[﵄]
٨٩١ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» حين قيل: «لو رأيت «ابن عمرو» ساجدًا لرأيته مقلوليًا».
قال: المقلولى: المتجافى المستوفز، قال: وأنشدنى «الأحمر»:
تقول إذا اقلولى عليها وأقردت ألاهل أخو عيش لذيذ بدائم
وقال الآخر:
* قد عجبت منى ومن يعيليا *
* لما رأتنى خلقًا مقلوليا *
قوله: يعيليا: تصغير يعلى، والمقلولى: المستوفز الذى ليس بمطمئن.
[ ٥ / ٢٦٣ ]
وبعض المحدثين كان يفسر مقلوليا،] قول: قال: كأنه على مقلى، وليس هذا بشئ، إنما هو من التجافى في السجود، كحديث «على» [- رضوان الله عليه -]:
«وإذا صلى الرجل فليخو، وإذا صلت المرأة فلتحتفز».
قال: حدثنيه «أبو نوح»، عن «يونس بن أبى إسحاق»، عن «أبيه»، عن «الحارث»، عن «على».
قوله: فليخو: يعنى يتفتح ويتجافى حتى يخو ما بين عضدبه وجنبيه. وكالحديث المرفوع: «أنه كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه».
وأما قول «على»: «إذا صلت المرأة فلتحتفز»: يقول: تضام إذا جلست وإذا سجدت.
٨٩٣ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه نام وهو جالس
[ ٥ / ٢٦٤ ]
حتى سمع جخيفه، ثم قام، فصلى، ولم يتوضأ»
قوله: جخيفة: يعنى الصوت، ولم اسمعه في الصوت إلا في هذا الحديث، والجخيف في غير هذا: الكحبر، وقد يكون الكثرة، قال الشاعر:
أراهم بحمد الله بعد جخيفهم غرابهم إذا مسه الفتر واقعا
فإن كان هذا الحرف محفوظًا، فإنه شبه غطيطه في النوم وكثرته بذلك.
وهذا رخصة في النائم جالسًا أنه لا وضوء عليه، والحرف المعروف في هذا الموضع الفخيخ.
ومنه حديث «ابن عباس» حين قال: بت عند النبى - ﷺ -[٥٨٤] فنام حتى سمعت فخيفخة، ثم صلى، ولم يتوضأ»، يريد بالفخيخ: الغطيط، والذى يراد من الجخيف هذا المعنى أيضًا.
[ ٥ / ٢٦٥ ]
قال «أبو عبيد»: والذى عندى في حديث النبى - ﵇ -: أنه لا حجة فيه لأحد فعل ذلك، لأن النبى - ﷺ - قال: «تنام عيناى، ولا ينام قلبى».
قال: حدثنيه «يحيى بن سعيد»، عن «ابن عجلان»، عن «أبيه»، عن «أبى هريرة»، عن «النبى» - ﷺ -.
٨٩٣ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه كان يفضى بيديه إلى الأرض إذا سجد، وهما تضبان أو تقطران دما».
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «أيوب»، عن «نافع»، عن «ابن عمر».
[ ٥ / ٢٦٦ ]
قوله: تضبان: الضب: هو درن السيلان الشديد، يقال منه: ضب يضب، ويضب بيض، مثل جذب وجبذ، وقال «بشر بن أبى خازم»:
وبنى تميم قد لقينا منهم خيلًا تضب لثاتها للمغنم
والذى في حديث «ابن عمر» من الفقه: أنه لم ير الدم السائل ينقص الوضوء.
وهذا شبيه بحديث «ابن عباس» أنه كان يقول: «إذا كان الدم كثيرًا، فإنه ينقض الوضوء، وإن لم يكن كثيرًا فاحشًا فلا».
وكذلك فعل «ابن عمر»، لأن الضب سيل، وليس بالكثير.
وفيه أيضًا: أنه أخرج يديه من كميه، ولم يسجد، وهما في الكمين، وقد رخص في ذلك غيره من أصحاب النبى - ﷺ -.
[ ٥ / ٢٦٧ ]
قال: حدثنا «حفص بن غياث»، عن «ليث»، عن «الحكم»: أن «سعدًا» صلى بالناس في مستقة يداه فيها. والمستقة: الفرو الطويل الكمين.
٨٩٤ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» أن رجلًا قال له: «إن عندنا بيعًا له بالنقدر سعر، وبالتأخير سعر، فقال: ما هو؟ فقال: سرق الحرير.
فقال: إنكم معشر أهل العراق تسمون أسماء منكرة، فهلا قلت: شقق الحرير، [٥٨٥] ثم قال: إذا اشتريت، فكان لك، فبعه كيف شئت».
قال: حدثناه «هشيم»، قال: أخبرنا «يونس بن عبيد»، عن «يزيد بن أبى بكر»، عن «ابن عمر».
وقال «هشيم» مرة أخرى، عن «يزيد بن أبى بكر».
قوله: سرق الحرير: هى الشقق أيضًا، كما قال «ابن عمر» إلا أنها البيض منها خاصة، قال الراجز:
* ونسجت لوامع الحرور *
[ ٥ / ٢٦٨ ]
* سبائبا كسرق الحرير *
والواحدة منها: سرقة.
قال «أبو عبيد»: وأحسب أصل هذه الكلمة فارسية، إنما هو سره: يعنى الجيد، فعرب، فقيل: سرق، فجعلت القاف مكان الهاء، ومثله في كلامهم كثير، منه: قولهم للخروف: برق، وإنما هو بالفارسية بره، وكذلك يلمق إنما هو بالفارسية يلمه، يعنى القباء، والاستبرق مثله، إنما هو استبره: يعنى الغليظ من الديباج، وهكذا تفسير في القرآن.
قال حدثناه «يحيى بن سعيد»، عن «ابن أبى عروبة»، عن «قتادة»، عن «عكرمة». [قال «أبو عبيد»]: فصار هذا الحرف بالفارسية فى القرآن مع أحرف سواه، وقد سمعت «أبا عبيدة» يقول: من زعم أن في القرآن لسانًا سوى العربية، فقدأعظم على الله القول، واحتج بقوله [- تعالى -]: ﴿إنا جعلناه قرآنًا عربيًا﴾ وقد روى عن «ابن عباس» و«مجاهد» و«عكرمة»
[ ٥ / ٢٦٩ ]
وغيرهم في أحرف كثيرة أنه من غير لسان العرب، مثل: سجيل، والمشكاة، واليم، والطور، وأباريق، وإستبرق، وغير ذلك، فهؤلاء أعلم بالتأويل من «أبى عبيدة»، ولكنهم ذهبوا إلى مذهب، وذهب هذا إلى غيره، وكلاهما مصيب، إن شاء الله، وذلك أن أصل هذه الحروف بغير لسان العرب في الأصل، فقال أولئك على الأصل، ثم لفظت به العرب بألسنتها، فعربته، فصار عربيًا بتعريبها إياه، فهى عربية في هذه الحال، عجمية الأصل، فهذا القول يصدق الفريقين جميعًا.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه لم ير بأسًا أن يكون للبيع سعران: أحدهما بالتأخير، والآخر بالنقد، إذا فارقه على أحدهما، فأما إذا فارقه [٥٨٦] عليهما جميعًا، فهو الذى قال «عبد الله» صفقتان في صفقة ربا، ومنه الحديث المرفوع: «أنه نهى عن بيعتين في بيعة».
٨٩٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «حين دخل عليه «سعيد بن جبير»، فسأله عن حديث المتلاعنين، وهو مفترش برذعة رحله،
[ ٥ / ٢٧٠ ]
متوسد مرفقة ادم حشوها ليف أو سلب».
قال: حدثنا «يزيد»، عن «عبد الملك بن أبى سليمان»، عن «سعيد بن جبير»، عن «ابن عمر».
قال «يزيد»: السلب: ليف المقل.
قال «أبو عبيد»: فسألت عن السلب، فقيل: ليس بليف المقل، ولكنه شجر معروف باليمين، تعمل منه الحبال، وهو أجفى من ليف المقل وأصلب.
٨٩٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: أنه رأى [رجلًا] محرمًا قد استظل، فقال: «اضح لمن أحرمت له».
قال: حدثناه «يزيد»، عن «العمرى»، عن «نافع»، عن «ابن عمر».
قوله: أضح: المحدثون يقولونه بفتح الألف وكسر الحاء من أضحيت فأنا أضحى، وقال «الأصمعى»: إنما هو اضح لمن أحرمت له، بكسر الألف
[ ٥ / ٢٧١ ]
وفتح الحاء من ضحيت، فأنا أضحى، وهو عندى على ما قال «الأصمعى»، لأنه إنما أمره بالبروز للشمس، وكره له الظلال، ومن هذا قوله [﵎]: ﴿وأنك لا تظمًا فيها ولا تضحى﴾.
وأما أضح فمن أضحيت، وإنما يكون هذا من الضحاء، يقال: أقمت بالمكان حتى أضحيت.
ومن هذا قول «عمر» [- ﵀ -] قال: حدثنيه «عبد الرحمن»، عن «سفيان»، عن «سماك بن حرب»، عن عمه «مسلمة»، قال: سمعت «عمر» يقول: «يا عباد الله أضحوا بصلاة الضحى».
يعنى لا تصلوها إلا إلى ارتفاع الضحى، وحديث «ابن عمر» من غير هذا.
٨٩٧ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه كان
[ ٥ / ٢٧٢ ]
لا يصلى في مسجد فيه قذاف».
[قال «أبو عبيد»]: هكذا يحدثونه.
قال «الأصمعى»: إنما هو قذف على مثال غرف، واحدتها [٥٨٧] قذفة، وهى الشرف، وكذلك ما أشرف من رؤوس الجبال، فهى القذفات أيضًا، وقال «امرؤ القيس» يصف جبلًا.
منيف يزل الطير عن قذفاته يظل الضباب فوقه متعصرا
وبه شبهت الشرف.
ومنه حديث «ابن عباس» [- ﵀ -] أنه قال: «تبنى المدائن شرفًا، والمساجد جمًا».
قال: سمعت «خلف بن خليفة»، يحدثه عن شيخ له قد سماه، عن
[ ٥ / ٢٧٣ ]
«ابن عباس».
٨٩٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «إنى لأدنى الحائض إلى وما بى إليها صورة إلا ليعلم الله أنى لا أجتنبها لحيضها».
قال: حدثناه «إسحاق الأزرق»، عن «الجريرى»، عن «أبى السليل»، عن «ابن عمر».
قوله: صورة، يقول: ليس بى ميل إليها لشهوة، وأصل الصورة الميل، ومنه قيل للمائل العنق: أصور، قال «الأخطل» يذكر النساء:
* فهن إلى بالأعناق صور *
[ ٥ / ٢٧٤ ]
أى: موائل، وقال «لبيد»:
من فقد مولى تصور الحى جفنته أوزر، مال ورزء المال يجتبر
يعنى أن الجفنة تميل الحى إليها ليطعموا، والذى أراد «ابن عمر» من إدناء الحائض: الخلاف على الكفار، لأن المجوس لا يدنون منهم الحائض، ولا تقرب أحدًا منهم.
٨٩٩ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» ورأى قومًا في الحج لهم هيئة أنكرها، فقال: «هؤلاء الداج وليسوا بالحاج».
قال «أبو عبيدة»: الداج: الذين يكونون مع الحاج، مثل الأجراء، والجمالين والخدم وأشباههم.
وقال «الأصمعى»: إنما قيل لهم: داج، لأنهم يدجون على الأرض، والدججان: هو الدبيب في السير، قال: وأنشدنا «الأصمعى»:
[ ٥ / ٢٧٥ ]
* باتت تداعى قربًا أفايجا *
تدعو بذاك الدججان الدارجا *
يصف الإبل في طلب الماء.
قال «أبو عبيد»: فالذى أراد «ابن عمر» [٥٨٨] أن هؤلاء ليس عندهم شى إلا أنهم يسيرون ويدجون، ولا حج لهم.
٩٠٠ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه أصابه قطع أو بهر، فكان يطبخ له الثوم في الحساء، فيأكله»
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «أيوب»، عن «نافع»، عن «ابن عمر».
قال «الكسائى»: القطع: الربو، قال «أبو عبيد»: وقال «أبو جندب الهذلى»
يرثى رجلًا فقال:
وإنى إذا ما آنس الناس مقبلًا يعادونى قطع جواه طويل
يقول: إذا رأيت إنسانًا ذكرته، والجوى: هو الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن،
[ ٥ / ٢٧٦ ]
واللوعة نحوه.
٩٠١ - وقال «أبو عبيد» فيث حديث «ابن عمر» - حين سأله رجل عن «عثمان» فقال: أنشدك الله هل تعلم أنه فر يوم أحد، وغاب عن «بدر» وعن بيعة الرضوان؟ فقال «ابن عمر»: «أما فراره «يوم أحد» فإن الله [- تعالى -] يقول: ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ وأما غيبته عن «بدر» فإنه كانت عنده بنت النبى - ﷺ - وكانت مريضة، وذكر عذره في ذلك كله، ثم قال: اذهب بهذه تلآن معك».
قال: حدثناه «أبو النضر»، عن «شيبان»، عن «عثمان بن عبد الله بن موهب»، عن «ابن عمر».
قال «الأموى»: قوله: تلآن: يريد الآن، وهى لغة معروفة، يزيدون التاء فى
[ ٥ / ٢٧٧ ]
الآن، وفى حين، فيقولون: تلآن، وتحين، قال: ومنه قول الله - ﵎ -: ﴿ولات حين مناص﴾. قال: إنما هى ولا حين مناص، قال: وأنشدنا «الأموى» «لأبى وجزة السعدى»:
العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان ما من مطعم
وكان «الكسائى» «والأحمر» وغيرهما من أصحابنا يذهبون إلى أن الرواية: «العاطفونة»، فيقولون: جعل الهاء صلة، وهى في وسط الكلام، وهذا ليس يوجد إلا على السكت، فحدثت به «الأموى» فأنكره، وهو عندى على ما قال «الأموى»، ولا حجة لمن احتج بالكتاب في قوله ﴿ولات﴾، لأن التاء منفصلة [٥٨٩] من حين، لأنهم قد كتبوا مثلها منفصلًا أيضًا
[ ٥ / ٢٧٨ ]
مما لا ينبغى أن يفصل كقوله [- ﷿ -]: ﴿يا ويلتنا ما لهذا الكتاب﴾.
فاللام في الكتاب منفصلة من هذا، وقد وصلوا في غير موضع وصل، فكتبوا: «ويكأنه» وربما زادوا الحرف، ونقصوا، وكذلك زادوا ياء في قوله [تعالى]: ﴿أولى الأيدى والأبصار﴾. فاليدى فى التفسير عن «سعيد بن جبير» أولوا القوة في الدين والبصر.
قال «أبو عبيد»: فالأبد: القوة بلا ياء، والأبصار: العقول، وكذلك كتبوه فى موضع آخر: ﴿داود ذا الأيد﴾.
٩٠٢ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه كان يرمى فإذا أصاب خصلة، قال: أنابها أنا بها».
قال: حدثناه «أبو معاوية»، و«وكيع»، كلاهما عن «الأعمش»، عن «مجاهد» أنه رأى «ابن عمر» يفعل ذلك.
[ ٥ / ٢٧٩ ]
قوله: أصاب خصلة: الخصلة: الإصابة في الرمى، يقال منه: خصلت القوم خصلًا وخصالا: إذا نضلتهم، وقال «الكميت» يمدح رجلًا:
سبقت إلى الخيرات كل مناضلٍ وأحرزت بالعشر الولاء خصالها
وقوله: أنا بها: يقول: أنا صاحبها.
ومنه حديث «عمر» حين أتى بامرأة قد فجرت، فقال: «من بك؟»، يقول: من صاحبك.
ومنه الحديث المرفوع، حين أتى النبى - ﷺ - «سلمة بن صخر» فذكر أن رجلًا ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، فقال: «لعلك بذلك يا سلمة». فقال: نعم أنا بذلك، يقول: لعلك صاحب الأمر.
٩٠٣ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: أنه رأى رجلًا بأنفه أثر السجود، فقال: «لا تعلب صورتك». يقول: لا تؤثر فيها أثرًا.
يقال: علبت الشئ أعلبه علبا، وعلوبًا: إذا أثرت فيه، قال «ابن الرقاع»:
[ ٥ / ٢٨٠ ]
يتبعن ناجية كأن بذفها من غرض نسعتها علوب مواسم
يعنى الآثار.
٩٠٤ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» حين أتاه رجل فسأله، فقال: كما [٥٩٠] لا ينفع مع الشرك عمل، فهل يضر مع الإسلام ذنب؟ فقال «ابن عمر»: «عش ولا تغتر»، ثم سأل «ابن عباس» فقال مثل ذلك.
ثم سأل «ابن الزبير»، فقال مثل ذلك.
قال: حدثناه «أبو معاوية»، عن «عبد الله بن أبى سعيد المقبرى»، عن «جده»، أو عن «أبيه» - الشك من «أبى عبيد» -.
قوله: عش ولا تغتر إنما هو مثل، وأصله فيما يقال: إن رجلًا أراد أن يقطع مفازة بإبله، فاتكل على ما فيها من الكلأ، فقيل له: عش إبلك قبل أن تفوز بها، وخذ بالاحتياط. فإن كان فيها كلأ. فليس يضرك ما صنعت، وإن لم يكن فيها شئ كنت قد أخذت بالثقة. فأراد «ابن عمر»، و«ابن عباس»، و
[ ٥ / ٢٨١ ]
«ابن الزبير» ذلك المعنى في العمل، يقولون: اجتنب الذنوب، ولا تركبها اتكالًا على الإسلام، وخذ فى ذلك بالثقة والاحتياط، قال «أبو النجم»:
* عشى فعيل واصغرى فيمن صغر *
* ولا تريدى الحرب واجترى الوبر *
يقول: خذى بالثقة في ترك الحرب، وعليك بالإبل، فعالجيها، إنك لست بصاحبة حرب.
٩٠٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» في الذى يقلد بدنته، فيضن بالنعل، قال: «يقلدها خرابة».
هكذا حدثناه «مروان [بن معاوية] الفزارى»، عن «عاصم»، عن «أبى مجلز»، عن «ابن عمر»
قال «مروان»، وقال «عاصم»: هى عروة المزادة.
قال «أبو عبيد»: والذى يعرف فى الكلام أنها الخربة [وهى العروة، وجمعها الخرب] وإنما سماها خربة لاستدارتها، وكذلك كل ثقب مستدبر فهو خربة،
[ ٥ / ٢٨٢ ]
قال «الكميت» يذكر القطا، وأنهن يحملن الماء لفراخهن، فقال:
يحملن فوق الصدور أسقية لغيرهن العصام والخرب
يقول: إنما استقيتهن الصدور، وليس كأسقية الناس التى تحتاج إلى العصام والعرى، وكذلك كل [٥٩١] حجر في أذن أو غيرها، فهو خربة، قال «ذو الرمة» يصف ظليمًا:
كأنه حبشى يبتغى أثرًا أو من معاشر في آذانها الخرب
يعنى الثقب في آذان السند.
٩٠٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» أنه شهد فتح «مكة» وهو ابن عشرين سنة، ومعه فرس حرون، وجمل جرور، وبردة فلوت، فرآه رسول الله - ﷺ - وهو يختلى لفرسه، فقال: «إن عبد الله إن عبد
[ ٥ / ٢٨٣ ]
الله». هذا من حديث «ابن علية»، بلغنى عنه، عن «ابن نجيح»، عن «فلان» عن «ابن عمر».
[قال]: وقال غيره: بردة فلوت، ورمح ثقيل.
قوله: جمل جرور: يعنى الذى لا ينقاد، ولا يكاد يتبع صاحبه، وأما البردة مربع أسود فيه صغر.
وقوله: فلوت: يعنى أنها صغيرة لا ينضم طرفاها، فهى تفلت من يده إذا اشتمل بها، ولا تثبت، قال «أبو زياد»: وهى النمرة.
وقوله: يختلى لفرسه:] عنى يحتش له، واسم الحشيش: الخلى. ومنه حديث «النبى» - ﷺ - في مكة: «لا يختلى خلاها».
٩٠٧ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» أنه قال لرجل: «إذا أتيت «منى» فانتهيت إلى موضع كذا وكذا، فإن هناك سرحة لم تعبل، ولم تجرد
[ ٥ / ٢٨٤ ]
ولم تسرف، سر تحتها سبعون نبيًا، فانزل تحتها».
هذا يروى عن «الأعمش»، وعن «أبى الزناد»، عن «ابن عمر».
قوله: سرحة: يعنى الواحدة من السرح، وهو شجر طوال.
وقال «اليزيدى»: وقوله: لم تجرد، يقول: لم يصبها جراد.
وقوله: لم تعبل، يقول: لم يسقط ورقها، يقال: عبلت الشجر عبلًا: إذا حتت عنه ورقه، وقد اعبل الشجر: إذا طلع ورقه. وكان «أبو عبيدة» يقول: ليس يقال للورق المنبسط عبل، إنما العبل ما انتفل، ودق، مثل الأثل والأرطى، وأشباه [٥٩٢] ذلك، فإذا انبسط، فهو الورق، قال: والهدب: مثل العبل. قال «اليزيدى»: وقوله: لم تسرف: يعنى لم تصبها السرقة، وهى دويبة صغيرة تثقب الشجر، وتبنى فيه بيتًا، قال: وهى التى يضرب بها
[ ٥ / ٢٨٥ ]
المثل، فيقال: «فلان أصنع من سرفة»، وبعضهم يقول: ولم تسرح: ولا أدرى ما وجه هذا إلا أن يكون أرادبه: أنه لم تترك فيه الغنم والإبل تسرح فيه، وهو أن ترعاه، وفي بعض الحديث: أنها بالمأزمين من منى.
وقوله: سر تحتها سبعون ن بيًا، يقول: قطع سررهم.
وقال «الكسائى» السرور: ما قطع من الصبى فبان، والسرة: ما يبقى. وأما السرحة: فهى ضرب من الشجر معروف [له طول]، قال «عنترة» يذكر رجلًا:
بطل كأن ثيابه في سرحةٍ يحذى نعال السبت ليس بتوأم
[ ٥ / ٢٨٦ ]
قال «الكسائى»: قطع سره، وسرره، ولا يقال: قطع سرته.
٩٠٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» أنه قال: «لو لقيت قاتل أبى فى الحرم ما لهدته». وبعضهم يرويها: «ما هدته».
قمن قال: لهدته: أراد دفعته.
يقال: لهدت الرجل الهدى لهدًا: إذا لكزته، ورجل ملهد: إذا كان يفعل به ذلك كثيرًا من ذله، قال «طرفة» يذم رجلًا:
بطئ عن الداعى سريع إلى الخنا ذليل بإجماع الرجال ملهد
يقول: من ذله يدفعه الناس فى صدره، فهو ملهد مدفع، فإن أراد مرة [واحدة] قال: ملهود.
[ ٥ / ٢٨٧ ]
ومن قال: هدته: يريد حركته، وأنشدنى «الأحمر»:
حتى استقامت له الآفاق طائعة فما يقال له هيد ولا هاد
أى لا يحرك، ولا يمنع من شئ، وفي بعض الروايات: «ما هجته».
٩٠٩ - وقال «أبو عبيد» في حديث «عبد الله بن عمر»: «أنه اشترى ناقة فرأى بها تشريم الظئار فردها».
قال «أبو عبيد»: التشريم: هو التشقق [٥٩٣] يقال للجلد إذا تشقق: قد تشرم، ولهذا قيل للمشقوق الشفة: أشرم، وهو شبيه بالعلم.
[ ٥ / ٢٨٨ ]
وكذلك حديث «كعب» أنه أتى «عمر بن الخطاب» [- ﵁ -] بكاب وقد تشرمت نواحيه فيه التوراة، فاستأذنه أن يقرأه، فقال له «عمر»: إن كنت تعلم أن فيه التوراة التى أنزلها الله على «موسى» [- ﵇ -] «بطور سيناء» فاقرأها آناء الليل والنهار».
٩١٠ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «فيمن قطع دوحة من الحرم، فأمره أن يعتق رقبة».
[ ٥ / ٢٨٩ ]
قال: حدثنيه «محمد بن عمر»، عن «عبد الله بن جعفر الزهرى»، عن «عبد الله ابن عثمان بن خثيم»، عن «نافع بن سرجس»، عن «ابن عمر».
قال «أبو عبيد»: الدوحة: الشجرة العظيمة من أى الشجر كان، من طلح، أو سمر، أو قتاد، أو غير ذلك، بعد أن تكون عظيمة، وجمعها دوح، قال «امرؤ القيس» يذكر مطرًا.
فأضحى يسح الماء من كل فيقة يكب على الأذقان دوح الكنهبل
الكنهبل: اسم شجر معروف، والدوح: ما عظم منه.
والذى يراد من هذا الحديث: أنه غلظ في شجر الحرم، فقال: عتق رقبة، والذى عليه قتيا الناس أن عليه قيمة ما قطع يتصدق به.
٩١١ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه خرج إلى صور بالمدينة».
قال «الأصمعى»: الصور: جماعة النخل الصغار، وهذا جمع على غير لفظ
[ ٥ / ٢٩٠ ]
الواحد وكذلك الحائش: جماعة النخل، وليس له واحد على لفظه. ومنه الحديث المرفوع: «أنه كان أحب ما استتر به إليه عند حاجته حائش نخل أو حائط» وقال «الأخطل»:
وكأن ظعن الحى حائش قرية دانى الجناة وطيب الأثمار
٩١٢ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه كره الصلاة على الجنازة إذا طفلت الشمس».
قال «الأصمعى»: قوله: طفلت: يعنى دنت للغروب، واسم تلك الساعة الطفل. قال «لبيد»:
فتدليت عليه قافلًا وعلى الأرض غيابات الطفل
[ ٥ / ٢٩١ ]
يعنى الظل عند المساء.
٩١٣ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «ابن عمر»: «أنه بعث رجلًا يشترى له أضحية، قال: اشتراه [كبشًا] كذا وكذا فحيلا».
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «أيوب»، عن «نافع»، عن «ابن عمر».
قال «الأصمعى»: قوله: فحيلًا: هو الذى يشبه الفحولة فى خلقه ونبله، ويقال أيضًا: إن الفحيل: المنجب في ضرابه، ومنه قول «الراعى»:
كانت هجائن منذر ومحرق أماتهن وطرقهن فحيلا
الطرق: الضراب.
والذى يراد من الحديث: أنه اختار الفحل على الخصى والنعجة، وطلب جماله ونبله مع هذا.
٩١٤ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه كان في غزاة بعثهم فيها
[ ٥ / ٢٩٢ ]
النبى - ﷺ - قال: «فحاص المسلمون حيصة» وبعضهم يقول: «فجاض المسلمون جيضة» وهذا حديث يحدثه غير واحد من الفقهاء عن «يزيد بن أبى زياد»، عن «عبد الرحمن بن أبى ليلى»، عن «ابن عمر».
قال «الأصمعى»: المعنى فيهما واحد، وإنما هو الروغان، والعدول عن القصد، ومنه قوله [- ﷿ -]: ﴿ما لهم من محيص﴾ يقول: من محيد يحيدون إليه، ومنه قول «أبى موسى»: «إن هذه الحيصة من حيصات الفتن» كأنه أراد أنها روغة منها عدلت إلينا.
قال «أبو عبيد»: والجيض نحو مئه، قال «القطامى» يذكر الإبل:
وترى لحيضتهن عند رحلينا وهلا كان بهن جنة أولق
[ ٥ / ٢٩٣ ]
يعنى حين عدلن في السير.
٩١٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «أنه كان يأمر بالحجارة فتطرح في مذهبه، فيستطيب بها، ثم يخرج، فيغسل وجهه ويديه، وينضج فرجه حتى يخضل ثوبه».
قال: حدثناه «أبو النضر»، عن «عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة»، عن «عبد الله بن دينار»، عن «ابن عمر».
قوله: فى مذهبه: المذهب عند أهل المدينة: موضع الغائط.
وقوله: يخضل ثوبه: يعنى يبله. يقال: أخضلت الثوب: إذا بللته، وهو خضل إذا كان رطبًا، قال «الجعدى»:
كان فاهًا بعيد النوم خالطه خمر الفرات ت رى راووقها خضلا
٩١٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»: «لا تبتع من مضطر شيئًا».
قال «أبو عبيد»: وهذا حديث يروى عن «ليث»، عن «مجاهد»،
[ ٥ / ٢٩٤ ]
عن «ابن عمر» من حديث «ابن إدريس» إن شاء الله.
قال «ابن إدريس»: المضطر: المضطهد المكره على البيع.
قال «أبو عبيد»: وهذا وجه الحديث، وقد كان بعض الناس يحمله على الفقير المحتاج، يذهب إلى أنه يبيع بأقل من الثمن لحاجته، ولست أرى هذا شيئًا، إنما هو كما قال «ابن إدريس»، ومع هذا أنه قد حكى عن «سفيان بن سعيد» شئ شبيه بالرخصة في بيع المضطر أيضا، قال: ربما كان الشراء منه خيرًا له، يذهب به إلى أنه لو أمسك الناس كلهم عن الشراء منه هلك فى العذاب.
٩١٧ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» أنه سئل عن فارة وقعت في سمن، فقال: «إن كان مائعًا، فألقه كله، وإن كان جامسًا فألق الفأرة وما حولها، وكل ما بقى».
قال: حدثناه «هشيم»، عن «معمر بن أبان»، عن «راشد»، مولى
[ ٥ / ٢٩٥ ]
«قريش»، عن «ابن عمر».
قوله: إن كان مائعًا: يعنى الذائب، ومنه سميت الميعة، لأنها سائلة.
ويقال: ماع الشئ يميع، ويتميع [٥٩٦]: إذا ذاب.
ومنه حديث «عبد الله» أنه سئل عن المهل، فأذاب فضة، فجعلت تميع، وتلون، فقال: هذا من أشبه ما أنتم راؤون بالمهل.
وقوله: وإن كان جامسًا: يعنى الجامد، وهما لغتان: جامس، وجامد، قال «ذو الرمة»:
* وتقرى سديف الشحم والماء جامس *
يعنى في الشتاء حين يجمد الماء.
[ ٥ / ٢٩٦ ]
٩١٨ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر»، أنه أتته امرأة، فقالت: إن بنتى عريس، وقد تمعط شعرها، وأمرونى أن أرجلها بالخمر، فقال: «إن فعلت ذلك فألقى الله في رأسها الحاصة».
قوله: الحاصة: يعنى ما يحص شعرها: يحلقه كله، فيذهب به، قال «أبو قيس بن الأسلت الأنصارى»:
قد حصت البيضة رأسى فما اطعم نومًا غير تهجاع
ومنه يقال: بين بنى فلان رحم حاصة: أى قد قطعوها وحصوها، لا يتواصلون عليها.
وأما حديث «على» [- رحمة الله عليه -] أنه اشترى قميصًا، فقطع ما فضل عن أصابعه، ثم قال لرجل: «حصه» فإن هذا من غير الأول، هذا من الحوص، من الخياطة. وقد حاص يحوص.
[ ٥ / ٢٩٧ ]
وقوله: حصه: أى اكففه: يعنى كف الثوب.
٩١٩ - وقال «أبو عبيد» فى حديث «ابن عمر»: «أنه كره للمحرمة النقاب، والقفازين».
قال: حدثناه «هشيم» قال: أخبرنا «عبيد الله»، عن «نافع»، عن «ابن عمر».
وكانت «عائشة» ترخص فيهما من غير حديث «هشيم».
قال «أبو عبيد»: أما القفازان فإنهما شئ يعمل لليدين يحشى بقطن، ويكون له أزرار تزر على الساعدين من البرد تلبسه النساء، والناس على الرخصة فيه، لأن الإحرام إنما هو فى الرأس والوجه.
٩٢٠ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» حين ذكر أن «النبى» - ﵇ - سبق [٥٩٧] الخيل، فقال «ابن عمر»: «كنت فارسًا يومئذ،
[ ٥ / ٢٩٨ ]
فسبقت الناس، فظفف بى الفرس مسجد «بنى زريق».
قال: حدثناه «ابن علية»، عن «أيوب»، عن «نافع»، عن «ابن عمر».
قوله: طفف بى مسجد بنى زريق: يعنى أن الفرس وثب به حتى كاد يساوى المسجد. ومنه قيل: إناء طفان، وهو الذى قد قرب أن يمتلئ، ويساوى أعلى المكيال، ولهذا سمى التطفيف في الكيل، قوله [- تعالى -]: ﴿ويل للمطففين﴾ ويروى عن «سلمان» أنه قال: «الصلاة مكيال فمن وفى وفى له، ومن طفف فقد علمتم ما قال الله [- ﷿ -] في المطففين».
٩٢١ - وقال «أبو عبيد» في حديث «ابن عمر» أنه سئل عن «رجل»
[ ٥ / ٢٩٩ ]
أهل بعمرة، وقد لبد وهو يريد الحج، فقال: «خذ من قنازع رأسك، أو مما يشرف منه».
قوله: قنازع رأسك: يعنى ما ارتفع وطال، ولهذا سميت قنازع النساء.
وهذا شبيه بحديثه الآخر حين قال: «خذ ما تطاير من شعرك»: يعنى ما طال منه، يقال: قد طال الشعر، وطار بمعنى.
[ ٥ / ٣٠٠ ]