[﵀]
١٠٥٩ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «عامر الشعبى» حين سئل عن رجل قبل أم امرأته، فقال: «أعن صبوح ترقق؟ حرمت عليه امرأته».
يروى هذا الحديث عن «سفيان»، عن «أبى عبد الله الشقرى»، عن «الشعبى».
قوله: عن صبوح ترقق: هذا مثل يضرب للرجل يظهر شيئًا، وهو يعرض بغيره.
قال: وأخبرنى «أبو زياد الكلابى» بأصل هذا أن رجلًا نزل بقوم، فأضافوه، وأكرموه ليلته، فجعل يقول: إذا كان غد، وأصبنا من الصبوح مضيت لحاجتى، ففعلت كذا وكذا، وإنما يريد بذلك أن يوجب الصبوح عليهم، ففطنوا له، فقالوا: [٦٥٩] «أعن صبوح ترقق»، فذهبت مثلًا لكل من قال شيئًا وهو يريد غيره.
[ ٥ / ٤٩٠ ]
وقوله: ترقق: أى يرقق كلامه، ويحسنه.
فوجه الحديث أن «الشعبى» اتهم الرجل الذى سأله عن تقبيل أم امرأته، وهو يريد أن يهون عليه، فغلظه «الشعبى»، وظن أنه يريد ما وراء ذلك.
١٠٦٠ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «الشعبى» أنه قال: «ما جاءك عن أصحاب «محمد» - ﷺ - فخذه، ودع ما يقول هؤلاء الصعافقة».
أحسبه من حديث «ابن علية».
قال «الأصمعى»: الصافقة: قوم يحضرون السوق للتجارة، ولا نقد معهم، وليست لهم رؤوس أموال، فإذا اشترى التجار شيئًا دخلوا معهم فيه، والواحد منهم صعفقى، وقال غير «الأصمعى»: صعفق، وكذلك كل من لم يكن له رأس مال فى شئ، وجمعهم صعافقة، وصعافيق، قال «أبو النجم»:
* يوم قدرنا والعزيز من قدر *
* وآبت الخيل وقضينا الوطر *
[ ٥ / ٤٩١ ]
* من الصعافيق وأدركنا المئر*
أراد بالصعافيق أنهم ضعفاء، ليست لهم شجاعة ولا قوة على قتالنا، وكذلك أراد «الشعبى» أن هؤلاء ليس عندهم فقه ولا علم بمنزلة أولئك التجار الذين ليس لهم رؤوس أموال.
١٠٦١ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «الشعبى» أنه سئل عن رجل لطم عين رجل، فشرقت بالدم، ولما يذهب صوءها، فقال «الشعبى»:
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت بأخفافها مأوى تبوأً مضجعا
قال: بلغنى هذا الحديث عن «ابن عيينة».
قال «أبو عبيد»: لم يزد «الشعبى» على هذا البيت، وهذا شعر «للراعى» يصف فيه الإبل، وراعيها، فقال: لها أمرها، يقول: للإبل أمرها فى المرعى،
[ ٥ / ٤٩٢ ]
يقول: إن الراعى يهملها فيه، ولا يحبسها عن شئ تريده، فهى تتبع ما تشتهى حتى إذا صارت إلى الموضع الذى يعجبها أقامت فيه، فإذا فعلت ذلك ألقى حينئذ عصاه، واضطجع، وهذا مثل ضربة «الشعبى» للعين المضروبة [٦٦٠] يقول: إنها تهمل كما أهملت هذه الإبل، ولا يحكم فيها بشئ حتى تأتى على آخر أمرها: إما برء، وإما ذهاب، فإذا فعلت ذلك حكم حينئذ عليه فيها بقدر ما حدث، كما فعل هذا الراعى حتى أقامت الإبل قضى أمره وأقام معها واضطجع.
١٠٦٢ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «الشعبى»: «لا تعقل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا».
قال: حدثناه «عبد الله بن إدريس»، عن «مطرف»، عن «الشعبى».
قوله: عمدًا: يعنى أن كل جناية عمد ليست بخطأ، فإنها فى مال الجانى خاصة.
[ ٥ / ٤٩٣ ]
وكذلك الصلح: ما اصطلحوا عليه من الجنايات فى الخطأ، فهو أيضًا فى مال الجانى. وكذلك الاعتراف إذا اعترف الرجل بالجناية من غير بينة تقوم عليه، فإنها فى ماله، وإن ادعى أنها خطأ، لأنه لا يصدق الرجل على العاقلة.
وأما قوله: ولا عبدًا، فإن الناس قد اختلفوا فى تأويل هذا، فقال لى «محمد بن الحسن»: إنما معناه أن يقتل العبد حسرًا، يقول: فليس على عاقلة مولاه شئ من جناية عبده، إنما جنايته فى رقبته أن يدفعه [مولاه] إلى المجنى عليه، أو يفديه، واحتج فى ذلك بشئ رواه عن «ابن عباس».
قال «محمد بن الحسن»: حدثنى «عبد الرحمن بن أبى الزناد»، عن «أبيه»،عن «عبيد الله بن عبد الله»، عن «ابن عباس» قال: «لا تعقل العاقلة عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما جنى المملوك».
قال «محمد»: أفلا ترى أنه قد جعل الجناية جناية المملوك؟ وهذا فى قول «أبى حنيفة».
[ ٥ / ٤٩٤ ]
وقال «ابن أبى ليلى»: إنما معناه أن يكون العبد يجنى عليه، يقتله حر أو يجرحه، يقول: فليس على عاقلة الجانى شئ، إنما ثمنه فى ماله خاصة.
قال: فذاكرت «الأصمعى» ذلك، فإذا هو يرى القول فيه قول «ابن أبى ليلى» على كلام العرب، ولا يرى قول «أبى حنيفة» جائزًا، يذهب إلى أنه لو كان المعنى على ما قال لكان الكلام: لا تعقل العاقلة عن عبد [ولم يكن]، ولا تعقل عبدًا، وهو عندى كما قال «ابن أبى ليلى» [٦٦١]، وعليه كلام العرب.
١٠٦٣ - وقال «أبو عبيد» في حيث [«عامر] الشعبى»: «يعتصر
[ ٥ / ٤٩٥ ]
الوالد على ولده فى ماله».
يحدثه «ابن إدريس»، عن «إسماعيل بن أبى خالد»، عن «الشعبى».
قوله: يعتصر، يقول: له أن يحبسه عنه، ويمنعه إياه، وكل شئ حبسته، ومنعته، فقد اعتصرته، قال «ابن أحمر»:
وإنما العيش بريانه وأنت من أفنانه معتصر
قال «أبو عبيد»: ويروى: مفتقر.
ويقال: عصرت الشئ أعصره من هذا، قال «طرفة»:
لو كان فى أملاكنا أحد يعصر فينا كالذى تعصر
١٠٦٤ - وقال «أبو عبيد» فى حديث [«عامر] الشعبى»: أنه كره أن
[ ٥ / ٤٩٦ ]
يسف الرجل النظر إلى أمه وابنته وأخته».
قال: الإسفاف: شدة النظر، وحدته، وكل شئ لزم شيئًا أو لصق به، فهو مسف، قال «عبيد» يذكر سحابًا قد تدلى حتى لصق بالأرض أو قرب منها:
دان مسف فويق الأرض هيدبه يكاد يدفعه من قام بالراح
[ ٥ / ٤٩٧ ]