﵁
[ ٤ / ١٣١ ]
٥٦٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر بن الخطاب [﵁] أنه خرج من الخلاء، فدعا بطعامٍ، فقيل: ألا توضأ؟
فقال: "لولا التنطس ما باليت إلا أغسل يدي".
قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمر.
فسئل ابن علية عن التنطس؟ فقال: هو التقذر.
قال الأصمعي: هو المبالغة في الطهور، وكل من أدق النظر في الأمور، واستقصى علمها، فهو متنطس.
ومنه قيل للمتطبب: النطاسي، والنطيس، وذلك لدقة نظره في الطب.
وقال أبو عمرو نحو قول الأصمعي، وأنشد أحدهما للبعيث بن بشرٍ بصف شجةً أو جراحةً:
إذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت غثيثتها وازداد وهيًا هزومها
[٣٨٨] [ويروى: النطاسي بالتفح].
[ ٤ / ١٣٣ ]
الآسي: الطبيب. والغثيثة: ما يكون في الجرح من مدةٍ ودمٍ، وصديدٍ، ونحو ذلك.
قوال رؤبة:
وقد أكون مرةً نطيسا
طبًا بأدواء الصبا نقريسا
والنقريس قريب المعنى من النطيس، وهو: القطن في الأمور، العالم بها.
وقول ابن علية بأنه التقذر، هو راجعٌ إلى هذا المعنى.
٥٦٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين سأل الأسقف عن الخلفاء، فحدثه، حتى انتهى إلى نعت الرابع، فقال: صدعٌ من حديدٍ، فقال عمر: وادفراه.
قال: حدثنيه يزيد، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيقٍ، عن الأقرع مؤذن عُمر، عن عُمر.
قال الأصمعي: كان حمادُ بن سلمة يقول: صدأ حديدٍ. قال: وهذا أشبه بالمعنى؛ لأن الصدأ له دفرٌ، والصدع لا دفر له.
قال: والدفر هو النتن إذا قلته بالدال وجزم الفاء، قال:
[ ٤ / ١٣٤ ]
ومنه قيل للدنيا: أم دفر، ولهذا يقال للأمة: يا دفار.
قال: وأما الذفر- بالذال [معجمة] وفتح الفاء- فإنه يقال ذلك لكل ريحٍ ذكيةٍ من طيبٍ أو نتن ذفر.
قال: ومنه قيل: مسكٌ أذفر.
قال أبو عبيدٍ: وهذا ما يوصف به الذفر في شدة طيب الريح.
وأما ما يقال في النتن، فقولهم في ذفر الإبط، وهو نتنه، وكذلك ذفر الحديد، وهو سهكه، قال عبيد بن الأبرص:
بكتيبةٍ جاواء تر فل في الحديد له ذفر
يعني: ريح الحديد وسهكه.
٥٦٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر﵀-[٣٨٩] حين قال عند موته: "لو أن لي ما في الأرض جميعًا لافتديت به من هول المطلع".
[ ٤ / ١٣٥ ]
قال: حدثناه: معاذٌ، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، عن عمر.
قال الأصمعي: المطلع: هو موضع الاطلاع من إشرافٍ إلى انحدارٍ.
قال أبو عبيد: فشبه ما أشرف عليه من أمر الآخرة بذلك.
وقال يكون المطلع: المصعد من أسفل إلى المكان المشرف، وهذا من الأضداد. ومنه حديث "عبد الله" في ذكر القرآن: "لكل حرفٍ منه حد، ولكل حد مطلع".
قال: حدثنيه: غندر [محمد بن جعفر]، عن شعبة، عن سلمة بن كهيلٍ، عن أبي الحوص، عن عبد الله.
يُقال: معناه: لكل حد مصعد يُصعدُ إليه، يعني في معرفة علمه.
ومنه قول جرير بن الخطفي:
[ ٤ / ١٣٦ ]
إني إذا مُضر على تحديت .. لا قيت مطلع الجبال وعورا
يعني مصعدها.
وقال أبو عمرو: قوله: لكل حد مطلع، يقول: مأتى يؤتى منه، وهو شبيه المعنى بالقول الأول، يُقال: مطلع هذا الجبل من مكان كذا وكذا، أي مصعده ومأتاه.
٥٦٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵀- "حين بعث حذيفة، وابن حنيفٍ إلى السواد، ففلجا الجزية على أهله".
قال: حدثنيه كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرقان، عن ميمون بن مهران، عن عمر.
قال الأصمعي: قوله: فلجا، يعني: قسما الجزية عليهم. قال: وأصل ذلك من الفلج، وهو المكيال الذي يُقال له الفالج، قال: وأصله "سرياني" يقال له بالسريانية، "فالفًا" فعرب فقيل: فالجٌ، وفلجٌ.
[ ٤ / ١٣٧ ]
قال الجعدي يصف الخمر [٣٩٠]:
ألقى فيها فلجان من مسك دا رين وفلجٌ من فُلفلٍ ضرم
يعني بضرمٍ مرارة طعم الفلفل.
وإنما سُمي القسمة بالفلج، لأن خراجهم كان طعامًا.
قال أبو عبيدٍ: فهذا الفلجُ، فأما الفُلجُ- بضم الفاء- فإنه: أن يفلج الرجل أصحابه: يعلوهم ويفوقهم.
يُقال منه: قد فَلجَ يَفْلُجُ [فلجًا وفُلجًا].
وأما الفلج بفتح الفاء واللام، فهو النهر، قال الأعشى:
فما فلجٌ يجري إلى جنب صعنبي له مشرعٌ سهلٌ إلى كل مورد
والفلج في الأسنان أيضًا من الرجل الأفلج.
٥٦٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵀] حين قال له حذيفة:
[ ٤ / ١٣٨ ]
"إنك تستعين بالرجل الذي فيه" وبعضهم يرويه: "بالرجل الفاجر".
قال: حدثنيه: يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن: أن حذيفة قال ذلك لعمر، فقال عمر:
"إني أستعمله لأستعين بقوته، ثم أكون على قفانه".
قال الأصمعي: قفان كل شيءٍ: جماعه، واستقصاء معرفته.
يقول: أكون على تتبع أمره، حتى أستقصي علمه، وأعرفه.
قال أبو عبيدٍ: ولا أحسبُ هذه الكلمة عربيةٌ، إنما أصلها: قبانٌ، ومنه قول العامة: فلان قبانٌ على فلانٍ: إذا كان بمنزلة الأمين عليه، والرئيس الذي يتتبع أمره، ويحاسبه، ولهذا سمي هذا الميزان الذي يقال له: القبان [القبان].
٥٦٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قال لابن عباس - لشيءٍ شاوره فيه، فأعجبه كلامه، فقال عمر:
[ ٤ / ١٣٩ ]
"نشنشةً من أخشن".
هكذا كان سفيان بن عيينة يحدثه، عن عاصم بن كليبٍ، عن أبيه، عن ابن [٣٩١] عباس، عن عمر.
وأما أهل العلم بالعربية فيقولون غير هذا.
قال الأصمعي: إنما هو:
شنشنةً أعرفها من أخزم
وهذا بيت رجز تمثل به.
قال: والشنشنة: قد تكون كالمضغة، أو القطعة تقطع من اللحم.
وقال غير واحدٍ: بل الشنشنةُ: مثل الطبيعة والسجية.
[ ٤ / ١٤٠ ]
فأراد عمر: أني أعرفُ فيك مشابه من أبيك في رأيه وعقله.
ويقال: إنه لم يكن لقرشي مثل رأي العباس [﵀].
قال أبو عبيدٍ: وأخبرني ابن الكلبي أن هذا الشعر لأبي أخزم الطائي وهو جَد أبي حاتم الطائي، أو جد جده، وكان له ابن يقال له: أخزم، فمات، وترك بنين، فوثبوا يومًا على جدهم أبي أخزم، فأدموه، فقال:
إن بني رملوني بالدم
شنشنةً أعرفها من أخزم
يقول: إن هؤلاء أشبهوا أباهم في طبيعته وخُلقه، وأحسبه كان به عاقًا.
وقد يكون المعنى الآخر كأنه جعلهم قطعة منه، أي: أنهم بعضه.
وقد تمثل بهذا الشعر أيضًا عقيل بن عُلقة المري في بعض ولده، وإنما تمثل به عمر تمثلًا.
قال أبو عبيدة: يقال: شنشنةٌ، ونشنشة.
وغيره ينكر نشنشة.
٥٧٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] يوم سقيفة بني ساعدة حين اختلفت الأنصار على أبي بكرٍ، فقال عمر:
[ ٤ / ١٤١ ]
"وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقوم بها بين يدي أبي بكر، قال: فجاء أبو بكرٍ، فما ترك شيئًا مما كنت زورته إلا تكلم به"، وهذا حديثٌ يرويه عدة عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: عن ابن عباسٍ: عن عمر.
قال الأصمعي: التزوير: إصلاح الكلام، وتهيئته. قال أبو زيد: المزور من الكلام، والمزوق واحد، وهو المصلح المحسن. وكذلك الخط إذا قوم أيضًا.
وكان أبو عبيدة يقول: المزوق من البيوت هو المصور [٣٩٢]، وهو من هذا، لأنه مزين بالتصاوير.
قال أبو عبيدة: وإنما قيل له: مزوقٌ؛ لأن أهل المدينة يُسمون الزئبق الزاووق. قال: والتصاوير قد تكون به، فمن ثم قالوا: بيتٌ مزوقٌ، أي: أنه مصورٌ بتصاوير يخالطها الزاووقُ.
[ ٤ / ١٤٢ ]
ومنه حديث عبد الله بن عمرو: "إذا رأيت قريشًا قد هدموا البيت، ثم بنوه وزوقوه، فإن استطعت أن تموت فمت".
٥٧١ - وقال أبو عبيد في حديث [﵁]: "حين ضرب الرجل الذي أقسم على "أم سلمة" ثلاثين سوطًا كلها يبضع ويحدر".
قال: هو من حديث ابن عيينة، بلغني [ذلك] عنه، عن جامع بن أبي راشدٍ، عن أبي وائل: أن رجلًا كان له حقٌّ على "أم سلمة" فأقسم عليها، ثم ذكر الحديث.
[ ٤ / ١٤٣ ]
قال الأصمعي: قوله: يبضع: يعني يشق الجلد، وقوله: يحدر: يعني يورم ولا يشق.
وقد اختلف الأصمعي وغيره في إعرابه، فقال بعضهم: يحدر إحدارًا، من أحدرت، وقال بعضهم: يحدر حدورًا من حدرتُ.
وأظنهما لغتين، إذا جعلت الفعل للضرب.
فأما إذا كان الفعل للجلد نفسه أنه الذي تورم، فإنهم يقولون: قد حدر جلده يحدر حدورًا، لا اختلاف فيه أعلمه، وقال عمر بن أبي ربيعة:
لو دب ذرٌ فوق ضاحي جلدها لأبان من آثارهن حدورا
يعني الورم.
وكذلك يقال: حدرت السفينة [٣٩٣] في الماء.
وكل شيءٍ أرسلته إلى أسفل حدورًا وحدرًا بغير ألفٍ، ولم أسمعه بالألف أحدرتُ.
ومنه سميت القراءة السريعة الحدر؛ لأن صاحبها يحدرها حدرًا، وأما الحدور- بفتح الحاء- فإنه الموضع المنحدر.
يقال: وقعنا في حدورٍ منكرةٍ، كقولك: في هبوطٍ، وصعودٍ، كل هذا بالفتح.
وقال الله﵎-: (سأرهقه صعودًا).
وكذلك الكؤود.
ومنه حديثٌ يُروى عن أبي الدرداء: "إن بين أيدينا عقبةً كؤودًا، لا يجوزها إلا المخف.
[ ٤ / ١٤٤ ]
٥٧٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- حين قال- لمؤذن "بيت المقدس"-: "إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم".
قال: حدثنيه الأنصاري محمد بن عبد الله، عن مرحوم العطار، عن أبيه، عن أبي الزبير - مؤذن "بيت المقدس"- أن عمر قال له ذلك.
قال الأصمعي: الحذم: الحدر في الإقامة، وقطع التطويل.
قال: وأصل الحذم في المشي إنما هو الإسراع منه، وأن يكون مع هذا كأنه يهوى بيديه إلى خلفه.
وقال غيره: وهو كالنتف في المشي، شبيهٌ بمشي الأرنب، وأما الخدم - بالخاء- فهو: القطع.
وقد يكون الجذم- بالجيم-: القطع أيضًا، ومنه قيل للأقطع: أجذم: قال "المتلمس":
وهل كنت إلا مثل قاطع كفه بكف له أخرى فأصبح أجذما؟ !
[ ٤ / ١٤٥ ]
وقد جذمتها: قطعتها.
ومنه الحديث: "من قرأ القرآن، ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم" [٣٩٤]، وأما الحديث، فهو بالحاء.
٥٧٣ - وقال أبو عبيد في حديث عمر [﵁] أنه قال: "لا يُقر رجلٌ أنه كان يطأ جاريته إلا ألحقت به ولدها، فمن شاء فليمسكها، ومن شاء فليسمرها".
[قال أبو عبيد]: هكذا الحديث بالسين، من حديث ابن عُلية، عن أيوب، عن نافع: عن صفية، عن عمر.
قال الأصمعي: أعرف التشمير- بالشين [معجمة]- هو الإرسال، قال: وأراه من قول الناس: شمرت السفينة: أرسلتها، قال: فحولت الشين إلى السين.
قال أبو عبيدٍ: أما الشين، فكثيرٌ في الشعر وغيره، قال الشماخ يذكر أمرًا نزل به:
أرقتُ له في القوم والأمر ساطع كما سطع المريخ شمره الغالي
[ ٤ / ١٤٦ ]
المريخ: السهم. والغالي: الرامي، والتشمير: الإرسال، فهذا كثير في كلامهم بالشين.
وأما السين فلم نسمعه إلا في هذا الحديث، ولا أراها إلا تحويلا، كما قالوا: الرواسيم- بالسين- وهي في الأصل بالشين، كما قالوا، شمت الرجل وسمته.
٥٧٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر﵁- أن رجلًا تخلل بالقصب، فنفر فمه، فنهى "عمر" عن التخلل بالقصب.
قال: حدثناه القاسم بن مالك [المزني]، عن عبد الله بن الوليد المزني، عن عبيد الله بن الحسن، عن عبد الله بن معقلٍ المزني، عن عمر.
قال الأصمعي: قوله: نفر فمه: يعني ورم.
قال الكسائي مثل ذلك.
قال أبو عبيد: ولا أرى هذا أخذ إلا من نفار الشيء من الشيء، إنما هو تجافيه عنه، وتباعده منه، فكأن اللحم لما أنكر الداء نفر منه، فظهر، فذلك نفاره [٣٩٥].
[ ٤ / ١٤٧ ]
٥٧٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-]:
"كذب عليكم الحج، كذب عليكم العمرة، كذب عليكم الجهاد ثلاثة أسفار كذبن عليكم".
قال حدثناه ابن علية، عن إسحاق بن سويد، عن حُريث بن الربيع- يقال: هو أخو حجير بن الربيع- عن عمر.
قال الأصمعي: معنى كذب عليكم معنى الإغراء، أي عليكم به.
وكان الأصل في هذا أن يكون نصبًا، ولكنه جاء عنهم بالرفع شاذًا على غير قياسٍ.
قال: ومما يحقق لك أنه مرفوعٌ قول الشاعر:
كذبت عليك لا تزال تقوفني كما قاف آثار الوسيقة قائف
فقوله: كذبت عليك: إنما أغراه بنفسه، أي عليك بي، فجعل نفسه في موضع رفع، ألا تراه قد جاء بالتاء فجعلها اسمه.
[ ٤ / ١٤٨ ]
وقال معقر البارقي:
وذبيانيةٍ أوصت بنيها بأن كذب القراطف والقروف
فرفع، والشعر مرفوع، ومعناه: عليكم بالقراطف، والقروف.
قال أبو عبيد: القراطف: القطف، واحدها قرطفٌ، والقروف: الأوعية. قال أبو عبيد: ومما يحقق الرفع أيضًا قول عمر: "ثلاثة أسفارٍ كذبن عليكم ".
[قال]: ولم أسمع في هذا حرفًا منصوبًا إلا في شيءٍ كان "أبو عبيدة" يحكيه عن أعرابي نظر إلى ناقةٍ نضوٍ لرجلٍ، فقال: "كذب عليك البزر والنوى".
[ ٤ / ١٤٩ ]
ولم أسمع [أحدًا يحكي] في هذا نصبًا غير قول أبي عُبيدة هذا.
وقال ابن عُلية: قال إسحاق بن سويد: العرب تقول: كذب عليك العسل، كذب عليك كذا كذا، أي: عليك به.
٥٧٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁]: "ما يمنعكم إذا رأيتم الرجل يُخرق [٣٩٦] أعراض الناس ألا تُعربوا عليه!
قالوا: نخاف لسانه.
قال: ذلك أدنى ألا تكونوا شهداء! ".
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائلٍ، عن زيد بن صوحان، عن عمر.
[ ٤ / ١٥٠ ]
قال أبو زيد، والأصمعي: قوله: ألا تعربوا عليه يعني أن تفسدوا عليه كلامه، وتقبحوه له، قال أوسُ بن حجر:
ومثل ابن عثم إن ذُحولٌ تذكرت وقتلى تياسٍ عن صلاحٍ تعرب
قال أبو عبيدٍ: وتعرب يعني أنها تفسد المصالحة، وتنكل عنها.
وقد يكون التعريب من الفحش، وهو قريبٌ من هذا المعنى.
ومنه قول ابن عباسٍ.
قال: حدثناه سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله [تعالى] "فلا رفث ولا فسوق".
قال: الرفث الذي ذكر هاهنا ليس بالرفث الذي ذكر في موضعٍ آخر، هو التعريض بذكر النكاح، وهو العرابة في كلام العرب.
وقوله: العرابةُ: كأنه اسمٌ موضوعٌ من التعريب، وهو ما قبح من الكلام وكذلك الإعراب، يقال منه أعربت إعرابًا.
ومنه قول عطاءٍ: إنه كره الإعراب للمحرم.
قال: حدثنيه ابن مهدي: عن سفيان، عن علقمة بن مرثدٍ، عن عطاءٍ.
[ ٤ / ١٥١ ]
وقال رؤبة بن العجاج:
والعرب في عفافةٍ وإعراب
قوله: والعرب يعني المتحببات إلى الأزواج، واحدتها عروبٌ، والإعراب من الفحش، فمعناه أنه يقول: إنهن يجمعن العفافة عند الغرباء، والإعراب عند الأزواج.
وهذا كقول الفرزدق:
يأنسن عند بعولهن إذا خلوا وهموا إذا خرجوا فهن خفار
وقد رُوي في بعض الحديث: "خير النساء المتبذلة لزوجها [٣٩٧] الخفرة في قومها".
٥٧٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عُمر [﵀]: "أنه نهى عن الفرس في الذبيحة".
قال: حدثناه مروان بن معاوية الفزاري، عن هشام الدستوائي، وحجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، ن المعرور الكلبي، عن عمر.
[ ٤ / ١٥٢ ]
قال: وحدثناه عبد الله بن المبارك، عن الأوزاعي، عن المعرور الكلبي، عن عثمان بن عفان.
قال أبو عبيدٍ: ولا أرى المحفوظ إلا حديث ابن المبارك.
قال أبو عبيدة: الفرس هو النخع، يقال منه:
[قد] فرست الشاة ونخعتها، وذلك أن تنتهي بالذبح إلى النخاع، وهو عظمٌ في الرقبة، ويقال: بل هو الذي يكون في فقار الصلب شبيه بالمخ، وهو متصل بالقفا. يقول: فنهى أن يُنتهى بالذبح إلى ذلك.
قال أبو عبيد: أما النخعُ فهو على ما قال أبو عبيدة.
وأما الفرس، فقد خولف فيه. يقال: هو الكسر، وإنما نهى أن تُكسر رقبة الذبيحة قبل أن تبرد، ومما يبين ذلك أن في الحديث:
"ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق".
وكذلك حديث عمر بن عبد العزيز [﵀]: "أنه نهى عن الفرس والنخع، وأن يستعان عن الذبيحة بغير حديدتها".
أفلا ترى أن الكسر معونة عليها؟
ومع هذا إن الفرس معروفٌ في الكلام أنه الكسرُ.
[ ٤ / ١٥٣ ]
ويقال: إنما سميت فريسة الأسد؛ لأنه يكسرها.
قال [أبو عبيد]: الفرس بالسين: الكسر، وبالصاد: الشق.
٥٧٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁]: "حين أتاه رجلٌ يسأله، فقال: هلكت وأهلكت.
فقال عمر: اسكت، أهلكت وأنت تنث نثيت الحميت.
وبعضهم يرويه بالميم "تمث" ولا أرى المحفوظ إلا بالنون.
ثم قال: أعطوه ربعةً من الصدقة، فخرجت يتبعها ظئراها".
قال: حدثنيه أزهر بن حفصٍ، عن قيل بن عرادة، عن جراد بن طارق، عن عمر.
قال: وحدثنيه يزيد بن هارون، عن الصعق بن حزنٍ، عن قيل بن عرادة [٣٩٨]، عن جراد بن شييطٍ - ولم يقل: ابن طارقٍ- عن عمر.
وزاد فيه "يزيد" قال فقال: بعد ما أمر له بربعةٍ يتبعها ظئراها.
قال: ثم أنشأ عمر يحدثنا بعد عن نفسه فقال: "لقد رأيتني أنا وأختًا لي، نرعى على أبوينا ناضحًا لنا، قد ألبستنا أمنا نقبتها، وزودتنا يمينتيها من الهبيد، فنخرج بناضحنا، فإذا طلعت الشمس ألقيت النقبة إلى
[ ٤ / ١٥٤ ]
أختي، وخرجت أسعى عريانًا، فنرجع إلى أمنا، وقد جعلت لنا لفيتةً من ذلك الهبيد فيا خصباه".
قوله: تنث. النثيث: أن يعرق، ويرشح، من عظمه وكثرة لحمه.
يقال منه: نث الرجل ينث نثيثًا، ويقال: نث الرجل الحديث ينثه نثًا، هذا بالضم وذاك بالكسر.
وأما الحميتُ، فزعم الأحمر أنه الزق المشعر الذي يُجعل فيه السمن والعسل والزيت، وجمعه حمتٌ، وهو الذي يقال له: النحى، وجمعه أنحاءٌ.
قال أبو عبيدٍ: وأما الزق الذي يُجعل فيه اللبن، فهو الوطب، وجمعه وطابٌ. وما كان منها للشراب، فهي الذوارع، واسم الزق يجمع ذلك كله.
وأما ما كان للماء فهي الأسقية.
وقوله: أعطوه ربعةً، فالربعةُ ما وُلد في أول النتاج، والذكر ربع.
و[أما] قوله: ناضحًا لنا. الناضح: هو البعير الذي يُسنى عليه، فتسقى به الأرضون، والأنثى ناضحةٌ، قالها "الكسائي". وهي السانية أيضًا، وجمعها سوانٍ. وقد سنت تسنو، ولا يقال: ناضحٌ لغير المستقى.
[ ٤ / ١٥٥ ]
وقوله: ألبستنا نقبتها: فإن النقبة: أن تؤخذ القطعة من الثوب قدر السراويل، فتجعل لها حجزةٌ مخيطةٌ من غير نيفق، وتُشد كما تُشد حجزة السراويل، فإذا كان لها [٣٩٩] نيفقٌ وساقان، فهي سراويل، وإذا لم يكن لها نيفقٌ ولا ساقان ولا حجرةٌ، فهو النطاق، وذلك: أن تأخذ المرأة الثوب. فتشتمل به، ثم تشد وسطها بخيطٍ، ثم ترسل الأعلى على الأسفل، فهذا النطاق فيما فسره لي أبو زيادٍ الكلابي، وبه سُميت أسماء بنت أبي بكرٍ "ذات النطاقين" وقال بعض الناس: إنما سميت بذلك أنها كانت تطارق نطاقًا بنطاقٍ استتارًا. ويقال: بل كان لها نطاقان، فكان أحدهما عليها كما تنتطق المرأة. وكان الآخر تجعل فيه طعامًا تأتي به رسول الله [ﷺ] وأبا بكرٍ [﵁] وهما في الغار.
وقوله: زودتنا يمينتيها من الهبيد - هكذا جاء الحديث، ولكن الوجه في الكلام أن يكون يمينتيها - بالتشديد؛ لأن تصغير يمينٍ، وتصغير الواحدة يمينٌ بلا هاءٍ.
وإنما قال: يمينتيها، ولم يقل: يديها، ولا كفيها؛ لأنه لم يُرد أنها جمعت كفيها ثم أعطتهما بجميع الكفين، ولكنه أراد أنها أعطت كل واحدٍ كفًا واحدةً بيمينها، فهاتان يمينان، [ولو جمعتهما لكانتا يمينًا وشمالًا].
وأما قوله: الهبيد، فإنه حب الحنظل، زعموا أنه يعالج حتى يمكن أكله، ويطيب.
[ ٤ / ١٥٦ ]
يقال منه: تهبد الرجل، وتهبد الظليم تهبدًا: إذا أخذه من شجره.
وأما اللفيتة، فإنها: ضربٌ من الطبيخ، لا أقف على حده، وأراه كالحساء ونحوه.
٥٧٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر، فلم يزد على الاستغفار حتى نزل، فقيل له: إنك لم تستسق، فقال: "لقد استسقيت بمجاديح السماء".
قال: حدثناه هشيمٌ، وأبو يوسف جميعًا قالا: أخبرنا مطرف [بن طريفٍ]، عن الشعبي، عن عمر.
قال "أبو عمرو": المجاديح، واحدها مجدحٌ، وهو: نجم من النجوم كانت العرب: تقول: إنه يمطرُ به. كقولهم في الأنواء.
قال [٤٠٠]: فسألت عنه الأصمعي، فلم يقل فيه شيئًا، وكره أن يتأول على عمر مذهب الأنواء.
[ ٤ / ١٥٧ ]
وقال الأموي: يقال فيه أيضًا: إنه المجدح - بالضم- وأنشدنا:
وأطعن ب القوم شطر الملو ك حتى إذا خفق المجدح
والذي يُراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاءً، يتأول قول الله - ﵎ - (استغفروا ربكم إنه كان غفارًا يرسل السماء عليكم مدرارًا).
وإنما نُرى أن "عمر" تكلم بهذا على أنها كلمةٌ جاريةٌ على ألسنة العرب، ليس على تحقيق الأنواء، ولا [على] التصديق بها.
وهذا شبيهٌ بقول ابن عباسٍ [﵀]- في رجلٍ جعل أمر امرأته بيدها، فطلقته ثلاثًا، فقال: خطأ الله نوءها، ألا طلقت نفسها ثلاثًا".
ليس هذا منه دعاءٌ عليها ألا تمطر، إنما هو على الكلام المقول.
ومما يبين لك أن عمر أراد إبطال الأنواء، والتكذيب بها، قوله: "لقد استقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها الغيث" فجعل الاستغفار هو المجاديح، لا الأنواء.
[ ٤ / ١٥٨ ]
٥٨٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثبانًا".
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهدٍ، عن عمر.
قال: وحدثناه هشيمٌ، عن أبي بشر، عن مجاهدٍ، عن عمر.
قال أحدهما: ولا يتخذ ثبانًا.
وقال الآخر: ولا يتخذ خبنةً.
قوله: الثبان. قال أبو عمرو: هو الوعاء الذي يُحمل فيه الشيء، فإن حملته بين يديك فهو ثبانٌ.
يقال [منه]: قد تثبنت ثبانًا. فإن حملته على ظهرك فهو الحال: يقال منه: [قد] تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئًا، ثم حملته على ظهرك.
فإن جعلته في حضنك، فهو خُبنةٌ.
ومنه الحديث المرفوع، قال: حدثناه أبو معاوية، عن هشامٍ بن سعدٍ، عن عمرو بن شعيبٍ يرفعه إلى النبي - ﷺ- نحو هذا.
[ ٤ / ١٥٩ ]
يقال منه: خبنت أخبن خبنًا [٤٠١].
قال أبو عبيدٍ: وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شيء معه ليشتري به، وهو مفسرٌ في حديثٍ آخر.
قال: حدثناه الأنصاري محمد بن عبد الله، عن ابن جريج، عن عطاءٍ قال: رخص رسول الله [ﷺ] للجائع المضطر إذا مر بالحائط أن يأكل منه ولا [يتخذ] خبنةً.
ومما يبين لك أنه إنما رخص لذلك خاصةً قوله: "ولا يتخذ خبنةً" أو "ولا يتخذ ثبانًا".
فلم يجعل له الثبان والخبنة إلا ما في بطنه قدر قوته، فكيف يرخص لأهل الزاد الواسع أن يصيبوا أموال الناس، وكذلك حديث "عمر" الآخر في الإبل يمر بها المسافر، قال: "يصوت يا راعي الإبل ثلاثًا، فإن جاء، وإلا فليشرب".
فإنما هو للمضطر الذي يخاف الموت على نفسه، ولا يقدر على الشراء.
ومما يبين ذلك حديثه في الأنصار الذين مروا بحي من العرب
[ ٤ / ١٦٠ ]
فسألوهم القرى، فأبوا، فسألوا الشرى فأبوا، فضبوطهم، فأصابوا منهم، فأتوا "عمر" فذكروا ذلك له، فهم بالأعراب، وقال: "ابن السبيل أحق بالماء من التأني عليه".
قال: حدثناه حجاجٌ، عن شعبة، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر. فهذا مفسر، إنما هو لمن لم يقدر على قرى ولا شراءٍ.
وكذلك قال في الحديث الأول: ليصوت: يا راعي الإبل ثلاثًا؛ ليكون طلب القرى قبلُ.
وقد روي عن النبي - ﷺ- أنه قال: "لا يحل لأحدٍ أن يحل صرار ناقةٍ إلا بإذن أهلها فإن خاتم أهلها عليها".
قال: حدثناه شريكٌ، عن عبد الله بن عصمٍ، قال: سمعت أبا سعيد الخدري بقوله، فقيل لشريكٍ: أرفعه؟ فقال: نعم.
[ ٤ / ١٦١ ]
وقد روي عن ابن عمر، عن النبيﷺ- في النهي عن ذلك أيضًا.
فكل هذه تقويةٌ لمن كره أن يأخذ من الثمار أو الألبان إلا بإذن أهلها، والحديث في هذا كثيرٌ، وله موضعٌ غير هذا.
٥٨١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر﵁-[٤٠٢] "لو شئت لدعوت بصلاءٍ، وصنابٍ، وصلائق، وكراكر، وأسنمةٍ" وفي بعض الحديث وأفلاذٍ.
قال: حدثناه أبو نوحٍ، عن جرير بن حازم، عن الحسن، عن عمر.
قال أبو عمرو: الصلاء: الشواء؛ سمي بذلك؛ لأنه يُصلى بالنار.
[ ٤ / ١٦٢ ]
قال والصناب: الخردل بالزبيب. قال: ولهذا قيل للبرذون صنابي؛ إنما شُبه لونه بذلك.
قال: والسلائق- بالسين- وهو: كل ما سلق من البقول وغيرها.
وقال غير أبي عمرو: هي الصلائق- بالصاد- ومعناها الخبز الرقيق.
قال جرير [بن عطية بن الخطفي]:
تكلفني معيشة آل زيدٍ ومن لي بالصلائق والصناب
وأما الكراكر، فكراكر الإبل: واحدتها كركرةٌ، وهي معروفةٌ. وأما الأفلاذ، فإن واحدها فلذٌ: وهو القطعة من الكبد.
ومنه حديث "عبد الله" حين ذكر أشراط الساعة، فقال: وتُلقى الأرض أفلاذ كبدها" قال "أعشى باهلة":
تكفيه حزةُ فلذٍ إن ألم بها من الشواء ويروى شربه الغمر
[وهو القعب الصغير].
[ ٤ / ١٦٣ ]
وحديث "عمر" هذا في ذكر الطعام شبيهٌ بحديثه الآخر: "لو شئت أن يدهمق لي لفعلت، ولكن الله [﷿] عاب قومًا فقال: "أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها".
قال الأصمعي: قوله: يدهمق لي: الدهمقة: لين الطعام وطيبته ورقته، وكذلك كل شيءٍ لين، قال الأصمعي: وأنشدني خلفٌ الأحمر في نعت أرض فقال:
حزنٌ روابي تُربه دهامق
يعني تُربةٌ لينةٌ.
وقال غيره: الدهمقة والدهقنة واحدٌ والمعنى في ذلك كالمعنى الأول سواءٌ؛ لأن لين الطعام من الدهقنة [٤٠٣].
٥٨٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- أنه أراد أن يشهد جنازة رجلٍ، فمرزه "حذيفة" كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها".
[ ٤ / ١٦٤ ]
قال أبو عمرو: لم أسمع هذه الكلمة، وإنها لتشبه كلام العرب.
فقال رجلٌ عنده من أهل اليمامة: هذه كلمةٌ عندنا معروفة باليمامة.
يقال: مرزت الرجل مرزًا: إذا قرصه بأطراف أصابعه مرزًا رفيقًا. ليس بالأظفار. فإذا اشتد المرز حتى يكون له وجعٌ، فهو حينئذٍ قرصٌ، وليس بمرزٍ.
٥٨٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- "لئن بقيت لأسوين بين الناس حتى يأتي الراعي حقه في صفنه لم يعرق فيه جبينه".
قال أبو عمرو: الصفن: خريطةٌ تكون للراعي فيها طعامه وزناده، وما يحتاج إليه.
وقال الفراء: هو شيء [يكون] مثل الركوة يتوضأ فيه.
وقال أبو عبيدٍ: قال صخرٌ الهذلي [يصف ماء ورده]:
فخضخضت صفني في جمةٍ خياض المدابر قدمًا عطوفا
[ ٤ / ١٦٥ ]
وقال أبو دؤاد [الإيادي يصف ماءٌ ورده]:
هرقت في حوضه صفنًا ليشربه في داثرٍ خلق الأعضاد أهدام
وقد يمكن أن يكون ما قال أبو عمرو، والفراء جميعًا أن يكون يستعمل الصفن في هذا وفي هذا. وقد سمعت من يقول: هو الصفن- بفتح الصاد- وهي الصفنة أيضًا بالتأنيث.
وحديث عمر هذا شبيهٌ بحديثه الآخر حين قال: "لئن بقيت إلى قابلٍ ليأتين كل مسلمٍ حقه أو قال: حظه- حتى يأتي الراعي بسرو حمير لم يعرق فيه جبينه".
قال: حدثنيه ابن علية، عن أيوب، في حديثٍ طويلٍ، أوله عن عكرمة بن خالدٍ، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر.
وبعضه عن أيوب، عن الزهري، [عن عمر].
[ ٤ / ١٦٦ ]
قال أبو عمرو: قوله: بسرو حمير [٤٠٤]: السرو: ما انحدر من حزونة الجبل، وارتفع عن منحدر الوادي، فما بينهما سروٌ.
قال الأصمعي: وهو الخيف أيضًا، قال: وبه سمي خيف مني.
وقال غيرهما: هو النعف أيضًا.
ويروى عن عمر- في حديث ثالث- أنه قال: "لئن عشت إلى قابلٍ، لألحقن آخر الناس بأولهم، حتى يكونوا ببانًا واحدًا".
قال: حدثنيه ابن مهديٍّ، عن هشامٍ بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر.
قال ابن مهدي: يعني شيئًا واحدًا.
قال أبو عبيدٍ: وذاك الذي أراد فيما نُرى، ولا أحسب هذه الكلمة عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث.
٥٨٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] في أسيفع جهينة أنه خطب، فقال: "ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته، بأن يقال: سابق الحاج- أو قال: سبق الحاج- قادان معرضًا، فأصبح قد رين
[ ٤ / ١٦٧ ]
به، فمن كان له عليه دين فليغد بالغداة، فلنقسم ماله بينهم بالحصص".
قال: حدثنيه أبو النضر، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن ابن دلافٍ، عن عُمر.
قال أبو زيدٍ الأنصاري: قوله: فادان معرضًا: يعني استدان معرضًا، وهو الذي يعترض الناس، فيستدين ممن أمكنه.
قال الأصمعي: وكل شيءٍ أمكنك من عرضه، فهو معرضٌ لك، ومن هذا قول الناس: هذا الأمر معرضٌ لك، إنما هو بكسر الراء [بهذا المعنى]، ومنه قول عدي بن زيدٍ :
سره حاله وكثرة ما يمـ ـلك والبحر معرضًا والسدير
[قال أبو عبيد]: ويروى: والنخل، ويروى: معرضٌ بالرفع [أيضًا].
[ ٤ / ١٦٨ ]
قال أبو عبيدٍ: وقوله: فأصبح قد رين به. قال أبو زيدٍ: يقال: قد رين بالرجل رينًا: إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه، ولا قِبل له به.
وقال القنائي الأعرابي: رين به: انقطع به [٤٠٥].
قال أبو عبيدٍ: وهذا المعنى شبيهٌ بما قال أبو زيد؛ لأنه إذا أتاه ما لا قبل له به، فهو منقطع به، وكذلك كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك، وران عليك،
[ ٤ / ١٦٩ ]
ومنه قول الله - ﷿-: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).
قال: حدثنا عباد بن القوام، عن عاصمٍ، عن الحسن في هذه الآية قال: هو الذنبُ على الذنبِ، حتى يسود القلب.
[قال أبو عبيدٍ]: وهذا من الغلبة عليه أيضًا.
وكذلك قول أبي زبيدٍ يصف رجلًا شرب حتى غلبه الشراب سكرًا، فقال:
ثم لما رآه رانت به الخمـ ـر ألا ترينه باتقاء
فقوله: رانت به الخمر: أي غلبت على قلبه وعقله.
قال الأموي: ويقال أيضًا: قد أران القوم، فهم مرينون: إذا هلكت مواشيهم، أو هُزلت، وهذا من الأمر الذي أتاهم مما يغلبهم، ولا يستطيعون احتماله.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه باع عليه ما له، وقسمه بين الغرماء.
وهذا مثل حديث النبي - ﷺ- في معاذ بن جبلٍ أنه كان رجلًا سخيًا، فركبه الدين، فخلعه رسول الله - ﷺ- من ماله للغرماء. وبهذا يقضي أهل الحجاز، وبه كان يحكم أبو يوسف. فأما "أبو حنيفة" فإنه كان لا يرى أن يبيع عليه ماله، ولكنه كان يقول: يُحبس أبدًا، حتى يموت، أو يقضي ما عليه [كان عنده، أو لم يكن].
[ ٤ / ١٧٠ ]
٥٨٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قال لمولاه "أسلم" - ورآه يحمل متاعه على بعيرٍ من إبل الصدقة، فقال-: "فهلا ناقةً شصوصًا أو ابن لبون بوالًا".
[قال أبو عبيدٍ: يروى] من حديث ابن عيينة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم [بن محمد]، عن أسلم، عن عمر.
قال "الكسائي": الشصوص: التي قد ذهب لبنها.
وكذلك قال "الأصمعي" واختلفا في الفعل من ذلك، فقال أحدهما: شصت الناقة تشص وتشص شصوصًا، وقال الآخر: أشصت تشص إشصاصًا: إذا ذهب لبنها. وهما لغتان بالألف وغير الألف [٤٠٦].
وأما قوله "ابن لبون بوالًا" فسماه بولًا، والإبل كلها تبول، وإنما وصفه بالبول يقول: ليس عنده إلا البول، ما عنده ما ينتفع به من الظهر، ولا له ضرعٌ فيجلب لم يزد على أن كان بوالًا.
٥٨٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قيل
[ ٤ / ١٧١ ]
له: "إن النساء قد اجتمعن يبكين على خالد بن الوليد، فقال: "وما على نساء بني المغيرة أن يسفكن من دموعهن على "أبي سليمان" ما لم يكن نقعٌ ولا لقلقلةً".
قال: حدثناه جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي وائل، عن عمر.
قال: وحدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن الحسن بن عمرو، عن أبي وائلٍ، عن عمر مثله، إلا أنه زاد فيه: "أن يسفكن من دموعهن وهن جلوسٌ".
قال "الكسائي" في قوله: "نقعٌ ولا لقلقلةٌ": النقع: صنعة الطعام، يعني في المأتم يقال منه: نقعت أنقع نقعًا.
قال أبو عبيد: وغير هذا التأويل أحب إلى منه، وذلك أن الكسائي ذهب بالنقع
[ ٤ / ١٧٢ ]
إلى النقيعة، وإنما النقيعة عند غيره من العلماء صنعة الطعام عند القدوم من سفرٍ لا في المأتم، قال الشاعر:
إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ضرب القدار نقيعة القدام
يعني بالقدام القادمين من السفر. وقد قال بعضهم: القدام: الملك.
والكلام الأول أشبه.
والقدار: الجزار.
وأما النقع الذي في حديث "عمر" فإنه عندنا رفع الصوت.
على هذا رأيت قول الأكثر من أهل العلم، وهو أشبه بالمعنى.
ومنه قول "لبيد":
فمتى ينقع صراخٌ صادقٌ يحلبوها ذات جرسٍ وزجل
يقول: متى ما سمعوا صارخًا أحلبوا الحرب. يقول: جمعوا له.
وقوله: ينقع صراخٌ، يعني رفع الصوت، ومما يُحقق ذلك المعنى حديث النبي - ﷺ-: "ليس منا من صلق أو حلق أو خرق".
فقوله: صلق يعني رفع الصوت، يقال: بالسين والصاد.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وقال بعضهم: يريد [٤٠٧] عمر بالنقع: وضع التراب على الرأس، يذهب إلى أن النقع هو الغبار، ولا أحسب "عمر" ذهب إلى هذا، ولا خافه منهن وكيف يبلغ خوفه ذا، وهو يكره لهن القيام، فقال: يسفكن من دموعهن وهن جلوس.
وقال بعضهم: النقع: شق الجيوب، وهذا الذي لا أدري ما هو ولا أعرفه، وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد.
وأما اللقلقة: فشدة الصوت، لم أسمع فيها اختلافًا.
٥٨٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- حين أتاه "سلمان بن ربيعة الباهلي" يشكو إليه عاملًا من عماله، قال: "فأخذ الدرة، فضربه بها حتى أنهج".
قال: حدثنيه حجاج، عن ابن جريج، عن هارون بن أبي عائشة المديني، عن عدي بن عدي، عن سلمان بن ربيعة، عن عمر.
قال الكسائي: قوله: أنهج هو النفس، والبهر الذي يقع على الإنسان من الإعياء عند العدو، أو معالجة الشيء حتى ينبهر.
يقال منه: قد أنهجت أنهج إنهاجًا، ونهجت أنهج نهجًا.
قال أبو عبيدٍ: والنهج في غير هذا أيضًا.
يقال: قد نهج الثوب وأنهج: إذا خلق.
[ ٤ / ١٧٤ ]
والنهج: الطريق العامر، وهو المنهاج.
قال أبو عبيدٍ: ونُرى أن "عمر" إنما ضرب "سلمان" من قبل أن يعرف صدق سلمان من كذبه أنه أراد تأديبه لينكله عن السعاية بأحدٍ إلى سلطانٍ، أو كره له الطعن على الأمراء، لا أعرف للحديث وجهًا غير هذين.
ومع هذا أنه قد بلغنا أنه شكى إليه غير واحدٍ من عماله منهم: سعدٌ، وأبو موسى، والمغيرة وغيرهم، فلم يفعل بأحدٍ ممن رفع إليه ما فعل بسلمان.
٥٨٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قدم عليه أحد ابني ثورٍ فقال [٤٠٨] "عمر": "هل من مغربة خبرٍ؟ ".
قال: نعم؛ أخذنا رجلًا من العرب كفر بعد إسلامه، فقدمناه فضربنا عنقه، فقال: "فهلا أدخلتموه جوف بيتٍ، فألقيتم إليه كل يومٍ رغيفًا ثلاثة أيامٍ، لعله يتوب، أو يراجع [الله]. اللهم لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني".
[ ٤ / ١٧٥ ]
قال: حدثناه إسماعيل بن جعفرٍ، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاري، عن أبيه، عن عمر.
قوله: مغربة خبرٍ- يقال بكسر الراء وفتحها- قالها الأموي: [مغرية خبرٍ] بالفتح، وغيره بالكسر.
وأصله فيما نُرى من الغرب، وهو البعد، ومنه قيل: دار فلانٍ غربةٌ.
قال الشاعر:
وشط ولي النوى إن النوى قذفٌ نياحةٌ غربةٌ بالدار أحيانًا
[ ٤ / ١٧٦ ]
ومنه قيل: شأوٌ مغربٌ، قال الكميت في المغرب:
أعهدك من أولى الشبيبة تطلب على دبرٍ هيهات شأوٌ مغرب
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه رأى ألا يقتل الرجل مرتدًا حتى يستتيبه، ثم وقت في ذلك ثلاثًا، ولم أسمع التوقيت في غير هذا الحديث.
وفيه أنه لم يسأله: أولد على الفطرة، أو على غيرها؟ وقد رأى أن يستتاب، فهذا غير قول من يقول: إن وُلد على الفطرة لم يستتب.
٥٨٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قال:
"الله ليضربن أحدكم أخاه بمثل آكلة اللحم، ثم يُرى أنى لا أقيده؟ والله لأقيدنه منه".
قال: حدثناه يزيد، عن حجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن جروة بن
[ ٤ / ١٧٧ ]
حُميلٍ، عن عمر.
قال يزيد: قال الحجاج: آكلة اللحم يعني عصًا محددةً.
وقال الأموي: الأصل في هذا إنما هي السكين، وإنما شُبهت العصا المحددة بها.
يعني الأموي أنها إنما سميت آكلة اللحم؛ لأن اللحم يُقطع بها.
وفي هذا الحديث من الحكم أنه رأى القود [٤٠٩] في القتل بغير حديدةٍ، وذلك إذا كان مثله يقتل.
وهذا قول أهل الحجاز أن من تعمد رجلًا بشيء حتى قتله به أنه يُقاد به، وإن كان غير حديدةٍ.
وكان "أبو حنيفة" لا يرى القود إلا أن يكون قتله بحديدةٍ، أو أحرقه بنارٍ.
وقال أبو يوسف ومحمد [بن الحسن]: إذا ضربه بما يقتل مثله كالخشبة العظيمة، والحجر الضخم، فقتله، فعليه القود.
٥٩٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قال: "أعضل بي أهل الكوفة، ما يرضون بأميرٍ، ولا يرضاهم أميرٌ".
[ ٤ / ١٧٨ ]
قال: حدثنيه حجاجٌ، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن إبراهيم بن قارظٍ، عن عمر.
قال: وحدثنا يزيدُ، عن هشامٍ، عن الحسن، عن عمر أنه قال: غلبني أهل الكوفة، أستعمل عليهم المؤمن فيضعف، وأستعمل عليهم الفاجر، فيفجر".
قال الأموي: قوله: أعضل بي: هو من العضال، وهو الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه.
يقال: قد أعضل الأمر، فهو مُعضلٌ.
ويقال: [قد] عضلت المرأة تعضيلًا: إذا نشب الولد، فخرج بعضه، ولم يخرج بعضٌ، فبقي معترضًا.
وكان "أبو عبيدة" يحمل هذا على الإعضال في الأمر، ويراه منه، فيقول:
[ ٤ / ١٧٩ ]
أنزلوا بي أمرًا معضلًا، لا أقوم به، قال ذو الرمة:
ولم أقذف لمؤمنةٍ حصانٍ بإذن الله موجبةً عضالا
ويقال في غير هذا: عضل الرجل أخته وابنته يعضلها عضلًا: إذا منعها من التزويج، وكذلك: عضل الرجل امرأته، قال الله [﵎]: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن) يقال في تفسيره: أنه أن يطلقها واحدةً، حتى إذا كادت تنقضي عدتها ارتجعها ثم طلقها أخرى، ثم كذلك الثانية والثالثة، يُطول عليها العدة، يضارها بذلك.
ويقال في قوله: (ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا): إنه [من] هذا [أيضًا] [٤١٠].
٥٩١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين خطب [الناس]، فذكر الربا، فقال: "إن منه أبوابًا لا تخفى على أحدٍ
[ ٤ / ١٨٠ ]
منها: السلمُ في السن، وأن تباع الثمرة وهي مغضفةٌ لما تطب، وأن يباع الذهب بالورق نساءً".
قال: حدثناه هشيمٌ، قال أخبرنا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عمر.
قال "أبو عمرو": المغضفةُ: المتدلية في شجرها، وكل مسترخٍ أغضف، قال: ومنه قيل للكلاب: غضف؛ لأنها مسترخيةُ الآذان.
قال أبو عبيد: والذي قال أبو عمرو هو كما قال، ولكن "عمر" لم يكره من بيعها أن تكون مغضفةٌ فقط، إنما كره بيعها قبل أن يبدو صلاحها، فهي لا تكون في تلك الحال إلا مغضفةٌ في شجرها لم تجد، ولم تقطف، فهذا مثل حديث النبي - ﷺ- أنه "نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو" وزهوها أن تحمر أو تصفر.
ومثله حديث أنس: أنه "كره بيعها حتى تشقح"، والتشقيح: مثل الزهو [أيضًا].
[ ٤ / ١٨١ ]
وكذلك الحديث الآخر: "حتى تأمن من العاهة".
وهذا كله بمعنى واحدٍ.
وإنما ذكر عُمر الإغضاف؛ لأنها إذا كانت غير مُدركةٍ فهي لا تكون إلا متدليةٌ، فكره أن تباع على تلك الحال، ثم يتركها المشتري في يد البائع حتى تطيب، فهذا المنهي عنه المكروه.
وأما السلم في السن: فأن يُسلف الرجل في الرقيق والدواب، وكل شيءٍ من الحيوان، فهو مكروهٌ، في قول أهل العراق؛ لأنه ليس له حد معلومٌ كسائر الأشياء، وقد رخص فيه بعض الفقهاء مع هذا.
٥٩٢ - قال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين خطب الناس، فقال: "ألا لا تغالوا صدق النساء؛ فإن الرجل يغالي بصداق المرأة حتى يكون ذلك لها في قلبه عداوةً، يقول: جشمت إليك علق القربة أو عرق القربة".
قال: حدثناه يزيدُ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين [٤١١] عن أبي العجفاء السلمي، عن عمر.
[ ٤ / ١٨٢ ]
قال: قال أبو العجفاء: وكنت رجلًا عربيًا مولدًا، فلم أدر ما علق القربة، أو عرق القربة.
قال أبو عبيدٍ: وفي هذا الحرف اختلاف كبيرٌ.
قال الكسائي: وعرق القربة: أن يقول: نصبتُ لك، وتكلفت حتى عرقت كعرق القربة، وعرقها: سيلان مائها.
وقال أبو عبيدة: عرق القربة: أن يقول: تكلفت إليك ما لم يبلغه أحدٌ حتى تجشمت ما لا يكون، لأن القربة لا تعرقُ.
قال [أبو عبيدٍ]: يذهب أبو عبيدة إلى مثل قول الناس: حتى يشيب الغراب، وحتى يبيض القار، ومثل قولهم: الأبلقُ العقوق، والعقوق: الحامل وأشباه ذلك مما علم أنه لا يكون.
قال أبو عبيدٍ: ولأبي عبيدة فيه وجهٌ آخر. قال: فإذا قال: علق القربة، فإن علقها عصامها الذي تُعلق به، فيقول: تكلفت لك كل شيءٍ حتى عصام القربة.
[ ٤ / ١٨٣ ]
قال أبو عبيدٍ: وحُكي لي عن "يونس البصري" أنه قال: عرق القربة منقعتها، يقول: جشمت إليك، حتى احتجت إلى نقع القربة، وهو ماؤها، يعني في الأسفار، وأنشد لرجلٍ أخذ سيفًا من رجلٍ، فقال:
سأجعله مكان النون مني وما أعطيته عرق الخلال
قال أبو عبيدٍ: يقول: لم أعطه عن مودةٍ من المخالة والصداقة، ولكن أخذته قسرًا.
والحديث في شعر بني عبسٍ، واضحٌ أنه أسره، وأخذ سيفه ذا النون.
وقال غير هؤلاء من العلماء: عرق القربة: بقايا الماء فيها، واحدتها عرقة.
ويروى عن "أبي الخطاب الأخفش" أنه قال: العرقة: السفيفة التي يجعلها الرجل على صدره إذا حمل القرية، سماها عرقةٌ، لأنها منسوجةٌ.
قال "الأصمعي": عرق القربة: كلمةٌ معناها الشدة، قال: ولا أدري ما أصلها.
قال الأصمعي: سمعت ابن أبي طرفة، - وكان من أفصح من رأيت- يقول:
سمعت [٤١٢] شيخاننا يقولون: لقيت من فلانٍ عرق القربة: يعنون الشدة، وأنشدني [الأصمعي] لابن أحمر:
[ ٤ / ١٨٤ ]
ليست بمشتمةٍ تُعد وعفوها عرق السقاء على القعود اللاغب
قال أبو عبيدٍ: أراد أنه يسمع الكلمة تغيظه، وليست بشتمٍ، فيأخذ صاحبها بها، وقد أبلغت إليه كعرق السقاء على القعود اللاغب. أراد بالسقاء القربة، فقال: عرق السقاء لما لم يُمكنه الشعر، ثم قال: على القعود اللاغب، وكان معناه أن تُعلق القربة على القعود في أسفارهم، وهذا المعنى شبيه بما كان "الفراء" يحكيه:
زعم أنهم كانوا في المفاوز في أسفارهم يتزودون الماء، فيعلقونه على الإبل، يتناوبونه، فكان في ذلك تعبٌ ومشقةٌ على الظهر، وكان الفراء يجعل هذا التفسير في علق القربة باللام.
٥٩٣ - وقال أبو عبيد في حديث عمر - ﵁- أنه رفع إليه غلامٌ ابتهر جاريةٌ في شعره فقال: انظروا إليه، فلم يوجد أنبت، فدرأ عنه الحد".
[ ٤ / ١٨٥ ]
قال: حدثناه ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر.
وبعضهم يرويه عن "عثمان" [﵀].
قوله: ابتهر: الابتهار: أن يقذفها بنفسه، فيقول: فعلت بها كاذبًا، فإن كان [قد] فعل [بها] فهو الابتئار مهموزًا، قال الكميت:
قبيحٌ بمثلي نعت الفتا ة إما ابتهارًا وإما ابتئارا
يقول: فذكر ذلك مني قبيحٌ إن كنت فعلت [ذلك] أو لم أفعل.
وإنما أخذ الابتئار من قولك: بُرت الشيء أبوره بورًا: إذا خبرته: وهذا افتعلت [٤١٣] منه.
وفي هذا الحديث من الحكم، أنه رأى الإدراك بالإنبات، وهذا مثل حكم النبي - ﷺ- في بني قريظة.
قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي، قال: عرضت على رسول الله -[ﷺ] يوم [بني] قريظة، فنظروا إليَّ، فلم أكن أنبت، فألحقني بالذرية، وهذا قولٌ يقول به بعض الحكام.
[ ٤ / ١٨٦ ]
وأما الذي عليه العمل فحديث "ابن عمر" عن النبي - صلى الله عليه [وسلم].
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: عرضت على رسول الله - صلى الله عليه [وسلم] يوم بدرٍ .. وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، فردني، وعُرضت عليه "يوم الخندق" وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني.
فهذا الحد بين الصغر والإدراك خمس عشرة، إلا أن يكون قبل ذلك احتلامٌ.
٥٩٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- أنه قضى في الأرنب بحلانٍ، يعني إذا قتلها المحرم.
[ ٤ / ١٨٧ ]
قال: حدثناه ابن مهدي، عن سفيان [الثوري]، عن سماك بن حربٍ، عن النعمان بن حميدٍ، عن عمر.
قال "الأصمعي" وغيره: قوله: الحلان، يعني الجدي، وأنشدني [ذلك]:
تُهدي إليه ذراع الجدي تكرمةٌ إما ذكيًا وإما كان حلانا
ويروى: "إما ذبيحًا" فالذبيح: الذي قد أسن، وأدرك أن يُضحى به، فهو يجوز أن يكون ذبيحًا وذبحًا.
وأما قوله: وإما كان حلانًا، فإنه يعني الصغير الذي لا يُجزى في الأضحية. وأما الذكي فهو الذي يُذكى بالذبح.
وقد سمعت في الحلان غير هذا.
يقال: إن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا ولد له جديٌ حز ف يأذنه حزًا، أو قطع منها شيئًا، وقال: اللهم إن عاش فقني وإن مات فذكيٌّ.
قال: فإن عاش الجدي فهو الذي أراد، وإن مات قال: قد كنت ذكيته بالحز، فاستجاز أكله بذلك.
[ ٤ / ١٨٨ ]
وهذا التفسير يجوز في هذا الشعر.
فأما "عمر" فإنه لم يرد بالحلان إلا الجدي نفسه، فجعله [٤١٤] اسمه، إن كان فيه الحز، أو لم يكن.
يقول: على هذا المحرم - الذي قتل أرنبًا- أن يذبح جديًا.
وفي الحلان أيضًا لغةٌ أخرى: الحلام- بالميم- وربما شبهوا الميم بالنون، حتى يجعلوهما في قافيةٍ، قال: أنشدني "الأحمر":
يا رب جعدٍ فيهم لو تدرين
يضرب ضرب السبط المقاديم
فجمع بين الميم والنون في قافيةٍ، وذلك لقرب مخرج أحدهما من الآخر.
وهذا كقولهم: أغمطت عليه الحمى، وأغبطت، وقال "المهلهل":
كل قتيل في كليب حلام
حتى ينال القتل آل همام
يقول: كلهم ناقصٌ ليس بكفءٍ لكليب، ولا فيهم وفاءٌ بدمه، كما أن الجدي ليس فيه وفاءٌ بالمسن، إلا آل همامٍ، فإنهم أكفاءٌ له، وفيهم وفاءٌ بدمه.
قال أبو زيدٍ: والجفر أيضًا، من أولاد المعز: ما بلغ أربعة أشهرٍ، وفُصل عن أمه.
ومنه حديث عمر أنه قضى في الضبع كبشًا، وفي الظبي شاةٌ، وفي اليربوع جفرًا، أو جفرةً.
[ ٤ / ١٨٩ ]
[حدثنا أبو عبيدٍ]، قال: حدثنيه ابن علية، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر.
وقال حسان بن ثابت [في رجلٍ جرح فسقط]:
ومرنحٍ فيه الأسنة شرعًا كالجفر غير سميدع الأعمام
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه يرد قول من قال: لا يكون الهديُ أصغر من الجذع من الضأن، والثنيّ من المعز، يُشبههما بالأضاحي، ويقول: عليه القيمة يتصدق بها، وقول "عمر" [﵀] أولى بالاتباع.
٥٩٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] أنه قال: حجة ها هنا، ثم احدج ها هنا حتى تفنى".
[ ٤ / ١٩٠ ]
قال: حدثناه يحيى بن سعيد، عن ثابت بن يزيد الأودي، عن عمرو بن ميمونٍ، عن عمر.
[قال] قوله: ثم احدج ها هنا، يعني إلى الغزو، والحدجُ: شد الأحمال وتوسيقها، يقال [٤١٥]: حدجت الأحمال وغيرها أحدجها حدجًا، والواحد منها حدجٌ، وجمعها حدوجٌ وأحداجٌ، قال "طرفة":
كأن حدوج المالكية غُدوةٌ خلايا سفينٍ بالنواصف من دَدِ
قال أبو عبيدٍ: دَدٍ: موضعٌ.
وقال "الأعشى":
ألا قل لميثاء ما بالها اللبين تُحدجُ أحمالها
ويروى: أجمالها.
وقوله: تحدج: يعني يُشد عليها.
والذي يراد من [هذا] الحديث أنه فضل الغزو على الحج بعد حجة الإسلام.
وقوله: حتى تفنى: يريد بالفناء الهرم، ومنه قول "لبيد":
[ ٤ / ١٩١ ]
حبائله مبثوثةٌ بسبيله ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
قال أبو عبيدٍ: الحبائل: الموت، يقول: فإذا أخطأه الموت، فإنه يفنى، يعني الهرم. ومنه قيل للشيخ الكبير: فانٍ، أي هرمٌ.
٥٩٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه سافر في عقب رمضان، وقال: "إن الشهر قد تسعسع، فلو صمنا بقيته".
وهذا الحديث يروى عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن عمر.
وهم يختلفون فيه، فبعضهم يقول: " [قد] تشعشع"- كلاهما شين - وبعضهم يقول: " [قد] تشعسع" - شينٌ وسينٌ - وبعضهم يقول: "تسعسع"- كلاهما سينٌ- والصواب عندنا "تسعسع"
[ ٤ / ١٩٢ ]
[كلاهما بالسين] ومعناه: أنه أدبر وفنى إلا أقله، وكذلك يقال للإنسان إذا كبر ح تى يهرم فيولى: قد تسعسع، وقال "رؤبة" يذكر امرأة تخاطب صاحبتها:
قالت وما تألو به أن ينفعا
يا هندُ ما أسرع ما تسعسعا
[من بعد ما كان فتى سرعرعا]
يعني أنها أخبرت صاحبتها عن "رؤبة" أنه قد أدبر وفنى.
[قال أبو عبيدٍ] فهذا الذي نعرفه [٤١٦].
فأما من قال: "تشعسع" فأظنه ذهب إلى الشاسع، يقول: إن الشهر قد ذهب وبَعُد، ولو كان من هذا المعنى لكان تشسع ولم يكن يزاد فيه عينٌ أخرى.
والذي قال: "تشعشع" أظنه ذهب إلى الطول، كما قيل: ناقةٌ شعشعانةٌ، وعُنقٌ شعشعانٌ، وليس الوجه عندي إلا الأول.
[ ٤ / ١٩٣ ]
٥٩٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أن رجلًا خطب، فأكثر، فقال عمر: "إن كثيرًا من الخطب من شقاشق الشيطان".
قال: حدثناه إسماعيل بن جعفر، عن حُميدٍ، عن أنسٍ، عن عمر.
قال الأصمعي، وأبو عمرو، وغيرهما قوله: الشقاشق، واحدتها شقشقةٌ، وهي التي إذا هدر الفحل من الإبل العراب خاصة خرجت من شدقه، شبيهة بالرئة، وهي التي يقول فيها الأعشى:
واقن فإني طبنٌ عالمٌ أقطع من شقشقة الهادر
وهذا مثلٌ، يقول: إني أقطع لسان المتكلم الذي يهدر كما يهدر ذاك، فأسكته.
[ ٤ / ١٩٤ ]
وقوله: اقن، يقول: الزم حظك، واسكت، يقال: قنيت حيائي: [أي] لزمته.
قال أبو عبيدٍ: فشبه عمر إكثار الخاطب من الخطبة بهدر البعير في شقشقته، ثم نسبها إلى الشيطان، وذلك لما يدخل فيها من الكذب، وتزوير الباطل عند الإكثار من الخطب، وإن كان الشيطان لا شقشقة له، إنما هذا مثلٌ.
٥٩٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قدم "مكة" فأذن أبو محذورة، فرفع صوته، فقال: "أما خشيت يا أبا محذورة أن تنشق مريطاؤك".
قال الأصمعي: المريطاء - ممدودةً-: وهي ما بين السرة إلى العانة، وكان الأحمر يقول: هي مقصورةٌ.
وكان أبو عمرو يقول: تمد وتقصر.
[قال أبو عبيدٍ]: ولا أُرى المحفوظ من هذا إلا قول الأصمعي.
وهي كلمةٌ لا يتكلم بها إلا [٤١٧] بالتصغير، ولها نظائر في الكلام، قولهم: الثريا، لا يتكلم بها إلا بالتصغير، وكذلك الحميا، وهي: سورة الشراب ودبيبه في الجسد، وكذلك القصيري، وكذلك السكيت من الخيل، وهو: الذي يجيء آخر الخيل في السباق.
[ ٤ / ١٩٥ ]
٥٩٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه سئل عن المذي، فقال: "هو الفطر، وفيه الوضوء".
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن سليمان بن مسهرٍ، عن خرشة بن الحر، عن عمر.
قوله: "الفطرُ" نُرى- والله أعلم- أنه إنما سمي فطرًا؛ لأنه شبه بالفطر في الحلب، يقال: فطرت الناقة أفطرها [وأفطرها] فطرًا وهو: الحلب بأطراف الأصابع، فلا يخرج اللبن إلا قليلًا، وكذلك يخرج المذي، وليس المني كذلك؛ لأنه يُخفذ به خذفًا.
وقد قال بعضهم: إنما سمي المذي فطرًا؛ لأنه شبهه بفطر ناب البعير. يقال: فطر نابه: إذا طلع، فشبه طلوع هذا من الإحليل بطلوع ذلك.
وقد رُوي عن ابن عباسٍ [﵀] في تفسير المني والمذي والودي.
[ ٤ / ١٩٦ ]
قال: فالمني: هو الغليظ الذي يكون منه الولد.
والمذي: الذي يكون من الشهوة تعرضُ بالقلب، أو من الشيء يراه الإنسان، أو من ملاعبته أهله.
والودي: الذي يخرج بعد البول، ففي هذين الوضوء [الودي والمذي]. وفي المني وحده الغسل.
ويقال من المني: أمنيت بالألف، لا أعرف فيه غير ذلك، ومنه قول الله - ﵎-: (أفرأيتم ما تمنون) - بضم التاء- ولم أسمع أحدًا قرأها بالفتح.
وأما المذي، ففيه لغتان: مذيت وأمذيت.
وأما الودى، فلم أسمع بفعلٍ اشتق منه، إلا في حديث يُروى عن "عائشة" [رحمة الله عليها] [٤١٨].
٦٠٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث [﵁] أن صبيًا قتل بصنعاء غيلةٌ، فقتل به عمر سبعةً، وقال: "لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم".
[ ٤ / ١٩٧ ]
قال: حدثنيه يحيى بن سعيدٍ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن عمر.
قوله: غيلة: هو أن يُغتال الإنسان، فيخدع بالشيء حتى يصير إلى موضعٍ يُستخفى له فإذا صار إليه قتله.
وهذا الذي يقول فيه "أهل الحجاز" إنه ليس للولي أن يعفو عنه، يرون عليه القتل على كل حالٍ في الغيلة خاصةٌ.
وأما "أهل العراق" فالغيلة عندهم وغيرها سواءٌ، إن شاء الولي عفا، وإن شاء قتل: فهذا تفسير الغيلة.
وأما الفتك في القتل، فأن يأتي الرجل رجلًا وهو غارٌ مطمئن؛ لا يعلم بمكان الذي يريد قتله، حتى يفتك به، فيقتله، وكذلك لو كمن له في موضعٍ ليلًا أو نهارًا، فإذا وجد غرةً قتله.
ومن ذلك حديث "الزبير" حين أتاه رجلٌ، فقال: "ألا أقتل لك "عليًا"؟ فقال: وكيف تقتله؟
قال: أفتك به.
[ ٤ / ١٩٨ ]
فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه [وسلم]-: "قيد الإيمان الفتك، لا يفتك مؤمنٌ".
قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن الحسن.
ومنه حديث عمرو بن الحمق؛ قال: حدثناه ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن رفاعة القتباني، قال: كنت مع المختار، فأردت قتله، فذكرت حديثًا حدثنيه عمرو بن الحمق عن النبي- صلى الله عليه [وسلم] أنه قال: "من آمن رجلًا ثم قتله، فأنا برئٌ منه، وإن كان المقتول في النار".
قال: وحدثنيه يزيد، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عميرٍ، عن رفاعة، عن عمرو بن الحمق، عن النبي - صلى الله عليه [وسلم].
[ ٤ / ١٩٩ ]
فهذا معناه أن يقتله من غير أن يعطيه الأمان.
فأما إذا أعطاه الأمان، ثم قتله، فذلك الغدر، وهو شر هذه الوجوه كلها، وهو الذي يروى فيه [٤١٩] الحديث عن النبي [- ﷺ-]: لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة، يقال: هذه غدرةُ فلانٍ".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثناه إسماعيل بن جعفرٍ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه [وسلم].
ومن وجوه القتل أيضًا الصبر، وهو أن يؤخذ الرجل أسيرًا، ثم يقدم، فيقتل، فهذا لم يقتل غيلةٌ ولا فتكًا ولا غدرًا؛ لأنه أخذ بغير أمانٍ، فهذه أربعة أوجهٍ من أسماء القتل، هي الأصول التي فيها الأحكام خاصةٌ، وأما قتل الخطأ، فهو عند أهل العراق على وجهين:
أحدهما: أن يرمي الرجل، وهو يتعمد صيدًا أو هدفًا أو غير ذلك، فيصيب إنسانًا بأي شيءٍ كان، من سلاحٍ أو غيره، فهذا عندهم [هو] الخطأ المحضُ.
والدية فيه على العاقلة أربعًا: خمسٌ وعشرون حقةٌ، وخمسٌ وعشرون جذعةٌ، وخمسٌ وعشرون بنت مخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بنت لبونٍ.
[ ٤ / ٢٠٠ ]
وبعضهم يجعلها أخماسًا: عشرين حقة، وعشرين جذعة، وعشرين بنت لبونٍ، وعشرين بنت مخاضٍ، وعشرين ابن مخاضٍ. وبعض الفقهاء يجعل مكان عشرين ابن مخاض عشرين ابن لبونٍ.
والوجه الآخر من الخطأ عندهم أن يتعمد الرجل إنسانًا بشيءٍ لا يقتل مثله، فيموت منه، كالسوط والعصا والحجر الذي ليس بضخمٍ، فاسم هذا عندهم شبه العمد، وإنما سموه بذلك؛ لأنه لم يتعمده بما يقتل مثله.
وقالوا: عمدٌ؛ لأنه تعمده وإن لم يرد قتله، فاجتمع فيه المعنيان، فسمي شبه العمد لهذا.
ففي هذه الدية مُغلظةً: ثلثٌ حقاقٌ، وثلثٌ ما بين ثنيةٍ إلى بازل عامها، كلها خلفةٌ، والخلفة الحامل.
وهذا في حديثٍ يُروى مرفوعًا، وعن عمر شيءٌ يشبهه، فهذا قول "أهل العراق" ويحتجون فيه بالأثر.
قال [أبو عبيدٍ]: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة [٤٢٠] بن أوسٍ، عن رجلٍ من أصحاب النبي - صلى
[ ٤ / ٢٠١ ]
الله عليه وسلم-، عن النبي أنه خطب "يوم فتح مكة" فقال: "ألا وفي قتيل خطأ العمد ثلاثٌ وثلاثون حقةٌ، وثلاثٌ وثلاثون جذعةً، وأربعٌ وثلاثون ما بين ثنيةٍ إلى بازل عامها، كلها خلفة".
٦٠١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] أنه سئل عن حد الأمة، فقال: "إن الأمة قد ألقت فروة رأسها من وراء الدار".
قال: حدثنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، سمع عبد الله بن الحارث، يحدثه عن عمر.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
قال "الأصمعي": الفروة: جلدة الرأس.
قال أبو عبيدٍ: وهو لم يرد الفروة بعينها، وكيف تلقى جلدة رأسها من وراء الدار، ولكن هذا مثلٌ، إنما أراد بالفروة القناع.
يقول: ليس عليها قناعٌ ولا حجابٌ، وأنها تخرج إلى كل موضعٍ يرسلها أهلها إليه، لا تقدرُ على الامتناع من ذلك، فتصيرُ حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور، مثل رعاية الغنم، وأداء الضريبة، ونحو ذلك، فكأنه رأى أنه لا حد عليها إذا فجرت، لهذا المعنى.
وقد روي تصديق هذا في حديث مفسرٍ.
قال [أبو عبيدٍ]: حدثناه يزيد، عن جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصمٍ، قال: تذاكرنا يومًا قول "عمر" هذا، فقال سعيد بن حرملة: إنما ذلك من قول "عمر" في الرعايا.
فأما الإماء اللواتي قد أحصنهن مواليهن، فإنهن إذا أحدثن حددن.
قال أبو عبيدٍ: الرعايا في الحديث، وأما في العربية فالرواعي.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
٦٠٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه أتى بشاربٍ، فقال: "لأبعثنك إلى رجلٍ لا تأخذه فيك هوادةٌ، فبعث به إلى مطيع بن الأسود العدوي، فقال: إذا أصبحت غدًا فاضربه الحد، فجاء "عمر" وهو يضربه ضربًا شديدًا، فقال: قتلت الرجل! كم ضربته؟
قال: ستين.
قال: أقص عنه بعشرين".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثنيه أبو النضر، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت [٤٢١] عن أبي رافعٍ، عن عمر.
[قال أبو عبيدٍ]: قوله: أقص عنه بعشرين، يقول: اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصًا بالعشرين التي بقيت، ولا تضربه العشرين.
وفي هذا الحديث من الفقه: أن ضرب الشارب ضربٌ خفيفٌ.
قال: وكذلك سمعت "محمد بن الحسن" يقول في القاذف والشارب.
قال: وأما الزاني فإنه أشد ضربًا منهما.
قال: والتعزير أشد الضرب.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وفي هذا الحديث أيضًا: أنه لم يضربه في سكره حتى أفاق، ألم تسمع قوله:
"إذا أصبحت غدًا فاضربه الحد".
٦٠٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] أن رجلًا أتاه، فذكر له أن شهادة الزور قد كثرت في أرضهم.
فقال [عمر]: "لا يؤسر أحدٌ في الإسلام بشهداء السوء، فإنا لا نقبل إلا العدول".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثنيه إسحاق [بن عيسى الأزرق]، عن مالك بن أنسٍ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، يرويه عن عمر.
قال أبو عبيدٍ: قوله: لا يؤسر: يعني لا يُحبسُ، واصل الأسر: الحبس، وكل محبوسٍ فهو أسيرٌ.
[ ٤ / ٢٠٥ ]
وكذلك يروى عن مجاهدٍ في قوله [﷿]: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا) قال: الأسير: المسجون.
٦٠٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] أنه جدب السمر بعد عتمةٍ".
قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، وأبي وائلٍ، عن حذيفة، عن عمر.
قوله: جدب السمر: يعني عابه وذمه، وكل عائبٍ فهو جادبٌ، قال ذو الرمة:
فيالك من خدُّ أسيلٍ ومنطقٍ رخيمٍ ومن خلق تعلل جادبه
ويروى "ومن وجهٍ تعلل جادبه".
يقول: لم يجد فيه مقالًا، فهو يتعلل بالشيء يقوله، وليس بعيبٍ.
وهذا من عمر في كراهة السمر مثل حديثه الآخر، "أنه كان ينش الناس بعد
[ ٤ / ٢٠٦ ]
العشاء بالدرة، ويقول: انصرفوا إلى بيوتكم".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثنيه حجاجٌ، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي رافعٍ [٤٢٢] عن عمر.
هكذا حدث به "ينش".
[قال أبو عبيدٍ]: ونرى أن هذا ليس بمحفوظٍ، وقال بعض أهل العلم: إنما هو ينس - بالسين- يقول: يسوق الناس، والنس: هو السوق، ومنه قول "الحطيئة":
وقد نظرتكم إيناء صادرةٍ للورد طال بها حوزي وتنساسي
فالحوز: السير اللين. والتنساس: السير الشديد.
يقول: مرةٌ أسوقها كذا، ومرة كذا.
قال: أبو عبيدٍ: فإن كان هذا الحرف هكذا "ينش" فهذا تصحيفٌ بينٌ
[ ٤ / ٢٠٧ ]
على المحدث، ولكني أحسبه ينوش الناس، وهذا قد يقرب في اللفظ من "ينش"، ومعنى النوش صحيحٌ ها هنا، إنما هو التناول يقول: يتناولهم بالدرة.
وقال الله - ﵎-: (وأنى لهم التناوش من مكانٍ بعيدٍ) إذا لم يهمز، فهو من التناول.
ومنه قيل: تناوش القوم في القتال، وكل من أنلته خيرًا أو شرًا فقد نشته نوشًا.
ومنه حديث علي - ﵀- حين سئل عن الوصية، فقال: "نوشٌ بالمعروف".
يعني أن يتناول الميت الموصى له بالشيء المعروف، ولا يجحف بماله.
٦٠٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] "هاجروا ولا تهجروا، واتقوا الأرنب أن يحذفها أحدكم بالعصا، ولكن ليذك لكم الأسل؛ الرماح والنبل".
[ ٤ / ٢٠٨ ]
قال: حدثناه أبو بكر بن عياشٍ، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيشٍ، قال: قدمت المدينة، فخرجت في يوم عيدٍ، فإذا رجل متلببٌ، أعسر أيسر، يمشي مع الناس كأنه راكبٌ؛ وهو يقول: كذا وكذا، فإذا هو عمر".
قوله: هاجروا ولا تهجروا، يقول: أخلصوا الهجرة، ولا تشبهوا بالمهاجرين على غير صحةٍ منكم، وهذا هو التهجر.
وهذا هو التهجر.
وهذا كقولك للرجل: هو يتحلم وليس [٤٢٣] بحليمٍ، ويتشجع، وليس بشجاعٍ، أي: أنه يظهر ذلك وليس فيه.
وقوله: "ليذك لكم الأسل الرماح والنبل" فهذا يرد قول من يقول: إن الأسل الرماح خاصةٌ، ألا تراه قد جعله النبل مع الرماح.
وقد وجدنا الأسل في غير الرماح، إلا أن أكثر ذلك وأفشاه في الرماح.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وبعضهم يقول في هذا النبات الذي قال الله [تعالى] فيه لأيوب [﵇]: (وخذ بيدك ضغثًا فاضرب به ولا تحنث) إنما قيل له: الأسل؛ لأنه شبه بالرماح.
وأما قوله: متلببٌ، فإنه المتحزم، وكل من جمع عليه ثيابه، وتحزم، فقد تلبب، وقال أبو ذؤيب:
ونميمةً من قانصٍ متلببٍ في كفه جشءٌ أجش وأقطع
يصف الحمر أنها سمعت نميمة القانص، والنميمة: الصوت، والجشء: القوس الخفيفة.
وأما قوله: أعسر أيسر، فهكذا يُروى في الحديث، وأما كلام العرب، فإنه أعسر يسرٌ، وهو الذي يعمل بيديه جميعًا سواء، وهو الأضبط أيضًا.
ويقال من اليسر: في فلانٍ يسرةٌ.
٦٠٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵀- أنه أفطر
[ ٤ / ٢١٠ ]
في رمضان، وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم نظر، فإذا الشمس طالعةٌ، فقال عمر: "لا نقضيه؛ ما تجانفنا فيه لإثمٍ".
قال: حدثناه أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن "عمر".
قال أبو عبيدٍ: قوله: ما تجانفنا فيه لإثمٍ، يقول: ما ملنا إليه، ولا تعمدناه ونحن نعلمه، وكل مائلٍ فهو متجانفٌ، وجنفٌ.
ومنه قوله [﷿]: (فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا) قال: ميلًا.
قال [أبو عبيدٍ]: حدثناه هشيمٌ، عن عبد الملك، عن عطاء.
وقال "لبيدٌ":
إني امرؤٌ منعت أرومة عامرٍ ضيمى وقد جنفت على خصوم
[ ٤ / ٢١١ ]
وكذلك الجانئ- بالهمز-: هو المائل أيضًا.
وقد جنأت عليه أجنا جنوءًا: إذا ملت، وقال كُثيرٌ:
أعزةُ لو رأيت غداة بنتم جنوء العائدات على وسادى
ويُروى: أغاضر.
ومنه قول ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه [وسلم] رجم يهوديًا ويهودية" قال ابن عمر: فلقد رأيته يجانئ عليها؛ يقيها الحجارة بنفسه.
قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر.
قال أبو عبيدٍ: نُرى أنه لم يجانئ عليها إلا وهما في حفرةٍ واحدةٍ، وقوله: يجانئ، يعني: ينحني.
٦٠٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه قال- لما مات "عثمان بن مظعونٍ" - على فراشه-: "هبته الموت عندي منزلةٌ" حين لم يمت شهيدًا.
[ ٤ / ٢١٢ ]
[قال] فلما مات رسول الله [- ﷺ-] على فراشه، وأبو بكرٍ، علمتُ أن موت الأخيار على فرشهم".
قال: بلغني هذا عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، رفعه إلى عمر.
قال الفراء: قوله: هبته، يعني طأطأه ذلك عندي، وحط من قدره، وكل محطوطٍ شيئًا فقد هُبت، وهو مهبوتٌ.
قال الفراء، وأنشدني "أبو الجراح":
وأخرق مهبوت التراقي مُصعد الـ ـبلاعيم رخو المنكبين عُناب
قال: فالمهبوت التراقي: المحطوط وناقصها، والعناب: العظيم الأنف.
وقال الكسائي: يقال: رجلٌ فيه هبتةٌ: للذي فيه كالغفلة، وليس بمستحكم العقل.
[ ٤ / ٢١٣ ]
قال أبو عبيدٍ: ولا أحسب هذا إلا من ذاك؛ لأنه محطوط العقل والرأي، ليس بتام الأمر.
٦٠٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] أن رجلًا من الجن لقيه، فقال: هل لك أن تصارعني، فإن صرعتني علمتك آيةٌ إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطانٌ، فصارعه، فصرعه عمر، فقال: إني أراك ضئيلًا شيختًا، كأن ذراعيك ذراعًا كلبٍ، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم؟ أم أنتم من بينهم؟ فقال: إني منهم لضليعٌ، فعاودني [فعاوده].
قال [٤٢٥] فصارعه فصرعه الإنسي.
فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحدٌ إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبجٌ كخبج الحمار".
[ ٤ / ٢١٤ ]
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال: حدثناه أبو معاوية، عن أبي عاصمٍ الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: خرج رجلٌ من الإنس، فلقيه رجلٌ من الجن، ثم ذكر الحديث.
قال: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ فقال: ومن عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو عبيدٍ: قوله: ضئيلًا شيختًا: هما جميعًا النحيفُ الجسم الدقيق.
ومنه قيل للأفعى: ضئيلةٌ؛ لأنه ليس يعظم خلقها كسائر الحيات، قال النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلةٌ من الرقش في أنيابها السم ناقع
يعني الأفعى، وكذلك الشخت والشخيتُ: الدقيق، قال ذو الرمة "يصف الظليم":
شخت الجزارة مثل البيت سائره من المسوح خدبٌ شوقبٌ خشب
فالجزارة: عنقه وقوائمه، وهي دقاقٌ كلها.
وقوله: إني منهم لضليعٌ. الضليعُ: العظيم الخلق.
وقوله: إلا خرج وله خبجٌ. الخبجُ: الضراط، وهو الحبج أيضًا - بالحاء-، وله أسماءٌ سوى هذين كثيرةٌ.
[ ٤ / ٢١٥ ]
ومن الضئيل الحديث المرفوع: "إن إسرافيل له جناحٌ بالمشرق، وجناحٌ بالمغرب، والعرش على جناحه، وإنه ليتضاءل الأحيان لعظمة الله [﵎] حتى يعود مثل الوصع".
يقال في الوصع: إنه طائرٌ مثل العصفور، أو أصغر منه.
٦٠٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁ - أنه كان يطوف بالبيت وهو يقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنةٌ وقنا عذاب النار" ماله هجيرى غيرها.
قال: حدثنا أبو بكر [بن عياشٍ] عن عاصمٍ، عن حبيب بن صهبان أنه رأى عمر يفعل ذلك.
[ ٤ / ٢١٦ ]
وقال الكسائي، وأبو زيدٍ - وغير واحدٍ - قوله: هجيراه: كلامه، ودأبه، وشأنه، وقال ذو الرمة يصف صائدًا رمى حمرًا، فأخطأها، فأقبل يتلهف، ويدعو بالويل والحرب، فقال [٤٢٦]:
رمى فأخطأ والأقدار غالبةٌ فانصعن والويل هجيراه والحرب
قال أبو عبيدٍ: وللعرب كلامٌ على هذا المثال؛ أحرفٌ معروفةٌ [منها] قالوا: الهجيرى، وهي التي وصفنا.
والخليفى، وهي الخلافة، وإياها أراد عمر [﵁] بقوله: "لو أطيق الأذان مع الخليفى لأذنتُ".
قال [أبو عبيدٍ] حدثناه هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن قيس بن أبي حازمٍ، عن عمر.
ومن ذلك قول عمر بن عبد العزيز-[﵀]: "لا رديدي في الصدقة" يقول: لا تُرد.
[ ٤ / ٢١٧ ]
ومما يقال في الكلام: "كانت بين القوم رميًا، ثم حجزت بينهم حجيزى" يريدون: كان بينهم رميٌ، ثم صاروا إلى المحاجزة.
وكذلك الهزيمي: من الهزيمة، والمنيني: من المنة، والدليلي: من الدلالة، وأكثر كلامهم الدلالة، والخطيبي: من الخطبة، وهي كلها مقصورةٌ، ويدلك على ذلك قول عديٌ بن زيدٍ:
لخطيبي التي غدرت وخانت وهن ذوات غائلةٍ لُحينا
٦١٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين قال للرجل الذي وجد منبوذًا، فأتاه به، فقال عمر: "عسى الغوير أبؤسا".
فقال عريفه: يا أمير المؤمنين: إنه وإنه، فأثنى عليه خيرًا.
فقال: هو حُر، وولاؤه لك.
قال: حدثناه يزيدُ، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سنينٍ أبي جميلة: أنه وجد منبوذًا، فأتى به عمر، ثم ذكر الحديث.
[ ٤ / ٢١٨ ]
قال الأصمعي: "قوله: عسى الغوير أبؤسا" الأبؤس: جمع الباس، وأصل هذا أنه كان غارٌ فيه ناسٌ، فانهار [الغار] عليهم.
أو قال: فأتاهم فيه عدو [لهم] فقتلوهم، فصار مثلًا لكل شيءٍ يخاف أن يأتي منه شر، ثم صغر الغار، فقيل: غوير.
[حدثنا أبو عبيدٍ]، قال: وأخبرنا ابن الكلبي بغير هذا.
قال: الغوير: ماءٌ لكلبٍ معروفٌ يسمى الغوير، وأحسبه قال: هو ناحية السماوة.
قال: وهذا المثل إنما تكلمت به الزباء، وذلك أنها لما [٤٢٧] وجهت قصيرًا اللخمي بالعير، ليحمل لها من بُر العراق وألطافه، وكان يطلبها بزحل جذيمة الأبرش، فجعل الأحمال صناديق، وقد قيل: غرائر، وجعل في كل واحدٍ منها رجلًا معه السلاح، ثم تنكب بهم الطريق المنهج، وأخذ على الغوير، فسألت عن خبره، فأخبرت بذلك، فقالت: "عسى الغوير أبؤسًا" تقول: عسى أن يأتي ذلك الطريق بشر، واستنكرت شأنه، حين أخذ على غير الطريق.
قال [أبو عبيدٍ]: وهذا القول عندي أشبه صوابًا من القول الأول.
[ ٤ / ٢١٩ ]
وإنما أراد "عمر" بهذا المثل أن يقول للرجل: لعلك صاحب هذا المنبوذ، حتى أثنى عليه عريفه خيرًا.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه جعل المنبوذ حرًا، ولم يجعله مملوكًا لواجده، ولا للمسلمين.
وأما قوله للرجل: لك ولاؤه؛ فإنما نراه فعل ذلك؛ لأنه لما التقطه، فأنقذه من الموت، وأنقذه من أن يأخذه غيره، فيدعى رقبته، جعله مولاه لهذا؛ لأنه كأنه الذي أعتقه.
وهذا حكمٌ تركه الناس، وصاروا إلى أن جعلوا حرًا، وجعلوا ولاءه للمسلمين، وجريرته عليهم.
وفي هذا الحديث من العربية: أنه نصب أبؤسًا، وهو في الظاهر في موضع رفعٍ، وإنما نرى أنه نصب؛ لأنه على طريق النصب، ومعناه، كأنه أراد: عسى الغوير أن يحدث أبؤسًا، أو أن يأتي بأبؤسٍ، فهذا طريق النصب، ومما يبينه قول "الكميت":
عسى الغوير بإباسٍ وإغوار
٦١١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] في الذي تدلى
[ ٤ / ٢٢٠ ]
بحبلٍ ليشتار عسلًا، فقعدت امرأته على الحبل، فقالت: لأقطعنه أو لتطلقني، قال: فطلقها. يعني ثلاثًا.
فرفع إلى عمر، فأبانها منه.
قال: حدثنيه يزيد عن عبد الملك بن قدامة الجمحي، عن أبيه، عن عمر. قوله: يشتار، المشتار: المجتنى للعسل.
يقال منه: شُرت العسل أشوره شورًا، وأشرته [٤٢٨] أشيره إشارةً، واشترت اشتيارًا، قال "الأعشى":
كأن جنيًا من الزنجبيـ ـل بات بفيها وأريًا مشورا
الأرى: العسل. والمشور: المجتني. فهذا من شرت.
وقال "عدي بن زيدٍ":
[ ٤ / ٢٢١ ]
في سماعٍ يأذن الشيخ له وحديثٍ مثل ماذيٍّ مشار
والذي يُراد من هذا الحديث: أن عمر أجاز طلاق المكره، وهذا رأي أهل العراق، وقد رُوي عن عمر خلافه.
ويروى عن علي وابن عباسٍ، وابن مر، وابن الزبير، وعطاءٍ، وعبد الله ابن عبيد بن عمير، أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائزٍ، وهو رأي أهل الحجاز، وكثيرٍ من غيرهم، وحجتهم هذه الأحاديث.
٦١٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه قال: "إن قريشًا تريد أن تكون مغوياتٍ لمال الله [﵎].
[ ٤ / ٢٢٢ ]
هكذا يروى الحديث بالتخفيف وكسر الواو، يحدثونه عن عوفٍ، عن الحسن، عن عمر.
وأما الذي تكلم به العرب فالمغويات- بالتشديد وفتح الواو- وواحدتها مغواةٌ، وهي حفرةٌ كالزبية تحفر للذئب، ويجعل فيها جديٌ، إذا نظر إليه الذئب سقط يريده؛ فيصاد.
ومن هذا قيل لكل مهلكةٍ: مغواةٌ، قال رؤبة:
إلى مغواة الفتى بالمرصاد
يعني إلى مهلكته ومنيته شبهها بتلك المغواة.
وأما الزبية، فأنها تُحفر للأسد، وإنما تحفر في مكان مرتفعٍ، وكل حفرةٍ في ارتفاعٍ فهي زبيةٌ، ولهذا قيل: "بلغ السيل الزبا" وإنما تُجعل على الرابية لئلا يدخلها السيل.
وإنما أراد "عمر" أن قريشًا تريد أن تكون مهلكةٌ لمال الله [﷿] كإهلاك تلك المغواة لما سقط فيها [٤٢٩].
٦١٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [- ﵁-] أنه قال:
[ ٤ / ٢٢٣ ]
فرقوا عن المنية، واجعلوا الرأس رأسين، ولا تُلثوا بدار معجزةٍ، وأصلحوا مثاويكم، وأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم، وقال: اخشوشنوا واخشوشنوا، وتمعددوا".
قال: حدثناه أبو بكر بن عياشٍ، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي العدبس الأسدي، عن عمر.
قوله: "فرقوا عن المنية، واجعلوا الرأس رأسين"، يقول: إذا أراد أحدكم أن يشتري شيئًا من الحيوان؛ من مملوكٍ أو غيره من الدواب، فلا يغالين به، ولكن ليجعل ثمنه في رأسين، وإن كانا دون الأول، فإن مات أحدهما بقي الآخر.
وقوله: "ولا تلثوا بدار معجزةٍ" فالإلثاث: الإقامة، يقول: لا تقيموا ببلدٍ قد أعجزكم فيه الرزقُ، ولكن اضطربوا في البلاد.
وهذا شبيهٌ بحديثه الآخر: "إذا اتجر أحدكم في شيءٍ ثلاث مراتٍ، فلم يرزق منه، فليدعه".
[ ٤ / ٢٢٤ ]
[قال أبو عبيدٍ]: وقد يفسر هذا تفسيرًا آخر، يقال: إنه أراد الإقامة بالثغور مع العيال.
قال أبو عبيدٍ: يقول: فليس بموضع ذريةٍ، فهذا هو الإلثاث بدار معجزةٍ.
وقوله: وأصلحوا مثاويكم. المثاوي: المنازل، يقال: ثويتُ بالمكان: إذا نزلت به، وأقمت، ولهذا قيل لكل نازلٍ: ثاوٍ.
وهذا معنى قراءة "عبد الله": (لنثوينهم من الجنة غرفًا) أي: لننزلنهم.
[قال]: وهكذا كان يقرأ الكسائي.
وقوله: "وأخيفوا الهوام قبل أن تخيفكم": يعني دواب الأرض؛ العقارب والحيات، يقول: احترسوا منهن، ولا يظهر لكم منهن شيء إلا قتلتموه.
وقوله: "اخشوشنوا": هو من الخشونة في اللباس والمطعم.
واخشوشبوا أيضًا شبيهٌ به، وكل شيءٍ غليظٍ خشنٍ، فهو أخشب وخشبٌ.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وهو من الغلظ، وابتذال النفس في العمل، والاحتفاء في المشي [٤٣٠] ليغلظ الجسد، ويجسو.
ومنه حديث النبي - صلى الله عليه [وسلم]- في مكة: "لا تزول حتى يزول أخشباها" والأخشب: الجبل، قال ذو الرمة- يصف الظليم-:
شخت الجزارة مثل البيت سائره من المسوح خدبٌ شوقبٌ خشب
وقوله: "تمعددوا" فيه قولان:
يُقال: هو من الغلظ أيضًا، ومنه قيل للغلام إذا شب وغلظ: قد تمعدد، قال الراجز:
ربيته حتى إذا تمعددا
[يصف عقوق ابنه].
ويقال [في] تمعددوا: تشبهوا بعيش معدٌ، وكانوا أهل قشفٍ وغلظٍ في المعاش، يقول: فكونوا مثلهم، ودعوا التنعم، وزي العجم.
وهكذا هو في حديثٍ له آخر: "عليكم باللبسة المعدية".
[ ٤ / ٢٢٦ ]
٦١٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁-: أنه كتب إلى خالد بن الوليد: "أنه بلغني أنك دخلت حمامًا بالشام، وأن من بها من الأعاجم أعدوا لك دلوكًا عجن بخمرٍ، وإني أظنكم آل المغيرة ذرء النار".
قال: حدثناه إسماعيل بن عياشٍ، عن حميد بن ربيعة، عن سليمان بن موسى، أن عمر كتب إلى خالدٍ بذلك.
قوله: "ذرء النار"، ويُروى "ذرو [النار] ".
فمن قال: "ذرء [النار]-بالهمز- فإنه أراد خلق النار، أي: إنكم خلقتم لها.
من قولهم: ذرا الله الخلق برؤهم ذرءًا.
ومن قال: "ذرو" فهو من ذرا يذرو، من قوله: تذروه الريح، أي: إنكم تذرون في النار ذروًا.
وأما الدلوك، فهو: اسم الشيء يتدلك به، كما قالوا: السحور والفطور، وأشباه ذلك.
[ ٤ / ٢٢٧ ]
٦١٥ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁-: "أملكوا العجين، فإنه أحد الريعين".
يُروى عن هشام بن عروة، عن أبي ليثٍ- مولى الأنصار- عن سعيد بن المسيب، عن عمر.
قوله: أملكوا العجين، يقول [٤٣١]: أجيدوا عجنه وأنعموه، والريع: الزيادة، فالريع الأول: الزيادة عن الطحن، والريع الآخر: عند العجن.
وفيه لغتان: يقال منه: أملكت العجين إملاكًا، وملكته أملكه ملكًا.
٦١٦ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] حين سأل الحارث بن كلدة: "ما الدواء؟ ".
فقال: "الأزم".
وكان سفيان بن عيينة يقول: الأزم: هو الحمية.
قال أبو عبيدٍ: وذلك الذي أراد الحارث.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
قال الأصمعي وغيره: وألص الأزم: الشدة، وإمساك الأسنان بعضها على بعض، ومنه قيل للفرس: قد أزم ع لى فأس اللجام: إذا قبض عليه، ولهذا سُميت السنة أزمةً: إذا أصابتهم فيها مجاعةٌ وشدةٌ، فأراد بالأزم: الإمساك عن المطعم.
٦١٧ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- عند الشورى حين طعن، فدخل عليه ابن عباسٍ فرآه مغتمًا بمن يستخلف بعده، فجعل ابن عباسٍ يذكر له أصحابه، فذكر "عثمان" فقال: كلفٌ بأقاربه، قال: فعليٌّ؟ قال: ذلك رجلٌ فيه دعابةٌ. قال: فطلحةُ؟ قال: لولا بأوٌ فيه.
قال: فالزبير؟ قال: وعقةٌ لقسٌ.
قال: فعبد الرحمن بن عوف؟ قال: أوه! ذكرت رجلًا صالحًا، ولكنه ضعيفٌ، وهذا الأمر لا يصلح له إلا اللين من غير ضعفٍ، والقوى من غير عنفٍ.
قال: فسعدٌ؟ قال: ذاك يكونُ في مقنبٍ من مقانبكم".
[ ٤ / ٢٢٩ ]
قال الكسائي، واليزيدي، وأبو عمروٍ وغيرُ واحدٍ دخل كلام بعضهم في بعض: قوله: "كلفٌ بأقاربه"، يعني شديد الحب لهم.
وقوله: "فيه دعابةٌ"، يعني المزاح.
وقوله: "لولا بأوٌ فيه" البأو: الكبر والعظمة، قال حاتمٌ [الطائي]:
فما زادنا بأوًا على ذي قرابةٍ غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
وقوله: "وعقةٌ لقسٌ" - وبعضهم يقول: "ضبسٌ"- ومعنى هذا كله: الشراسة وشدة الخلق، وخبث النفس.
ومما يبين ذلك الحديث المرفوع: "لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي".
[حدثنا أبو عبيدٍ] قال [٤٣٢]: حدثنيه يحيى بن سعيدٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
فالمعنى فيهما واحدٌ، ولكنه كره قبح اللفظ في خبثت.
وقوله: "يكون في مقنبس من مقانبكم" فالمقنب: جماعة الخيل والفرسان، يريد: أن سعدًا صاحب جيوشٍ ومحاربةٍ، وليس بصاحب هذا الأمر.
وجمع المقنب مقانب، قال "لبيدٌ":
وإذا تواكلت المقانبُ لم يزل بالثغر منا منسرٌ معلوم
قال أبو عمرو: والمنسر ما بين ثلاثين فرسًا إلى أربعين، ولم أره وقت في المقنب شيئًا.
قال أبو عبيدٍ: مَنْسِرٌ ومنْسَرٌ.
٦١٨ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] في عام الرمادة، وكان عامًا أصابت الناس فيه السنة، فقال عمر: "لقد هممتُ أن أجعل مع كل
[ ٤ / ٢٣١ ]
أهل بيتٍ من المسلمين مثلهم، فإن الإنسان لا يهلك على نصف شبعه.
فقال له رجلٌ: لو فعلت ذلك يا أمير المؤمنين ما كنت فيها "ابن ثأدٍ".
هكذا يُروى الحديث عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر.
قال الفراء: إنما هو "ابن ثأداء" يعني الأمة، أي: ما كنت فيها ابن أمةٍ، وفيه لغتان: ثأداء، ودأثاء مقلوبٌ، مثل: جذب وجبذ، قال الكميت:
وما كنا بنى ثأداء لما قضينا بالأسنة كل وتر
وبعضهم يفسر "ابن ثأد" يريد الثدى، وليس لهذا وجهٌ، ولا نعرفه في إعرابٍ ولا معنىً.
وفي هذا الحديث: أن عمر رأى المواساة واجبةٌ على الناس، إذا كانت الضرورة.
٦١٩ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أنه صلى الفجر
[ ٤ / ٢٣٢ ]
بالناس، فقرأ بسورة يوسف، حتى إذا جاء ذكر يوسف [﵇] سُمع نشيجه خلف الصفوف.
قال: حدثنيه حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاصٍ، عن عمر.
إلا أنه قال "العتمة".
ويروى أنه لما انتهى إلى قوله [٤٣٣] [تعالى]: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) نشج. يقال: النشيجُ: مثل بكاء الصبي إذا ضُرب، فلم يخرج بكاءه، وردده في صدره ولذلك قيل لصوت الحمار: نشيجٌ.
يقال منه: قد نشج ينشج نشجًا ونشيجًا.
وإنما يراد من هذا الحديث أن يرفع الصوت بالبكاء في الصلاة، حتى يُسمع [الصوت] فلا يقطع ذلك الصلاة.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
٦٢٠ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- أنه أُتي في نساء أو إماءٍ ساعين في الجاهلية، فأمر بأولادهن أن يقوموا على آبائهم، ولا يسترقوا".
قال: حدثناه ابن علية ومعاذٌ، عن ابن عونٍ، قال: أنبأني غاضرة العنبري أنهم أتوا عمر في ذلك.
قال أبو عبيدٍ: وأخبرني الأصمعي أنه سمع ابن عونٍ يذكر هذا الحديث، قال: فقلت لابن عونٍ: إن المساعاة لا تكون في الحرائر، إنما تكون في الإماء.
قال: فجعل ابن عونٍ ينظر إليَّ.
قال أبو عبيدٍ: ومعنى المساعاة: الزنا، وإنما خُص الإماء بالمساعاة دون الحرائر؛ لأنهن كن يسعين على مواليهن، فيكسبهن لهم بضرائب كانت عليهن، وفي ذلك نزلت هذه الآية: (ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنًا) إلى آخر الآية.
[ ٤ / ٢٣٤ ]
قال [أبو عبيدٍ]: أخبرنيه يحيى بن سعيدٍ، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله، قال:
كانت أمة لعبد الله بن أبي [بن سلولٍ]- وكان يكرهها على الزنا- فنزلت الآية: (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن [لهن] غفورٌ رحيم).
[قال أبو عبيدٍ]: هكذا قرأها.
قال: وحدثني إسحاق الأزرق، عن عوفٍ، عن الحسن في هذه الآية، قال: لهن والله. لهن والله.
وقال الأعشى:
يهب الجلة الجراجر كالبستا ن تحنو لدردقٍ أطفال
والبغايا يركضن أكسية الإضـ ـريج والشرعبي ذا الأذيال
يريد بالبغايا: الإماء؛ لأنهن كن يفجرن.
وقوله: يهب الجلة، ويهب البغايا: يبين لك أن هذا لا يقع إلا على الإماء.
قال أبو عبيدٍ [٤٣٤]: وكان الحكم في الجاهلية أن الرجل إذا وطئ أمة رجلٍ فجاءت بولدٍ، فادعاه في الجاهلية، فإن حكمهم كان أن يكون ولده، لا حق النسب به، ولهذا المعنى اختصم عبد بن زمعة وسعد بن مالك في ابن أمة زمعة
[ ٤ / ٢٣٥ ]
إلى النبي - صلى الله عليه [وسلم]- فقال سعدٌ: ابن أخي، عهد إلى فيه أخي، وقال عبد بن زمعة: أخي، ولد على فراش أُبي، فقضى رسول الله - ﷺ- بالولد للفراش، وابطل ما كان من حكم الجاهلية أن يكون لاحق النسب.
وقضى عمر أن الدعوى- إذا كانت في الإسلام، وليس سيد الجارية بالمدعي- للولد- كما ادعى عبد بن زمعة أخاه- أن يكون حرًا لاحق النسب، وتكون قيمته على أبيه لمولى الجارية.
ومنه حديثٌ له آخر، قال: حدثناه أبو معاوية، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سليمان بن يسارٍ، أن "عمر" كان يلحق أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام.
قال أبو عبيدٍ: فإذا كان الوطء والدعوى جميعًا في الإسلام، فدعوته باطلةٌ، وهو مملوكٌ؛ لأنه عاهرٌ.
وقال النبي - صلى الله عليه [وسلم]: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
[قال أبو عبيدٍ]: ولعمر [﵀] أيضًا حكمٌ آخر في الرق، فيما
[ ٤ / ٢٣٦ ]
كانت العرب تسابي في الجاهلية، فيأتي الإسلام، والمسبي في يده كالمملوك له، فحكم "عمر" - في مثل هذا- أن يرد حرًا إلى نسبه، وتكون قيمته عليه، يؤديها إلى الذي سباه؛ لأنه أسلم وهو في يده.
قال: حدثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبي حصينٍ، عن الشعبي، قال: لما قام "عمر" قال: ليس على عربي ملكٌ، ولسنا بنازعين من يد رجلٍ شيئًا أسلم عليه، ولكنا نقومهم الملة خمسًا من الإبل.
قال: فسألت "محمدًا" عن تأويله، ففسره نحوًا مما قلت لك، يعني أنه ليس على هؤءلا الذين سُبوا ملكٌ؛ لأنهم عربٌ، ثم قال: ولسنا بنازعين من يد رجلٍ شيئًا أسلم عليه.
يقول: هذا الذي في يديه [من] السبي لا ننزعه من يده بلا عوضٍ؛ لأنه أسلم عليه، ولا نتركه مملوكًا وهو من العرب، ولكنه يقوم. قيمته [٤٣٥] خمسًا من الإبل للذي سباه، ويرجع إلى نسبه عربيًا كما كان.
ولعمر أيضًا في السباء حكمٌ ثالثٌ، وذلك أن الرجل من الملوك كان ربما غلب على البلاد، حتى يستعبد أهلها، فيجوز حكمه فيهم، كما يجوز في مماليكه، وعلى هذا عامة ملوك العجم اليوم- الذين في أطراف الأرض- يهب منهم من شاء، ويصطفي لنفسه ما شاء؛ ولهذا ادعى الأشعث بن قيسٍ رقاب "أهل
[ ٤ / ٢٣٧ ]
نجران"، وكان استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا أبوا عليه.
قال: حدثناه ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، أن الأشعث خاصم "أهل نجران" إلى "عمر" في رقابهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا إنما كنا عبيد مملكةٍ، ولم نكن عبيد قن.
قال: فتغيظ عليه "عمر"، وقال: أردت أن تغفلني.
قال: وكذلك حدثناه معاذٌ، عن ابن عونٍ، عن ابن سيرين، عن "عمر" إلا أنه قال: قال له "عمر": أردت أن تعنتني.
قال الكسائي: القن: أن يكون مُلك وأبواه، والمملكة: أن يغلب عليهم تملكًا، وليس سباءً.
وفي هذا الحديث أصلٌ لكل من ادعى رقبة رجلٍ، وأنكر المدعى عليه أن القول قوله، ألا تراه جعل القول قول "أهل نجران"؟
ولعمر أيضًا في الولد حكمٌ آخر.
قال: حدثنيه ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن أيوب بن موسى، عن سلمان بن يسارٍ، عن "عمر": أنه قضى في ولد المغرور غُرةً.
يعني الرجل يُزوجُ رجلًا مملوكةٌ على أنها حرةٌ، فقضى أن يغرم الزوج لمولى الأمة غُرةٌ، ويكون ولده حرًا، ويرجع الزوج على من غرهُ بما غرم.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
٦٢١ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- أنه رأى جاريةً متكمكمةً، فسأل عنها، فقالوا: أمة آلا فلانٍ، فضربها بالدرة ضرباتٍ، وقال [٤٣٦]: يالكعاء! أتتشبهين بالحرائر؟
يُروى [هذا] عن عوف بن أبي جميلة، عن أنس بن سيرين، عن "عمر".
قال أبو عبيدٍ: قوله: "متكمكمةً" نُرى أنه إ نما أراد متكممةً، وأصله من الكمة وهي القلنسوة، فشبه قناعها بها، فقال متكمكمة، ولم يقل متكممة، كما قالوا: متجممة من الجمة، ومتعممة من العمة، والعرب تفعل هذا إذا اجتمعت الحروف من جنس واحدٍ، فرقوا بينها استثقالًا لجمعها، كما قالوا: كفكفت فلانًا عن كذا، وإنما أصلها: كففت، قال أبو زبيدٍ:
ألم ترني سكنت إلى لإلكم وكفكفت عنكم أكلبي وهي عُقر
وقال متممُ [بن نويرة]:
ولكنني أمضي على ذاك مقدمًا إذا بعض من يلقى الخطوب تكعكعا
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وهو من كععتُ عن الأمر.
ومنه قولهم: تصرصر الباب من الصرير، وإنما أصله تصرر [الباب].
وقوله: "يالكعاء" فيه لغتان: لكعاء، ولكاع.
وفي هذا الحديث من الفقه: أنه رأى أن تخرج الأمة بلا قناعٍ، فإذا برزت للناس كذلك، فكذلك ينبغي أن تكون في الصلاة بلا قناعٍ.
ولهذا قال: "إبراهيم" في صلاة الأمة قال: تصلي كما تخرج إلى الأسواق.
٦٢٢ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁-: "ورع اللص ولا تراعه" يُروى عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن "عمر".
قال أبو عبيدٍ: يقول: إذا رأيته في منزلك فادفعه، واكففه بما استطعت، ولا تنتظر فيه شيئًا، وكل شيءٍ كففته فقد ورعته، قال أبو زُبيدٍ:
وورعت ما يُكبى الوجوه رعايةٌ ليحضر خيرٌ أو ليقصر منكر
[ ٤ / ٢٤٠ ]
يقول: ورعت عنكم ما يكبى وجوهكم، يمتن بذلك عليهم.
وقوله: "لا تراعه" يقول: لا تنتظره، وكل شيءٍ تنتظره، فأنت [تراعيه و] تراعاه، قال الأعشى [٤٣٧]:
فظللت أرعاها وظل يحوطها حتى دنوت إذا الظلام دنا لها
يذكر امرأةً.
ومنه قيل للصائم: هو يرعى الشمس: يعني أن تغيب، وكذلك الساهر يرعى النجوم.
وقد فسره بعض الفقهاء، قال: قوله: "ورع" يقول: بره من السرقة، ولا تتهمه، يذهب به إلى الورع، وليس هذا من الورع في شيءٍ، إنما هذا رخصةٌ من "عمر" في الإقدام عليه، وكذلك يروى عن ابن عمر: أنه رأى لصًا في داره، فطلب السيف أو غيره من السلاح؛ ليقدم عليه.
وكذلك يُروى عن ابن سيرين، أنه قال: "ما كانوا يمسكون عن اللص إذا دخل دار أحدهم تأثمًا".
٦٢٣ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر [﵁] أن رجلًا أتاه،
[ ٤ / ٢٤١ ]
فقال: إن ابن عمي شُج موضحةً، فقال: أمن أهل القرى، أم من أهل البادية؟
فقال: من أهل البادية.
فقال عمر: "إنا لا نتعاقل المضغ بيننا".
يُروى عن سفيان بن سعيدٍ، عن عمر بن عبد الرحمن المديني، عن أبي سلمة ابن سفيان المخزومي، عن أبي أمية بن الأخنس، عن "عمر" أنه قال ذلك.
وهذا الحديث يحمله بعض أهل العلم على أن أهل القرى لا يعقلون عن أهل البادية، ولا أهل البادية عن أهل القرى.
وفيه هذا التأويل: وزيادة أيضًا، أن العاقلة لا تحمل السن، والموضحة، والإصبع وأشباه ذلك مما كان دون الثلث في قول "عمر".
وعلى هذا قول أهل المدينة إلى اليوم، يقولون: ما كان دون الثلث فهو في مال الجاني في الخطأ.
وأما أهل العراق، فيرون [أن] الموضحة- فما فوقها- على العاقلة إذا كان خطأ، وما كان دون الموضحة فهو في مال الجاني.
[ ٤ / ٢٤٢ ]
وإنما سماها مضغًا فيما تُرى أنه صغرها وقللها، كالمضغة من الإنسان في خلقه.
قال: وحدثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير [٤٣٨]، عن "عمر" قال: لا يعقل أهل القرى الموضحة، ويعقلها أهل البادية.
٦٢٤ - وقال أبو عبيدٍ في حديث عمر - ﵁- أنه لما حصب المسجد، قال له فلانٌ: لم فعلت هذا؟
قال: "هو أغفر للنخامة، والين في الموطئ".
قال: حدثت به عن عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عمن حدثه عن "عمر".
قال الأصمعي: قوله: "أغفر للنخامة" يعني أنه أستر لها، وأشد تغطية.
قال الأصمعي: وأصل الغفر التغطية، ومنه سُمي المغفر؛ لأنه يغفر الرأس، أي يلبسه ويغطيه.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
قال: والمغفرة من الذنوب كذلك أيضًا: إنما هو إلباس الله الناس الغفران، وتغمدهم به.
وفي هذا الحديث: الرخصة في البزاق في المسجد إذا دفن.
٦٢٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" - ﵁- أن "الحارث بن أوس" سأله عن المرأة تطوف بالبيت ثُم تنفر من غير أن تطوف طواف الصدر إذا كانت حائضًا، فأفتاه أن تفعل ذلك.
فقال "الحارث": كذلك أفتاني رسول الله - ﷺ-.
فقال له: "عمر": "أريت من يديك، أتسألني، وقد سمعته من رسول الله [- ﷺ-] كي أخالفه"؟
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وهذا من حديث "أبي عوانة" عن "يعلى بن عطاء" عن "الوليد بن عبد الرحمن" عن "الحارث بن أوسٍ الثقفي" عن "النبي" [-ﷺ-].
ويُروى عن "حجاجٍ" عن "عبد الملك بن المغيرة" عن "عمرو بن عبد الله بن أوسٍ" عن "عمه الحارث بن أوسٍ" أن "النبي"- ﷺ- رخص في ذلك.
ويُروى من وجهٍ آخر: أن "النبي" [- ﷺ-] رخص في ذلك.
قوله: "أربت من يديك": هو عندي مأخوذٌ من الآراب، وهي أعضاء الجسد، ومنه قيل: قطعت الشاة إربًا إربًا، فكأنه أراد بقوله: أربت من يديك، أي: سقطت آرابك من اليدين خاصةٌ.
وهو في حديثٍ آخر: "سقطت من يديك، ألا كنت حدثتنا بهذا"؟
فهذا تفسير أربت.
وبعض الفقهاء يرويه خلاف هذه الرواية، يقول: إن "عمر" نهى أن تنفر حتى تطهر وتطوف؛ حتى حدثه "الحارث بن أوس" [٤٣٩] بهذا الحديث عن "النبي" - ﷺ-.
[ ٤ / ٢٤٥ ]
٦٢٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" - ﵁- أنه سمع رجلًا يتعوذ من الفتن، فقال [له] "عمر": "اللهم إني أعوذ بك من الضفاطة، أتسأل ربك ألا يرزقك أهلًا ومالًا، أو قال: أهلًا وولدًا".
هذا من حديث "جعفر بن عونٍ" عن "مسعرٍ" عن "أبي الضحى" يُسنده إلى "عمر".
قوله: "أتسأل ربك ألا يرزقك أهلًا وولدًا" معناه عندي [- والله أعلم-] قول الله - ﵎-: (إنما أموالكم وأولادكم فتنةً) فأراد "عمر" هذه الآية.
ومنه حديثه - حين سأل أصحاب "النبي" - ﷺ- فقال: "أيكم سمع قول "النبي" - ﷺ- في الفتن"؟
قالوا: نحن.
قال: "لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وماله"؟
قالوا: نعم.
قال: "تلك يُكفرها الصيام، والصلاة والصدقة، ولكن أيكم سمع قوله
[ ٤ / ٢٤٦ ]
[ﷺ] في الفتن التي تموج موج البحر"؟
فقال "حذيفة": أنا.
فقال: "أنت لعمري".
قال ["أبو عبيد"]: حدثنيه "يزيد" عن "أبي مالك" عن "ربعي" عن "حذيفة" عن "عمر" في حديثٍ طويلٍ.
قال "أبو عبيد": فالذي كره "عمر" أن يتعوذ منه: الفتنة بالأهل والمال، ولم ينه عن التعوذ من الفتن التي تموج موج البحر.
وقوله: "الضفاطة": يعني ضعف الرأي والجهل، يُقال منه: رجلٌ ضفيط.
وقد قال بعض أهل العلم في حديث "ابن سيرين" أنه شهد نكاحًا فقال: "فأين ضفاطتكم"؟ فسره: أنه أراد الدف.
وإنما نراه [أنه] سماه ضفاطة، لهذا المعنى: أي إنه لهوٌ ولعبٌ، وهو راجعٌ إلى ضعف الرأي والجهل.
[ ٤ / ٢٤٧ ]
ومنه حديثٌ "لابن سيرين" آخر: أنه كان ينكر قول من قال: "إذا قعد إليك الرجل فلا تقم حتى تستأذنه".
قال: وبلغه عن رجل أنه استأذن، فقال: إني لأراه ضفيطًا.
٦٢٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر"- ﵁-: "ما بال رجالٍ لا يزال أحدهم [٤٤٠] كاسرًا وساده عند امرأةٍ مغزيةٍ، يتحدث إليها، وتحدث إليه، عليكم بالجنبة؛ فإنها عفافٌ، إنما النساء لحم على وضمٍ، إلا ما ذُب عنه".
قال: حدثنيه "يزيد" عن "محمد بن عمرو بن علقمة" عن "يحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ" عن "أبيه" عن "عمر".
قال "الكسائي" و"الأصمعي" وغيرهما: قوله: "مغزية": يعني التي قد غزا زوجها، يُقال: قد أغزت المرأة. إذا كان زوجها غازيًا، فهي مغزيةٌ.
وكذلك: أغابت، فهي مغيبةٌ: إذا غاب زوجها، ومثل هذا في الكلام كثيرٌ.
[ ٤ / ٢٤٨ ]
وقوله: "الجنبة"، يعني: الناحية. يقول: تنحوا عنهن، وكلموهن من خارج الدار، ولا تدخلوا عليهن، وكذلك كل من كان خارجًا. قيل: جنبةً.
وهذا مثل حديثه الآخر: "لا يدخلن رجلٌ على امرأةٍ، وإن قيل حمؤها، ألا [إن] حمأها الموت" فالحمء: أبو الزوج.
قال "الأصمعي": وفيه ثلاث لغاتٍ: هو حماها مثل قفاها، وحموها مثل أبوها، وحمؤها مقصورٌ مهموزٌ.
وقوله: "الموت"، يقول: فلتمت ولا تفعل ذاك.
فإذا كان هذا من رأيه في أبي الزوج، وهو محرمٌ، فكيف بالغريب؟
وقال الراعي في الجنبة:
أخليد إن أباك ضاف وساده همان باتا جنبةٌ ودخيلا
[ ٤ / ٢٤٩ ]
يقول: أحدهما باطنٌ، والآخر ظاهرٌ.
وأما قوله: "إنما النساء لحمٌ على وضمٍ".
قال "الأصمعي": الوضم: الخشبة، أو البارية التي يوضع عليها اللحم، يقول: فهن في الضعف مثل ذلك اللحم الذي لا يمتنع من أحدٍ، إلا أن يُذب عنه.
وقال "الكسائي" - أو غيره-: الوضم: كل ما وقيت به اللحم من الأرض.
قال: ويقال: وضمت اللحم أضمه وضمًا: إذا وضعته على الوضم، فإن أردت أنك جعلت له وضمًا، قلت: أوضمته إيضامًا.
وقال أبو زيد: يقال: أوضمت اللحم وأوضمت له.
٦٢٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: أنه خطب الناس، فقال: "إن بيعة أبي بكرٍ [٤٤١] [- رضوان الله عليه-] كانت فلتةً وقى الله شرها".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
قال ["أبو عبيدٍ"]: حدثنيه "أبو نوحٍ قرادٌ" عن "شعبة" عن "سعد بن إبراهيم" عن "عبيد الله بن عبد الله بن عتبة" عن "ابن عباسٍ" عن "عبد الرحمن بن عوفٍ" قال: خطبنا "عمر"، فذكر ذلك، وزاد فيه: "وإنه لا بيعة إلا عن مشورةٍ، وأيما رجلٍ بايع عن غير مشورةٍ، فلا يؤمر واحدٌ منهما؛ تغرة أن يقتلا".
قال "شعبة": فقلت "لسعدٍ": ما تغرة أن يقتلا؟ فقال: عقوبتهما لا يؤمر واحدٌ منهما.
قال "أبو عبيدٍ": وهذا مذهب ذهب إليه "سعدٌ" تحقيقًا لقول "عمر": "لا يؤمر واحدٌ منهما"، وهو مذهبٌ حسنٌ.
ولكن التغرة في الكلام ليست بالعقوبة، وإنما التغرة: التغرير، يقال: غررتُ بالقوم تغريرًا، وتغرةٌ، وكذلك يقال في المضاعف خاصةٌ، كقوله: حللت اليمين تحليلًا وتحلةٌ، قال الله - ﵎-: (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم)، وكذلك: عللت المريض تعليلًا، وتعلةٌ، وإنما هذا في المضاعف في فعلت.
وإنما أراد "عمر" أن في بيعتهما تغريرًا بأنفسهما للقتل، وتعرضًا لذلك، فنهاهما عنه لهذا، وأمر ألا يؤمر واحدٌ منهما؛ لئلا يُطمع في ذلك، فيفعل هذا الفعل.
[ ٤ / ٢٥١ ]
وأما قوله: "فلتةٌ": فإن معنى الفلتة: الفجاءة، وإنما كانت كذلك؛ لأنه لم ينتظر بها العوام، وإنما ابتدرها أكابر أصحاب "محمدٍ" - ﷺ- من المهاجرين، وعامة الأنصار، إلا تلك الطيرة التي كانت من بعضهم، ثم أصفقوا له كلهم، لمعرفتهم أن ليس لأبي بكرٍ منازعٌ، ولا شريكٌ في الفضل، ولم يكن يحتاج في أمره إلى نظرٍ، ولا مشاورةٍ؛ فلهذا كانت الفلتة، وبها وقى الله الإسلام وأهله شرها، ولو علموا أن في أمر "أبي بكرٍ" شبهةٌ، وأن بين الخاصة والعامة فيه اختلافًا، ما استجازوا الحكم عليهم بعقد البيعة، ولو استجازوه ما أجازوه الآخرون، إلا لمعرفة منهم به متقدمةٍ، فهذا تأويل قوله: "كانت فلتةٌ وقى الله شرها" [٤٤٢].
٦٢٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر"- ﵁-: "أن العبد إذا تواضع رفع الله حكمته، وقال: انتعش نعشك الله، وإذا تكبر،
[ ٤ / ٢٥٢ ]
وعدًا طوره وهصه الله إلى الأرض".
قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "ابن عيينة" عن "محمد بن عجلان" عن "بكير بن الأشج" عن "معمر بن أبي حبيبة" عن "عبيد الله بن عدي بن الخيار" سمع "عمر" يقول ذلك.
قال "أبو عبيدٍ": قوله: "وهصه الله"، يعني: كسره، ودقه، فهو يهصه وهصًا، وكذلك الوقص، وهو من الكسر أيضًا، وكذلك الوطس منه أيضًا.
يقال: وهصتُ، ووقصتُ، ووطستُ، أهصُ، وأقصُ، وأطسُ، وهصًا، ووقصًا، ووطسًا.
وأما قوله: "عدا طوره"، يعني: قدره، وكل شيءٍ ساوى شيئًا في طوله فهو طوره، وطواره، يقال: هذا طوار هذا الحائط: أي على امتداده وقدره.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
٦٣٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: حين أتاه "قبيصة بن جابرٍ" فقال: إني رميت ظبيًا، وأنا محرمٌ، فأصبت خششاءه، فركب ردعه، فأسن، فمات، فأقبل على "عبد الرحمن بن عوفٍ"، فشاوره، ثم قال: "اذبح شاةً".
قال: أخبرنيه "ابن أبي أمية" عن "أبي عوانة" عن "عبد الرحمن بن عُميرٍ" عن "قبيصة" عن "عمر".
قال "أبو عبيد": الخششاء: العظم الناشز خلف الأذن، وفيه لغتان خشاءٌ، وخششاءٌ.
وقوله: "ركب ردعه"، يعني: أنه سقط على رأسه، وإنما أراد بالردع الدم، شبهه بردع الزعفران، وردع الزعفران: أثره، وركوبه إياه أن الدم سال، ثم خر الظبي عليه صريعًا، فهذا معنى قولهم: ركب ردعهُ.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وقوله: "أسن"، يعني أنه دير به؛ ولهذا يقال للرجل إذا دخل بئرًا فاشتدت عليه ريحها حتى يصيبه دوارٌ، فيسقط: قد أسن يأسن أسنًا، قال "زهيرٌ" [٤٤٣]:
يغادر القرن مصفرًا أنامله يميل في الريح ميل الماتح الأسن
الماتح: الذي ينزل البئر، فيغرف من مائها في الدلو إذا قل الماء.
قال "أبو عبيدٍ": ويقال في معنى ركب ردعه، [أي] أنه لم يردعه شيءٌ، فيمنعه عن وجهه، ولكنه ركب ذاك، ومضى لوجهه، والرادع: هو المانع، كقول الناس: ردعت فلانًا عما يريد، أي منعته.
٦٣١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [-﵁-]: "أنه كان يستاك وهو صائمٌ، ولكنه كان يستاك بعودٍ قد ذوى".
[ ٤ / ٢٥٥ ]
قال: حدثناه "أبو حفصٍ الأبار" عن "منصورٍ" عن "أبي نهيكٍ" عن "زياد بن حديرٍ" أنه رأى "عمر" يفعل ذلك.
قوله: "قد ذوى" يعني: يبس، وفيه لغتان: ذوى يذوي، و[بعضهم يقول] ذوى يذوي، والأول أجود، وهو عودٌ ذاوٍ، وقال "ذو الرمة":
كأنما تفض الأحمال ذاويةٌ على جوانبه الفرصادُ والعنب
وفي هذا الحديث من الفقه: الرخصة في الصائم يستاك، ولم يذكر فيه أول النهار، ولا آخره.
٦٣٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: "حجوا بالذرية، ولا تأكلوا أرزاقها، وتذروا أرياقها في أعناقها".
قال: حدثناه "يحيى بن سعيدٍ" و"يزيد بن هارون" عن
[ ٤ / ٢٥٦ ]
"سليمان بن حيان" عن "موسى بن قطنٍ" عن "آمنة بنت محرزٍ" عن "عمر".
قوله: "لا تدعوا أرباقها في أعناقها": فجعل الحج عليها واجبًا، وإنما ذكر الذرية، وليس على الذرية حج، قال "أبو عبيد": فقلت "ليحيى": ما وجه هذا الحديث؟
فقال: لا أعرفه. فقلت له: إنه لم يرد الصبيان، إنما أراد النساء، وقد يلزمهن اسم الذرية، وذكرت له حديث "سفيان الثوري" عن "أبي الزناد" عن "المرقع بن صيفي" عن "حنظلة الكاتب".
قال: كنا مع رسول الله [٤٤٤]- ﷺ- في غزاةٍ، فرأى امرأةً مقتولةً، فقال: "هاه! ما كانت هذه تقاتل، الحق خالدًا فقل [له]: لا تقتلن ذريةً، ولا عسيفًا" جعل النساء من الذرية، فعرف "يحيى" الحديث، وقال: نعم، وقبله.
قال: "أبو عبيدٍ" فهذا يبين لك أن الذرية: النساء ها هنا.
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وأما ذكره الأرباق، فإنه مثل، شبه ما قلدت [به] أعناقها من وجوب الحج بالأرباق التي تقلدها أعناق الأسارى، ومن ذلك قول "زهيرٍ".
أشم أبيض فياضٌ يفكك عن أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
٦٣٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" - ﵁-: أنه وقف بين الحرتين - وهما داران لفلانٍ- فقال: "شوى أخوك، حتى إذا أنضج رمد".
قال: حدثت به عن "ابن المبارك" عن "يونس" عن "الزهري" عن "عمر".
قوله: "شوى أخوك": يقول: إنه لما أنضج شواءه، وجوده، ألقاه في الرماد، فأفسده.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
وهذا مثلٌ يضرب للرجل يصطنع المعروف إلى الرجل، ثم يفسده عليه بالامتنان، أو أن يقطعها عنه، ولا يتمها له، وما أشبه ذلك من إفساد المعروف.
٦٣٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" - ﵁-: "أنه كتب إليه في رجلٍ قيل له: متى عهدك بالنساء؟ فقال: البارحة.
قيل: من؟ قال: أم مثواي.
فقيل له: قد هلكت، قال: ما علمت أن الله حرم الزنا.
فكتب "عمر" أن يستحلف: ما علم أن الله حرم الزنا، ثم يخلى سبيله".
قال: حدثناه "مروان بن معاوية الفزاري" و"يزيد" عن "حميد بن بكر بن عبد الله" عن "عمر".
[ ٤ / ٢٥٩ ]
قوله: "أم مثواي" يعني: ربة منزله، والعرب تقول للرجل الذي هُم نزول عليه: هذا أبو منزلنا، وأبو مثوانا، وللمرأة: أم منزلنا، وأم مثوانا، والثواء: هو النزول بالمكان.
يقال: ثويت بالمكان، وأثويت، لغتان.
وأما قوله: "يُستحلف، ثم يخلى سبيله": فإنما يعذر بهذا الذي أسلم حديثًا، لا يعرف [٤٤٥] الإسلام، ولا شرائعه، ولم يسكن بلادًا بها أهل الإسلام، فأما من كان على غير ذلك، فإنه لا يصدق، ويقام عليه الحد.
٦٣٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: "تفقهوا، قبل أن تسودوا".
قال: حدثناه "ابن علية"، و"معاذٌ" عن "أبي عونٍ" عن "ابن سيرين" عن "الأحنف بن قيسٍ" عن "عمر".
قوله: "تفقهوا قبل أن تسودوا"، يقول: تعلموا العلم ما دمتم صغارًا قبل أن تصيروا سادةً رؤساء، منظورًا إ ليكم، فإن لم تعلموا قبل ذلك استحييتم
[ ٤ / ٢٦٠ ]
أن تعلموه بعد الكبر، فبقيتم جهالًا، تأخذونه من الأصاغر فيزرى ذلك بكم.
وهذا شبيه بحديث "عبد الله": "لن يزال الناس بخيرٍ ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أتاهم من أصاغرهم، فقد هلكوا".
وفي الأصاغر تفسيرٌ آخر، قال: بلغني عن "ابن المبارك" أنه كان يذهب بالأصاغر إلى أهل البدع، ولا يذهب إلى السن، وهذا وجهٌ.
قال "أبو عبيدٍ": والذي أرى أنه في الأصاغر: أن يؤخذ العلم عمن كان بعد أصحاب النبي - ﷺ-، ويقدم ذلك على رأي الصحابة وعلمهم، فهذا أخذُ العلم عن الأصاغر.
قال "أبو عبيد": ولا أرى "عبد الله" أراد إلا هذا.
قال "أبو عبيدٍ": ولا أرى "عبد الله" أراد إلا هذا.
٦٣٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" - ﵀-: "السائبة والصدقة ليومهما".
[ ٤ / ٢٦١ ]
قال: حدثناه "ابن أبي عدي" و"يزيد" عن "سليمان التيمي" عن "أبي عثمان النهدي" عن "عمر".
يعني بقوله: "ليومهما": يوم القيامة [اليوم] الذي كان أعتق سائبته وتصدق بصدقته له، يقول: فلا يرجع إلى الانتفاع بشيءٍ منهما بعد ذلك في الدنيا، وذلك كالرجل يعتق عبده سائبة [٤٤٦]، ثم يموت المعتق ويترك، مالًا، ولا وارث له إلا الذي أعتقه.
يقول: فليس ينبغي له أن يرزأ من ميراثه شيئًا إلا أن يجعله في مثله.
وكذلك يروى عن "ابن عمر" أنه فعل بميراث عبدٍ له كان أعتقه سائبةً، وإنما هذا منهم على وجه الفضل والثواب، ليس على أنه محرمٌ؛ ألا ترى أنه إنما رده عليه الكتاب والسنة، فكيف يحرم هذا؟ ولكنهم كانوا يكرهون أن يرجعوا في شيءٍ جعلوه لله، إنما هذا بمنزلة رجلٍ تصدق على أمه - أو على أبيه - بدارٍ، ثم ماتا، فورثهما، فهو حلالٌ [له] وإن تنزه عنه، فهو أفضلُ.
٦٣٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر"-[﵁-]:
[ ٤ / ٢٦٢ ]
"لا تشتروا رقيق أهل الذمة وأرضيهم".
قال: حدثناه "الأنصاري" عن "أبي عقيلٍ بشير بن عقبة" عن "الحسن" عن "عمر".
قال: فقلت للحسن: ولم؟
قال: لأنهم فيءٌ للمسلمين.
قال "أبو عبيدٍ": فهذا تأويل "الحسن"، وقد رُوي عن "عمر" شيءٌ مفسرٌ هو أحب إليَّ من هذا.
قال: حدثناه "يحيى بن سعيدٍ" عن "سعيد بن أبي عروبة" عن "قتادة" عن "سفيان العقيلي" عن "أبي عياض" عن "عمر" قال: "لا تشتروا رقيق أهل الذمة، فإنهم أهل خراجٍ، يؤدي بعضهم عن بعضٍ، وأرضيهم فلا تبتاعوها، ولا يُقرن أحدكم بالصغار بعد إذ نجاه الله منه".
قال "أبو عبيدٍ": فقول "عمر" فإنهم أهل خراجٍ، يؤدي بعضهم عن بعضٍ،
[ ٤ / ٢٦٣ ]
يبين لك أنهم ليسوا بفيءٍ، وأنهم أحرارٌ؛ ألا ترى أن السنة ألا تكون جزية الرؤوس إلا على الأحرار دون المماليك؟ فلو كانوا مماليك- كما قال "الحسن"- لم تكن عليهم جزية الرؤوس، وكانوا مع هذا لا تحل مناكحتهم، ولا مبايعتهم، ولا تجوز شهادتهم.
وأما قول "عمر" يؤدي بعضهم عن بعضٍ، فلم يرد أن يكون الحر يؤدي عن مملوكه جزية رأسه، ولكنه أراد - فيما نُرى- أنه إذا كان له [٤٤٧] مماليك، وأرضٌ، وأموالٌ ظاهرةٌ، كان أكثر لجزيته، وهكذا كانت سنته فيهم، إنما كان يضع الجزية على قدر اليسار، والعسر؛ فلهذا كره أن يُشترى رقيقهم.
وأما شرى الأرض، فإنه ذهب فيه إلى الخراج، كره أن يكون ذلك على المسلمين؛ ألا تراه يقول: "ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ نجاه الله [منه] " وقد رخص في ذلك بعد عمر رجالٌ من أكابر أصحاب النبي [- ﷺ-] منهم: "عبد الله بن مسعودٍ" كانت له أرضٌ "براذان" و"خباب بن الأرت" وغيرهما.
٦٣٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [-﵁-]
[ ٤ / ٢٦٤ ]
في قنوت الفجر قوله: "وإليك نسعى، ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكافرين ملحق".
قال: حدثناه "هشيم" قال: أخبرنا "ابن أبى ليلى" عن "عطاء" عن "عبيد بن عمير" عن "عمر".
قوله: "نحفد" أصل الحفد: الخدمة والعمل.
يقال: حفد يحفد حفدا، قال "الأخطل":
حفد الولائد حولهن وأسلمت بأكفهن أزمة الأجمال
أراد: خدمهن الولائد، وقال الشاعر:
كلفت مجهولها نوقايمانية إذا الحداة على أكسائها حفدوا
وقد روى عن "مجاهد" في قوله [-عز وعلا-]: ﴿بنين حفدة﴾
[ ٤ / ٢٦٥ ]
أنهم الخدم، وعن "عبد الله" أنهم الأصهار.
قال: حدثناه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "عاصمٍ" عن "زر" عن "عبد الله" والله أعلم.
وأما المعروف في كلامهم، فإن الحفد: الخدمة، فقوله: "نسعى ونحفد" هو من ذاك، يقول: إنا نعبدك، ونسعى في طلب رضاك، وفيه لغة أخرى، أحفد إحفادًا، قال "الراعي":
مزايد خرقاء اليدين مسيفةٍ أخب بهن المخلفان وأحفدا
فقد يكون قوله: "أحفدا": أخدما، وقد يكون أحفدا غيرهما: أعملا بعيرهما، فأراد "عمر" بقوله: "وإليك نسعى ونحفد": العمل لله بطاعته، وأما قوله [٤٤٨]: "بالكفار ملحقٌ" هكذا يروى الحديث، وهو جائزٌ في الكلام أن يقال ملحقٌ، يريد: لاحقٌ؛ لأنهما لغتان، يقال: لحقت
[ ٤ / ٢٦٦ ]
القوم وألحقتهم بمعنى، كأنه أراد بقوله: ملحقٌ: لاحقُ، قاله "الكسائي" وغيره.
٦٣٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: "لا تشتروا الذهب بالفضة إلا يدًا بيدٍ، هاء وهاء، إني أخاف عليكم الرماء".
قال: حدثناه "إسماعيل بن جعفرٍ" عن "عبد الله بن دينارٍ" عن "ابن عمر" عن "عمر".
قوله: "الرماء"، يعني: الربا، وأصل الرماء: الزيادة، يقول: هو زيادةٌ على ما يحل، ومنه يقال: أرميت على الخمسين، - أي: زدت عليها- إرماءٌ.
وكذلك يروى عن "عمر"- في بعض الحديث- أنه قال: "إني أخاف عليكم الإرماء"، فجاء بالمصدر، وقال الشاعر:
[ ٤ / ٢٦٧ ]
وأسمر خطيًا كأن كعوبه نوى القسب قد أرمى ذراعًا على العشر
يقول: زاد على العشر ذراعًا، قال "الكسائي": والرماء ممدودٌ.
٦٤٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: "أنه استشارهم في إملاص المرأة".
قال: حدثنيه "حجاجٌ" عن "ابن جريجٍ" عن "هشامٍ بن عروة" عن "أبيه" عن "المغيرة بن شعبة" عن "عمر".
قوله: "إملاص المرأة": هو أن تُلقى جنينها ميتًا.
يقال منه: قد أملصت المرأة إملاصًا، وإنما سمي بذلك؛ لأنها تزلقه، ولهذا قالوا: أزلقت الناقة وغيرها، وكذلك كل شيءٍ زلق من يدك، فقد ملص يملص ملصًا، وأنشدني "الأحمر":
فر وأعطاني رضاءٌ ملصا
[ ٤ / ٢٦٨ ]
يعني أنه يزلق من يدي، فإذا فعلت أنت ذاك به قلت: أملصته إملاصًا [٤٤٩ ي.
٦٤١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر"- ﵁-: "أنه أُتي بامرأةٍ مات [عنها] زوجها، فاعتدت أربعة أشهرٍ وعشرًا، ثم تزوجت رجلًا، فمكثت عنده أربعة أشهرٍ ونصفًا، ثم ولدت ولدًا، قال: فدعا "عمر" نساءً من نساء الجاهلية، فسألهن عن ذلك، فقلن: هذه امرأةٌ كانت حاملًا من زوجها الأول، فلما مات حش ولدها في بطنها، فلما مسها الزوج الآخر تحرك ولدها، قال: فالحق "عمر" الولد بالأول".
قال "أبو عبيدٍ": بلغني هذا الحديث عن "مالك بن أنسٍ" عن "يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد" عن "محمد بن إبراهيم التيمي" عن "سليمان بن يسارٍ" عن "عبد الله بن عبد الله بن أبي أمية" عن "عمر".
قوله: "حش ولدها في بطنها" يعني أنه يبس.
يقال: قد حش يحش، وقد أحشت المرأة، فهي مُحش: إذا فعل ولدها ذلك، ومنه قيل لليد إذا شلت، ويبست: قد حشت.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
قال "أبو عبيدٍ": وبعضهم يرويه "حش ولدها" - بضم الحاء-.
وفي هذا الحديث من الفقه: أن الولد لما جاءت به لأقل من ستة أشهرٍ من يوم تزوجها الآخر لم يلحق به؛ لأن الولد لا يكون لأقل من ستة أشهرٍ، فلو جاءت به لأكثر من ستة [أشهرٍ] لحق بالآخر، فكان ولده.
قال: وكذلك سمعت "أبا يوسف" يقول في هذا: ما بينها وبين سنتين أن الولد يلحق بالأول، ما لم تُقر المرأة بانقضاء عدةٍ قبل ذلك.
٦٤٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: "أنه رُفع إليه رجلٌ قالت له امرأته: شبهني.
فقال: كأنك ظبيةٌ، كأنك حمامةٌ.
فقالت: لا أرضى حتى تقول: خليةٌ، طالقٌ.
فقال ذلك.
فقال "عمر": "خذ بيدها، فهي امرأتك".
[ ٤ / ٢٧٠ ]
قال: حدثناه "هشيمٌ": قال: أخبرنا "ابن أبي ليلى" عن "الحكم" عن "خيثمة بن عبد الرحمن" عن "عبد الله بن شهابٍ الخولاني" عن "عمر".
قوله [٤٥٠]: خليةٌ، طالقٌ: أراد الناقة تكون معقولة، ثم تطلق من عقالها ويخلي عنها، فهي خليةٌ من العقال، وهي طالقٌ؛ لأنها قد طلقت منه، فأراد الرجل ذلك، فأسقط عنه "عمر" الطلاق لنيته، وهذا أصل لكل من تكلم بشيءٍ يشبه [لفظه] لفظ الطلاق والعتاق، وهو ينوي غيره، أن القول فيه قوله، فيما بينه وبين الله [-﵎-] وفي الحكم على تأويل مذهب "عمر".
وأما الذي يقول "أبو حنيفة" وأصحابه، فغير هذا.
قال: سمعت "أبا يوسف" يقول- في أشباهٍ لهذا الكلام-: إذا كان في غضبٍ، أو جواب كلامٍ، لم أدينه في القضاء، وحكاه عن "أبي حنيفة" وقول "عمر" أولى بالاتباع.
[ ٤ / ٢٧١ ]
٦٤٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" - ﵀-: "أنه سأل المفقود الذي استهوته الجن: ما كان طعامهم؟
قال: الفول، وما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما كان شرابهم؟
قال: الجدف.
قال: يعني: ما لا يغطى من الشراب".
وهكذا هو في الحديث.
قال: حدثناه "هشيمٌ" قال: أخبرنا "داود بن أبي هندٍ" عن "أبي نضرة" عن "عبد الرحمن بن أبي ليلى" عن "عمر".
قوله في تفسير الجدف: لم أسمعه إلا في هذا الحديث، وما جاء إلا وله أصلٌ، ولكن ذهب من كان يعرفه، ويتكلم به، كما قد ذهب من كلامهم شيءٌ كثيرٌ.
وقد روي في تفسيره - أيضًا - غير هذا.
زعم "علي بن عاصمٍ" عن "خالدٍ الحذاء" عن "أبي قلابة" أو عن "أبي نضرة" - شك أبو عبيد- عن "عبد الرحمن بن أبي ليلى" عن "عمر" مثل ذلك، إلا أنه قال في حديثه: الجدف: نباتٌ يكون باليمن،
[ ٤ / ٢٧٢ ]
يأكله الآكل فلا يحتاج معه إلى شرب ماءٍ.
[ ٤ / ٢٧٣ ]
٦٤٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [-﵁-]: "أن أصحاب "عبد الله" كانوا يرحلون إليه، فينظرون إلى سمته، وهديه، ودله [قال]: فيتشبهون به".
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "الأعمش" عن "إبراهيم" عن أصحاب "عبد الله" عن "عمر".
قوله [٤٥١]: "إلى سمته": فالسمت يكون في معنيين، أحدهما: حسن الهيئة والمنظر في مذهب الدين، وليس من الجمال والزينة، ولكن تكون له هيئة أهل الخير، ومنظرهم.
[ ٤ / ٢٧٤ ]
وأما الوجه الآخر: فإن السمت: الطريق، يقال: الزم هذا السمت، وكلاهما له معنى جيدٌ، يكونُ: أن يلزم طريقة أهل الإسلام، ويكون: أن تكون له هيئة أهل الإسلام.
وقوله: "إلى هديه ودله، فإن أحدهما قريب المعنى من الآخر، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر، والشمائل، وغير ذلك، قال "الأخطل" يصف الثور والكلاب:
حتى تناهين عنه ساميًا حرجًا وما هدى هدى مهزومٍ وما نكلا
يقول: لم يسرع إسراع المنهزم، ولكن على سكونٍ وحسن هديٍ.
وقال "عديُّ بن زيدٍ" يمدح امرأةً بحسن الدل:
لم تطلع من خدرها مبتغى خبـ ـب ولا ساء دلها في العناق
ومنه حديث "سعدٍ" قال: حدثنا "ابن علية" عن "يونس" عن "عمرو بن سعيدٍ" قال: قال "سعدٌ": بينا أنا أطوف بالبيت، إذ رأيت امرأةً، فأعجبني دلها، فأردت أن أسأل عنها، فخفت أن تكون مشغولةً، ولا يضرك جمال امرأةٍ لا تعرفها.
[ ٤ / ٢٧٥ ]
٦٤٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [- ﵁-]: "من لبد، أو عقص، أو ضفر، فعليه الحلق".
هذا يروى عن "عمر" وعن "علي" وعن "ابن عمر".
قال: حدثنا "هشيمٌ" قال: أخبرنا "حجاجٌ" عن "ابن أبي مليكة" عن "ابن الزبير" عن "عمر".
قال "هشيمٌ": وأخبرنا "ليثٌ" عن "مجاهدٍ" عن "ابن عمر" مثله.
قال: وحدثنا "حفص بن غياثٍ" عن "جعفرٍ" عن "أبيه" عن "علي" مثله.
قوله: "لبد"، يعني: أن يجعل في رأسه شيئًا من صمغ وعسلٍ، أو
[ ٤ / ٢٧٦ ]
أحدهما، [٤٥٣] ليتلبد، فلا يقمل، هكذا قال "يحيى بن سعيدٍ" وسألته عنه.
وقال غيره: إنما التلبيد بقيًا على الشعر؛ لئلا يشعث في الإحرام، فلذلك وجب عليه الحلق؛ شبيه بالعقوبة.
وكان "سفيان بن عيينة" يقول بعض هذا.
قال "أبو عبيد": وأما العقص والضفر، فهو: فتله، ونسجه.
وكذلك التجمير.
ومنه حديث "إبراهيم".
قال: حدثنا "هشيمٌ" قال: أخبرنا "مغيرة" عن "إبراهيم" قال: "الضافر والملبد، والمجمر عليهم الحلق".
وهذا الذي جاء في الضافر والمجمر يبين لك التلبيد أنه إنما يفعل ذلك بقيا على شعره؛ فلذلك ألزم الحلق.
والعقص شبيهٌ بالضفر، إلا أنه أكثر منه، وهذا كله ضروبٌ من المشط.
والعقص: أن يُلوى الشعر على الرأس؛ ولهذا قول النساء لها: عقصةٌ، وجمعها عقصٌ، وعقاصٌ، ومنه قول "امرئ القيس":
[ ٤ / ٢٧٧ ]
تضل العقاص في مثنى ومرسل
٦٤٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]: "ما تصعدتني خطبةً ما تصعدتني خطبة النكاح".
قال: حدثنيه "حجاج" عن "حماد بن سلمة" عن "هشام بن عروة" عن "أبيه" عن "عمر".
قوله: "ما تصعدتني" يقول: ما شقت علي، وكل شيء ركبته، أو فعلته بمشقةٍ عليك، فقد تصعدك، قال الله -﵎-: (ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء) ونرى أن أصل هذا من الصعود، وهي العقبة المنكرة الصعبة، يقال: وقعوا في صعودٍ منكرةٍ، وكؤودٍ مثله، وكذلك هبوط وحدور، وقال الله -﵎- (سأرهقه صعودًا).
٦٤٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]
[ ٤ / ٢٧٨ ]
في المضمضة للصائم، قال: "لا يمجه، ولكن يشربه، فإن أوله خيره".
قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "منصورٍ" عن "سالم بن أبي الجعد" عن "عطاءٍ": أن "عمر" قال ذلك.
قال "أبو عبيدٍ": هذه المضمضة: هي التي عند الإفطار، وإنما أراد أن يشرب قبل أن يمجه، فيذهب خلوف فمه.
قال: وهكذا حدثناه "عباد بن العوام" عن "حصينٍ" عن "سالم بن أبي الجعد" أنه كره تلك المضمضة، وقال: ليشرب على خلقة فيه، وأما الصائم يشتد عطشه، فيمضمض، ثم يمجه؛ ليسكن العطش، فقد رويت فيه رخصة عن "عثمان بن أبي العاص" وهذه غير تلك.
٦٤٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أن "أسلم" كان يأتيه بالصاع من التمر، فيقول: "يا أسلم حت عنه قشره" قال: فأحسفه، فيأكله.
[ ٤ / ٢٧٩ ]
قال: حدثنيه "يزيد" عن "محمد بن مطرفٍ" عن "زيد بن أسلم" عن "أبيه" عن "عمر".
قوله: "حت عنه" يقول: اقشره، وكل شيءٍ قشرته عن شيءٍ فقد حتته عنه.
وقوله: "فأحسفه، فيأكله" هذا مأخوذ من الحسافة، وهي قشور التمر، ورديئه الذي تخرجه منه إذا نقيته.
يقال منه: حسفت التمر أحسفه حسفًا.
وفي هذا الحديث ما يبين لك أنهم كانوا يتوسعون في المطعم إذا أمكنهم.
٦٤٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه قال "لمالك بن أوس" [بن الحدثان]: "يا مال" إنه قد دفت علينا من قومك دافة، وقد أمرنا لهم برضخٍ، فاقسمه فيهم".
[ ٤ / ٢٨٠ ]
قال "أبو عمرو": الدافة: القوم يسيرون جماعةً، سيرًا ليس بالشديد، يقال: هم يدفون دفيفًا.
ومنه الحديث المرفوع: "أن أعرابيًا قال: يا رسول الله: هل في الجنة إبل؟ فقال: نعم، إن فيها لنجائب تدف بركبانها في الجنة".
٦٥٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] في الجالب، قال: "يأتي أحدهم به على عمود بطنه".
قال "أبو عمرو": عمود بطنه: هو ظهره، يقال: إنه الذي يمسك البطن، ويقويه، فصار كالعمود له.
قال "أبو عبيدٍ" والذي عندي في عمود بطنه: أنه أراد أن يأتي به على مشقةٍ وتعبٍ، وإن لم يكن ذلك على ظهره، وإنما هذا مثل.
[ ٤ / ٢٨١ ]
٦٥١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] "أنه سأل جيشًا: هل يثبت لكم العدو قدر حلب شاةٍ بكيئةٍ؟
فقالوا: نعم.
فقال: غل القوم".
[قال "أبو عبيد": قوله: "شاة بكيئة": هي القليلة اللبن.
ويقال: ما كانت بكيئةً، ولقد بكؤت تبكؤ بكأً: إذا قل لبنها، وكذلك الإبل، قال الشاعر:
وليأزلن وتبكؤن لقاحه ويعللن صبيه بسمار
قوله: ليأزلن، أي: يصيبه الأزل، وهو الشدة، والسمار: اللبن الممزوج بالماء.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
٦٥٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه مر "بضجنان" فقال: "لقد رأيتني بهذا الجبل احتطب مرةً، واختبط أخرى، على حمارٍ "للخطاب"، وكان شيخًا غليظًا، فأصبحت، والناس بجنبتي ليس فوقي أحد".
قال: حدثناه "عباد بن عبادٍ" عن "محمد بن عمروٍ" عن "يحيى بن عبد الرحمن بن حاطبٍ" عن "أبيه" عن "عمر".
وفي غير حديث "عبادٍ": "بجنبتي الناس، ومن لم يكن يبخع لنا بطاعة".
قال "أبو زيدٍ": قوله: "يبخع لنا بطاعةٍ" قال: يقال: قد بخع الرجل للرجل بالطاعة: إذا أقر له بها، وانقاد.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
وقوله: "اختبط": اضرب الخبط من الشجر، وهو علف الإبل.
٦٥٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه قال -في متعة الحج-: "قد علمت أن رسول الله -ﷺ- فعلها وأصحابه، ولكني كرهت أن يظلوا بهن معرسين تحت الأراك، ثم يلبون بالحج تقطر رؤوسهم".
قال "أبو عبيد": المعرس: الذي يغشى امرأته، وأصله من العرس، شبه بذلك.
وإنما نهى عن هذا؛ لأنه كره المتعة، [يقول]: فإذا حل من عمرته، أتى النساء، ثم أهل بالحج، فنهى عن ذلك، وقد رويت عنه الرخصة فيه.
٦٥٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" -﵀- أنه قال: "نعم المرء "صهيب" لو لم يخف الله لم يعصه".
[ ٤ / ٢٨٤ ]
قال "أبو عبيد": المعنى والوجه فيه: أن "عمر" [﵁] أراد أن "صهيبًا" إنما يطيع الله [﵎] حبًا له، لا مخافة عقابه، يقول: فلو لم يكن عقاب يخافه ما عصى الله [﷿] أيضًا.
ومثل ذلك حديث يروى عن بعضهم، أنه قال: "ما أحب أن أعبد الله لطمع في ثوابٍ، ولا مخافة عقابٍ، فأكون مثل عبد السوء، إن خاف مواليه أطاعهم، وإن لم يخفهم عصاهم، ولكني أريد أن أعبد الله حبًا له".
٦٥٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]: أنه أتى بسكران في شهر رمضان، فقال: "للمنخرين للمنخرين، أصبياننا
[ ٤ / ٢٨٥ ]
صيام وأنت مفطر".
قال: حدثناه "أبو إسماعيل المؤدب" عن "الأجلح" عن "ابن أبي الهذيل" عن "عمر".
قوله: "للمنخرين" معناه: الدعاء عليه، كقولك: بعدًا له وسحقًا، أي: أبعده الله، وأسحقه، وكذلك: كبه الله للمنخرين، ونحو هذا.
ومنه حديث "عائشة" -حين قيل لها: إن فلانًا قتل، فقالت: "لليدين وللفم".
أي: كبه الله ليديه وفمه، وقال "أبو المثلم الهذلي":
أصخر بن عبد الله من يغو سادرًا يقل -غير شك- لليدين وللفم
[ ٤ / ٢٨٦ ]
٦٥٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه قال: "يا آل خزينة! أصبحوا" وفي بعض الحديث "حصبوا".
قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "واصلٍ الأحدب" عن "المعرور" أنه سمع "عمر" يقول ذلك.
[قال "أبو عبيد"]: يعني بذلك التحصيب، والتحصيب -إذا نفر الرجل من "منى" إلى "مكة" للتوديع-: أن يقيم بالشعب الذي يخرجه إلى الأبطح، حتى يهجع بها من الليل ساعة، ثم يدخل مكة، وكان هذا شيئًا يفعل، ثم ترك، وهو الذي قالت فيه "عائشة": "ليس التحصيب بشيء إنما كان منزلًا نزله رسول الله -ﷺ- لأنه كان أسمح للخروج".
قال: حدثناه "أبو معاوية" عن "هشام بن عروة" عن "أبيه" عن "عائشة".
قال "ابن مهدي": فكأن "عمر" إنما خص "بني خزيمة" أن يقيموا بالأبطح حتى يصبحوا.
[ ٤ / ٢٨٧ ]
قال: حدثني "يحيى بن سعيدٍ" عن "شريكٍ" عن "زياد بن علاقة" عن "المعرور" عن "عمر"، قال: "من شاء فلينفر في النفر الأول، إلا "بني أسد بن خزيمة".
قال "أبو عبيدٍ": فوجه هذا عندنا أنه إنما أراد "بني خزيمة"، وهم "قريش" و"كنانة" وليس فيهم "أسد": وذلك أن منازل "قريشٍ" و"كنانة" "الحرم" وما حوله، فكره لهم أن يعجلوا النفر؛ لقرب دارهم، ورخص لمن بعدت داره، وليست "لبني أسدٍ" هناك دار، إنما هم "بنجدٍ" فكيف خصهم بالكراهة؟ لا أعرف لهذا وجهًا إلا ما ذكرنا.
قال "أبو عبيدٍ" والمحفوظ عندنا هو الأول الذي لا ذكر "لبني أسدٍ" فيه.
٦٥٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه كان يستحب قضاء رمضان في عشر ذي الحجة، وقال: "ما من أيامٍ أقضى فيهن رمضان أحب إلي منها".
[ ٤ / ٢٨٨ ]
قال: حدثنيه "ابن مهدي" عن "سفيان" عن "الأسود بن قيسٍ" عن "أبيه" عن "عمر".
قال "أبو عبيدٍ": نرى أنه كان يستحبه؛ لأنه كان لا يحب أن يفوت الرجل صيام العشر، ويستحبه نافلة، فإذا كان عليه شيء من رمضان كره أن يتنفل، وعليه من الفريضة شيء، فيقول: يقضيها في العشر، فلا يكون أفطرها، ولا يكون بدأ بغير الفريضة، فيجتمع له الأمران، وليس وجهه عندي أنه كان يستحب تأخيرها عمدًا إلى العشر، ولكن إنما هذا لمن فرط حتى يدخل العشر.
وكان "علي" [رحمة الله عليه] يكره قضاء رمضان في العشر، وذلك لأن رأى "علي" [رحمة الله عليه] كان "علي" ألا يقضي رمضان متفرقًا، فيقول: إن صام العشر، ثم جاء العيد، وقد بقيت عليه أيام، لم يستقم له أن يصوم يوم النحر، لما فيه من النهي، ولم يستقم له أن يفطر، فيكون قد فرق قضاء رمضان وذلك عنده مكروه، فلهذا كره قضاء رمضان في العشر، إن شاء الله.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
٦٥٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه لما توفى "النبي" -ﷺ-، قام "أبو بكرٍ" فتلا هذه الآية في خطبته: (إنك ميت وإنهم ميتون). قال "عمر": "فعقرت حتى خررت إلى الأرض".
قال "أبو عبيدٍ": قوله: "عقرت"، يقال للرجل إذا بقى متحيرًا دهشًا: قد عقر، وكذلك: بعل، وخرق، كل هذا بمعنىً.
٦٥٩ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] أنه كتب إلى "أبي عبيدة" وهو بالشام -حين وقع بها الطاعون-: "إن
[ ٤ / ٢٩٠ ]
الأردن أرض غمقة، وأن الجابية أرض نزهة، فاظهر بمن معك من المسلمين إلى الجابية".
قال "أبو عبيد": قوله: "غمقة" يعني: الكثيرة الأنداء والوبأ، وأما النزهة: فالبعيدة من الأنداء والوبأ، ولم يرد النزهة من الخضرة، والبساتين، إنما [أراد] البعد من الوبأ، وأصل التنزه هو التباعد، ومن هذا قيل: فلان ينزه نفسه عن الأقذار، إنما معناه: يباعد نفسه منها. [الوبأ مهموز مقصور].
٦٦٠ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]: "أنه كان يسجد على عبقري".
[ ٤ / ٢٩١ ]
قال حدثنيه "يحيى بن سعيدٍ" عن "سفيان" عن "توبة العنبري" عن "عكرمة بن خالد" عن "عبد الله بن عمار": أنه رأى "عمر" فعل ذلك.
قال "يحيى": "هو عبد الله بن أبي عمار"، ولكن "سفيان" قال: "عبد الله بن عمار".
قال "أبو عبيد": قوله: "عبقري" هو: هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش، والعبقري جمع، واحدته عبقرية، وكذلك الرفرف جمع، واحدته رفرفة، زعم ذلك "الأحمر".
قال "أبو عبيد": وإنما سمي عبقريًا -فيما يقال-: إنه نسبه إلى بلادٍ يقال لها "عبقر"، يعمل بها الوشى، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم، قال "ذو الرمة" يصف رياضًا ببلادٍ شبهها بوشى عبقر [فقال]:
حتى كأن رياض القف ألبسها من وشى عبقر تجليل وتنجيد
وقال "لبيد" في مثل هذا المعنى:
وغيث بدكداكٍ بزين وهاده نبات كوشي العبقري المخلب
يعني بالمخلب: الكثير الوشى.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
قال "أبو عبيدٍ": وقد نسبت العرب إلى "عبقرٍ" غير الوشى أيضًا، فقال "زهير" يصف فرسانًا:
بخيلٍ عليها جنة عبقرية جديرون يومًا أن ينالوا فيستعلوا
وهو في الحديث المرفوع في ذكر "عمر": "فلم أر عبقريًا بفرى فرية".
قال "أبو عبيد": فأراهم ينسبون إليها كل شيءٍ يريدون مدحه، ويرفعون قدره، وما وجدنا أحدًا يدري أين هذه البلاد، ومتى كانت، فالله أعلم.
٦٦١ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]: "أنه رمى الجمرة بسبع حصياتٍ، ثم مضى، فلما خرج خرج من فضض الحصى، وعليه خميصة سوداء، أقبل على "سلمان بن ربيعة" فكلمه بكلامٍ، قد ذكره".
قال: حدثنيه "حجاج" عن "ابن جريجٍ" عن "هارون بن أبي عائشة" عن "عدي بن عدي" عن "سلمان بن ربيعة" عن "عمر".
[ ٤ / ٢٩٣ ]
قال "أبو عبيد": قوله: "فضض الحصى" يعني: المتفرق المتكسر، وكل شيءٍ تفرق من شيءٍ، فقد انفض منه، وقال الله -تبارك الله-: (ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك).
ومنه قول "عائشة" [رحمها الله] "لمروان": "إن رسول الله -ﷺ- قال لأبيك كذا، وكذا، فأنت فضض منه".
قال: حدثنيه "حجاج" عن "أبي معشرٍ".
وكذلك الفضيض هو مثل الفضض.
٦٦٢ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] حين قال لفلانٍ، وذكر شيئًا، فقال له "عمر": "بل تحوسك فتنة".
[ ٤ / ٢٩٤ ]
قال "العدبس الأعرابي الكناني": قوله: "بل تحوسك فتنة" يقول: تخالط قلبك، وتحثك، وتحركك على ركوبها".
وقال "أبو عمروٍ" في الحوس، مثل قول "العدبس" أو نحوه.
قال "أبو عبيد": الحوس، والجوس بمعنىً واحدٍ، وهو كل موضعٍ خالطته، ووطئته، فقد حسته، وجسته سواء، قال الله "﵎": (بعثنا عليكم عبادًا لنا أولى بأسٍ فجاسوا خلال الديار (وكان وعدًا مفعولًا).
ومنه قول الشاعر:
نجوس عمارةً ونكف أخرى لنا -حتى نجاوزها- دليل
قوله: نجوس عمارةً، أي: نخالطها ونطؤها، حتى نبلغ ما نريد منها. ونكف أخرى، يقول: نأخذ في كفتها، وهي ناحيتها، ثم ندعها ونحن نقدر عليها.
وقال "ابن الكلبي": العمارة: هي أكثر من القبيلة.
قال "أبو عبيد": فهذا الجوس.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وقال "الحطيئة" في الحوس يذم رجلًا:
رهط ابن افعل في الخطوب أذلة دنس الثياب قناتهم لم تضرس
بالهمز من طول الثقاف وجارهم يعطي الظلامة في الخطوب الحوس
يعني الأمور التي تنزل بهم، فتغشاهم، وتخلل ديارهم.
٦٦٣ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] حين سئل عن الجراد، فقال: "وددت لو أن عندنا منه قفعةً، أو قفعتين".
قال "أبو عبيد": القنعة: شيء شبيه بالزبيل، ليس بالكبير، يعمل من خوصٍ، وليست له عرىً، وهو الذي يسميه الناس "بالعراق" القفة.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
٦٦٤ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] حين أتاه "أذينة العبدي"، فقال له: إني حججت من "رأس هر" أو "خارك" أو بعض هذه المزالف، فقلت "لعمر": من أين اعتمر؟
فقال: ايت "عليا" [رحمة الله عليه] فاسأله"، فسألته، فقال: "من حيث ابدأت".
قال "أبو عبيد": قوله: "رأس هر" أو "خارك": هما موضعان من ساحل "فارس" يرابط فيهما.
وأما المزالف، فإن "أبا عمروٍ" قال: هي كل قريةٍ تكون بين البر وبلاد الريف، يقال لها: المزالف، قال: المذارع أيضًا، قال: يعني مثل "الأنبار"، و"عين التمر" و"الحيرة" وما أشبه ذلك.
[ ٤ / ٢٩٧ ]
٦٦٥ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]: حين قال: "لعن الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله -ﷺ- قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها، فباعوها".
قال "أبو عبيد": جملوها، يعني: أذابوها، وفيه لغتان، يقال: جملت الشحم، وأجملته: إذا اذبته، واجتملته أيضًا، قال "لبيد":
[ ٤ / ٢٩٨ ]
وغلامٍ أرسلته أمه بألوكٍ فبذلنا ما سأل
أو نهته فأتاه رزقه فاشتوى ليلة ريحٍ واجتمل
٦٦٦ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" -﵀-: "أنه نهى عن المكايلة" بالياء.
قال "أبو عبيدٍ": والمحدثون يفسرونه: المقايسة، وإنما معناه المقايسة بالقول، وأصل ذلك إنما هو مأخوذ من الكيل في الكلامٍ، يعني أن تكيل له كما يكيل لك، وتقول له كما يقول لك، ويكون هذا في الفعل أيضًا. قال "أبو قيس بن الأسلت":
لا نألم القتل ونجزي به الـ أعداء كيل الصاع بالصاع
[ ٤ / ٢٩٩ ]
فالذي أراد "عمر": الاحتمال، وترك المكافأة بالسوء.
٦٦٧ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁]: "ليس الفقير الذي لا مال له، إنما الفقير الأخلق الكسب".
قد تأوله بعضهم على ضعف الكسب، ولست أرى هذا شيئًا، من جهتين: إحداهما: أنه ذهب إلى مثل خلوقة الثوب، ولو أراد ذلك، لقال: الخلق الكسب؛ لأنه إنما يقال: ثوب خلق، ولا يقال: ثوب أخلق، إلا أن تريد أن الثوب فعل ذلك، فإنه [قد] يقال: قد خلق الثوب، وأخلق، ولا يقال: هذا ثوب أخلق.
والجهة الأخرى: أنه إذا حمله على هذا، فقد رد المعنى إلى الفقر أيضًا، فكيف يقول: الفقير الذي لا مال له، والذي لا يكتسب المال.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
ولكن وجهه عندي: أنه جعله مثلًا للرجل الذي لا يزرأ في ماله، ولا يصاب بالمصائب، وأصل هذا أنه يقال للجبل المصمت -الذي لا يؤثر فيه شيء-: اخلق" والصخرة خلقاء: إذا كانت كذلك، قال "الأعشى":
قد يترك الدهر في خلقاء راسيةٍ وهيًا وينزل منها الأعصم الصدعا
فأراد "عمر" أن الفقر الأكبر إنما هو فقر الآخرة، لمن لم يقدم من ماله شيئًا يثاب عليه هناك.
وهذا كنحو حديث "النبي" -﵇-: "ليس الرقوب الذي لا يبقى له ولد، إنما الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا".
٦٦٨ - وقال "أبو عبيدٍ" في حديث "عمر" [﵁] حين أراد أن يدخل الشام، وهي تستعر طاعونًا، فقال له أصحاب "النبي" -﵇-: "إن من معك من أصحاب "النبي" [ﷺ] قرحانون، فلا تدخلها".
[ ٤ / ٣٠١ ]
[قال أبو عبيد]: القرحانون: أصله في الجدري، يقال للصبي إذا لم يصبه منه شيء: قرحان، فشبهوا من لم يصبه الطاعون، أو يكون من أهل بلادٍ ليس بها الطاعون، بالذي لم يصبه الجدري.
يقال منه: رجل قرحان، وكذلك يقال للمرأة، وللجميع من الرجال: قوم قرحان، هذا أكثر كلام العرب، وقد قال بعضهم: قوم قرحانون على ما جاء في الحديث.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
أحاديث