤمن بكافرٍ كان قتله في الجاهلية، وقالوا فيه غير هذا [أيضًا].
[ ٤ / ٥٦ ]
قال أبو عبيد: وأما أنا فليس له عندي وجهٌ ولا معنى إلا أنه لا يقاد مؤمن بذمي، وإن قتله عمدًا، ولكن تكون عليه الدية كاملة في ماله. وأما رأي "أبي حنيفة" وجميع أصحابه، فإنهم يرون أن يقاد به لحديثٍ يروى عن "عبد الرحمن بن البيلماني".
قال أبو عبيد: سمعت ابن أبي يحيى يحدثه عن ابن المنكدر، [عن عبد الرحمن]. قال أبو عبيد: وسمعت "أبا يوسف" يحدثه عن ربيعة الرأي كلاهما عن ابن البيلماني".
ثم بلغني عن ابن أبي يحيى أنه قال: أنا حدثت ربيعة [الرأي] بهذا الحديث إنما دار الحديث على ابن يحيى، عن ابن المنكدر، عن عبد الرحمن
[ ٤ / ٥٧ ]
ابن البيلماني أن النبي - ﷺ- أقاد معاهدًا من مسلمٍ، وقال: "أنا أحق من وفى بذمته".
[قال أبو عبيد]: وهذا حديث ليس بمسندٍ، ولا يجعل مثله إمامًا يُسفك به دماء المسلمين:
قال أبو عبيد: وقد أخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الواحد بن زيادٍ.
قال: قلت لزفر: إنكم تقولون: إنا ندرأ الحدود بالشبهات، وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها.
قال: وما هو؟
قلت: المسلم يقتل بالكافر.
قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا.
قال أبو عبيد: وكذلك قول أهل الحجاز لا يقيدونه به.
وأما قوله: "ولا ذو عهدٍ في عهده": فإن ذا العهد: الرجل من أهل الحرب
[ ٤ / ٥٨ ]
يدخل إلينا بأمانٍ، فقتله محرم على المسلمين حتى يرجع إلى مأمنه، وأصل هذا من قول الله - سبحانه-: "وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه" فذلك قوله: "في عهده"، يعني: حتى يبلغ المأمن، أو الوقت الذي يوقته له، ثم لا عهد له.
قال أبو عبيد: وحدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمرٍ، عن زياد بن مسلم، أن رجلًا من أهل الهند قدم "عدن" بأمانٍ، فقتله رجلٌ بأخيه، فكتب فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب أن يؤخذ منه خمسمائة دينارٍ، ويبعث بها إلى ورثة المقتول، وأمر بالقاتل أن يحبس.
قال أبو عبيد: وهكذا كان رأي "عمر بن عبد العزيز [﵀]
كان يرى دية المعاهد نصف دية المسلم، فأنزل ذلك الذي دخل بأمان منزلة الذمي، المقيم مع المسلمين، ولم ير على قاتله قودًا، ولكن عقوبة لقول النبي - ﷺ- لا يقتل مسلم بكافرٍ".
[ ٤ / ٥٩ ]
٥٣٥ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ: "أنه نهى عن الإرفاه".
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه ابن علية، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، قال ابن علية، قال الجريري: هو كثرة التدهن.
قال أبو عبيد: وأصل هذا من ورد الإبل، وأنها إذا وردت كل يوم متى
[ ٤ / ٦٠ ]
[ما] شاءت، قيل: وردت رفهًا، قال ذلك الأصمعي.
ويُقال: قد أرفه القوم: إذا فعلت إبلهم ذلك، فهم مرفهون، فشبه كثرة التدهن وإدامته به، وقال "لبيد" - يذكر نخلًا ثابتةٌ على الماء-:
يشربن رفهًا عراكًا غير صادرةٍ فكلها كارعٌ في الماء مغتمر
٥٣٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- "أنه كان جالسًا القرفصاء".
[ ٤ / ٦١ ]
قال أبو عبيد: وهذا حديثٌ يروى عن عبد الله بن حسان، عن جدتيه عن "قيلة" عن النبي - ﷺ-.
قال أبو عبيدة: قوله: "القرفصاء" يعني أن يقعد الرجل قعدة المحتبى، ثم يحتبى بيديه يضعهما على ساقيه.
وأما الإقعاء- الذي جاء فيه النهي عن النبي - ﷺ- أن يُفعل في الصلاة- فقد اختلف الناس فيه.
فقال أبو عبيدة: هو أن يُلصق اليتيه بالأرض، وبنصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض.
وأما تفسير الفقهاء، فهو أن يضع اليتيه على عقبيه بين السجدتين شبيهٌ بما يُروى عن العبادلة: عبد الله بن عباسٍ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير
[ ٤ / ٦٢ ]
[- ﵃-].
قال أبو عبيدٍ: وقول أبي عبيدة أشبه بكلام العرب، وهو المعروف عندهم. وذلك بيِّن في بعض الحديث أنه نهى أن يُقعى الرجل كما يُقعى السبع، ويقال [٣٦٣] كما يُقعى الكلب، وليس الإقعاء في السباع إلا كما قال أبو عبيدة. وقال أبو عبيد: وقد روي عن النبي - ﷺ- أنه أكل مرةً مقعيًا، فكيف يمكن أن يكون فعل هذا وهو واضعٌ أليتيه على عقبيه.
وأما الحديث الآخر: "أنه نهى عن عقب الشيطان في الصلاة" فإنه أن يضع
[ ٤ / ٦٣ ]
[الرجل] أليتيه على عقبيه في الصلاة بين السجدتين، وهو الذي يجعله بعض الناس الإقعاء.
وأما حديث عبد الله بن مسعود "أنه كره أن يسجد الرجل متوركًا أو مضطجعًا" حدثنا أبو عبيد: قال حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن عبد الله.
[قال أبو عبيد]: قوله: متوركًا: يعني أن يرفع وركيه إذا سجد حتى يُفحش في ذلك.
وقوله: مضجعًا: يعني أن يتضام ويُلصق صدره بالأرض، ويدع التجافي في سجوده.
ولكن يقول بين ذلك:
ويُقال: التورك هو أن يُلصق أليتيه بعقبيه في السجود.
وأما حديث "ابن عمر" [﵀] أنه كان لا يُفرشح رجليه في الصلاة
[ ٤ / ٦٤ ]
ولا يُلصقهما".
حدثنا أبو عبيد، قال: حدثنيه حجاج، عن ابن جريج، عن نافعٍ، عن ابن عمر. قوله: يفرشح [رجليه]: فالفرشحة: أن يفرج بين رجليه في الصلاة ويباعد إحداهما من الأخرى، فيقول: لا تفعل ذلك، ولا تلصق إحداهما بالأخرى، ولكن بين ذلك.
وأما افتراش السبع- الذي جاء فيه النهي-، فهو: أن يلصق الرجل ذراعيه بالأرض في السجود، فكذلك تفعل السباع.
وأما التفاج: فإنه تفريج ما بين الرجلين.
[ ٤ / ٦٥ ]
ومنه حديث النبي -ﷺ أنه كان إذا بال تفاج. وفي بعض الحديث: قال بعض الصحابة: حتى نأوي له.
وأما الفشجُ فهو دون التفاج، ومنه: حديث الأعرابي الذي دخل المسجد في عهد النبي - ﷺ- فلما كان في ناحيةٍ منه فشج فبال.
حدثنا أبو عبيد، قال: وحدثناه يزيد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وبعضهم يرويه: "فشج" بتشديد الشين.
[ ٤ / ٦٦ ]
٥٣٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث [٣٦٤] النبي - ﷺ- حين أمر عامر بن ربيعة، وكان رأي سهل بن حنيفٍ يغتسل فعانه".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه حجاج: عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، أن عامر بن ربيعة رأى سهل بن حنيفٍ يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم [قط] ولا جلد مخبأةٍ، فلبط به حتى ما يعقل
[ ٤ / ٦٧ ]
من شدة الوجع، فقال رسول الله - ﷺ-: "أتتهمون أحدًا؟ قالوا: نعم. عامر بن ربيعة، وأخبروه بقوله، فأمر رسول الله - ﷺ- أن يغسل له. ففعل، فراح مع الركب".
قال: قال الزهري: يؤتي الرجل العائن بقدح، فيدخل كفه فيه، فيمضمض، ثم يمجه في القدح، ثم يغسل وجهه في القدح، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على كفه اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على كفه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على مرفقه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على مرفقه الأيسر، ثم يدخل يده اليسرى، فيصب على قدمه الأيمن، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على قدمه اليسرى، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى، ثم يدخل يده اليمنى، فيصب على ركبته اليسرى، ثم يغسل داخلة إزاره، ولا يوضع القدح بالأرض، ثم يصب على رأس الرجل الذي أصيب بالعين من خلفه صبةٌ واحدةٌ.
قال أبو عبيدٍ: قوله: فلُبط به، يقول: صُرع.
يقال: لُبط بالرجل يُلبط لبطًا: إذا سقط.
ومنه حديث النبي - ﷺ-: "أنه خرج وقريش ملبوطٌ
[ ٤ / ٦٨ ]
بهم" يعني أنهم سقوطٌ بين يديه.
[قال]: وفي هذا لغةٌ أخرى ليست في الحديث، يقال: لبج به بمعنى لُبط به سواء.
وقوله: فأمره رسول الله - ﷺ- أن يغسل له، فقد كان بعض الناس يغلط فيه، يظن أن الذي أصابته العين هو الذي يغسلُ، وإنما هو كما فسره الزهري، يغسل العائن هذه المواضع من جسده، ثم يصبه المعين على نفسه أو يصب عليه.
[قال أبو عبيد]: ومما يبين ذلك حديث سعد بن أبي وقاص﵁- حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه إبراهيم بن سعد، عن أبيه سعد بن إبراهيم، أن سعد بن أبي وقاصٍ ركب يومًا فنظرت إليه امرأةٌ
[ ٤ / ٦٩ ]
فقالت: إن أميركم هذا ليعلم أنه أهضم الكشحين"، فرجع إلى منزله، فسقط فبلغه ما قالت المرأة، فأرسل إليها فغسلت له.
[قال أبو عبيد]: وأما قوله: ويغسل داخلة إزاره، فقد اختلف الناس في معناه، فكان [٣٦٥] بعضهم يذهب وهمه إلى المذاكير، وبعضهم إلى الأفخاذ والورك. وليس هو عندي من هذا في شيءٍ.
إنما أراد بداخلة إزاره طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده، وهو يلي الجانب الأيمن من الرجل؛ لأن المؤتزر إنما يبدأ إذا ائتزر بجانبه الأيمن، فذلك الطرف يباشر جسده، فهو الذي يُغسل.
قال: ولا أعلمه إلا وقد جاء مفسرًا في بعض الحديث هكذا.
٥٣٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "لا يغلق الرهن".
[ ٤ / ٧٠ ]
حدثنا أبو عبيدٍ: قال حدثنيه ابن مهدي، عن مالك بن أنسٍ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب.
وعن إسرائيل، عن إبراهيم بن عامرٍ القرشي، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، يرفعانه إلى النبي - ﷺ-.
[قال أبو عبيد]: قوله: "لا يغلق الرهن" قد جاء تفسيره عن غير واحد من الفقهاء. حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرة، عن إبراهيم في رجلٍ دفع إلى رجل رهنًا، وأخذ منه دراهم، فقال الرجل: إن جئتك بحقك إلى كذا وكذا، وإلا فالرهن لك بحقك.
فقال إبراهيم: لا يغلق الرهن.
[ ٤ / ٧١ ]
قال أبو عبيد: فجعله جوابًا لمسألته.
وقد رُوي عن طاوس نحو هذا. بلغني ذلك عن ابن عيينة، عن عمروٍ، عن طاوس.
قال أبو عبيد: وأخبرني ابن مهدي، عن مالك بن أنسٍ، وسفيان بن سعيدٍ أنهما كانا يفسرانه على هذا التفسير.
وقد ذهب بمعنى هذا الحديث بعض الناس إلى تضييع الرهن، يقول: إذا ضاع الرهن عند المرتهن فإنه يرجع على صاحبه، فيأخذ منه الدين، وليس يضره تضييع الرهن.
وهذا مذهبٌ ليس عليه أهل العلم، ولا يجوز في كلام العرب أن يقال [للرهن] إذا ضاع: فقد غلق، إنما يقال: [قد] غلق إذا استحقه المرتهن فذهب به، وهذا كان من فعل أهل الجاهلية، فرده رسول الله - ﷺ- وأبطله بقوله: "لا يغلق الرهن".
[ ٤ / ٧٢ ]
وقد ذكر بعض الشعراء ذلك في شعره، قال "زهيرٌ" يذكر امرأة [٣٦٦]:
وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
يعني أنها [قد] ارتهنت قلبه، فذهبت به، فأي تضييع ها هنا.
وأما الحديث الآخر في الرهن: "له غنمه، وعليه غرمه".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثنيه كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب يرفعه أنه قال ذلك.
[قال أبو عبيد]: وهذا أيضًا معناه معنى الأول لا يفترقان.
يقول: يرجع الرهن إلى ربه، فيكون غنمه له، ويرجع رب الحق عليه بحقه، فيكون غرمه عليه، ويكون شرطهما الذي اشترطا باطلًا.
هذا كله معناه إذا كان الرهن قائمًا بعينه، ولم يضع، فأما إذا ضاع فحكمه غير هذا.
[ ٤ / ٧٣ ]
٥٣٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه قال: "استحيوا من الله [﵎] ".
ثم قال: الاستحياء من الله [﵎]: ألا تنسوا المقابر والبلى، وألا تنسوا الجوف وما وعى، وألا تنسوا الرأس وما احتوى".
قال أبو عبيد: وهذا حديثٌ يُروى عن مالك بن مغولٍ، عن أبي ربيعة، عن الحسن يرفعه.
[قال أبو عبيدٍ]: قوله: "ألا تنسوا الجوف وما وعى، والرأس وما احتوى" فيه قولان:
[ ٤ / ٧٤ ]
يُقال: أراد بالجوف البطن والفرج، كما قال رسول الله - ﷺ- في الحديث الآخر: "إن أخوف ما أخاف عليكم الأجوفان".
وكالحديث الذي يُروى عن "جُندب": "من استطاع منكم ألا يجعل في بطنه إلا حلالًا، فإن أول ما يُنتن من الإنسان بطنه".
وقوله: [و] الرأس [وما احتوى] يريد ما فيه من السمع والبصر واللسان، ألا يستعمل ذلك إلا في حله.
وأما القول الآخر يقول: لا تنسوا الجوف وما وعى، يعني القلب وما وعى من معرفة الله [﵎] والعلم بحلاله وحرامه ألا يضيع ذلك. ويريد بالرأس وما احتوى: الدماغ. وإنما خص القلب والدماغ؛ لأنهما مجتمع العقل ومسكنه. ومن ذلك حديث النبي - ﷺ-: "إن في الجسد
[ ٤ / ٧٥ ]
لمضغةٌ إذا صلحت صلح بها سائر الجسد، وإذا فسدت [٣٦٧] فسد بها سائر الجسد، وهي القلب".
٥٤٠ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "أنه نهى عن لبستين: اشتمال الصماء، وأن يحتبى الرجل بثوبٍ واحدٍ ليس بين فرجه وبين السماء شيء".
[ ٤ / ٧٦ ]
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثنيه يزيد بن هارون، عن محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ-.
[قال أبو عبيد]: قال الأصمعي: اشتمال الصماء عند العرب: أن يشتمل الرجل بثوبه، فيجلل به جسده كله، ولا يرفع منه جانبًا، فيخرج منه يده وربما اضطجع فيه على هذه الحالة.
قال أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لا يدري لعله يصيبه شيءٌ يريد الاحتراس منه، وأن يقيه بيديه، فلا يقدر على ذلك؛ لإدخاله إياهما في ثيابه، فهذا كلام العرب.
وأما تفسير الفقهاء: فإنهم يقولون: هو أن يشتمل بثوبٍ واحدٍ ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه. والفقهاء أعلم بالتأويل في هذا، وذلك أصح معنى في الكلام، والله أعلم.
[ ٤ / ٧٧ ]
٥٤١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه قال: "من الاختيال ما يحب الله [﵎] ومنه ما يُبغض الله [﵎]: فأما الاختيال الذي يُبغض الله، فالاختيال في الفخر والرياء، والاختيال الذي يحب الله في قتال العدو والصدقة".
لا أعلمه إلا من حديث ابن عُلية، عن حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن
[ ٤ / ٧٨ ]
أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن جابر بن عتيكٍ، عن النبي - ﷺ.
[قال أبو عبيد]: أما قوله: الاختيال فإن أصله التجبر والكبر، والاحتقار للناس، يقول: فالله [﵎] يُبغض ذلك في الفخر والرياء، ويحبه في الحرب والصدقة.
والخيلاء في الحرب: أن تكون هذه الخلال من التجبر [والكبر] على العدو، فيستهين بقتالهم، وتقل هيبته لهم، فيكون أجرأ له عليهم. ومما يبين ذلك حديث أبي دجانة أن النبي - ﷺ- رآه في بعض المغازي، وهو يختال في مشيته، فقال:
"إن هذه لمشيةٌ يبغضها الله إلا في هذا الموضع".
وأما الخيلاء في الصدقة: فأن تعلو نفسه وتشرف، فلا تستكثر كثيرها ولا
[ ٤ / ٧٩ ]
يُعطي منها شيئًا إلا وهو له [٣٦٨] مستقلٌ.
وهذا مثل الحديث المرفوع: "إن الله يحب معالي الأمور- أو قال: معالي الأخلاق: شك أبو عبيد- ويبغض سفسافها".
حدثنا أبو عبيد: قال: حدثناه أبو معاوية، عن حجاج، عن سليمان بن سحيم عن طلحة بن عبيد الله بن كريزٍ يرفعه إلى النبي - ﷺ.
فهذا تأويل الخيلاء في الصدقة. والحرب؛ وإنما هو فيما يراد الله [﵎] به من العمل دون الرياء والسمعة.
[ ٤ / ٨٠ ]
٥٤٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أن أبيض بن حمالٍ المأربي استقطعه الملح الذي بمأربٍ فأقطعه إياه، فلما ولى قال رجلٌ: يا رسول الله! أتدري ما أقطعته؟ إنما أقطعت له الماء العد.
قال فرجعه منه.
قال أبو عبيدٍ: وهذا حديث يروى عن محمد بن يحيى بن قيسٍ المأربي، عن أبيه، عن ثمامة بن شراحيل، عن سُمي بن قيسٍ، عن
[ ٤ / ٨١ ]
شميرٍ، عن أبيض بن حمالٍ، عن النبي - ﷺ-.
قال: وسأله أيضًا: "ماذا يحمي من الأراك؟ قال: ما لم تنله أخفاف الإبل".
قال الأصمعي: قوله: الماء العد الدائم الذي لا انقطاع له [قال]:
وهو مثل ماء العين، وماء البئر، وجمع العد أعدادٌ قال ذو الرمة يذكر امرأة انتجعت ماءً عدًا؛ وذلك في الصيف إذا نشت مياه الغدر [فقال]:
دعت مية الأعداد واستبدلت بها خناطيل آجال من العين خذل
يعني: منازلها التي تركتها، فصارت بها العين.
[ ٤ / ٨٢ ]
وفي هذا الحديث من الفقه أن النبي - ﷺ- أقطع القطائع وقلما يوجد هذا في حديث مسندٍ.
وفيه: أنه لما قيل له: "إنه ماءٌ عد" ترك إقطاعه، كأنه يذهب [به]- ﷺ- إلى أن الماء إذا لم يكن في ملك أحدٍ أنه لابن السبيل وأن الناس فيه جميعًا شركاء.
وفيه أنه حكم بشيء، ثم رجع عنه، وهذا حجةٌ للحاكم إذا حكم حكمًا، ثم تبين له أن الحق في غيره، أن ينقض حكمه ذلك، ويرجع عنه.
وفيه أيضًا أنه نهى أن يُحمى ما نالته أخفاف الإبل [٣٦٩] من الأراك؛ وذلك أنه مرعى لها، فرآه مباحًا لابن السبيل، وذلك لأنه كلأ، والناس شركاء في الماء والكلأ.
وما لم تنله أخفاف الإبل، كان لمن شاء أن يحميه حماه.
٥٤٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- حين أمر بماعز بن مالك أن يُرجم، فلما ذهب به قال - ﷺ-: "يعمد أحدهم إلى المرأة المغيبة، فيخدعها بالكثبة والشيء لا أوتي بأحدٍ منهم فعل ذلك إلا جعلته نكالًا".
[ ٤ / ٨٣ ]
وهذا حديث يروى عن شعبة، عن سماك بن حربٍ، عن جابر بن سمرة، عن النبي - ﷺ-.
قال شعبة: فسألت "سماكًا" عن الكثبة، فقال: هو القليل من اللبن.
قال أبو عبيد: وهو كذلك في غير اللبن أيضًا، وكل ما جمعته من طعام أو غيره، بعد أن يكون قليلًا، فهو كثبةٌ، وجمعه كثبٌ، قال ذو الرمة يذكر أرطاة عندها أبعار الصيران [فقال]:
ميلاء من معدن الصيران قاصية أبعارهن على أهدافها كُثب
[ ٤ / ٨٤ ]
ويقال منه: كثبتُ الشيء أكثبه كثبًا: إذا جمعته، فأنا كاثبٌ، قال أوس ابن حجر:
لأصبح رتمًا دقاق الحصى مكان النبي من الكاثب
يريد بالنبي: ما نبا من الحصا إذا دُق فندر، والكاثب: الجامع لما ندر منه.
ويقال: النبي والكاثب: موضعان.
٥٤٤ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- "إياكم والقعود بالصعدات إلا من أدى حقها".
[ ٤ / ٨٥ ]
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه ابن عُلية، عن إسحاق بن سويدٍ العدوى عن يحيى بن يعمر يرفعه.
قوله: الصعدات: يعني الطرق، وهي مأخوذة من الصعيد، والصعيد: التراب، وجمع الصعيد: صُعدٌ، ثم الصعدات جمع الجمع، كما تقول: طريق وطرقٌ، ثم طرقاتٌ [٣٧٠].
قال الله - ﵎-: (فتيمموا صعيدًا طيبًا).
فالتيمم في التفسير والكلام: التعمد للشيء.
يقال منه: أممت فلانًا أؤمه أمًا، وتأممته، وتيممته، ومعناه كله تعمدته، وقصدت له، قال "الأعشى":
تيممت قيسًا وكم دونه من الأرض من مهمهٍ ذي شزن
فقوله [سبحانه]: (فتيمموا صعيدًا طيبًا) هو في المعنى - والله أعلم-
[ ٤ / ٨٦ ]
تعمدوا الصعيد؛ ألا تراه يقول بعد ذلك: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) وكثر هذا في الكلام حتى صار التيمم عند الناس هو التمسح نفسه، وهذا كثيرٌ جائزٌ في الكلام أن يكون الشيء، إذا طالت صحبته للشيء سمي به، كقولهم: ذهبت إلى الغائط، وإنما الغائط أصله المطمئن من الأرض.
ومنه الحديث الذي يُروى: "أنه نُهي عن عسب الفحل" وأصل العسب الكراء فصار الضراب عند الناس عسبًا، ومثله في الكلام كثيرٌ.
٥٤٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث النبي - ﷺ- أنه قال "توضئوا مما غيرت النار، ولو من ثور أقطٍ".
[ ٤ / ٨٧ ]
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وعن محمد بن عمروٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أو بأحد هذين الإسنادين، عن النبي - ﷺ- قوله: "ثور أقطٍ: فالثور: القطعة من الأقط، وجمعه أثوارٌ، ويُروى أن "عمرو بن معد يكرب" قال: تضيفت بني فلانٍ، فأتوني بثورٍ وقوسٍ وكعبٍ" فأما قوله: ثورٌ، فهو: الذي ذكرنا، وأما القوس: فالشيء من
[ ٤ / ٨٨ ]
التمر يبقى في أسفل الجُلة، وأما الكعب: فالشيء المجموع من السمن.
قال أبو عبيدٍ: وأما حديث عبد الله بن عمروٍ حين ذكر مواقيت الصلاة، فقال: "صلاة العشاء إذا سقط ثور الشفق" فليس من هذا، ولكنه [٣٧١] انتشار الشفق وثورانه.
يُقال منه: قد ثار يثور ثورًا وثورانًا: إذا انتشر في الأفق، فإذا غاب ذلك حلت صلاة العشاء.
وقد اختلف الناس في الشفق، فيروى عن عبادة بن الصامت، وشداد بن أوسٍ، وابن عباسٍ، وابن عمر أنهم قالوا: هو الحمرة.
وكان مالك بن أنس، وأبو يوسف يأخذان بهذا.
وقال عمر بن عبد العزيز، وغيره: هو البياض، وهو بقيةٌ من النهار، وكان أبو حنيفة يأخذ بهذا.
قال أبو عبيد: الحمرة أحب إليَّ؛ لأن البياض إذا طلع فهو بقيةٌ من النهار.
[ ٤ / ٨٩ ]
٥٤٦ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ-: "لا غرار في صلاةٍ ولا تسليمٍ".
فالغرار: هو النقصان، يقال منه للناقة إذا نقص لبنها هي مُغارٌ قالها الكسائي، وفي لبنها غرار.
قال أبو عبيد: وأخبرني محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، قال: كانوا لا يرون بغرار النوم بأسًا، يعني أنه لا ينقض الوضوء. قال الفرزدق في مرثيته الحجاج بن يوسف:
[ ٤ / ٩٠ ]
إن الرزية بن ثقيفٍ هالك ترك العيون ونومهن غرار
أي قليلٌ.
فكأن معنى هذا الحديث: لا نقصان في صلاةٍ، يعني في ركوعها وسجودها وطهورها، كقول "سلمان [الفارسي] ": الصلاة مكيال فمن وفى له ومن طفف فقد علمتم ما قال الله [سبحانه] في المطففين.
والحديث في مثل هذا كثيرٌ. فهذا الغرار في الصلاة.
وأما الغرار في التسليم، فنراه أن يقول: السلام عليك، أو يرد فيقول: وعليك، ولا يقول: وعليكم.
والغرار أيضًا في أشياء من الكلام سوى هذا، يقال لحد الشفرة والسيف، وكل شيءٍ له حدٌ فحده غرار.
والغرار أيضًا: المثال الذي يُطبع عليه نصال السهام، قالها الأصمعي.
[ ٤ / ٩١ ]
والغرار أيضًا: أن يغر الطائر الفرخ [٣٧٢] غرارًا، يعني أن يزقه.
وقد روى بعض المحدثين هذا الحديث: "لا إغرار في صلاةٍ"- بألف- ولا أعرف هذا في الكلام، وليس له عندي وجه.
ويقال: لا غرار في صلاةٍ [ولا تسليم] أي: لا نقصان في صلاةٍ، ولا تسليم في صلاة، أي: أن المصلى لا يُسلم، ولا يُسلم عليه.
٥٤٧ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- أن حكيم بن حزامٍ قال: بايعت النبي -ﷺ- ألا أخر إلا قائمًا
[ ٤ / ٩٢ ]
قال أبو عبيد: وهذا يُروى عن شعبة، عن أبي بشرٍ، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزامٍ.
وقد أكثر الناس في معنى هذا الحديث، وماله عندي وجهٌ إلا أنه أراد بقوله: لا أخر، أي لا أموت؛ لأنه إذا مات فقد خر وسقط.
[وقوله]: إلا قائمًا يعني إلا ثابتًا على الإسلام، وكل من ثبت على شيءٍ وتمسك به، فهو قائمٌ عليه، قال الله - ﵎-: "ليسوا سواءٌ من أهل الكتاب أمةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله آناء الليل، وهم يسجدون" وإنما هذا من المواظبة على الدين، والقيام به.
وقال [الله ﷿]: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطارٍ يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينارٍ لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائمًا).
حدثنا أبو عبيدٍ قال: حدثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ في
[ ٤ / ٩٣ ]
قوله: "إلا ما دمت عليه قائمًا، قال مواكظًا، أي مداومًا.
قال أبو عبيد: ومنه قيل- في الكلام- للخليفة: هو القائم بالأمر، وكذلك فلانٌ قائمٌ بكذا وكذا: إذا كان حافظًا له متمسكًا به. وفي بعض الحديث أنه لما قال للنبي - ﷺ-: أبايعك ألا أخر إلا قائمًا، فقال: أما من قبلنا فلن تخر إلا قائمًا. أي: لسنا ندعوك ولا نبايعك إلا قائمًا، أي على الحق.
٥٤٨ - وقال أبو عبيد في حديث النبي - ﷺ- حين ذكر "مكة". فقال: "لا يختلى خلاها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد".
[ ٤ / ٩٤ ]
حدثنا أبو عبيدٍ: قال: حدثنا إسماعيل بن عياشٍ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين من بني نوفلٍ بن عبد منافٍ.
ويزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، عن رجلٍ.
قال: وحدثناه غير واحد.
قال أبو عبيد: فسألت عبد الرحمن بن مهديٍّ عن قوله: "لا تحل لقطتها إلا لمنشدٍ".
فقال: إنما معناه لا تحل لقطتها، كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشدٍ، فقال: إلا لمنشدٍ، وهو يريد المعنى الأول.
[ ٤ / ٩٥ ]
قال أبو عبيدٍ: ومذهب عبد الرحمن في هذا التفسير كالرجل يقول: والله لا فعلت كذا وكذا ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، ولكنه لقن شيئًا فلقنه.
فمعناه: أنه ليس يحل للملتقط منها إلا إنشادها، فأما الانتفاع بها فلا.
وقال غيره: لا تحل لقطتها إلا لمنشدٍ، يعني طالبها الذي يطلبها، وهو ربها. يقول: فليست تحل إلا لربها.
قال أبو عبيد: فهذا حسن في المعنى، ولكنه لا يجوز في العربية أن يقال للطالب منشدٌ، إنما المنشد المعرف، والطالب هو الناشد.
يقال منه: نشدت الضالة أنشدها نشدانًا: إذا طلبتها، فأنا ناشدٌ، ومن التعريف: أنشدتها إنشادًا، فأنا منشدٌ.
ومما لك أن الناشد هو الطالب حديث النبي - ﷺ-.
[ ٤ / ٩٦ ]
أنه سمع رجلًا ينشد ضالةً في المسجد، فقال: أيها الناشد غيرك الواجد. معناه لا وجدت، كأنه دعا عليه.
وأماقول أبي دؤاد الإيادي وهو يصف الثور، فقال:
ويصيخ أحيانًا كما اسـ ـتمع المضل لصوت ناشد
قال أبو عبيد: فإن الأصمعي أخبرني عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يعجب من هذا.
وأحسبه قال - هو أو غيره-: إنه أراد بالناشد أيضًا: رجلًا قد ضلت دابته، فهو ينشدها: يطلبها ليتعزى بذلك.
وفي هذا الحديث [٣٧٤] قولٌ ثالثٌ. أنه أراد بقوله: إلا لمنشد: أنه إن لم ينشدها، فلا يحل له الانتفاع بها، فإذا أنشدها، فلم يجد طالبها حلت له.
قال أبو عبيدٍ: ولو كان هذا هكذا لما كانت "مكة" مخصوصةً بشيءٍ دون البلاد لأن الأرض كلها لا تحل لقطتها إلا بعد الإنشاد، إن حلت أيضًا، وفي الناس من لا يستحلها. وليس للحديث عندي وجه إلا ما قال "عبد الرحمن": إنه ليس
[ ٤ / ٩٧ ]
لواجدها منها شيءٌ إلا الإنشاد أبدًا، وإلا فلا يحل له أن يمسها.
[ ٤ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ٩٩ ]