﵀
٧١٣ - وقال «أبو عبيد» في حديث «الزبير [بن العوام»]- ﵀ -: «أنه خاصم رجلا من الأنصار في سيول شراج الحرة إلى «النبى» - ﷺ - فقال: يا «زبير» احبس الماء حتى يبلغ الجدر».
قال: حدثنيه «حجاج»، عن «ابن جريج»، عن «ابن شهاب»، عن «عروة»، عن «عبد الله بن الزبير».
قال «الأصمعى»: الشراج مجارى الماء من الحرار إلى السهل، واحدها شرج.
[ ٥ / ١ ]
وقال «أبو عمرو» مثل ذلك، أو نحوه.
قال «الأصمعى»: وأما التلاع: فإنها مجارى أعلى الأرض إلى بطون الأودية، واحدتها تلعة.
وكان «أبو عبيدة» يقول: التلعة قد تكون ما ارتفع من الأرض، وتكون ما انحدر، وهذا عنده من الأضداد.
قال «أبو عبيد»: وأما الجدر: فهو الجدار، ومنه قول «ابن عباس» [- ﵀ -] حين سئل عن الحطيم، فقال: هو الجدر.
فيقول: احبس الماء في أرضك حتى تنتهى إلى الجدار، ثم أرسله إلى من هو أسفل [منك].
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه قضى في الماء إذا كان مشتركا بين قومٍ أن يمسك الأعلى حتى يبلغ الموضع الذي سمى، ثم يرسله إلى الأسفل، وكذلك قضى فى سيل «مهزور» وأدى «بنى قريظة» أن يحبسه حتى يبلغ الماء الكعبين، ثم يرسله، ليس له أن يحبسه أكثر من ذلك.
[ ٥ / ٢ ]
وهذا تأويل حديث «ابن مسعود»: «أهل الشرب الأسفل أمراء على أعلاه».
٧١٤ - وقال «أبو عبيد» في حديث «الزبير» - ﵀ -: «أنه كان يتزود صفيف [٤٩٣] الوحش، وهو محرم».
قال: حدثناه «أبو معاوية»، عن «هشام بن عروة»، عن «أبيه»، عن «الزبير»، إلا أنه قال: قديد، وقال غيره: صفيف.
قال «الكسائى»: الصفيف: القديد.
يقال منه: صففت اللحم أصفه صفًا: إذا قددته، قال «امرؤ القيس» فى وحش صادها، فطبخ له، وقدد:
فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء أو قدير معجل
[ ٥ / ٣ ]
الطهاة: الطباخون، والقدير: ما طبخ في القدور.
ومما يبين أن الصفيف هو القديد أنه يسمى في بعض الحديث.
وفي هذا الحديث من الرخصة في لحم الصيد يأكله المحرم إذا كان لم يقتله، ولم يعن على قتله.
٧١٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «الزبير» - ﵀ -: «أنه رأى فتية لعسا، فسأل عنهم، فقيل: أمهم مولاة للحرقة، وأبوهم مملوك، فاشترى أباهم، فأعتقه، فجر ولاءهم».
قال «الأصمعى»: اللعس: الذين في شفاهم سواد، وهو مما يستحسن، يقال منه: رجل العس، وامرأة لعساء، والجماعة منها لعس.
وقد لعس يلعس لعسا، قال «ذو الرمة» يذكر امرأة:
لمياء في شفتيها حوة لعس وفي اللثاث وفى أنيابها شنب
[ ٥ / ٤ ]
قال «أبو عبيد»: الشنب: رقة في الأسنان، وحدة من كثرة الماء.
قوله: الحواء، واللمياء: هما نحو من اللعساء، والاسم من اللمياء اللمى وفي هذا الحديث من الفقه أن المملوك إذا كانت عنده امرأة حرة مولاة لقوم، فولدت له أولادًا، فهم موال لموالى أمهم ما دام الأب مملوكًا، فإذا عتق الأب جر الولاء، فكان ولاء ولده لمواليه.
[ ٥ / ٥ ]
قال: حدثنا «سفيان بن عيينة»، عن «الأعمش»، عن «إبراهيم» قال: قال «عمر» في ذلك: إذا عتق الأب جر الولاء.
قال [٤٩٤]: حدثنا «سفيان» عن «حميد» عن «محمد بن إبراهيم» أن «عثمان» [﵁] قضى به «للزبير».
٧١٦ - قال «أبو عبيد» في حديث «الزبير» [- ﵀ -]: «أن رجلًا أتاه فقال: ألا أقتل لك «عليا»؟ قال: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به: قال: سمعت «رسول الله» - ﷺ - يقول: «قيد الإيمان الفتك، لا يفتك مؤمن».
[ ٥ / ٦ ]
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «أيوب»، عن «الحسن»، عن «الزبير».
قوله: «الفتك»: يعنى أن يأتى الرجل صاحبه، وهو غار غافل حتى يشد عليه، فيقتله، وإن لم يكن أعطاه أمانا قبل ذلك، ولكن ينبغى [له] أن يعلمه ذلك قبل، وكذلك كل من قتل رجلا غارًا، فهو فاتك به، قال: المخبل [السعدى] فى «النعمان» وكان بعث إلى «بنى عوف بن كعب» جيشا في الشهر الحرام، وكانوا آمنين غارين لمكان الشهر، فقتل فيهم، وسبى فقال: «المخبل السعدى»:
وإذ فتك النعمان بالناس محرمًا فملئ من عوف بن كعب سلاسله
قال «الأصمعى»: قوله: «محرما» ليس يعنى من إحرام الحج، ولكنه الداخل في الشهر الحرام، ومنه قول «الراعى»:
قتلوا «ابن عفان» الخليفة محرما ودعا فلم أر مثله مخذولا
وإنما جعله محرما، لأنه قتل فى آخر ذى الحجة، ولم يكن محرما بالحج، يقال: أحرمنا: دخلنا في الشهر الحرام، وأحللنا: دخلنا في الشهر الحلال، وقال «زهير»:
[ ٥ / ٧ ]
جعلن القنان عن يمين وحزنه وكم بالقنان من محل ومحرم
وليس هذا من إحرام الحج.
٧١٧ - وقال «أبو عبيد» في حديث «الزبير» [- ﵀ -]: «أنه كان يوكى بين الصفا، والمروة».
فقد ذهب بعض الناس في هذا إلى أنه [كان] يستريح في طوافه بينهما حتى [٩٥] يوكى الشئ يشده. وإنما هو عندى من إمساك الكلام، أنه يوكى فيه، فلا يتكلم.
ويحكى عن أعرابى أنه سمع رجلًا يتكلم، فقال: أوك حلقك: يعنى شد فمك، واسكت، فلا تكلم.
وإنما كره «الزبير» الكلام في السعى بينهما، كما كره كثير من الفقهاء الكلام في الطواف بالبيت، فشبه هذا بذلك.
[ ٥ / ٨ ]
وفيه تفسير آخر: أنه يروى عنه، قال: كان بوكى ما بين الصفا والمروة سعيًا، فإن كان هذا هو المحفوظ، فإن وجهه أن يملأ ما بينهما سعيًا، لا يمشى على هيئته في شئ من ذلك، وهذا مشبه بالسقاء أو غيره بملأ ماء، ثم يوكى عليه حيث انتهى الامتلاء.
[ ٥ / ٩ ]
حديث طلحة بن عبيد الله
[﵀]
٧١٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «طلحة بن عبيد الله» [- ﵀ -] حين قام إليه رجل بالبصرة، فقال: «إنا أناس بهذه الأمصار، وإنه أتانا قتل أمير، وتأمير آخر، وأتنا بيعتك، وبيعة أصحابك، فأنشدك الله ولا تكن أول من غدر. فقال «طلحة»: أنصتونى، ثم قال: إنى أخذت، فأدخلت في الحش وقربوا، فوضعوا اللج على قفى، فقالوا: لتبايعن، أو لنقتلنك، فبايعت، وأنا مكره».
قال: حدثناه «ابن علية» قال: حدثنا «أبو مسلمة سعيد بن يزيد»، عن «أبى نضرة»، عن «طلحة».
قوله: «اللج»، قال «الأصمعى»: يعنى السيف، قال: وترى أن اللج: اسم سمى به السيف كما قالوا: الصمصامة، وذو الفقار، ونحوه.
[ ٥ / ١٠ ]
ويقال فيه قول آخر: شبهه بلجة البحر في هوله، يقال: هذا لج البحر، وهذه لجة البحر.
وأما «الحش»: فالبستان، وفيه لغتان: الحش، والحش، وجمعه حشاش، وإنما سمى موضع الخلاء حشا بهذا، لأنهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين. وأما قوله: «أنصتونى»: فهو مثل قوله: انصتوا لى.
يقال: أنصته، وأنصت له [٤٩٦] مثل: نصحته، ونصحت له.
وقوله: «قفى» هى لغة «طيئ»، وكانت عند «طلحة» امرأة طائية، ويقال: إن «طيئ» لا تأخذ من لغة أحد، ويؤخذ من لغاتها.
٧١٩ - وقال «أبو عبيد» في حديث «طلحة» - ﵀ - حين رأى عليه «عمر» ثوبين مصبوغين، وهو محرم، فقال: ما هذا؟ فقال: ليس به بأس يا أمير المؤمنين، إنما هو بمشق».
قال حدثنيه «ابن علية»، عن ***، عن «نافع»، عن «أسلم»، عن
[ ٥ / ١١ ]
«عمر» [- ﵁ -] و«طلحة» [- ﵀ -].
قوله: «المشق»: يقال منه: ثوب ممشق، وهو المصبوغ بالمغرة، وكذلك قول «جابر بن عبد الله»: «كنا نلبس في الإحرام الممشق، إنما هى مدرة، وليس بطيب»، فلذلك رخص أن يلبسها المحرم.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه إنما كرهت الثياب المصبغة في الإحرام إذا كانت [قد] صبغت بالطيب كالورس، والزعفران، والعصفر، وما كان ليس بطيب، فلا بأس به.
ومنه حديث «عثمان» أنه غطى وجهه بقطيفة حمراء أرجوان، وهو محرم، وإنما كانت مصبوغة ببضع هذه الأصباغ الحمر من غير طيب.
وإنما كره «عمر» [﵁] ذلك له ألا يراه الناس لبس ثوبًا مصبوغًا، فيلبس الناس المصبغة في الإحرام.
٧٢٠ - وقال «أبو عبيد» في حديث «طلحة» [- ﵀ -]
[ ٥ / ١٢ ]
حين قال «لابن عباس» [- ﵀ -]: «هل لك أن أناحبك، وترفع «النبى» - ﷺ -».
هو من حديث «هشيم»، عن «خالد بن صفوان»، عن آخر قد سماه.
قوله: «أناحبك» كان «الأصمعى» يقول: ناحبت الرجل: إذا حاكمته، وقاضيته إلى رجل.
قال «أبو عبيد»: وأصل النحب: النذر، والشئ يجعله الإنسان على نفسه قال «لبيد»:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
يقول: أعليه نذر في طول سعيه؟، ويروى في قول الله - ﵎ -: ﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾ إن ذلك نزل في قوم كانوا تخلفوا
[ ٥ / ١٣ ]
[٤٩٧] عن «بدر» فجعلوا على أنفسهم لئن لقوا العدو ثانية ليقاتلن حتى يموتوا فقتلوا، أو قتل بعضهم «يوم أحد»، ففيهم نزلت: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾.
٧٢١ - وقال «أبو عبيد» في حديث «طلحة»، [قال]: «خرجت بفرس لى أنديه».
قال «الأصمعى» و«أبو عمرو»: التندية: أن يورد الرجل فرسه الماء حتى يشرب، ثم يرده إلى المرعى ساعة يرتعى، ثم يعيده إلى الماء.
قال «الأصمعى»: والإبل في ذلك مثل الخيل، قال: واختصم حيان من العرب في موضع، فقال أحد الحيين: مسرح بهمنا، ومخرج نسائنا، ومنذا خيلنا، وقال الشاعر يصف بعيرًا:
[ ٥ / ١٤ ]
* قريبة ندوته من محمضه*
يعنى الموضع الذى تندو فيه.
قال «أبو عمرو»: فإذا أردت أن الفرس فعل ذلك هو، ولم تفعله به، قلت: قد ندا يندو ندوًا، والندوة، والمندى واحد، وهو الموضع الذى يرعى فيه بعد السقى.
[ ٥ / ١٥ ]