[رحمها الله]
٩٤٨ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: أن أخاها «عبد الرحمن» مات فى منامه، وأن «عائشة» أعتقت عنه تلادًا من تلاده».
قال: حدثناه «سفيان بن عيينة»، عن «يحيى بن سعيد»، عن «القاسم بن محمد»، عن «عائشة».
قال «الأصمعى» وغيره: قوله: تلادًا من تلاده: التلاد: كل مالٍ قديمٍ يرثه الرجل عن آبائه أو مال استخرجه، كالدابة ينتجها، والرقيق يولدون فى ملكه، وما أشبه ذلك. ومنه حديث «الأشعث» أنه تزوج امرأة على حكمها، فوقعت فى تلاده الغوالى، فقال «عمر»: «إنما لها صدقة نسائها».
[ ٥ / ٣٣٧ ]
ومنه حديث «عبد الله» أنه قال فى سورة «بنى إسرائيل» و«الكهف» و«مريم» و«طه» و«الأنبياء»: هن من العتاق الأول، وهن من تلادى».
قال: حدثنيه «محمد بن الحجاج»، عن «أبى إسحاق»، عن «عبد الرحمن ابن يزيد»، عن «عبد الله».
قوله: تلادى، يقول: إنهن من قديم ما أخذت من القرآن، شههن بتلاد [٦١٠] المال.
قال «أبو عبيد»: والتالد أيضًا هو التلاد، وهو المتلد، والرجل متلد.
ومنه قول «عبد الله بن عتبة» حين اختصم إليه في لآلئ فى يد أحد الخصمين، فقال: هى للمتلد.
قال: حدثناه «أبو بكر بن عياش»، عن «أبى حصين»، عن «عبد الله
[ ٥ / ٣٣٨ ]
ابن عتبة» أنه قضى بذلك.
فهذا التالد وما أشبهه من المال، وهو التليد والمتلد.
وأما الطارف والطريق، فهما جميعًا: ما استفاده الإنسان حديثًا ليس بقديم.
يقال من الطريق: اطرفت، ومن التالد: اتلدت، قال «الأعشى» يذكر التلاد والطارف:
والشربون إذا الذوارع أغليت صفو الفضال بطارف وتلاد
وهو كثير فى الشعر والكلام.
٩٤٩ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» أنها سئلت: هل كان رسول الله - ﷺ - يفضل بعض الأيام على بعض؟ فقالت: «كان عمله ديمة».
[ ٥ / ٣٣٩ ]
قال: حدثناه «هشيم»، قال: أخبرنا «مغيرة»، عن «إبراهيم»، عن «عائشة».
قال «الأصمعى» وغيره: قوله: ديمة: أصل الديمة المطر الدائم مع سكون قال «لبيد»:
باتت وأسبل واكف من ديمة يروى الخمائل دائمًا تسجامها
قال «أبو عبيد»: فأخبر أن الديمة الدائم.
قال «أبو عبيد»: فشهبت «عائشة» عمله في دوامه مع الاقتصاد، وليس بالغلو، بديمة المطر.
ويروى عن «حذيفة» شبيه بهذا حين ذكر الفتن، فقال: إنها لآتينكم ديمًا ديمًا».
[ ٥ / ٣٤٠ ]
يعنى أنها تملأ الأرض مع دوام، قال «امرؤ القيس»:
ديمة هطلاء فيها وطف طبق الأرض تحرى وتدر
قال «أبو عبيد»: ويجوز الخفض: وتدر.
٩٥٠ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «أنها كانت تحتبك تحت الدرع فى الصلاة».
قال: حدثناه «حجاج»، عن «حماد بن سلمة»، عن «أم شبيب».
عن «عائشة».
قال «الأصمعى»: الاحتباك: الاحتباء، لم يعرف إلا هذا.
[ ٥ / ٣٤١ ]
[٦١١] قال «أبو عبيد»: وليس للاحتباء هاهنا موضع، ولكن الاحتباك: شد الإزار وإحكامه، يعنى أنها كانت لا تصلى إلا مؤتزرة، وكل شئ أحكمته، وأحسنت عمله فقد احتبكته.
ويروى في تفسير قوله: ﴿السماء ذات الحبك﴾ حسنها واستواؤها، وقال بعضهم: ذات الخلق الحسن.
ومنه الحديث المرفوع في الدجال: رأسه حبك حبك، ولهذا قيل للبعير أو الفرس إذا كان شديد الخلق: محبوك.
٩٥١ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» حين قالت «ليزيد بن الأصم الهلالى» ابن أخت «ميمونة» وهى تعاتبه: «ذهبت والله «ميمونة» ورمى برسنك على غاربك».
[ ٥ / ٣٤٢ ]
قال: حدثناه: «كثير بن هشام»، عن «جعفر بن برقان»، عن «يزيد بن الأصم»، عن «عائشة».
قولها: «رمى برسنك على غاربك»: إنما هو مثل، أرادت: أنك مخلى سبيلك ليس لك أحد يمنعك مما تريد، وأصل هذا أن الرجل كان إذا أراد أن يخلى ناقته لترعى ألقى حبلها على غاربها، ولا يدعه ملقى في الأضل، فيمنعها من الرعى، ولهذا قال الناس فى رجل قال لامرأته: حبلك على غاربك: إنه طلاق إذا أراد ذلك، لأن معناه أنك مخلى سبيلك مثل تلك الناقة.
٩٥٢ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» حين سئلت عن الميت يسرح رأسه، فقالت: «علام تنصون ميتكم؟».
قال: حدثناه «هشيم» قال: أخبرنا «مغيرة»، عن «إبراهيم»، عن «عائشة».
قولها: تنصون مأخوذ من الناصبة. تقول: نصوت الرجل أنصوه نصوًا: إذا مددت بناصيته، فأرادت «عائشة»: أن الميت لا يحتاج إلى تسريح الرأس،
[ ٥ / ٣٤٣ ]
وذلك بمنزلة الأخذ بالناصبة، قال «أبو النجم»:
* إن يمس رأسى أشمط العناصى *
* كأنما فرقه مناصى *
٩٥٣ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «كنت العب مع الجوارى بالبنات، فإذا رأين رسول الله - ﷺ - انقمعن، قالت: فيسر بهن إلى».
قال: حدثناه «وكيع»، عن «هشام بن عروة»، عن «أبيه»، عن «عائشة». قولها: انقمعن: قالت: تعنى دخلن البيت، وتغيبن.
يقال للإنسان: قد [٦١٢] اقنمع وقمع: إذا دخل فى الشئ، أو دخل بعضه في بعض.
[ ٥ / ٣٤٤ ]
قال «الأصمعى»: ومنه سمى القمع الذى يصب فيه الدهن وغيره، لأنه يدخل فى الإناء. يقال منه: قمعت الإناء أقمعه.
والذى يراد من الحديث: الرخصة في اللعب التى يلعب بها الجوارى، وهن البنات، فجاءت فيها الرخصة، وهى تماثيل، وليس وجه ذلك عندنا إلا من أجل أنها لهو الصبيان، ولو كان للكبار مكروها كما جاء النهى في التماثيل كلها وفى الملاهى.
٩٥٤ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائش» ة: «إن للحم سرفًا كسرف الخمر».
قال: حدثناه «محمد بن عمر الواقدى»، عن «موسى بن على»، عن «أبيه»، عن «عائشة».
قال «أبو عمرو»: يقال: سرفت الشئ: أخطأته وأغفلته.
وقال «أبو زياد الكلابى» فى حديثه: أردتكم فسرفتكم: أى أخطأتكم، وقال «جرير بن الخطفى» يمدح قومًا:
[ ٥ / ٣٤٥ ]
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ما فى عطائهم من ولا سرف
يريد بالسرف: الخطأ، يقول: لم يخطئوا فى عطيتهم، ولكنهم وضعوها مواضعها.
وقال «محمد بن عمر»: السرف فى هذا الحديث: الضراوة، يقال: للحم ضراوة مثل ضراوة الخمر، [قال «أبو عبيد»] وهذا عندى أشبه بالمعنى، وإن لم أكن سمعت هذا الحرف فى غير هذا الحديث، والذى يذهب إلى أن السرف الخطأ، يقول: إدمانه خطأ فى النفقة.
٩٥٥ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» فى قول الله - تبارك [وتقدس] وتعالى -: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها] قالت: القلب والفتخة.
قال: حدثناه «عبد الرحمن بن مهدى»، عن «حماد بن سلمة»، عن «أم شبيب»، عن «عائشة».
[ ٥ / ٣٤٦ ]
قولها: الفتحة: تعنى الخاتم، وجمعها فتخات وفتخ، قالت امرأة فى عملٍ ذكرت أنها عملته:
* يسقط منه فتخى فى كمى *
تعنى الخواتيم.
والذى يراد من هذا الحديث أنه لا بأس أن تبدى كفها، لأن الخاتم لا يرى إلا بإبائها، وقد روى عن «ابن عباس» فى هذه الآية أنها الكحل [٦١٣] والخاتم.
قال: حدثناه «مروان بن شجاع»، عن «خصيف»، عن «عكرمة»، أو غيره [الشك من «أبى عبيد»] عن «ابن عباس».
قالتأويل ها هنا أنه رخص في العينين والكفين، والذى عليه العمل عندنا فى هذا قول «عبد الله».
[ ٥ / ٣٤٧ ]
قال: حدثناه «عبد الرحمن»، عن «سفيان»، عن «أبى إسحاق»، عن «أبى الأحوص»، عن «عبد الله»، قال: هى الثياب.
قال «أبو عبيد»: يعنى ألا يبدين زينتهن إلا الثياب.
٩٥٦ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» [- رحمها الله -]: «لقد رأيتنا ومالنا طعام إلا الأسودان التمر والماء».
قال: حدثناه «يزيد»، عن «محمد بن عمر»، عن «أبى سلمة»، عن «عائشة».
قال «الأصمعى»، و«الأحمر»، و«ابن الكلبى»، وعدة من أهل العلم، ذكر كل واحد منهم بعض هذا الكلام دون بعض.
[ ٥ / ٣٤٨ ]
قولها: الأسودان، وإنما السواد للتمر خاصة دون الماء، فنعتتهما جميعًا ينعت أحدهما، وكذلك تفعل العرب في الشيئين يكون أحدهما مضمومًا مع الآخر، كالرجلين يكونان صديقين لا يفترقان، أو أخوين، وغير ذلك من الأشياء، فإنهم يسمونهما جميعًا باسم الأشهر منهما، ولهذا قال الناس: سنة العمرين، وإنما هما «أبو بكر»، و«عمر».
قال: وأنشدنى «الأصمعى» و«ابن الكلبى» جميعًا فى مثل هذا «لقيس بن زهير بن جذيمة» يعاتب «زهدمًا» و«قيسًا» ابنى «جزء»:
جزاءنى الزهدمان جزاء سوء وكنت المرء يجزى بالكرامه
فقال: الزهمدان، وإنما هما «زهدم» و«قيس»، وأنشدنى «الأصمعى» لشاعر آخر يعاتب أخوين، يقال لأحدهما: «الحر»، والآخر «أبى»، فقال:
[ ٥ / ٣٤٩ ]
ألا من مبلع الحرين عنى مغلغلة وخص بها أبيا
فقد بين لك أن أحدهما «أبى» وقد سماهما «الحرين»، وأبين من هذا كله قول الله - ﵎ -: ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ وإنما هما أب وأم، وقال:
﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾، فكثر هذا في كلامهم، حتى قالوه فى الأرضن وغيرهما. قال: وأنشدنى «الأحمر»:
* نحن سببنا أمكم مقربًا *
* حين صبحنا الحيرتين المنون *
يريد «الحيرة» و«الكوفة».
ومنه قول «سلمان»: «أحيوا ما بين العشاءين» وإنما هما المغرب والعشاء ومنه الحديث المرفوع: «بين كل أذانين صلاة لمن شاء» وإنما هو الأذان
[ ٥ / ٣٥٠ ]
والإقامة، ومنه: «البيعان بالخيار مالم يتفرقا»، وإنما هو البائع والمشترى.
قكل هذا حجة لمن قال: إن العمرين: «أبو بكر» و«عمر» وليس قول من يقول: إنما هما «عمر بن الخطاب» و«عمر بن عبد العزيز» بشئ، إنما هذا من قلة المعرفة بالكلام، وإنما قالوا: «العمرين» فيما نرى، ولم يغلبوا «أبا بكر» وهو المقدم على «عمر»، لأنه أخف فى اللفظ من أن يقولوا «أبو يكرين» واصح فى المعنى، وإنما شأن العرب ما خف على ألسنتها من الكلام.
وقد حدثنى «الفراء» مع هذا عن «معاذ الهراء» وكان ثقة، قال: لقد قيل: سنة العمرين قبل خلافة «عمر بن عبد العزيز».
[ ٥ / ٣٥١ ]
٩٥٧ - وقال «أبو عبيد» - فى حديث «عائشة»: «توفى رسول الله - ﷺ - بين سحرى ونحرى، وبين حاقنتى وذاقنتى».
[قال] بلغنى هذا الحديث عن «الليث بن سعد»، عن «يزيد بن عبد الله بن الهاد»، عن «موسى بن سرجس»، أو غيره، عن «القاسم بن محمد»، عن «عائشة».
قال «أبو زيد» وبعضه عن «أبى عمرو»، وغيره.
قولها: سحرى ونحرى: فالسحر: ما تعلق بالحلقوم، ولهذا قيل للرجل، إذا جبن: قد انتفح سحره، كأنهم إنما أرادوا الرئنة وما معها.
[ ٥ / ٣٥٢ ]
وأما الحاقنة: فقد اختلفوا فيها، فكان «أبو عمرو» يقول: هى النقرة التى بين الترقوة وحبل العاتق، قال: وهما الحاقنتان، قال: والذاقنة: طرف الحلقوم.
وقال «أبو زيد»: يقال فى مثل: «لألحقن حواقنك بذواقنك».
قال «أبو عبيد»: فذكرت ذلك للأصمعى، فقال: هى الحاقنة والذاقنة، ولم أره وقف منهما على حد معلوم، والقول عندى ما قال «أبو عمرو».
قال «أبو عبيدة»: هو السحر، وقال «الفراء»: هو السحر، قال «أبو عبيد»: [٦١٥] وأكثر قول العرب على ما قال «أبو عبيدة».
٩٥٨ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «كان النبى - ﷺ - يصبح جنبًا فى شهر رمضان من قراف غير احتلام.
[ ٥ / ٣٥٣ ]
ثم يصوم».
القراف: هاهنا الجماع، وكل شئ خالطته وواقعته فقد قارفته.
ومنه قوله «لعائشة» - حين تكلم فيها أهل الإفك -: «إن كنت قارفت ذنبًا فتوبى إلى الله منه».
ومنه الحديث المرفوع أن رجلًا شكا إليه وباء بأرض، فقال: «تحولوا عنها، فإن من القرف التلف» يعنى ما يخالطها من الوباء، يقول: إذا قارفتم الوباء كان منه التلف. فأردات «عائشة» [رحمها الله] أنه يقارف أهله بالجماع، ثم يصبح جنبًا، ثم يصوم.
[ ٥ / ٣٥٤ ]
ومنه يقال: قرفت فلانًا بكذا وكذا: أى اتهمته بانه قد واقعه، وقال «ذو الرمة» يذكر ببضة:
نتوج ولم تقرف بما يمتنى له إذا نتجت ماتت وحى سليلها
قوله: نتوج، يقول: هى حامل بالفرخ من غير أن يقارفها فحل، وقوله: يمتنى له من المنى، إذا نتجت: يعنى البيضة يخرج فرخها.
وقوله: ماتت: يعنى البيضة تنكسر، ويحيا سليلها: يعنى الفرخ.
٩٥٩ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» فيمن جعل ماله في رتاج الكعبة: «أنه يكفره ما يكفر اليمين».
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «منصور بن عبد الرحمن الحجبى»، عن أمه «صفية»، عن «عائشة».
قولها: رتاج الكعبة: الرتاج: هو الباب نفسه، وهى لم ترد الباب بعينه،
[ ٥ / ٣٥٥ ]
إنما أرادت من جعل ماله هديًا إلى الكعبة، أو فى كسوة الكعبة والنفقة عليها، ونحو ذلك، فرأت أنه يجزئه كفارة اليمين، وهذا رأى من اتبع الأثر، وقال به.
وقد روى مثله عن «حفصة» و«ابن عمر» و«ابن عباس».
قال «أبو عبيد»: فقول هؤلاء أولى بالتباع.
وأما قولها: الرتاج: فكل باب رتاج، فإذا أغلق قيل: فد ارتج، ومن هذا قيل للرجال إذا لم يحضره منطق: قد ارتج عليه، يقول: كأنه قد انغلق عنه وجه المنطق.
ومنه حديث «ابن عمر»، قال: حدثناه «ابن علية»، عن «أيوب»، عن «نافع»، عن «ابن عمر» أنه صلى بهم المغرب، فقال: «ولا الضالين» ثم ارتج عليه.
فقال «نافع» [٦١٦]: فقلت له: «إذا زلزلت»، فقال: «إذا زلزلت».
وفى هذا الحديث الرخصة فى الفتح على الإمام، ألا ترى «ابن عمر» لم يعب عليه.
وكذلك يروى عن «على» [- ﵁ -]: «إذا استطعمكم الإمام فأطعموه».
[ ٥ / ٣٥٦ ]
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «ليث»، عن «عبد الأعلى»، عن «أبى عبد الرحمن»، قال «إسماعيل»: أحسبه عن «على».
قال «أبو عبيد»: هكذا خفظته أنا عنه، قال: ثم بلغنى يعد عنه أنه كان لا يشك فيه.
قال: وحدثنا «هشيم» قال: أخبرنا «محمد بن عبد الرحمن»، عن «أبى جعفر القارى» قال: رأيت «أبا هريرة» يفتح على «مروان» فى الصلاة، وفى هذا أحاديث كثيرة.
٩٦٠ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» فى المرأة توضأ، وعليها الخضاب، قالت: «اسلتيه وأرغميه».
قال: حدثناه «هشيم» و«معاذ»، عن «ابن عون»، عن «أبى سعيد» ابن أخى أم المؤمنين «عائشة» من الرضاعة، عن «عائشة».
قولها: أرغميه، تقول: أهينيه، وارمى به عنك، وإنما أصل هذا من
[ ٥ / ٣٥٧ ]
الرغام، وهو التراب، وأحسبه اللين منه، قال «لبيد»:
كأن هجانها متأبضات وفى الأقران أصورة الرغام
فكأن «عائشة» أرادت ألقيه فى التراب.
٩٦١ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» حين قالت: «خرجت أقفو آثار الناس يوم الخندق، فسمعت وئيد الأرض خلفى، فالتقت، فإذا أنا يسعد بن معاذ».
قال: حدثناه «يزيد»، عن «محمد بن عمرو»، عن «أبيه»، عن «جده»، عن «عائشة» فى حديث طويل.
قولها: وئيد الأرض: تعنى الصوت من شدة وطئه.
وفى الحديث أن «النبى» - ﷺ - لما انصرف من الخندق، ووضع لأمته، أتاه «جبريل» [- ﵇ -]، فأمره باالخروج إلى «قريظة».
[ ٥ / ٣٥٨ ]
اللأمة: الدرع، وجمعها لؤم على مثال فعل، وهذا على غير قياس، ومنها [٦١٧] قيل: قد استلام الرجل: إذا لبسها، فهو مستلئم.
وفي الحديث أنها ذكرت جراحة «سعد» فقالت: «وقد كان رقا كلمه وبرا، فلم يبق إلا مثل الخرص»، والخرص: الحلقة الصغيرة من الحلى كحلقة القرط أو نحوها، ويقال لتلك الحلقة: الخوق، وأنشدنى «الأصمعى»:
* كأن خوق قرطها المعقوب *
* عغلى دباة أو على يعسوب *
[ ٥ / ٣٥٩ ]
ويقال أيضًا للشئ اليسير من الحلى: خريصيصة، يقال: ما عليها خريصيصة، وما عليها هلبسيسة، ولا يقال ذلك إلا فى الجحد، لا يقال فى الوجوب.
وكذلك المقطع من الحلى إنما هو اليسير القليل، ومنه الحديث المرفوع: «أنه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا».
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «خالد الحذاء»، عن «ميمون القناد»، عن «أبى قلابة»، عن «معاوية»، عن «النبى» - ﷺ -.
[ ٥ / ٣٦٠ ]
قال «أبو عبيد»: فسر لنا أن المقطع هو الشئ اليسير منه مثل الحلقة والشذرة ونحوها.
٩٦٢ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» أن امرأة قالت لها: أاقيد جملى؟ . فقالت: نعم، فقالت: أأقيد جملى؟، فلما علمت ما تريد، قالت: «وجهى من وجهك حرام».
قال: حدثناه «يزيد»، عن «ابن عون»، عن «إبراهيم»، عن «الأسود»، عن «عائشة» ثم شك فى إسناده بعد.
قولها: أأقيد جملى: تعنى زوجها، وتقييده: أن تؤخذه عن النساء، وإنما كرهت هذا، لأنه سحر، وهو شبيه يقول «عبد الله» في التولة: إنها شرك» إلا أن المؤخذ من البغض، والتولة من الحب، وكلاهما سحر، قال الله
[ ٥ / ٣٦١ ]
-﵎ -: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾.
٩٦٣ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «لا تؤدى المرأة حق زوجها، حتى لو سألها نفسها وهى على ظهر قتب لم تمنعه».
قال «أبو عبيد» [٦١٨]: كنا نرى أن المعنى أن يكون ذلك، وهى تسير على ظهر البعير، فجاء التفسير فى بعض الحديث بغير ذلك، جاء: «أن المرأة كانت إذا حضر نفاسها أجلست على قتب، ليكون أسلس لولادتها».
قال «أبو عبيد»: هذا بلغنى عن «ابن المبارك»، عن «معمر»، عن «يحيى ابن شهاب»، قال: حدثتنى امرأة أنها سمعت «عائشة» تقول ذلك.
قال: قال «معمر»: فمن ثم جاء الحديث: «ولو كانت على قتب».
وهذا أشبه بالمعنى من الذى كنا نراه، وأولى بالصواب.
٩٦٤ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» قالت: «قدم وفد الحبشة، فجعلوا يزفنون ويلعبون، و«النبى» - ﷺ - قائم ينظر
[ ٥ / ٣٦٢ ]
إليهم، فقمت، وأنا مستترة خلفه، فنظرت حتى أعييت، ثم قعدت، ثم قمت، فنظرت حتى أعييت، ثم قعدت، ورسول الله - ﷺ - قائم ينظر، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن المشتهية للنظر».
قال: حدثنيه «محمد بن كثير»، عن «الأوزاعى»، عن «الزهرى»، عن «عروة»، عن «عائشة».
قولها: فاقدروا قدر الجارية الحديثة: تقول: إن الجارية الحديثة السن، المشتهية للنظر هى شديد الحب للهو، تقول: فأنا مع حبى له قد قمت مرتين، حتى أعييت، ثم قعدت، و«النبى» - ﷺ - فى ذلك كله قائم ينظر، فكم ترون أن ذلك كان تصف طول قيامه للنظر.
وليس وجه هذا الحديث أن يكون فيه شئ من المعازف، ولا فيه ذكره، وليس فى هذا حجة فى الملاهى المكروهة، مثل المزاهر والطيول، وما أشبهها، لأن تلك بأعيانها قد جاءت فيها الكراهة، وإنما الرخصة فى الدف، وإنما هو كما قالت: الزفن واللعب.
[ ٥ / ٣٦٣ ]
٩٦٥ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» حين قالت «لمسروق»: «سأخبرك برؤيا رأيتها، رأيت كأنى على طرب، وحولى يقر ريوض، فوقع فيها رجال يذبحونها».
قال: حدثناه «على بن عاصم»، عن «حصين»، عن «أبى وائل»، عن «مسروق»، عن «عائشة».
قال: «الأصمعى»: قولها: ظرب: هو أصغر من الجبل، وجمعه [٦١٩] ظراب.
ومنه الحديث المرفوع، حين شكى إليه كثرة المطر، فقال: «اللهم حوالينا، فقوله: الإكام هى أصغر من الظراب أيضًا.
[ ٥ / ٣٦٤ ]
٩٦٦ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارق رسول الله - ﷺ - وهو محرم».
قال: حدثنيه «أبو معاوية»، عن «الأعمش»، عن «إبراهيم»، عن «الأسود»، عن «عائشة».
قال «أبو عبيد»: الوبيص: البريق. وقد وبص الشئ يبص وبيصًا، والبصيص مثله أو نحوه، يقال منه: بص يبص [بصبصا].
وإنما وجهه أنه تطيب قبل إحرامه، ثم أحرم، وهو عليه، فأما بعد الإحرام، فلايمسه حتى يرمى ويحلق.
٩٦٧ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «أنها كرهت أن تصلى المرأة عطلا، ولو أن تعلق فى عنقها خيطا».
قال: حدثنيه «الفزارى»، عن «عبد الله بن سيار»، عن «عائشة بنت طلحة»، عن «عائشة».
[ ٥ / ٣٦٥ ]
قال «أبو عبيد»: قولها: عطل: تعنى التى لاحلى عليها، يقال: امرأة عطل وعاطل، قال «ذو الرمة» يصف الظبية، ويشبه المرأة بها، [فقال]:
فعيناك عيناها ولونك لونها وجيدك إلا أنها غير عاطل
ومنه حديث «لعائشة» آخر، وذكرت لها امرأة توفيت، فقالت: «عطلوها»:
تعنى انزعوا حليها.
٩٦٨ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «الأقراء: الأطهار».
قال: حدثناه «هشيم»، قال: أخبرنا «يحيى بن سعيد»، عمن حدثه، عن «عائشة».
قال «الأصمعى» وبعضه عن «أبى عبيد» ة وغيره، يقال: قد أقرأت المرأة:
[ ٥ / ٣٦٦ ]
إذادنا حيضها، وأقرأت أيضًا: إذادنا طهرها.
قال «أبو عبيد»: فأصل الأقراء إنما هو وقت الشئ إذا حضر، قال «الأعشى» يمدح رجلًا بغزوة غزاها: [فظفر فيها وغنم]:
مورثة مالًا وفى الذكر رفعة لما ضاع فيها نم قروء نسائكا
فالقرء هاهنا الأطهار، لأن النساء لا يؤتين إلا فيها، يقول: فضاع قروء نسائك باشتغالك عنهن بالغزو.
وفى حديث آخر فى المستحاضة: أنها تدع الصلاة أيام أقرائها»، فالأقراء هاهنا الحيض.
وهذا قول «أهل العراق» يرون الأقراء: الحيض فى عدة المطلقة.
وبيت «الأعشى» فيه حجة لأهل الحجاز، لأنهم يرون الأقراء الأطهار فى العدة، وكلا القولين له معنى جائز فى كلامهم.
[ ٥ / ٣٦٧ ]
٩٦٩ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة» - فى حديث الإفك - قالت: «والنساء يؤمئذ لم يهبلهن اللحم».
قوله يهبلهن: أى لم يكثر عليهن، ويركب بعضه بعضًا حتى يرهلهن.
يقال منه: أصبح فلان مهبلًا: إذا كان مورم الوجه متهبجًا.
٩٧٠ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عائشة»: «كان النبى - ﷺ - يقبل ويباشر، وهو صائم، ولكنه كان أملككم لإربه».
قال: حدثناه «أبو معاوية»، عن «الأعمش»، عن «مسلم بن صبيح»،
[ ٥ / ٣٦٨ ]
عن «مسروق»، عن «عائشة».
قال «أبو عبيد»: قولها: لإربه، هكذا يروى فى الحديث، وهو فى الكلام المعروف لأربه والأرب: الحاجة، أو لإربته، والإربة: الحاجة أيضًا، قال الله [- ﵎ -]: ﴿غير أولى الإربة من الرجال﴾ فإن كان هذا محفوظًا، ففيه ثلاث لغات: الأرب، والإربة، والإرب.
وقد يكون الإرب - فى غير هذا - العضو، يقال له: إرب، ويقال منه: قطعته إربًا إربا.
والإرب أيضًا: الخب والمكر، ومنه: الرجل يؤارب صاحبه، ومنه قول «قيس بن الخطيم»:
أريت لدفع الحرب حتى رأيتها على الدفع لا تزداد غير تقارب
[ ٥ / ٣٦٩ ]
فقد يكون قوله: أريت، من معنيين: يكون من الأريب، وهو العاقل [٦٢١] العالم بالأشياء، يقول: كنت حاذقًا بدفعها حتى رأيتها [على الدفع] لا تزداد إلاقربًا، فقاتلت حينئذ.
ويكون أريت من الإرب، وهو المكر والخديعة، قال «الأصمعى» ذلك أو بعضه.
قال «أبو عبيد»: وفى هذا الحديث من الفقه قولها: «ولكنه كان أملككم لإربه» أنه لم يكره القبلة إنما كره ما يخاف منها، وكذلك المباشرة.
[ ٥ / ٣٧٠ ]