[﵀]
٨٣٥ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى موسى الأشعرى»: «إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط على رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ في قفاه حتى يقذف به في نار جهنم».
قال: حدثناه «هشيم»، و«ابن علية»، كلاهما عن «زياد بن مخراق»، عن «ابن إياي»، عن «أبى كنانة»، عن «أبى موسى الأشعرى».
قوله: اتبعوا القرآن: أى اجعلوه أمامكم، ثم اتلوه، كقوله [- جل وعز -]:
﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾.
قال: حدثنا «عباد بن العوام»، عن «داود بن أبى هند»، عن «عكرمة» في قوله: «يتلونه حق تلاوته»، قال: يتبعونه حق اتباعه، ألا ترى أنك تقول:
[ ٥ / ١٩٥ ]
فلا يتلو فلانًا: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها﴾.
قال «أبو عبيد»: [و] أما قوله: «لا يتبعنكم القرآن». فإن بعض الناس يحمله على معنى لا يطلبنكم القرآن بتضييعكم إياه، كما يطلب الرجل صاحبه بالتبعة، وهذا معنى حسن يصدقه الحديث الآخر: «إن هذا القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق»، فجعله بمحل يصاحبه إذا لم يتبع ما فيه، والماحل: الساعى.
وفيه قول آخر - هو عندى أحسن من هذا - قوله: «ولا يتبعنكم القرآن».
يقول: لا تدعوا العمل به، فتكونوا قد جعلتموه وراء ظهوركم، وهو أشد موافقة للمعنى الأول، لأنه إذا اتبعه كان بين يديه، وإذا خالفه كان خلفه، ومن هذا قيل: لا تجعل حاجتى بظهر: أى لا تدعها فتكون خلفك.
ومن ذلك حديث يروى عن «الشعبى»، قال: حدثنا «الأشجعى، عبيد الله بن عبد الرحمن»، عن «مالك بن مغول»، عن «الشعبى» فى قوله: ﴿فبنذوه
[ ٥ / ١٩٦ ]
وراء ظهورهم﴾ قال: أما إنه كان بين أيديهم، ولكن نبذوا العمل به، فهذا يبين لك أن من رفض شيئًا فقد جعله وراء ظهره.
وقوله: يزخ في قفاه: يدفعه، يقال: زخخته أزخه زخا.
٨٣٦ - وقال «أبو عبيد» في حديث «أبى موسى الأشعرى» أنه تذاكر هو و«معاذ» [٥٦٠] قراءة القرآن، فقال «أبو موسى»: «أما أنا فأتفوقه تفوق اللقوح».
قال: حدثنيه «غندر»، عن «شعبة»، عن «سعيد بن أبى بردة»، عن «أبيه»، عن «أبى موسى الأشعرى».
قوله: أتفوقه: يقول: لا أقرأ جزئى بمرة، ولكن أقرا منه شيئًا بعد شئ في آناء الليل والنهار، فهذا التفوق، إنما هو مأخوذ من فواق الناقة، وذلك أنها تحلب، ثم تترك ساعة حتى تدر، ثم تحلب، يقال منه: قد فاقت تفوق فواقًا، وفواقًا، وفيقة، وهى ما بين الحليتين.
قال «امرؤ القيس» يذكر المطر، وأنه يمطر ساعة بعد ساعة:
[ ٥ / ١٩٧ ]
فأضحى يسح الماء من كل فيقة يكب على الأذقان دوح الكنهبل
ومن هذا الحديث المرفوع: «أنه قسم الغنائم يوم بدر عن فواق» كأنه أراد أنه فعل ذلك في قدر فواق ناقة، وفيها لغتان: فواق وفواق، وكذلك يقرأ هذا الحرف: ﴿مالها من فواق﴾ - بالفتح والضم -، ويقال في قوله: إنه قسم الغنائم يوم بدر عن فواق: يعنى التفضيل، أنه جعل بعضهم فيها أفوق من بعض، على قدر غنائهم يومئذ.
[ ٥ / ١٩٨ ]