﵁
[ ٤ / ٣٢٥ ]
٦٨٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي بن أبي طالب" [رحمة الله عليه] قال: "لأن أطلي بجواء قدرٍ أحب إلي من أن أطلي بزعفرانٍ".
هكذا يروى الحديث بجواء.
هو من حديث "وكيعٍ" عن "كاملٍ أبي العلاء".
قال: سمعت "الأصمعي" يقول: إنما هي جاوة القدر، وهي الوعاء التي تجعل فيه، وجمعها جئاء.
وكان "أبو عمرو" يقول: هي الجياء والجواء، يعني: ذلك الوعاء أيضًا.
وأما الخرقة التي تنزل بها القدر عن الأثافي، فهي الجعال.
٦٨١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله
[ ٤ / ٣٢٦ ]
عليه] حين أقبل يريد العراق، فأشار عليه "الحسن بن علي" أن يرجع، فقال: "والله، لا أكون مثل الضبع، تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد".
قال: حدثناه "محمد بن الحسن" عن "أبي عاصمٍ الثقفي" عن "قيس بن مسلمٍ" عن "طارق بن شهابٍ" عن "علي".
قال "الأصمعي": اللدم: صوت الحجر، أو الشيء يقع بالأرض، وليس بالصوت الشديد.
يقال منه: لدمت الدم لدمًا، وقال الشاعر:
وللفؤاد وجيب تحت أبهره لدم الغلام وراء الغيب بالحجر
[ ٤ / ٣٢٧ ]
قال: "الأبهر: عرق مستبطن الصلب، يقال: إن القلب متصل به، قال "أبو عبيدٍ": فشبه وجيب القلب بصوت الحجر يرمي به الغلام.
وإنما قيل للضبع: إنها تسمع اللدم؛ لأنهم إذا أرادوا أن يصيدوها رموا في جحرها بحجرٍ، أو ضربوا بأيديهم باب الجحر، فتحسبه شيئًا تصيده، فتخرج؛ لتأخذه، فتصاد عند ذلك.
وهي -زعموا- من أحمق الدواب، ويبلغ من حمقها أن يدخل عليها، فيقال لها: ليست هذه أم عامرٍ، فتسكت حتى تصاد.
فأراد "علي": أني لا أخدع كما تخدع الضبع باللدم.
ويقال: ليست هي أم عامرٍ.
ويقال في التدام النساء: إنما هو مأخوذ من اللدمٍ، إنما هو افتعال منه.
قال "الأصمعي": ويقال في غير هذا: لدمت الثوب وردمته: إذا رقعته.
وكذلك قال "أبو عبيدة" في المردم.
[قال]: ومنه قول الشاعر:
[ ٤ / ٣٢٨ ]
هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم
قوله: متردمٍ، أي: مترقعٍ مستصلحٍ.
٦٨٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-: "لئن وليت" "بني أمية" لأنفضنهم نفض القصاب التراب الوذمة".
قال: حدثنيه "غندر" عن "شعبة" عن "عمرو بن مرة" عن "أبي وائلٍ" عن "الحارث بن حبيشٍ" عن "علي".
قال "الأصمعي": سألني "شعبة" عن هذا الحرف، وليس هو هكذا إنما هو "نفض القصاب الوذام التربة" قال: والوذام، واحدتها وذمة، وهي: الحزة من الكرش أو الكبد.
قال: ومن هذا قيل لسيور الدلاء: الوذم: لأنها مقدودة طوال.
قال: والتربة: التي قد سقطت في التراب، فتتربت، فالقصاب ينفضها.
وقال "أبو عبيدة": نحو ذلك، قال: واحد الوذام وذمة، وهي الكرش؛ لأنها معلقة.
[ ٤ / ٣٢٩ ]
ويقال: هي غير الكرش أيضًا من البطون.
قال: والوذم أيضًا: لحمات تكون في رحم الناقة تمنعها من الولد، [يقال منه: وذمت الناقة].
فإذا عولج ذلك منها قيل: وذمتها توذيمًا.
٦٨٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀- حين مر "بعبد الله بن عتاب بن أسدٍ" مقتولًا "يوم الجمل" فقال: هذا يعسوب قريشٍ".
قال "الأصمعي": اليعسوب: فحل النحل وسيدها، فشبهه في "قريشٍ" بالفحل في النحل.
ومنه حديثه الآخر -حين ذكر الفتن، فقال-: "فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه، كما يجتمع قزع الخريف".
[ ٤ / ٣٣٠ ]
قال: حدثنا بهذا الحديث الثاني "أبو النضر" عن "أبي خيثمة" عن "الأعمش" عن "إبراهيم التيمي" عن "الحارث بن سويدٍ" عن "علي".
قال "الأصمعي": يريد بقوله: "يعسوب الدين" أنه سيد الناس في الدين يومئذٍ.
وقوله: "قزع الخريف"، يعني: قطع السحاب التي تكون في الخريف، وكذلك القزع في غير هذا هي القطع أيضًا، ومنه القزع التي تكون في رؤوس الصبيان، وهو أن يحلق رأس الصبي، ويترك منه مواضع.
قال "الأصمعي": واليعسوب أيضًا: طائر أكبر من الجرادة، وليس هو الذي في [هذا] الحديث، وهو الذي يشبه به الخيل والكلاب في الضمر، قال "بشر بن أبي خازمٍ" يذكر الصائد:
أبو صبيةٍ شعثٍ بطيف بشخصه كوالح أمثال اليعاسيب ضمر
يعني الكلاب.
٦٨٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁- حين رأى فلانًا يخطب فقال: "هذا الخطيب الشحشح".
[ ٤ / ٣٣١ ]
قال "أبو عمرو": هو الماهر بالخطبة، الماضي فيها.
وقال "أبو عبيدٍ": وكل ماضٍ في كلامٍ أو سيرٍ، فهو شحشح.
"الأموي" قال: الشحشح: المواظب على الشيء. وقال "الطرماح":
كأن المطايا ليلة الخمس علقت بوثابةٍ تنضو الرواسم شحشح
وقال "ذو الرمة":
لدن غدوةً حتى إذا امتدت الضحى وحث القطين الشحشحان المكلف
يعني الحادي [ويقال: إن الشحشح هو البخيل الممسك].
وقال الراجز يصف هدر البعير:
فردد الهدر وما إن شحشحا
٦٨٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁- "من وجد في بطنه رزًا، فلينصرف، فليتوضأ".
[ ٤ / ٣٣٢ ]
قال: حدثناه "حجاج" عن "يونس بن أبي إسحاق" عن "أبيه" عن "عاصم بن ضمرة" و"الحارث" عن "علي".
قال "أبو عمروٍ": وإنما هو الأرز مثل أرز الحية، وهو دورانها، وانقباضها، فشبه دوران الريح في بطنه بذلك.
وقال "الأصمعي": هو الرز، يعني: الصوت في البطن، من القرقرة ونحوها.
قال "أبو عبيدٍ": والمحفوظ عندنا على ما قال "الأصمعي"، وعليه جاء الحديث، إنما هو الرز، وكذلك كل صوت ليس بالشديد نحو ذلك من الأصوات، فهو رز، قال "ذو الرمة" يصف بعيرًا يهدر في الشقشقة:
رقشاء تنتاح اللغام المزيدا
دوم فيها رزه وأرغدا
[ ٤ / ٣٣٣ ]
وقال "أبو النجم" يصف السحاب، والرعد، وغيره:
كأن في ربابه الكبار
رز عشارٍ جلن في عشار
قال "أبو عبيدٍ": وفي من الفقه: أن ينصرف، فيتوضأ، ويبنى على صلاته ما لم يتكلم.
وهذا إنما هو قبل أن يحدث، ولكن وجهه [عندي] إذا خاف الحدث قال: والذي اختار في هذا أن يتكلم، ويستقبل الصلاة.
٦٨٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀- في
[ ٤ / ٣٣٤ ]
ذي الثدية المقتول "بالنهروان" -أنه مودن اليد، أو مثدن اليد، أو مخدج اليد".
قال: حدثناه "ابن علية" عن "أيوب" عن "ابن سيرين" عن "عبيدة" عن "علي".
قال "الكسائي" وغيره: المودن اليد: القصير اليد.
يقال: أودنت الشيء: قصرته.
قال: "أبو عبيدٍ": وفيه لغة أخرى: ودنته فهو مودون، قال "حسان" يذم رجلًا:
وأمك سوداء مودونة كأن أناملها الحنظب
والحنظب: ذكر الخنافس.
وفيه لغتان: الحنظب، والحنظوب.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وقال غيره في اللغة الأولى:
وقد طلقت ليلة كلها فجاءت به مودنا خنققيقا
وبعضهم يرويه "موتنا".
وقوله: "مثدن اليد" قال بعض الناس: نراه أخذه من ثندوة الثدي، وهي أصله، شبه يده في قصرها واجتماعها بذاك.
قال "أبو عبيدٍ": فإن كان من هذا، فالقياس أن يقال: مثند؛ لأن النون قبل الدار في الثندوة، إلا أن يكون من المقلوب، فذلك كثير في الكلام.
وأما قوله: "مخدج اليد" فإنه القصير أيضًا، أحد من إحداج الناقة ولدها، وهو: أن تلده لغير تمامٍ في خلقه.
قال "الفراء": إنما قيل: "ذو الثدية" فأدخلت الهاء فيها، وإنما هي تصغير ثديٍ، والثدي ذكر؛ لأنها كأنها بقية ثديٍ قد ذهب أكثره، كما يقال: لحيمة، وشحيمة، فأنث على هذا التأويل.
قال: وبعضهم يقول: "ذو اليدية".
قال "أبو عبيدٍ": ولا أرى الأصل كان إلا هذا، ولكن الأحاديث كلها تتابعت بالثاء: "ذو الثدية".
[ ٤ / ٣٣٦ ]
٦٨٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀- أن امرأة جاءته، فذكرت أن زوجها يأتي جاريتها، فقال: "إن كنت صادقة رجمناه، وإن كنت كاذبة جلدناك".
فقال: ردوني إلى أهلي غيري نغرة".
قال: حدثناه "غندر" عن "شعبة" عن "سلمة بن كهيلٍ" عن "حجية" عن "علي".
قال "الأصمعي": سألني "شعبة" عن هذا، فقلت: هو مأخوذ من نغر القدر، وهو: غليانها، وفورها.
يقال منه: نغرت [القدر] تنغر، ونغرت تنفر: إذا غلت، فمعناه: أنها أرادت أن جوفها يغلي من الغيظ والغيرة، ثم لم تجد عنده ما تريد.
قال: ويقال منه: رأيت فلانًا يتنغر على فلانٍ، أي: يغلي جوفه عليه غيظًا.
قال "أبو عبيد": وفي هذا الحديث من الفقه: أن على الرجل إذا واقع جارية امرأته الحد.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
وفيه أيضًا: أنه إذا قذفه بذلك قاذف كان على قاذفه الحد، ألا تسمع قوله: "وإن كنت كاذبة جلدناك".
ووجه هذا كله إذا لم يكن الفاعل جاهلًا بما يأتي وبما يقول، فإن كان جاهلًا، وادعى شبهةً درئ عند الحد في هذا كله.
وفيه أيضًا: أن رجلًا لو قذف رجلًا بحضرة حاكمٍ، وليس المقذوف بحاضر أنه لا شيء على القاذف، حتى يجيء فيطلب حده؛ لأنه لا يدري، لعله يجيء، فيصدقه؛ ألا ترى أن "عليًا" لم يعرض لها.
وفيه: أن الحاكم إذا قذف عنده رجل، ثم جاء المقذوف يطلب حقه، أخذه الحاكم بالحد بسماعه، ألا تراه يقول: "وإن كنت كاذبة جلدناك" [هذا؛ لأنه من حقوق الناس].
٦٨٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-: أنه صلى بقومٍ، فأسوي برزخًا، وفي بعض الحديث أنه قرأ برزخًا، فأسوي حرفًا من القرآن".
[ ٤ / ٣٣٨ ]
قال: حدثنيه "نصر بن بابٍ" عن "الحجاج" عن "الحكم" عن "أبي عبد الرحمن السلمي" قال: ما رأيت أحدًا أقرأ من "علي" صلينا خلفه، فقرأ برزخًا، فأسقط حرفًا، فرجع، فقرأه، ثم عاد إلى مكانه".
قال "الكسائي": قوله: "أسوي" يعني: أسقط، وأغفل.
يقال: أسويت الشيء: إذا تركته وأغفلته.
قال: والبرزخ: ما بين كل شيئين، ومنه قيل للميت: هو في البرزخ؛ لأنه بين الدنيا والآخرة.
ومنه قول "أبي أمامة الباهلي" حين دفن ميتًا، فقرأ: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).
فأراد "أبو عبد الرحمن" بالبرزخ ما بين الموضع الذي أسقط "علي" منه ذلك الحرف إلى الموضع الذي كان انتهى إليه.
ومنه قول "عبد الله" أنه سئل عن الرجل يجد الوسوسة، فقال: "تلك برازخ الإيمان".
[ ٤ / ٣٣٩ ]
قال ["أبو عبيدٍ"]: حدثنيه "حجاج" عن "المسعودي عن "القاسم ابن عبد الرحمن" عن "عبد الله".
قال "أبو عبيدٍ": وقال بعضهم: ما بين أول الإيمان وآخره.
وفي هذا تقوية للحديث الآخر: "الإيمان ثلاث وسبعون شعبةً، أولها: الإيمان بالله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق".
وقال بعضهم: هو ما بين اليقين والشك.
فذاك برازخ الإيمان.
٦٨٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه]
[ ٤ / ٣٤٠ ]
أنه قال لقومٍ، وهو يعاتبهم: "ما لكم لا تنظفون عذراتكم؟ ".
وهذا الحديث [قد] يروى مرفوعًا، وليس بذاك المثبت من حديث "إبراهيم ابن يزيد المكي".
قال "الأصمعي": العذرة: أصلها فناء الدار، وإياها أراد "علي".
قال "أبو عبيدٍ": وإنما سميت عذرة الناس بهذا؛ لأنها كانت تلقى بالأفنية، فكنى عنها باسم الفناء، كما كنى بالغائط أيضًا، وإنما الغائط: الأرض المطمئنة، فكان أحدهم يقضي حاجته هناك، فسمي به، قال "الحطيئة" يذكر العذرة أنها الفناء، [فقال]:
لعمري لقد جربتكم فوجدتكم قباح الوجوه سيء العذرات
[ ٤ / ٣٤١ ]
يريد الأفنية أنها ليست بنظيفةٍ، وهذا مما يبين لك أصل العذرة ما هو.
٦٩٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه]: أنه وكل "عبد الله بن جعفرٍ" بالخصومة، وقال: "إن للخصومة قحمًا".
قال: حدثناه "عباد بن العوام" عن "محمد بن إسحاق" عن رجلٍ من "أهل المدينة" يقال له: "جهم" عن "علي".
قال "أبو زياد الكلابي": القحم: المهالك.
قال "أبو عبيد": ولا أرى أصل هذا إلا من التقحم؛ لأنه يتقحم المهالك، ومنه قحمة الأعراب، وهو: أن تصيبهم السنة، فتهلكهم، فهو تقحمها عليهم،
[ ٤ / ٣٤٢ ]
أو تقحمهم بلاد الريف. وقال "ذو الرمة" يصف الإبل، وشدة ما تلقى من السير حتى يجهضن:
يطرحن بالأولاد أو يلتزمنها على قحمٍ بين الفلا والمناهل
وقال "جرير [بن الخطفي] ":
قد جربت مصر والضحاك أنهم قوم إذا حاربوا في حربهم قحم
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه أجاز أن يوكل الرجل غيره بالخصومة وهو شاهد، وكان "أبو حنيفة" لا يجيز هذا إلا لمريض أو غائب، وكان "أبو يوسف" و"محمد" يجيزانه، يأخذان بقول "علي" -﵀-.
٦٩١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-:
[ ٤ / ٣٤٣ ]
"لا جمعة، ولا تشويق إلا في مصرٍ جامعٍ".
قال: حدثناه "جرير" عن "منصور" عن "سعد بن عبيدة" عن "أبي عبد الرحمن السلمي" عن "علي".
قال "الأصمعي" أراد بالتشريق: صلاة العيد، وإنما أخذه من شروق الشمس؛ لأن ذلك وقتها.
قال "أبو عبيد": يعني أنه لا صلاة يوم العيد، ولا جمعة إلا على أهل الأمصار، وإنما سميت صلاة العيد تشريقًا لإشراق الشمس، وهو إضاءتها، لأن ذلك وقتها.
ويقال: شرقت الشمس: إذا طلعت شروقًا، وأشرقت إشراقًا: إذا أضاءت.
قال: وأخبرني "الأصمعي" عن "شعبة" قال: قال لي "سماك بن حربٍ" في يوم عيدٍ: اذهب بنا إلى المشرق؛ يعني إلى المصلى.
قال "أبو عبيد": ومما يبين هذا المعنى حديث النبي -ﷺ- قال: حدثني "ابن مهدي" عن "شعبة" عن "سيارٍ" عن
[ ٤ / ٣٤٤ ]
"الشعبي" أن النبي -ﷺ- قال: "من ذبح قبل التشريق فليعد".
قال: وحدثنا "هشيم" قال: أخبرنا "سيار" عن "الشعبي" عن "النبي" -ﷺ- نحوه.
وفي ذلك يقول "الأخطل":
وبالهدايا إذا احمرت مذارعها في يوم ذبحٍ وتشريقٍ وتنحار
قال "أبو عبيد": وأما قولهم: أيام التشريق، فإن فيه قولين:
يقال: سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي.
ويقال: بل سميت به؛ لأنها كلها أيام تشريقٍ لصلاة يوم النحر، يقول: فصارت هذه الأيام تبعًا ليوم النحر، وهذا أعجب القولين إلي.
[ ٤ / ٣٤٥ ]
وكان "أبو حنيفة" يذهب بالتشريق إلى التكبير في دبر الصلوات، يقول: لا تكبير إلا على أهل الأمصار تلك الأيام، فيقول: من صلى في سفرٍ، أو في غير مصرٍ، فليس عليه تكبير.
وهذا كلام لم نجد أحدًا يعرفه. أن التكبير يقال له: التشريق، وليس يأخذ به [أحد] من أصحابه -لا "أبو يوسف"، ولا "محمد"- كلهم يرى التكبير على المسلمين جميعًا، حيث كانوا في السفر والحضر، وفي الأمصار وغيرها.
٦٩٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه]: "استكثروا من الطواف بهذا البيت، قبل أن يحال بينكم وبينه، فكأني برجلٍ من الحبشة أصعل أصمع، حمش الساقين، قاعدٍ عليها وهي تهدم".
قال: حدثناه "يزيد بن هارون" عن "هشامٍ" عن "حفصة" عن "أبي العالية" عن "علي".
[ ٤ / ٣٤٦ ]
قال "الأصمعي": قوله: اصعل، هكذا يروى، فأما في كلام العرب، فهو صعل، بغير ألف، وهو الصغير الرأس، وكذلك الحبشة، ولهذا قيل للظليم: صعل، قال "عنترة" يصفه:
صعل يعود بذي العشيرة بيضه كالعبد ذي الفرو الطوال الأصلم
يعني المقطوع الأذن.
قال: والأصمع: الصغير الأذن، يقال منه: رجل أصمع، وامرأة صممعاء. وكذلك غير الناس.
ومنه حديث "ابن عباسٍ" "أنه كان لا يرى بأسًا أن يضحي بالصمعاء". قال: حدثناه "هشيم" عن "أبي حمزة" عن "ابن عباسٍ".
قال "أبو عبيدٍ": يذهب "ابن عباسٍ" إلى أن هذا خلقة، ولو كانت مقطوعة الأذن ما أجزت.
ويقال أيضًا -في غير هذا-: قلب أصمع: إذا كان ذكيًا فطنًا.
و[قد] روى بعض الناس أن الأصعل بالألف لغة، ولا أدري عمن هو.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
٦٩٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-: أنه أتاه قوم برجلٍ، فقالوا: إن هذا يؤمنا، ونحن له كارهون، فقال له "علي": "إنك لخروط، أتؤم قومًا هم لك كارهون؟ ".
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "موسى بن قيسٍ" عن أشياخه، عن "علي".
قال: وسمعت "محمد بن الحسن" يحدثه عن "موسى بن قيسٍ" عن "العيزار بن جرولٍ" عن "علي".
قوله: خروط: يعني الذي يتهور في الأمور، ويركب رأسه في كل ما يريد بالجهل، وقلة المعرفة بالأمور، ومنه قيل: انخرط فلان علينا: إذا اندرأ عليهم بالقول السيء وبالفعل، قال "العجاج" يصف ثورًا مضى في سيره:
فظل يرقد من النشاط
كالبربري لج في انخراط
[ ٤ / ٣٤٨ ]
شبهه بالفرس البربري إذا لج في شدة السير.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه لم يقل له: إنه لا صلاة لك، ولم يأمره بالإعادة، إنما كره له ما صنع، ولم ير أن يحكم عليه باعتزالهم في الإمامة، إنما أنكر عليه فعله، فأفتاه فتوى، ولم يبلغنا أن أحدًا حكم بهذا حكمًا، ولكن فتيا، فأما الأذان، فقد بلغنا فيه حكم.
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "ابن شبرمة" قال: تشاح الناس في الأذان "بالقادسية" فاختصموا إلى "سعدٍ" فأقرع بينهم".
٦٩٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁- "إذا بلغ النساء نص الحقائق -وبعضهم يقول: الحقاق- فالعصبة أولى".
[ ٤ / ٣٤٩ ]
قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "سلمة بن كهيلٍ" عن "معاوية بن سويد بن مقرنٍ" قال: وجدت في كتاب "أبي" عن "علي" ذلك.
قال "أبو عبيد" يقول "عبد الرحمن": "معاوية بن سويد بن مقرنٍ" ويقول "أبو نعيم": غير ذلك، قال: وأظن المحفوظ قول "أبي نعيم" وليس فيه "ابن مقرنٍ".
قوله: "نص الحقاق"، قال "أبو عبيد": وأصل النص: هو منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها، ومنه قيل: نصصت الرجل: إذا استقصيت مسألته عن الشيء، حتى تستخرج كل ما عنده، وكذلك النص في السير، إنما هو: أقصى ما تقدر عليه الدابة.
فنص الحقاق، إنما هو: الإدراك؛ لأنه منتهى الصغر، والوقت الذي يخرج منه الصغير إلى الكبر يقول: فإذا بلغ النساء ذلك، فالعصبة أولى بالمرأة من أمها، إذا كانوا محرمًا، مثل الإخوة والأعمام، وبتزويجها، إن أرادوا، وهذا ما يبين لك أن العصبة والأولياء ليس لهم أن يزوجوا اليتيمة حتى تدرك، ولو كان لهم ذلك لم ينتظر بها نص الحقاق، وليس يجوز التزويج على الصغيرة إلا لأبيها خاصةً، ولو جاز لغيره ما احتاج إلى ذكر الوقت.
وقوله: "الحقاق": إنما هو المحاقة: أن تحاق الأم العصبة فيهن، فذلك
[ ٤ / ٣٥٠ ]
الحقاق، تقول: أنا أحق، ويقول أولئك: نحن أحق، وهذا كقولك: جادلته جدالًا ومجادلةً، وكذلك: حاققته حقاقًا، ومحاقةً.
قال: وبلغني عن "ابن المبارك" أنه قال: "نص الحقاق": بلوغ العقل، وهو مثل الإدراك؛ لأنه إنما أراد منتهى الأمر الذي تجب به الحقوق، والأحكام، فهذا العقل والإدراك، ولا عقل يعتد به قبل إدراكٍ، ومن رواه: نص الحقاق فإنه أراد جمع حقيقة وحقائق.
٦٩٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-: "سبق رسول الله" [ﷺ]، وصلى "أبو بكرٍ" وثلث "عمر" وخبطتنا فتنة فما شاء الله".
[ ٤ / ٣٥١ ]
قال: حدثناه "ابن مهدى" عن سفيان عن "أبى هاشم القاسم بن كثير" عن "قيس الخارفى" أنه سمع "عليا" يقول: ذلك.
قوله: سبق رسول الله - ﷺ -، وصلى "أبو بكر" قال "الأصمعى" إنما [٤٨٠] أصل هذا في الخيل، فالسابق: الأول، والمصلى: الثانى الذى يتلوه.
قال: وإنما قيل له: المصلى؛ لأنه يكون عند صلاة الأول، وصلاه: جانبا ذنبه عن يمينه وشماله، ثم يتلوه الثالث.
ومما يبين أن أصله في الخيل حديث "بلال": أن رسول الله - ﷺ - كان سبق بين الخيل، فسأل رجل بلالا: من سبق؟ فقال: رسول الله - ﷺ - فقال: إنما عنيت فى الخيل، فقال "بلال": وأنا عنيت في الخير".
قال "أبو عبيد": ولم نسمع فى سوابق الخيل ممن يوثق بعلمه اسما لشئ
[ ٤ / ٣٥٢ ]
منها إلا الثاني والعاشر، فإن الثاني: اسمه المصلي، والعاشر: السكيت، وما سوى ذينك، فإنما يقال: الثالث، والرابع كذلك، إلى التاسع.
٦٩٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: "أن الإيمان يبدأ لمظةً في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة".
يروى ذلك عن "عوفٍ" عن "عبد الله بن عمرو بن هندٍ الجملي" عن "علي".
[ ٤ / ٣٥٣ ]
قوله: "لمظة" قال "الأصمعي": اللمظة، وهي: مثل النكتة ونحوها من البياض، ومنه قيل: فرس المظ: إذا كان بجحفلته شيء من بياضٍ.
والمحدثون يقولون: لمظة بالفتح، وأما كلام العرب فبالضم، لمظة مثل دهمةٍ، وشهبةٍ، وحمرةٍ، وصفرةٍ، وما أشبه ذلك، وقد رواه بعضهم لمطةً -بالطاء- فهذا الذي لا نعرفه، ولا نراه حفظ.
وفي هذا الحديث حجة على من أنكر أن يكون الإيمان يزيد وينقص، ألا تراه يقول: "كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة" مع أحاديث في هذا كثيرةٍ، وعدة آيات من القرآن.
٦٩٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه]: أن رجلًا أتاه وعليه ثوب من قهزٍ، فقال: إن بني فلانٍ ضربوا بني فلانٍ بالنكاسة. فقال "علي": صدقني سن بكره.
[ ٤ / ٣٥٤ ]
يروى عن "أبي عوانة" عن "مغيرة" عن "قدامة بن عتابٍ" -أو غيره- عن "علي".
قال "الأصمعي" وغيره: هذا مثل تضربه العرب للرجل يأتي بالخبر على وجهه، ويصدق فيه.
ويقال: إن أصل هذا أن الرجل ربما باع بعيره، فيسأله المشتري عن سنه، فيكذبه، فعرض رجل بكرًا له، فصدق في سنه، فقال الآخر: "صدقني سن بكره" فصار مثلًا لمن أخبر بصدقٍ.
وقوله: "ثوب من قهزٍ": يقال: هي ثياب بيض، أحسبها يخالطها الحرير، قال ["أبو عبيد"]: ولا أرى هذه الكلمة عريبةً، وقد ذكرتها -مع هذا- العرب في أشعارها، قال "ذو الرمة" يصف البزاة البيض، فقال:
من الزرق أو صقعٍ كأن رؤوسها من القهز والقوهي بيض المقانع
وقال "أبو النجم العجلي" يصف الحمر، وبياض بطونها:
كأن لو القهز في خصورها
والقبطري اليض في تأزبرها
قال "أبو عبيد": والقبطري.
[ ٤ / ٣٥٥ ]
٦٩٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: وذكر آخر الزمان والفتن، فقال: خير أهل ذلك الزمان كل نومةٍ، أولئك مصابيح الهدى، ليسوا بالمساييح، ولا المذاييع البذر".
يروى [ذلك] عن عوف [بن أبي جميلة الأعرابي].
قوله: نومةٍ، يعني: الخامل الذكر، الغامض في الناس، الذي لا يعرف الشر ولا أهله.
وأما المذاييع: فإن واحدهم مذياع، وهو الذي غذا سمع عن أحدٍ بفاحشةٍ، أو رآها منه، أفشاها عليه، وأذاعها.
والمساييح: الذين يسيحون في الأرض بالشر والنميمة، والإفساد بين الناس. والبذر أيضًا نحو ذلك، وإنما هو مأخوذ من البذر، يقال: بذرت الحب
[ ٤ / ٣٥٦ ]
وغيره: إذا فرقته في الأرض، فكذلك هذا ببذر الكلام بالنميمة، والفساد، والواحد منهم بذور.
٦٩٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: في الرجل يكون له الدين الظنون، قال: "يزكيه لما مضى إذا قبضه إن كان صادقًا".
قال: حدثناه "يزيد بن هارون" عن "هشامٍ" عن "ابن سيرين" عن "عبيدة" عن "علي".
قوله: "الظنون": هو الذي لا يدري صاحبه أيقضيه الذي عليه الدين أم لا؟
[ ٤ / ٣٥٧ ]
كأنه الذي لا يرجوه، وكذلك كل أمرٍ تطالبه ولا تدري على أي شيءٍ أنت منه، فهو ظنون، قال "الأعشى":
ما جعل الجد الظنون الذي جنب صوب اللجب الماطر
مثل الفراتي إذا ما جرى يقذف بالبوصي والماهر
فالجد: البئر التي تكون في الكلأ، والظنون: التي لا يدري أفيها ماء أم لا؟
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه من كان له دين على الناس، فليس عليه أن يزكيه حتى يقبضه، فإذا قبضه زكاه لما مضى، وإن كان لا يرجوه.
وهذا يرد قول من قال: إنما زكاته على الذي عليه المال؛ لأنه المنتفع به، وهو شيء يروى عن "إبراهيم"، والعمل عندنا على قول "علي" ﵀.
٧٠٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: "من أحبنا -أهل البيت- فليعد للفقر جلبابًا، أو تجفافًا".
[ ٤ / ٣٥٨ ]
يروى ذلك عن "عوفٍ" عن "عبد الله بن عمرو بن هندٍ" عن "علي". قال: وقد تأوله بعض الناس على أنه أراد: من أحبنا افتقر في الدنيا، وليس لهذا وجه؛ لأنا [قد] نرى من يحبهم فيهم ما في سائر الناس من الغنى والفقر، ولكنه عندي إنما أراد فقر يوم القيامة، يقول: ليعد ليوم فقره وفاقته عملًا صالحًا ينتفع به في يوم القيامة، وإنما هذا منه على وجه الوعظ والنصيحة له، كقولك: من أحب أن يصحبني، ويكون معي، فعليه بتقوى الله، واجتناب معاصيه، فإنه لا يكون لي صاحبًا إلا من كانت هذه حاله، ليس للحديث وجه غير هذا.
٧٠١ - قال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: أنه شيع سريةً أو جيشًا، فقال: "أعذبوا عن النساء".
[ ٤ / ٣٥٩ ]
يقول: امنعوا أنفسكم من ذكر النساء، وشغل قلوبكم -أو القلوب- بهن، شك "سعيد".
يقول: فإن ذلك يكسركم عن الغزو، وكل من منعته شيئًا فقد أعذبته، وقال "عبيد بن الأبرص":
وتبدلوا اليعبوب بعد إلههم صنمًا فقروا يا جديل وأعذبوا
والعاذب والعذوب سواء ويقال للفرس وغيره: عذوب: إذا بات لا يأكل شيئًا، ولا يشرب؛ لأنه ممتنع من ذلك، قال "النابغة الجعدي" يصف ثورًا:
فبات عذوبًا للسماء كأنه سهيل إذا ما أفردته الكواكب
شبهه بسهيلٍ؛ لأن الكواكب تزول عنه، ويبقى منفردًا، ليس معه شيء منها، ويقال: العذوب: الذي بات ليس بينه وبين السماء ستر وكذلك العاذب.
٧٠٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-: "إن المرء المسلم ما لم يغش دناءةً يخشع لها إذا ذكرت، وتغرى به
[ ٤ / ٣٦٠ ]
لئام الناس -كالياسر الفالج- ينتظر فوزةً من قداحه، أو داعي الله، فما عند الله خير للأبرار".
قال: حدثنيه "أبو بدرٍ" عن "عبد الرحمن بن زبيدٍ اليامي"، عمن حدثه عن "علي".
ويروى أيضًا عن "عوفٍ"، عن رجلٍ من أهل الكوفة، عن "علي".
قال "أبو عبيدة" و"أبو عمروٍ" و"الأصمعي" وغيرهم -دخل كلام بعضهم في بعض- قوله: الياسر: هو من الميسر، وهو: القمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، حتى نزل القرآن بالنهي عنه، في قوله [تعالى] (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) الآية.
وكان أمر الميسر: أنهم كانوا يشترون جزورًا، فينحرونها، ثم يجزنونها أجزاءً، وقد اختلفوا في عدد الأجزاء، فقال "أبو عمروٍ": على عشرة أجزاء، وقال "الأصمعي": على ثمانية وعشرين جزءًا، ولم يعرف "أبو عبيدة"
[ ٤ / ٣٦١ ]
لها عددًا، ثم يسهمون عليها بعشرة قداحٍ، لسبعةٍ منها أنصباء، وهي الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلي، وثلاثة منها ليست لها أنصباء، وهي: المنيح، والسفيح، والوغد، ثم يجعلونها على يدي رجلٍ عدلٍ عندهم، يجيلها لهم باسم رجلٍ رجلٍ، ثم يقتسمونها على قدر ما تخرج لهم السهام، فمن خرج سهمه من هذه السبعة التي لها أنصباء أخذ من الأجزاء بحصة ذلك، فإن خرج له واحد من الثلاثة، فقد اختلف الناس في هذا الموضع، فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئًا، ولم يغرم، ولكن يعاد الثانية، ولا يكون له نصيب، ويكون لغوًا، وقال بعضهم: بل يصير ثمن هذه الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة، فيكونون مقمورين، ويأخذ أصحاب السبعة أنصباءهم على ما خرج لهم، فهؤلاء الياسرون.
قال "أبو عبيد": ولم أجد علماءنا يستقصون معرفة علم هذا، ولا يدعونه كله، ورأيت "أبا عبيدة" أقلهم ادعاءً لعلمه.
قال "أبو عبيدة": وقد سألت عنه الأعراب، فقالوا: لا علم لنا بهذا؛ لأنه شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء، فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون.
قال "أبو عبيدٍ": فالياسرون: هم الذين يتقامرون على الجزور، وإنما كان هذا في أهل الشرف منهم، والثروة ولجدة، وكانوا يفتخرون به، وقال "الأعشى" يمدح قومًا:
[ ٤ / ٣٦٢ ]
المطعمو الضيف إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسر
وقال "طرفة":
فهم أيسار لقمانٍ إذا أغلت الشتوة أبداء الجزر
وهو كثير في أشعارهم، فأراد "علي" بقوله: "كالياسر الفالج ينتظر فوزةً من قداحه، أو داعي الله، فما عند الله خير للأبرار" يقول: هو بين خيرتين: إما صار إلى ما يحب من الدنيا، فهو بمنزلة "المعلى" وغيره من القداح التي لها حظوظ، أو بمنزلة التي لا حظوظ لها -يعني الموت-، فيحرم ذلك في الدنيا، وما عند الله خير له.
والفالج: القامر، يقال: قد فلج عليهم، وفلجهم، وقال الراجز في الفالج:
لما رأيت فالجًا قد فلجا
ومما يبين لك أنه أراد بالحرمان في الدنيا "المنيح" حديث يروى عن "جابر بن عبد الله" قال: "كنت منيح أصحابي يوم بدرٍ".
[ ٤ / ٣٦٣ ]
قال: حدثنيه "محمد بن عبيدٍ" عن "الأعمش" عن "أبي سفيان" عن "جابر".
[قال] فكان أصحاب الحديث يحملون هذا على استقاء الماء لهم، وليس هذا من استقاء الماء في شيءٍ، إنما أراد أنه لم يأخذ سهمًا من الغنيمة يومئذٍ لصغر سنه، قال "العجاج" يذكر فرسًا سبق خيلًا:
ساقطها بنفسٍ مريح
عطف المعلى صك بالمنيح
يعني أنه سبقها كما قمر المعلى المنيح، وقال "الكميت":
فمهلًا يا قضاع فلا تكوني منيحًا في قداح يدي مجيل
يعني في انتسابهم إلى اليمن، وتركهم النسب الأول.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
٧٠٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه] "يوم الجمل" وغاب عنه "سليمان بن صرد"، فبلغه عنه قول، فقال "سليمان": بلغني عن "أمير المؤمنين" ذرو من قولٍ، تشذرلي به من شتمٍ وإيعادٍ، فسرت إليه جوادًا".
قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "مهدي بن ميمونٍ" عن "محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب" قال: حدثني عمي "ضبثم" عن "سليمان بن صرد".
قوله: ذرو: هو الشيء اليسير من القول، كأنه طرف من الخبر، وليس بالخبر كله.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
والتشذر: التهدد والتوعد، قال "لبيد" يذكر رجالًا، ويصف عداوة بعضهم لبعضٍ، فقال:
غلبٍ تشذر بالذحول كأنها جن البدي رواسيًا أقدامها
وقال "صخر بن حبناء" أخو "المغيرة بن حبناء":
أتاني عن مغيرة ذرو قولٍ وعن عيسى فقلت له كذاكا
وفي حديث آخر "لسليمان" قال: أتيت "عليًا" حين فرغ من مرحى الجمل، فلما رآني، قال: "تزحزحت، وتربصت، وتنأنأت، فكيف رأيت الله [﷿] صنع"؟
فقلت: يا أمير المؤمنين: إن الشوط بطين، وقد بقى من الأمور ما تعرف به صديقك من عدوك.
قال: قال "سليمان": فلما قام قلت "للحسن بن علي": ما أغنيت عني شيئًا.
فقال: هو يقول لك الآن هذا، وقد قال لي يوم التقى الناس، ومشى
[ ٤ / ٣٦٦ ]
بعضهم إلى بعضٍ: ما ظنك بامرئٍ جمع بين هذين الغارين ما أرى بعد هذا خيرًا".
قال ["أبو عبيد"]: حدثنيه "ابن مهدي" عن "أبي عوانة" عن "إبراهيم بن محمد بن المنتشر" عن "أبيه" عن "عبيد بن نضلة" عن "سليمان بن صرد" عن "علي".
قوله: "مرحى الجمل": يعني الموضع الذي دارت عليه رحا الحرب، قال الشاعر:
فدرنا كما دارت على قطبها الرحى ودارت على هام الرجال الصفائح
وقوله: "تزحزحت" أي تباعدت.
وقوله: "وتنأنأت": يقول: ضعفت، وهو من قول "أبي بكرٍ" [رضوان الله عليه]: خير الناس من مات في النأنأة".
[ ٤ / ٣٦٧ ]
ومنه قيل للرجل الضعيف: نأنأ، وقد فسرناه في غير هذا الموضع.
وقوله: "إن الشوط بطين": يعني البعيد.
وقوله: "جمع بين هذين الغارين": فالغار: الجماعة من الناس الكثيرة، وكل جمعٍ عظيمٍ غار، ومنه قول "الأحنف" -يوم انصرف "الزبير" [﵁] من وقعة الجمل، فقيل له: هذا "الزبير"، وكان "الأحنف" يومئذٍ "بوادي السباع" مع قومه قد اعتزال الفريقين جميعًا، فقال: "ما أصنع به إن كان جمع بين هذين الغارين، ثم انصرف، وترك الناس".
٧٠٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه]: في الرجل الذي سافر مع أصحابٍ له، فلم يرجع حين رجعوا، فاتهم أهله أصحابه به، فرفعوهم إلى "شريحٍ" فسألهم البينة على قتله، فارتفعوا إلى "علي" فأخبروه بقول "شريح".
فقال "علي":
أوردها سعد وسعدً مشتمل
يا سعد لا تروي بها ذاك الإبل
[ ٤ / ٣٦٨ ]
ثم قال: "إن أهون السقيى التشريع".
قال: ثم فرق بينهم، وسألهم، فاختلفوا، ثم اقروا بقتله، فأحسبه، قال: فقتلهم به.
قال: حدثنيه رجل لا أحفظ اسمه، عن "هشام بن حسان" عن "ابن سيرين" عن "علي".
قوله: "أوردها سعد وسعد مشتمل": هذا مثل، يقال: إن أصله كان أن رجلًا أورد إبله ماءً لا تصل إلى شربه إلا باستقاء، ثم اشتمل، ونام، وتركها لم يستق لها، يقول: فهذا الفعل لا تروى به الإبل حتى يستقي لها.
وقوله: "إن أهون السقي التشريع": هو مثل أيضًا، يقول: إن أيسر ما ينبغي أن يفعل بها أن يمكنها من الشريعة والحوض، ويعرض عليها الماء دون أن يستقي لها؛ لتشرب، فأراد "علي" بهذين المثلين أن أهون ما كان ينبغي
[ ٤ / ٣٦٩ ]
لشريحٍ أن يفعل: أن يستقصى في المسألة، والنظر، والكشف عن خبر الرجل، حتى يعذر في طلبه، ولا يقتصر على طلب البينة فقط، كما اقتصر الذي أورد إبله ماء ثم نام.
وفي هذا الحديث من الحكم: أن "عليًا" امتحن في حد، ولا يمتحن في الحدود وإنما ذلك؛ لأن هذا من حقوق الناس، وكل حق من حقوقهم، فإنه يمتحن فيه، كما يمتحن في جميع الدعوى، وأما الحدود التي لا امتحان فيها، فحدود الناس فيما بينهم بين الله [تعالى] مثل: الزنا، وشرب الخمر، وأما القتل، و[كل] ما كان من حقوق الناس، فإنه وإن كان حدًا يسأل عنه الإمام، ويسقصى؛ لأنه من مظالم الناس وحقوقهم التي يدعيها بعضهم على بعضٍ، وكذلك كل جراحةٍ دون النفس، فهي مثل النفس، وكذلك القذف، هذا كله يمتحن فيه إذا ادعاها مدعٍ.
وفي المثلين تفسير آخر: [قال "الأصمعي"]: يقال: إن قوله:
أورها سعد وسعد مشتمل
يقول: إنه جاء بإبله إلى شريعةٍ لا يحتاج فيها إلى استقاء الماء، فجعلت تشرب، وهو مشتمل بكسائه.
وكذلك قوله: "إن أهون السقي التشريع": يعني أن يوردها شريعة الماء، فلا يحتاج إلى الاستقاء لها، [قال "أبو عبيد": وهو أعجب القولين إلي]
[ ٤ / ٣٧٠ ]
٧٠٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: "كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله [ﷺ]، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه".
قال: حدثنيه "أبو النضر" عن "أبي خيثمة" عن "أبي إسحاق" عن "حارثة بن مضرب" عن "علي".
قال "الأصمعي": يقال: هو الموت الأحمر، والموت الأسود، قال: ومعناه: الشديد. قال: وأرى أصله مأخوذًا من ألوان السباع، كأنه من شدته سبع إذا أهوى إلى الإنسان، ويقال: هوى، وقال "أبو زبيدٍ" يصف الأسد:
إذا علقت قرنًا خطاطيف كفه رأى الموت بالعينين أسود أحمرا
قال "أبو عبيدٍ": فكأن عليًا أراد بقوله: "احمر البأس": أنه صار في الشدة والهول مثل ذلك
[ ٤ / ٣٧١ ]
ومن هذا حديث "عبد الله بن الصامت" قال: "أسرع الأرض خرابًا البصرة ومصر، قيل: ما يخربهما؟ قال: القتل الأحمر، والجوع الأغبر".
قال "الأصمعي" يقال: هذه وطأة حمراء: إذا كانت جديدًا، ووطأة دهماء: إذا كانت دارسة، قال "ذو الرمة":
سوى وطأةٍ دهماء من غير جعدةٍ ثنى أختها في غرز كبداء ضامر
فكأن المعنى في هذين الحديثين: الموت الشديد، مع ما يشبه به من ألوان السباع.
٧٠٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀-: أنه خرج، والناس ينتظرونه للصلاة قيامًا، فقال: "مالي أراكم سامدين؟ .
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "فطر بن خليفة" عن "أبي خالدٍ الوالبي" عن "علي".
[ ٤ / ٣٧٢ ]
قوله: "سامدين": يعني القيام، وكل رافعٍ رأسه، فهو سامد. وقد سمد يسمد ويَسمد سمودًا.
ومنه قول "إبراهيم" قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "مغيرة" عن "إبراهيم".
قال: كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قيامًا، ولكن قعودًا، ويقولون: ذلك السمود.
قال "أبو عبيدٍ": والسمود أيضًا في غير هذا: اللهو والغناء، يقال: السامدون: اللاهون، ومنه قوله [تعالى] (وأنتم سامدون).
قال: حدثنا "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "أبيه" عن "عكرمة" عن "ابن عباس" في قوله: "سامدون" قال: الغناء في لغة "حمير" اسمدي لنا: غني لنا.
٧٠٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁-: أنه خرج، فرأى قومًا يصلون، قد سدلوا ثيابهم، فقال: "كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم".
[ ٤ / ٣٧٣ ]
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "خالد الحذاء" عن "عبد الرحمن بن سعيد بن وهبٍ" عن "أبيه" عن "علي".
قوله: فهرهم: هو موضع مدارسهم الذي يجتمعون فيه كالعيد يصلون فيه، ويسدلون ثيابهم، وهي كلمة نبطية، أو عبرانية، أصلها "بهر"، فعربت بلفاء، فقيل: فهر.
والسدل: هو من إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه من بين يديه، فإن ضمه، فليس بسدلٍ.
وقد رويت فيه الكراهة عن "النبي" -ﷺ.
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "عامر الأحول" قال: سألت "عطاءً" عن السدل، فكرهه، فقلت: عن "النبي" [ﷺ] فقال: نعم.
[ ٤ / ٣٧٤ ]
٧٠٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [رحمة الله عليه] "خير هذه الأمة النمط الأسود، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي".
قال: حدثنيه "أبو بدرٍ" عن "خلف بن حوشبٍ" عن "الوليد بن قيسٍ" عن "علي".
قال "أبو عبيدة" وغيره في النمط: هو الطريقة، يقال: الزم هذا النمط.
قال: والنمط أيضًا: الضرب من الضروب والنوع من الأنواع، يقال: ليس هذا من ذاك النمط: أي من ذلك النوع، يقال هذا في المتاع والعلم، وغير ذلك.
والمعنى الذي أراد "علي" أنه كره الغلو والتقصير، كالحديث الآخر حين ذكر حامل القرآن، فقال: "غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه".
[ ٤ / ٣٧٥ ]
فالغالي فيه: هو المتعمق، حتى يخرجه ذلك إلى إكفار الناس، كنحوٍ من مذهب الخوارج، وأهل البدع.
والجافي عنه: التارك له، وللعمل به، ولكن القصد من [بين] ذلك.
٧٠٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵁- حين أتى في فريضةٍ وعنده "شريح" فقال له "علي": "ما تقول أنت أيها العبد الأبظر"؟ .
قوله: "الأبظر": هو الذي في شفته العليا طول، ونتوء في وسطها محاذي الأنف، وإنما نراه قال لشريحٍ: أيها العبد؛ لأنه [قد] كان وقع عليه سباء في الجاهلية.
٧١٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" [﵁] حين أتاه "الأشعث بن قيسٍ" وهو على المنبر، فقال: غلبتنا
[ ٤ / ٣٧٦ ]
عليك هذه الحمراء، فقال: "علي": من يعذرني من هؤلاء الضباطرة، يتخلف أحدهم يتقلب على حشاياه، وهؤلاء يهجرون إلي، إن طردتهم إني إذًا لمن الظالمين، والله لقد سمعته يقول: ليضربنكم على الدين عودًا، كما ضربتموهم عليه بدءًا".
قوله: "الحمراء": يعني العجم والموالي، سموا بذلك؛ لأن الغالب على ألوان العرب السمرة والأدمة، والغالب على ألوان العجم البياض والحمرة، وهذا كقول الناس: إذا أردت أن تذكر "بني آدم"، فقلت: أحمرهم وأسودهم: فأحمرهم: كل من غلب عليه البياض، وأسودهم: كل من غلب عليه الأدمة.
وأما الضياطرة فهم: الضخام الذين لا غناء عندهم ولا نفع، واحدهم ضيطار.
قال: ويروى عن "عمر" أنه كتب إلى أمراء الأجناد بالشام: "من أعتقتم من هذه الحمراء، فأحبوا أن يكونوا معكم في العطاء، فاجعلوهم أسوتكم".
٧١١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀- أنه صلى الجمعة بالناس ركعتين، ثم أقبل عليهم، فقال: "أتموا الصلاة".
[ ٤ / ٣٧٧ ]
قال: حدثنيه "الهيثم بن جميلٍ" عن "شريكٍ" عن "العباس بن ذريحٍ" عن "الحارث بن ثوبٍ" عن "علي".
قوله: (وأتموا الصلاة): حمله بعض الفقهاء على أنه أراد: صلوا بعدها ركعتين؛ لتكون أربعًا، وهذا خلاف السنة؛ لأن "عمر" يقول: "الجمعة ركعتان تمام غير قصرٍ، على لسان "النبي" [ﷺ]، وقد كان "النبي" ﷺ يصلي الركعتين بعدهما في بيته؛ كراهة أن يظن الناس أنهما منها.
ويروى عن "عمران بن حصين" أنه قيل له: إنك إنما تصلي بعد الجمعة ركعتين لتمام أربعٍ، فقال: لأن تختلف النيازك في صدري أحب إلي من أن أقول ذلك.
ولكن وجهه عندي: أنه رأى منهم في صلاتهم خللًا، فأمرهم بإتمام الركوع والسجود، أو أن يكون بعضهم فاته الركوع كله، فأمره أن يصلي الظهر أربعًا، ليس يخلو عندي من أحد هذين الوجهين، والله أعلم.
٧١٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "علي" -﵀- في
[ ٤ / ٣٧٨ ]
ابنتين، وأبوين، وامرأة، فقال: "صار ثمنها تسعًا".
قال: حدثناه "عبد الله بن المبارك" عن "الحسن بن عمرو الفقيمي" عن "الحكم بن عتيبة" عن "علي".
قوله: "صار ثمنها تسعًا": أراد أن السهام عالت، حتى صار للمرأة التسع، ولها في الأصل الثمن، وذلك أن الفريضة لو لم تعل كانت من أربعة وعشرين [سهمًا] لا تخرج من أقل من ذلك، لاجتماع السدس والثمن فيها فلما عالت صارت من سبعةٍ وعشرين للابنتين الثلثان ستة عشر، وللأبوين السدسان ثمانية، وللمرأة الثمن ثلاثة، فهذه ثلاثة من سبعة وعشرين، وهو التسع، وكان لها قبل العول ثلاثة من أربعةٍ وعشرين، وهو الثمن.
[ ٤ / ٣٧٩ ]