قَالَ أَبُو مُحَمَّد
حَدثنَا بهَا من وُجُوه مُخْتَلفَة مِنْهَا إِن سعد بن أبي وَقاص قَالَ خرج عبد الله يَعْنِي أَبَا النَّبِي ﷺ ذَات يَوْم متقربا متخصرا حَتَّى جلس فِي الْبَطْحَاء فَنَظَرت إِلَيْهِ ليلى العدوية فدعته إِلَى نَفسهَا فَقَالَ أرجع إِلَيْك وَدخل على آمِنَة فألم بهَا ثمَّ خرج فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَت لقد دخلت بِنور مَا خرجت بِهِ
المتقرب الْوَاضِع يَده على قربه والقرب الخصر وَجمعه أقراب وَكَذَلِكَ المتخصر هُوَ الْوَاضِع يَده على خصره وَمِنْه قَول الشَّاعِر فِي صفة خيل [من الْكَامِل] قب الْبُطُون لواحق الأقراب
وَمِنْهَا أَن آمِنَة أمه قَالَت وَالله مَا وجدته تَعْنِي النَّبِي ﷺ فِي قطن وَلَا ثنة وَلَا آخذه إِلَّا على ظهر كَبِدِي وَفِي ظَهْري وَجعلت توحم
الْقطن أَسْفَل الظّهْر والثنة أَسْفَل الْبَطن من السُّرَّة إِلَى مَا تحتهَا
وَقَوله جعلت توحم أَي تشْتَهي مَا تشْتَهي الْحَامِل
[ ١ / ٣٧٨ ]
والوحمى هِيَ الَّتِي تشْتَهي الشَّهَوَات فِي حبلها يُقَال وَحمى بَيِّنَة الوحام وَقَالَ بشر بن ابي خازم يصف حُبْلَى [من المتقارب] تراهن من أزمها شزبا إِذا هن آنسن مِنْهَا وحاما
أَي إِذا أحسسن مِنْهَا شَهْوَة لِلْعَدو وَالْعرب تَقول فِي مثل وَحمى وَلَا حَبل
وَمِنْهَا أَنه بَينا هُوَ يلْعَب وَهُوَ صَغِير مَعَ الغلمان بِعظم وضاح مر عَلَيْهِ يَهُودِيّ فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ لتقتلن صَنَادِيد هَذِه الْقرْيَة
وَعظم وضاح لعبة للصبيان بِاللَّيْلِ وَهِي أَن يَأْخُذُوا عظما أَبيض شَدِيد الْبيَاض فَيُلْقُوهُ ثمَّ يتفرقوا فِي طلبه فَمن وجده مِنْهُم ركب اصحابه
ولصبيان الْأَعْرَاب لعب مِنْهَا هَذِه وَمِنْهَا الفيال وَهِي بِالتُّرَابِ وَذَلِكَ أَن تخبئ فِيهِ خبيء ثمَّ يقسم نِصْفَيْنِ فَمن أصَاب النّصْف الَّذِي فِيهِ ذَلِك الخبيء قمر قَالَ طرفَة [من الطَّوِيل] كَمَا قسم الترب المفايل بِالْيَدِ
وَمِنْهَا البقيرى وَهِي أَيْضا بِالتُّرَابِ يُقَال بقر الصّبيان
[ ١ / ٣٧٩ ]
فهم يبقرون قَالَ الْأَصْمَعِي فِي رجزه كَأَن آثَار الظرابي تنتقث حولك بقيرى الْوَلِيد المنتحث
تُرَاب مَا هال عَلَيْك المجتدث
المجتدث القابر والجدث الْقَبْر
وَمِنْهَا الخطرة هِيَ بالمخراق وَمِنْهَا خراج وَهِي أَن يمسك أحدهم شَيْئا بِيَدِهِ وَيَقُول لسائرهم اخْرُجُوا مَا فِي يَدي
وَمِنْهَا لعبة الضَّب وَهُوَ أَن يصور الضَّب فِي الأَرْض ثمَّ يحول أحدهم وَجهه وَيُقَال لَهُ ضع يدك على صُورَة الضَّب ثمَّ يُقَال لَهُ على أَي مَوضِع من الضَّب وَضعته فَإِن أصَاب قمر
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ أَنه شقّ عَن قلبه وجئ بطست رهرهة
قَالَ أَبُو حَاتِم سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن ذَلِك فَلم يعرفهُ وَلست أعرفهُ أَنا أَيْضا وَقد التمست لهَذَا الْحَرْف مخرجا فَلم أَجِدهُ إِلَّا من مخرج وَاحِد وَهُوَ أَن تكون الْهَاء فِيهِ مبدلة من حاء وَهِي تبدل مِنْهَا لقرب مخرجها تَقول مدحته ومدهته وَهَذَا الْأَمر مُهِمّ لي ومحم بِمَعْنى وَاحِد فَكَأَنَّهُ اراد جِيءَ بطست رحرحة وَهِي
[ ١ / ٣٨٠ ]
الواسعة فأبدل من الْحَاء هَاء
يُقَال إِنَاء رحراح إِذا كَانَ وَاسِعًا وأنشدني عبد الرحمن عَن عَمه للأغلب الراجز يذكر ساقيا [من الرجز] يعدو بِدَلْو ورشاء مصلح إِلَى إِنَاء كالمجن الرحرح
وإناء الْحَوْض مصب الدَّلْو وَأنْشد ابْن الْأَعرَابِي [من الرجز] تمتهي مَا شِئْت أَن تمتهي فلست من هوئي وَلَا مَا أشتهي
اراد تمدحي والهوء الهمة وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي
كَانَ يُقَال التمته يزري بالألباء وَلَا يتمته ذَوُو الْعُقُول
وَقَالَ فِي حَدِيث آخر أَنه كَانَ بَيْنَمَا فِي حجر أبي طَالب فَكَانَ يقرب إِلَى الصّبيان تصبيحهم فيختلسون ويكف وَيُصْبِح الصّبيان غمصا وَيُصْبِح صقيلا دهينا
تصبيحهم غداؤهم
والغمص والرمص وَاحِد وَهُوَ الغمص فِي الْعين وَمِنْه قيل لإحدى الشعريين الغميصاء وَتقول الْأَعْرَاب فِي أحاديثها أَن سهيلا والشعريين كَانَت مجتمعة فانحدر سُهَيْل فَصَارَ يَمَانِيا وتبعته العبور فعبرت المجرة فسميت لذَلِك عبورا وأقامت
[ ١ / ٣٨١ ]
الغميصاء فَبَكَتْ لفقد سُهَيْل حَتَّى غمصت
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ اعْتِكَافه بحراء فَقَالَ فَإِذا أَنا بجبرائيل على الشَّمْس وَله جنَاح بالمشرق وَجَنَاح بالمغرب فهلت مِنْهُ وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ أَخَذَنِي فسلقني بحلاوة الْقَفَا ثمَّ شقّ بَطْني فاستخرج الْقلب وَذكر كلَاما ثمَّ قَالَ لي اقْرَأ فَلم أدر مَا أَقرَأ فَأخذ بحلقي فسأبني حَتَّى أجهشت بالبكاء ثمَّ قَالَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ ترجف بوادره
قَوْله سلقني ألقاني وأصل السلق الضَّرْب وَكَذَلِكَ الصلق كَأَنَّهُ قَالَ ضرب بِي الأَرْض بحلاوة الْقَفَا أَي على حق الْقَفَا لم يمل بِهِ عَن ذَلِك على أحد جانبيه يُقَال حلاوة وحلاوة [٧٩ / ب] وحلاوي الْقَفَا
وَقَوله سأبني أَي خنقني يُقَال سأبه يسأبه إِذا خنقه وسأته مثله فَإِذا قدمت الْبَاء قبل الْهمزَة فَهُوَ السلخ يُقَال سبأت جلده أَي سلخته وانسبأ الْجلد يَعْنِي انْسَلَخَ
وَقَوله أجهشت بالبكاء أَي تهيأت للبكاء قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
[ ١ / ٣٨٢ ]
.. بَكَى جزعا من أَن يَمُوت وأجهشت إِلَيْهِ الجرشى وارمعل خنينها والجرشى النَّفس والبوادر واحدتها بادرة وَهِي لحْمَة بَين الْمنْكب والعنق وَكَذَلِكَ هِيَ من الْفرس وَغَيره وَإِنَّمَا ترجف من الْفَزع وَفِي حَدِيث آخر أَنه رأى جِبْرَائِيل ينتثر من جناحيه الدّرّ والتهاويل والتهاويل الألوان الْمُخْتَلفَة من الْأَحْمَر والأصفر والأخضر يُقَال لما يخرج فِي الزَّرْع أَو فِي الرياض من الشقائق والزهر التهاويل وَلما علق على الهودج من الصُّوف الْأَحْمَر والأصفر والأخضر التهاويل قَالَ الشَّاعِر يذكر نبتا من الْبَسِيط وعازب قد علا التهويل جنبته لَا تَنْفَع النَّعْل فِي رقراقه الحافي
وَفِي حَدِيث آخر أَن رجلا من الْيَهُود قَالَ لعبد المطلب صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي ولد فِيهَا رَسُول الله ﷺ يَا عبد المطلب الْمَوْلُود الَّذِي كنت أحدثكُم عَنهُ قد ولد البارحة فَقَالَ لَهُ عبد المطلب قد ولد لي البارحة غُلَام قَالَ فَمَا اسْمه قَالَ مُحَمَّد قَالَ الْيَهُودِيّ ثَلَاث يشهدن عَلَيْهِ مِنْهَا أَنه طلع نجمه البارحة وَمِنْهَا اسْمه مُحَمَّد وَمِنْهَا أَنه ولد فِي صيابة قومه وَأَنت صيابتهم
صيابة الْقَوْم صميمهم وخالصهم قَالَ ذُو الرمة وَذكر الْغرْبَان من الطَّوِيل ومستشحجات بالفرقا كَأَنَّهَا مثاكيل من صيابة النوب نوح
[ ١ / ٣٨٣ ]
شبه الْغرْبَان فِي سوادها وشحيجها بنساء مثاكيل من أَشْرَاف النّوبَة يَنحن وَفِيه لُغَة أُخْرَى صوابة وَفِي حَدِيث يرويهِ وهب بن مُنَبّه إِن الله جلّ وَعز أوحى إِلَى شعيا أَنِّي أبْعث أعمى فِي عُمْيَان وَأُمِّيًّا فِي أُمِّيين أنزل عَلَيْهِ السكينَة وأؤيده بالحكمة لَو يمر إِلَى جنب السراج لم يطفئه وَلَو يمر على الْقصب الرعراع لم يسمع صَوته إِنَّمَا قيل لمن لَا يكْتب أُمِّي لِأَنَّهُ نسب إِلَى أمة الْعَرَب أَي جماعتها وَلم يكن من يكْتب من الْعَرَب إِلَّا قَلِيل فنسب من لَا يكْتب إِلَى الْأمة فَقيل أُمِّي كَمَا تَقول رجل عَامي تنسبه إِلَى عَامَّة النَّاس ثمَّ لزم هَذَا الِاسْم كل من لَا يكْتب فَقيل الْعَرَب أُمِّيُّونَ والقصب الرعراع الَّذِي قد طَال وَمِنْه يُقَال قد ترعرع الصَّبِي إِذا شب يُقَال صبي مترعرع ورعراع كَمَا تَقول تقَعْقع الشَّيْء فَهُوَ متقعقع وقعقاع وَمِنْه سمي الرجل الْقَعْقَاع قَالَ لبيد [من الطَّوِيل] تبْكي على إِثْر الشَّبَاب الَّذِي مضى أَلا أَن إخْوَان الشَّبَاب الرعارع
وَإِذا طَال الْقصب فَهبت عَلَيْهِ أدنى ريح أَو مر بِهِ ألطف شخص تحرّك وَصَوت وَأَرَادَ جلّ وَعز أَن النَّبِي ﷺ
[ ١ / ٣٨٤ ]
وقور سَاكن الطَّائِر قَالَ عَمْرو بن أُميَّة بن عبد غنم فِي مجاشع [من الرجز] يَا قصبا هبت لَهُ الدبور فَهُوَ إِذا حرك جَوف خور
وَبِهَذَا الْبَيْت قيل لمجاشع الخور قَالَ جرير [من الوافر] وخور مجاشع تركُوا لقيطا وَقَالُوا حنو عَيْنك والغرابا
وَفِي حَدِيث آخر أَنه بَينا هُوَ وجبرئيل يتحدثان تغير وَجه جِبْرِيل حَتَّى عَاد كَأَنَّهُ كركمة والكركمة وَاحِدَة الكركم وَهُوَ الزَّعْفَرَان وَأَحْسبهُ فارسيا معربا وَبِه سمي الدَّوَاء الْمَنْسُوب إِلَى الكركم أنْشد أَبُو عُبَيْدَة [من الرجز] غيبا أرجيه ظنون الأظنن أماني الكركم إِذْ قَالَ اسْقِنِي
وَهَذَا كَمَا يَقُول النَّاس منى الكمون
وَفِي حَدِيث آخر أَنه كَانَ قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ يَأْتِي حراء فَيَتَحَنَّث فِيهِ اللَّيَالِي أَي يتعبد وَقيل للتعبد التحنث لِأَنَّهُ
[ ١ / ٣٨٥ ]
يلقِي الْحِنْث عَن نَفسه وَمِنْه التحوب والتأثم وَلَيْسَ يعرف تفعل الرجل إِذا ألْقى الشَّيْء عَن نَفسه غير هَذِه قَالَ الْكُمَيْت وَذكر ذئبا أطْعمهُ وسقاه [من الطَّوِيل] وصب لَهُ شول من المَاء غابر بِهِ كف عَنهُ الحيبة المتحوب
فَقَوله كف عَن نَفسه بِمَعْنى أَلْقَاهُ عَنهُ وَمِنْه قَول حَكِيم ابْن حزَام يَا رَسُول الله أَرَأَيْت أمورا كنت أتحنث بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة من صَدَقَة وصلَة رحم هَل لي فيهمَا من أجر فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ أسلمت على مَا سلف من خير يُرِيد بأتحنث ألقِي عَن نَفسِي الْحِنْث وأطلب النَّمَاء وَالْبركَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه وَأَبا بكر حِين خرجا مُهَاجِرين استأجرا رجلا من بني الديل هاديا خريتا فَأخذ بهم يَد بَحر يرويهِ معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة.
قَوْله هاديا خريتا يُرِيد دَلِيلا ماهرا بِالدّلَالَةِ وَالدّلَالَة جَمِيعًا بِفَتْح الدَّال وَكسرهَا وَيُقَال إِنَّه سمي خريتا لِأَنَّهُ يَهْتَدِي
[ ١ / ٣٨٦ ]
لمثل خرت الإبرة وَلَا يخفى عَلَيْهِ قَالَ الطرماح وَذكر فلاة [من الطَّوِيل] إِذا اجتابها الخريت قَالَ لنَفسِهِ أَتَاك برجلي حائن كل حائن
أَرَادَ قَوْلهم فِي الْمثل أتتك بحائن رِجْلَاهُ أَي ساقته رِجْلَاهُ إِلَيْك لحينه والخوتع أَيْضا مثل الخريت قَالَ الراجز [من الرجز] بهَا يضل الخوتع المشهر
يُرِيد مفازة وَقَوله يَد بَحر يُرِيد السَّاحِل لِأَنَّهُ الطَّرِيق عَلَيْهِ وَمن هَذَا يُقَال للْقَوْم إِذا تفَرقُوا فِي الْبِلَاد تفَرقُوا أَيدي سبا يُرَاد أخذُوا طَرِيق سبا الَّذين مزقهم الله جلّ وَعز فِي الْبِلَاد كل ممزق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أريت فِي الْمَنَام أَنِّي أنزع على قليب بِدَلْو بكرَة فجَاء أَبُو بكر فَنزع ذنوبا أَو ذنوبين فَنزع نزعا ضَعِيفا وَالله يغْفر لَهُ ثمَّ جَاءَ عمر فاستقا فاستحالت غربا فَلم أر عبقريا يفري فريه حَتَّى رُوِيَ النَّاس وضربوا بِعَطَن
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عَبده بن عبد الله الصفار ثَنَا مُحَمَّد بن بشر
[ ١ / ٣٨٧ ]
الْعَبْدي عَن عبيد الله بن عمر عَن أبي بكر بن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ القليب الْبِئْر وَجَمعهَا قلب والذنُوب الدَّلْو قَالَ الراجز [من الرجز] إِنَّا إِذا نازعنا شريب لنا ذنُوب وَله ذنُوب
فَإِن أَبى كَانَ لَهُ القليب
ونازعنا فِي هَذَا الْموضع لَيْسَ من مُنَازعَة الْخُصُومَة وَلكنه من مُنَازعَة الدلاء نَحْو المساجلة يَقُول ننزع دلوا وَينْزع دلوا والغرب الدَّلْو الْعَظِيم يكون من مسك الثور للسانية يُرِيد أَن الدَّلْو الصَّغِيرَة الَّتِي كَانَ يستقى بهَا أَبُو بكر صَارَت حِين استقى بهَا عمر دلوا عَظِيمَة وَذَلِكَ مثل لأفعاله وآثاره وقوته فَإِن نصبت الرَّاء فَقلت الغرب فَهُوَ المَاء السَّائِل بَين الْبِئْر والحوض
والعطن الْموضع الَّتِي تبرك فِيهِ الْإِبِل إِذا رويت وصدرت عَن الْحَوْض يُقَال إبل عواطن وَقد ضربت بِعَطَن إِذا بَركت وَفِي الحَدِيث إِن رَسُول الله صلى ت الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ صلوا فِي
[ ١ / ٣٨٨ ]
مرابض الشَّاء وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل وَقد فسر أَبُو عبيد ﵀ فَلم أر عبقريا يفري فريه
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه ذكر نزُول الْمَسِيح وَقَالَ ينزل عِنْد المنارة الْبَيْضَاء شَرْقي دمشق فِي مهرودتين قَالَ وَتَقَع الأمنة فِي الأَرْض
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن أَحْمد ابْن الْوَلِيد بن برد عَن بشر بن بكر عَن عبد الرحمن بن يزِيد بن جَابر الْأَزْدِيّ عَن يحيى بن جَابر الْحِمصِي عَن عبد الرحمن بن جُبَير بن نفير الْحَضْرَمِيّ عَن أَبِيه عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله مهرودتين هَذَا عِنْدِي غلط من بعض نقلة الحَدِيث وَلَا أرَاهُ إِلَّا مهروتين يُرِيد ملاءتين صفراوين
[ ١ / ٣٨٩ ]
يُقَال هريت الْعِمَامَة إِذا لبستها صفراء وَكَأن فعلت مِنْهُ هروت قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] رَأَيْتُك هريت الْعِمَامَة بَعْدَمَا أَرَاك زَمَانا حاسرا لم تعصب
وَإِنَّمَا أَرَادَ بأنك لبست عِمَامَة صفراء كَمَا يلبس السَّادة وَكَانَ السَّيِّد يعتم بعمامة مصبوغة بصفرة وَلَا يكون ذَلِك لغيره قَالَ المخبل [من الطَّوِيل] وَأشْهد من عَوْف حلولا كَثِيرَة يحجون سبّ الزبْرِقَان المزعفرا
يحجون يَعْنِي يعودون مرّة بعد مرّة وَحج الْبَيْت من هَذَا لِأَنَّهُ يُؤْتى فِي كل سنة
والسب الْعِمَامَة يَقُول يأْتونَ الزبْرِقَان لسؤدده وَيُقَال إِنَّمَا سمي الزبْرِقَان لصفرة عمَامَته واسْمه حُصَيْن يُقَال تزبرقت الشَّيْء إِذا صفرته والزبرقان الْقَمَر أَيْضا وَمِمَّا يشْهد لهَذَا الْمَذْهَب الحَدِيث الآخر فِي صفة الْمَسِيح عِنْد نُزُوله رجل مَرْبُوع إِلَى الْحمرَة وَالْبَيَاض بَين مُمَصَّرَتَيْنِ والممصرة من الثِّيَاب الَّتِي فِيهَا صفرَة خَفِيفَة وَهِي نَحْو المهروة وَإِن كَانَت الرِّوَايَة مهرودتين فَلَا أعلم لَهَا وَجها إِن لم يكن مَنْسُوبا إِلَى نَبَات يصْبغ بِهِ إِلَّا أَن يَجْعَل من
[ ١ / ٣٩٠ ]
الهرد والهرد والهرت الشق كَأَنَّهُ قَالَ بَين شقتين والشقة نصف الملاءة فِي الْعرض فَإِذا وصلت نصفا بِنصْف فَهِيَ ملاءة فَإِن كَانَت الملاءة قِطْعَة وَاحِدَة فَهِيَ ريطة قَالَ سَاعِدَة بن العجلان الْهُذلِيّ [من الوافر] غَدَاة شواحط فنجوت شدا وثوبك فِي عباقية هريد
بِمَعْنى مهرود فعيل فِي معنى مفعول أَي مشقوق والعباقية قَالَ الْأَصْمَعِي هِيَ ضرب من الشّجر والأمنة والأمن وَاحِد قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِذْ يغشيكم النعاس أَمَنَة﴾ مِنْهُ يَقُول يَقع فِي الأَرْض حَتَّى يَأْمَن صغَار الطير وضعافها كِبَارهَا وجوارحها وَحَتَّى يَأْمَن الشَّاء الذئاب والأنعام السبَاع
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع النِّسَاء لَا يعشرن وَلَا يحشرن حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو بن الْبَراء ثَنَا بن الْحَارِث ثَنَا هِشَام بن عبد الله ثَنَا بسام بن عبد الرحمن قَالَ سَمِعت أنسا يذكر ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ
قَوْله لَا يعشرن أَي لَا يُؤْخَذ الْعشْر من أموالهن وَمثله
[ ١ / ٣٩١ ]
حَدِيثه الآخر إِن وَفد ثَقِيف اشترطوا عَلَيْهِ أَن لَا يحْشرُوا وَلَا يعشرُوا وَلَا يجبوا فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا خير فِي دين لَا رُكُوع فِيهِ أَرَادوا أَن لَا يلزموا مَعَ الزَّكَاة وَالصَّدََقَة عشرا فِي أَمْوَالهم
وَقَوله لَا يحشرن أَي لَا يحشرن إِلَى الْمُصدق ليَأْخُذ مِنْهُنَّ الصَّدقَات وَلَكِن يُؤْخَذ مِنْهُنَّ الصَّدقَات فِي مواضعهن وَقَالَ بسام لَا يحشرن أَي لَا يخْرجن فِي الْمَغَازِي وَلَيْسَ لهَذَا وَجه إِنَّمَا التَّفْسِير مَا أعلمتك
حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو وَائِل ثَنَا مُوسَى بن مَسْعُود عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن معقل بن عبيد الله عَن عَطاء قَالَ رَسُول الله ﷺ تُؤْخَذ صدقَات الْمُسلمين عِنْد بُيُوتهم وأفنيتهم وعَلى مِيَاههمْ
وَأما شَرط ثَقِيف أَلا يجبوا فَإِن التجبية بمعنيين أَحدهمَا أَن يكب الرجل على وَجهه باركا وَالْآخر أَن يضع يَدَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ وَهُوَ قَائِم وينحني وَهَذَا هُوَ الرُّكُوع يُقَال فيهمَا جَمِيعًا جبى الرجل يجبي تجبية
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
[ ١ / ٣٩٢ ]
كل رَافِعَة رفعت علينا من الْبَلَاغ فقد حرمتهَا أَن تعضد أَو تخبط إِلَّا لعصفور قتب أَو مسد محَالة أَو عَصا حَدِيدَة حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الحجي عَن أبي حَازِم عَن حرَام بن عُثْمَان عَن ابي جَابر بن [٨٣ / أ] عبد الله عَن جَابر
قَوْله كل رَافِعَة رفعت علينا يُرِيد كل جمَاعَة مبلغة تبلغ عَنَّا وتذيع مَا نقُوله وَهَذَا كَمَا تَقول رفع فلَان على الْعَامِل إِذا أذاع خَبره وَحكى عَنهُ أَي فَكل حاكية حكت عَنَّا وَبَلغت فلتحك أَنِّي قد حرمتهَا يَعْنِي الْمَدِينَة أَن تعضد أَي يقطع شَجَرهَا يُقَال عضدت الشَّجَرَة إِذا قطعتها أَو قطعت مِنْهَا شَيْئا وَاسم مَا قطعته عضد قَالَ الْهُذلِيّ من الْبَسِيط ضرب الْمعول تَحت الديمة العضدا
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ لَا يخضد شَوْكهَا يُرِيد لَا يقطع يُقَال خضدته وحصدته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز ﴿فِي سدر مخضود﴾
أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ لَا شوك فِيهِ فَكَأَنَّهُ خضد شوكه أَي قطع وَمن هَذَا قيل لمن أكل بجفاء
[ ١ / ٣٩٣ ]
وَسُرْعَة رجل مخضد
وروى الْحسن بن مُوسَى عَن أبي هِلَال عَن جبلة بن عَطِيَّة عَن مسلمة بن مخلد قَالَ أَبُو هِلَال أَو عَن رجل عَن مسلمة أَنه رأى مُعَاوِيَة يَأْكُل فَقَالَ لعَمْرو بن الْعَاصِ إِن ابْن عمك هَذَا المخضد أما إِنِّي أَقُول هَذَا وَقد سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول اللَّهُمَّ علمه الْكتاب وَمكن لَهُ فِي الْبِلَاد وقه الْعَذَاب
فَقَوله أَو تخبط أَي يخبط وَرقهَا أَي يضْرب حَتَّى يسْقط إِلَى الأَرْض وَاسم مَا ضَربته فَسقط إِلَى الأَرْض خبط وَبِه سمي خبط الْإِبِل الَّذِي توجره لِأَنَّهُ ورق يخبط على شَجَرَة فَيسْقط ثمَّ يدق
وَقَوله إِلَّا لعصفور قتب والقتب قتب الرحل وعصافيره عيدَان [٨٣ / ب] تكون فِي الرّحال صغاره قَالَ الطرماح وَذكر الرّحال من المنسرح كل مَشْكُوك عصافيره قانئ اللَّوْن حَدِيث الدمام
والدمام الطلاء من حمرَة أَو غَيرهَا يُقَال أدمم قدرك أَي أطلها
والمسد هَاهُنَا الليف والمحالة البكرة يُرِيد إِلَّا الليف يمسد أَي يفتل فيسقى بِهِ المَاء
[ ١ / ٣٩٤ ]
وَقَوله عَصا حَدِيدَة يُرِيد عَصا تقطع وَتجْعَل فِيهَا حَدِيدَة كالعنزة وأشباهها يَقُول فَلَا يقطع مِنْهَا شَيْء. . ذَلِك لبِنَاء وَلَا لغيره
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه ذكر قوما يخرجُون من النَّار ضبائر فيطرحون على نهر من أَنهَار الْجنَّة فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل رَأَيْتُمْ الصبغاء وَفِي حَدِيث آخر أَو كَمَا تنْبت التغاريز أَو الثعارير
حَدَّثَنِيهِ أبي عَن يحيى بن سعيد عَن عُثْمَان بن غياث عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث طَوِيل
الضبائر الْجَمَاعَات وكل شَيْء جمعته وضممت بعضه إِلَى بعض فقد ضبرته وَمِنْه قيل ضبرت الْكتب إِذا جمعتها وَمِنْه قيل للْجَمَاعَة يَغْدُونَ ضبر
والحبة بزر النَّبَات وَقد ذكر أَبُو عبيد فِي حَدِيث
[ ١ / ٣٩٥ ]
آخر لَيست فِيهِ هَذِه الْأَلْفَاظ وَقَوله هَل رَأَيْتُمْ الصبغاء شبه نَبَات لحومهم بعد احتراقها بنبات الطَّاقَة من النبت حِين تطلع وَذَلِكَ أَنَّهَا حِين تطلع تكون صبغاء فَمَا يَلِي الشَّمْس من أعاليها أَخْضَر وَمَا يَلِي الظل أَبيض والأصبغ من الدَّوَابّ الَّذِي ابْيَضَّتْ ناصيته وَمن المعزى الَّتِي ابيض طرف ذنبها ويوضح هَذَا حَدِيث آخر يرويهِ عَطاء بن بشار عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فينبتون كَمَا تنْبت الْحبَّة فِي حميل السَّيْل ألم تَرَوْهَا مَا يَلِي الظل مِنْهَا أصفر أَو أَبيض وَمَا يَلِي الشَّمْس مِنْهَا أَخْضَر وَإِذا كَانَت كَذَلِك فَهِيَ صبغاء
والتغاريز يُقَال هُوَ مَا حول من فسيل النّخل وَغَيره سمي بذلك لِأَنَّهُ يحول فيغرز وَهُوَ التغريز والتنبيت قَالَ الشَّاعِر [من الرجز] صحراء لم ينْبت بهَا تنبيت
وَمثله فِي التَّقْدِير التناوير جمع تنوير وَهِي نور الشّجر قَالَ عدي بن زيد [من الْخَفِيف] ومجود قد اسجهر تناوير كلون العهون فِي الأعلاق
اسجهر ظهر وانبسط والتعارير الثآليل وَاحِدهَا ثعرور والثعارير أَيْضا حمل الطراثيث
[ ١ / ٣٩٦ ]
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه قَالَ فِي قصَّة خَيْبَر لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يفتح الله على يَدَيْهِ فَبَاتَ النَّاس يدوكون فَلَمَّا أصبح دَعَا عليا ﵇ فَأعْطَاهُ الرَّايَة
وَفِي حَدِيث آخر أَنه لما أعطَاهُ الرَّايَة خرج بهَا يؤج حَتَّى ركزها فِي رضم من حِجَارَة تَحت الْحصن
يرويهِ عبيد بن هَاشم عَن عبد العزيز بن أبي حَازِم عَن أَبِيه عَن سهل بن سعد
قَوْله يدوكون أَي يَخُوضُونَ فِيمَن يَدْفَعهَا إِلَيْهِ يُقَال النَّاس فِي دوكة إِذا كَانُوا فِي اخْتِلَاط وخوض
وَقَوله يؤج أَي يسْرع يُقَال أج يؤج أجا وَيُقَال لَهُ أج الهرولة قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] سدا بيدَيْهِ ثمَّ أج بسيره كأج الظليم من قنيص وكالب
وَقَالَ الآخر [من الطَّوِيل] يؤج كَمَا أج الظليم المنفر
والرضم جمع رضمة وَهِي صخور أَمْثَال الجزر
[ ١ / ٣٩٧ ]
يكن بَعْضهَا على بعض
يُقَال بنى فلَان دَاره فرضم فِيهَا الْحِجَارَة رضما وَمِنْه قيل رضم الْبَعِير بِنَفسِهِ إِذا رمى بِنَفسِهِ والرجمة دون الرضمة وَمِنْه حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾
أَتَى رضمة جبل فعلا أَعْلَاهَا حجرا فَنَادَى بالعهد يَا آل عبد منَاف إِنِّي نَذِير إِنَّمَا مثلي ومثلكم كَمثل رجل ذهب يربأ أَهله فَرَأى الْعَدو فخشي أَن يسبقوه فَجعل يُنَادي أَو يَهْتِف يَا صَبَاحَاه
وَفِي حَدِيث آخر أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة بَات يفخذ عشيرته يَدعُوهُم إِلَى الله جلّ وَعز فَقَالَ الْمُشْركُونَ لقد بَات يهوت
قَوْله يفخذ عشيرته أَي يَدعُوهُم فخذا فخذا وَقَوْلهمْ
يهوت أَي يُنَادي يُقَال هيت بالقوم يهيت تهييتا إِذا قَالَ لَهُم هيت هيت ويهوت أَيْضا من هوت هوت
وَفِي حَدِيث خَيْبَر إِن رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٣٩٨ ]
غَدا إِلَى النطاة وَقد دله الله على مشارب كَانُوا يستقون مِنْهَا ودبول كَانُوا ينزلون إِلَيْهَا بِاللَّيْلِ فيتروون من المَاء فقطعها فَلم يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى أعْطوا بِأَيْدِيهِم
الدبول الجداول سميت بذلك لِأَنَّهَا تدبل أَي تنقى وَتصْلح
قَالَ الْكسَائي يُقَال أَرض مدبولة إِذا أصلحتها بالسرجين وَغَيره حَتَّى تجود وكل شَيْء أصلحته فقد دبلته ودملته وَمِنْه يُقَال داملت الصّديق إِذا استصلحته قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل شنئت من الإخوان من لست زائلا أدامله دمل السقاء المخرق
وَقَوله يربأ أَهله أَي يحفظهم من عدوهم وَالِاسْم الربيئة يُقَال هَذَا ربيئة الْقَوْم أَي كالئهم وعينهم وَيُقَال ربأتهم أربؤهم ربأ وَإِنَّمَا قيل لَهُ ربيئة لِأَنَّهُ يكون على جبل أَو شرف ينظر وَيُقَال إِنِّي لأربأ بك عَن كَذَا أَي أرفعك وَمَا عرفت فلَانا حَتَّى أربأ لي أَي أشرف
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه ذكر
[ ١ / ٣٩٩ ]
يَأْجُوج وَمَأْجُوج فَقَالَ عراض الْوُجُوه صغَار الْعُيُون صهب الشعاف وَمن كل حدب يَنْسلونَ يرويهِ مُحَمَّد ابْن بشر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن خَالِد بن عبد الله بن حَرْمَلَة عَن خاليه ان النَّبِي ﷺ خطب فَقَالَ فِي خطبَته ذَلِك وَقَالَ فِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ اهلاك الله اياهم فَقَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ ان دَوَاب الأَرْض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم
قَوْله صهب الشعاف يُرِيد شعر الرؤوس وَاحِدهَا شعفة وَهِي أعلا الشّعْر وشعفة كل شَيْء أَعْلَاهُ وَكَذَلِكَ شعفة الْجَبَل قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ رجل ضَرَبَنِي عمر ﵁ فَسقط الْبُرْنُس عَن رَأْسِي فأغاثني بشعيفتين فِي رَأْسِي يَعْنِي أَنَّهُمَا وقتاه الضَّرْب وَقَوله تشكر أَي تمتليء وَمِنْه قيل شكرت الشَّاة تشكر شكرا اذا امْتَلَأَ ضرْعهَا لَبَنًا وشَاة شكرى وَبَعْضهمْ يتَوَهَّم انه تسكر سكرا من لحومهم وَالرِّوَايَة بالشين مُعْجمَة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ انه قَالَ من اقتراب السَّاعَة اخراب العامر وَعمارَة
[ ١ / ٤٠٠ ]
الخرب وَأَن يكون الْفَيْء رفدا وَأَن يتمرس الرجل بِدِينِهِ تمرس الْبَعِير بِالشَّجَرَةِ
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن ابي اسحاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن مُحَمَّد بن خراشة عَن عَمْرو بن مُحَمَّد ان رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك
قَوْله اخراب العامر وَعمارَة الخرب يُرِيد نَحوا مِمَّا يَفْعَله الْمُلُوك من اخراب بِنَاء جيد مُحكم وابتناء غَيره فِي الْموَات والخراب فِي الأَرْض لغير مَا عِلّة الا اعطاء النَّفس الشَّهْوَة ومتابعة الْهوى وَيكون ان يُرِيد ادالة موتان الأَرْض من عامرها فِي آخر الزَّمَان حَتَّى يخرب العامر بالحاح الْفِتَن عَلَيْهِ ويعمر الخراب
وَقد جَاءَت فِي هَذَا الْمَعْنى آثَار مِنْهَا ان خراب الْبَصْرَة بِالْغَرَقِ وخراب السوَاد بِالسَّيْفِ والجوع وخراب الجزيرة بممر الجيوش عَلَيْهَا وخراب خُرَاسَان بِالتّرْكِ
وَقَوله وان يكون الْفَيْء رفدا أَي يكون الْخراج الَّذِي هُوَ لجَماعَة الْمُسلمين رفدا أَي صلات وَيُوضَع مَوْضِعه وَلَا يفرق على أَهله لكنه يخص قوم دون قوم على قدر الْهوى لَا بِالِاسْتِحْقَاقِ والرفد الصِّلَة يُقَال رفدت الرجل أرفده رفدا فالمصدر مَفْتُوح الرَّاء وَالِاسْم مكسورها
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه قَالَ قَالَ عمر لرجل مَا مَالك قَالَ أَلفَانِ مضمومان فِي بَيت المَال فَقَالَ أنجد مَالا سوى هَذَا فيوشك أَن يَأْتِي من لَا يُعْطي إِلَّا من يحب
[ ١ / ٤٠١ ]
وَقَوله أَن يتمرس الرجل بِدِينِهِ أَي يتلعب بِهِ ويعبث فِيهِ وَمِنْه قَول النَّاس فلَان يتمرس بِي أَي يتحكك ويتعبث وَقَوله تمرس الْبَعِير بِالشَّجَرَةِ أَي كَمَا يتحكك الْبَعِير بهَا أَو يتعبث
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن عمر بن الْخطاب ﵁ سَار مَعَه لَيْلًا فَسَأَلَهُ عَن شَيْء فَلم يجبهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ ثمَّ سَأَلَهُ فَلم يجبهُ فَقَالَ عمر ثكلتك أمك يَا عمر نزرت رَسُول الله ﷺ مرَارًا لَا يجيبك
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبد العزيز عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب
قَوْله نزرت رَسُول الله ﷺ أَي ألححت عَلَيْهِ قَالَ كثير [من المنسرح] لَا أنزر النائل الْخَلِيل إِذا مَا اعتل نزر الظؤور لم ترم
اراد لم ترأم فَحذف الْهمزَة وَنقل لَهَا جرها إِلَى الرَّاء وَمِنْه يُقَال أَعْطَانَا عَطاء غير منزور أَي بِغَيْر إلحاح فِي سُؤال وَقَالَ آخر [من الطَّوِيل] فَخذ عَفْو من آتاك لَا تنزرنه فَعِنْدَ بُلُوغ الكد رنق المشارب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه
[ ١ / ٤٠٢ ]
قَالَ كَانَ نَبِي من الْأَنْبِيَاء يخط فَمن صَادف مثل خطه يرويهِ عبيد الله بن مُوسَى عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي لبيد عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ
الخطاط هُوَ الَّذِي يخط بإصبعه فِي الرمل ويزجر والعائف هُوَ الَّذِي يعيف الطير أَي يزجرها يُقَال عفت الطير أعيفها عيافة أَي زجرتها وعافت الطير تعيف عيفا إِذا حامت على المَاء وعاف الرجل الطَّعَام يعافه عيافا إِذا كرهه
والطارق بالحصى هُوَ الَّذِي ينثرها ويزجر وَإِنَّمَا قيل لَهُ طَارق لِأَنَّهُ يضْرب بهَا الأَرْض والطرق الضَّرْب وَمِنْه سميت مطرقة الْحداد لِأَنَّهُ يضْرب بهَا ومطرق النجاد عوده الَّذِي يضْرب بِهِ الصُّوف
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد أَنه قَالَ للخطين الَّذين يخطهما الخطاط فِي الأَرْض ثمَّ يزْجر إبنا عيان فَإِذا زجرهما قَالَ ابْني عيان أَسْرعَا الْبَيَان
قَالَ الرَّاعِي وَذكر قدحا [من الطَّوِيل] وأصفر عطاف إِذا رَاح ربه غَدا ابْنا عيان بالشواء المضهب
يَقُول إِذا رَاح صَاحب هَذَا الْقدح بِهِ علم أَنه يخرج فائزا فَإِذا
[ ١ / ٤٠٣ ]
قمر أَتَى بالشواء فرواح صَاحبه بِهِ دَلِيل على الشواء كدلالة ابْني عيان وَقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿أَو أثارة من علم﴾ أَي أَنه الْخط
آخر الرَّابِع من الأَصْل
[ ١ / ٤٠٤ ]
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الصَّلَاة مثنى وَتشهد فِي كل رَكْعَتَيْنِ تبأس وتمسكن وتقنع يَديك وَفِي غير هَذِه الرِّوَايَة وتقنع رَأسك وَتقول اللَّهُمَّ اللَّهُمَّ فَمن لم يفعل ذَلِك فَهِيَ خداج
قَالَ أَبُو جَعْفَر حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ حُسَيْن بن حُسَيْن بن حَرْب الْمروزِي قَالَ ثناه عبد الله بن الْمُبَارك عَن لَيْث بن سعد عَن عبد ربه بن سعيد عَن عمرَان بن أبي أنس عَن عبد الله بن نَافِع بن العمياء عَن ربيعَة بن الْحَرْب عَن الْفضل بن الْعَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله تبأس من الْبُؤْس وروى الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر أَنه قَالَ أَنْشدني ذُو الرمة من الطَّوِيل وَظَاهر لَهَا من يَابِس الشخت واستعن عَلَيْهَا الصِّبَا وَاجعَل يَديك لَهَا سترا [٨٧ / أ]
ثمَّ أنْشد فِيهِ ثَانِيَة وَظَاهر لَهَا من يأبس الشخت
فَقلت لَهُ إِنَّك أنشدتنيه من يَابِس فَقَالَ اليبس هُوَ الْبُؤْس وَقَوله تمسكن أَي تذل وتخضع وأصل الْحَرْف السّكُون والمسكنة مفعلة مِنْهُ وَكَانَ الْقيَاس تسكن كَمَا يُقَال
[ ١ / ٤٠٥ ]
تشجع وتحلم إِذا تشبه بالشجعاء والحلماء إِلَّا أَنه جَاءَ فِي هَذَا الْحَرْف تفعل وَمثله تمدرع من المدرعة وَأَصله تدرع
قَالَ سِيبَوَيْهٍ كل مِيم كَانَت فِي أول حرف فَهِيَ مزيدة إِلَّا مِيم معزى وَمِيم معد تَقول تمعدد وَمِيم منجنيق وَمِيم مأجج وَمِيم مهدد وَقَوله وتقنع يَديك يُرِيد ترفعهما إِلَى السَّمَاء مُسْتَقْبلا ببطونهما وَجهك والإقناع فِي الرَّأْس أَيْضا نَحْو ذَلِك هُوَ أَن ترفعه وَتقبل بطرفك على مَا بَين يَديك قَالَ الله تَعَالَى ﴿مهطعين مقنعي رؤوسهم﴾
والمهطع المسرع يَقُول فَمن لم يفعل ذَلِك فَصلَاته خداج أَي نَاقِصَة وَأَصله من خدجت النَّاقة إِذا أَلْقَت وَلَدهَا قبل تَمام الْوَقْت يُقَال خدجت فَهِيَ خادج فَإِن ألقته لتَمام وَهُوَ نَاقص الْخلق قيل أخدجت فَهِيَ مُخْدج
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه
[ ١ / ٤٠٦ ]
خرج ذَات يَوْم وَهُوَ محتضن أحد ابْني بنته وَهُوَ يَقُول وَالله إِنَّكُم لتجبنون وتبخلون وتجهلون وَإِنَّكُمْ لمن ريحَان الله وَإِن آخر وَطْأَة وَطئهَا الله بوج
يرويهِ سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة [٨٧ / ب] قَالَ سَمِعت ابْن أبي سُوَيْد يَقُول سَمِعت عمر بن عبد العزيز يَقُول زعمت الْمَرْأَة الصَّالِحَة خَوْلَة بنت حَكِيم امْرَأَة عُثْمَان بن مَظْعُون ثمَّ ذكر ذَلِك
قَوْله تبخلون وتجبنون وتجهلون سَمِعت قوما من حَملَة الحَدِيث فِي مجْلِس إِسْحَق يَخْتَلِفُونَ فِي هَذِه الْحُرُوف فَيَقُول بَعضهم هِيَ مُشَدّدَة وَيَقُول بَعضهم هِيَ مُخَفّفَة تبخلون وتجبنون وتجهلون وَأَنا مُبين لَك اجْتِمَاع فعلت وأفعلت فِي بعض الْحُرُوف وافتراقهما إِن فعلت تَأتي بِمَعْنى أفعلت كَقَوْلِك خبرت وأخبرت وبكرت وأبكرت وَسميت فلَانا لَا فرق بَينهمَا أَيهمَا قلت فَهُوَ بِمَعْنى الآخر وَتدْخل فعلت على إفعلت إِذا أردْت تَكْثِير الْعَمَل وَالْمُبَالغَة كَقَوْلِك أَجدت وجودت وأغلقت الْأَبْوَاب وغلقت وأقفلت وقفلت وأنزلت وَنزلت
وَكَذَلِكَ تدخل فعلت على فعلت بتكثير الْعَمَل وَالْمُبَالغَة كَقَوْلِك كَسرته وكسرته وَفتحت الْبَاب وَفتحت
[ ١ / ٤٠٧ ]
الْأَبْوَاب وطفت فِي الْبِلَاد وطوفت
وَتَأْتِي فعلت أفعلت فِي حرفو يخْتَلف المعنيان فيهمَا من ذَلِك قَوْلك أكفرت الرجل وأضللتته إِذا أدخلته فِي الْكفْر والضلال فَإِن أردْت أَنَّك رميته بهما نسبته إِلَيْهِمَا قلت كفرته وضللته وَكَذَلِكَ حوبته وطلحته وفسقته وفجرته وسرقته
وَقد قرئَ إِن ابْنك سرق أَي نسب إِلَى السرق أَو رمي بِهِ وَمن ذَلِك أبخلت الرجل وأجهلته وأجبنته أَي وجدته بَخِيلًا جَاهِلا جَبَانًا
وَمثله أحمدته وأذممته وأخلفته أَي وجدته مَحْمُودًا ومذموما ومخلافا للوعد
وَرُوِيَ عَن عمر بن معدي كرب أَنه قَالَ لبني سليم قاتلناكم فَمَا أجبناكم وسألناكم فَمَا أبخلناكم وهاجيناكم فَمَا أفحمناكم أَي لم نجد جبناء وَلَا بخلاء وَلَا مفحمين
وَلَا يُرَاد بأفعل فِي شَيْء من هَذِه أدخلناكم فِي ذَلِك فَإِذا قلت بخلته وجهلته وجبنته فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنَّك رميته بذلك وَمثله شجعته وَكَذَلِكَ تَقول إِذا أردْت أَنَّك أدخلته فِي شَيْء من هَذِه وَهُوَ معنى الحَدِيث بِالتَّشْدِيدِ تُرِيدُ أَن الْوَلَد ينْسب
[ ١ / ٤٠٨ ]
أَبَاهُ إِلَى الْبُخْل والجبن وَالْجهل لِأَنَّهُ سَبَب لنسب النَّاس إِيَّاه إِلَى ذَلِك أَو أَنه يدْخلهُ فِي هَذِه الْخلال وَهَذَا كالحديث الآخر الْوَلَد مَبْخَلَة مَجْبَنَة مجهلَة
وَأما قَوْله آخر وَطْأَة وَطئهَا الله بوج فَإِنِّي أرَاهُ وَالله أعلم أَن آخر مَا أوقع الله بالمشركين بِالطَّائِف وَوَج هِيَ الطَّائِف وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة آخر غزَاة غَزَاهَا رَسُول الله ﷺ الطَّائِف وحنين وَاد قبل الطَّائِف وَذهب أَيْضا فِي تَفْسِير هَذَا الْحَرْف هَذَا الْمَذْهَب وَهَذَا شَبيه بقول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ اشْدُد وطأتك على مُضر وَابعث عَلَيْهِم سِنِين كَسِنِي يُوسُف وَمِنْه يُقَال وطأهم وطأ ثقيلا ووطأ الْمُقَيد يُرِيد بذلك أَنه طحنهم وأبادهم قَالَ الشَّاعِر [من الْكَامِل] ووطئتنا وطأ على حنق وطأ الْمُقَيد يَابِس الْهَرم
[ ١ / ٤٠٩ ]
ويروى نابت الْهَرم والهرم نبت ضَعِيف من الحمض والمقيد أثقل شَيْء وطأ لِأَنَّهُ يرسف فَيَضَع رجلَيْهِ مَعًا فِي مَوضِع فَإِذا وطئ الْهَرم كَسره وفته وَذكر الْأَصْمَعِي إِن أَعْرَابِيًا جِيءَ بِثَوْب رَقِيق فَقَالَ هَذَا حمضة قَالَ وَذَلِكَ أَن الحمضة إِذا مست تفتت وَفِيه قَول آخر حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي يزِيد بن عَمْرو ثَنَا عبد الله بن الزبير الْمَكِّيّ ثَنَا عبد الله بن الْحَارِث عَن ابي بكر بن عبد الرحمن عَن كَعْب قَالَ إِن وجا مقدس مِنْهُ عرج الرب إِلَى السَّمَاء يَوْم قضى خلق الأَرْض
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن رجلا قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله مَا تركت من حَاجَة وَلَا داجة إِلَّا أتيت قَالَ أَلَيْسَ تشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله قَالَ بلَى قَالَ فَإِن هَذَا بِذَاكَ
حَدَّثَنِيهِ زيد بن أخزم الطَّائِي ثناه أَبُو عَاصِم عَن مُسْتَوْرِد عَن عباد عَن ثَابت عَن أنس بن مَالك
وَقَوله حَاجَة وَلَا داجة إِلَّا أتيت يُرِيد أَنه لم يدع شَيْئا دَعَتْهُ نَفسه إِلَيْهِ من الْمعاصِي إِلَّا رَكبه وداجة فِي هَذَا الْموضع إتباع كَمَا يُقَال حسن بسن وعطشان نطشان وَشَيْطَان
[ ١ / ٤١٠ ]
ليطان وَإِنَّمَا يتبعُون الْحَرْف الأول هَذَا التَّالِي بِإِرَادَة التوكيد وَالْمُبَالغَة فِي الْوَصْف وَالِاسْتِقْصَاء للمعنى وَمثله من الإتباع فِي الْجحْد بتكرير لَا قَوْلهم مَاله أثر وَلَا عثير وَمَاله حم وَلَا رم أَي لَا بُد من ذَلِك ورم تبع
وخبرني أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي قَالَ ثَنَا أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ بنيت سلحين مَدِينَة بِالْيمن فِي ثَمَانِينَ أَو سبعين سنة وبنيت براقش ومين بغسالة أَيْديهم فَلَا يرى لسلحين أثر وَلَا عثير وَهَاتَانِ قائمتان وَأنْشد لعَمْرو بن معدي كرب [من الوافر] دَعَانَا من براقش أَو معِين فاسمع واتلأب بِنَا مليع
إتلأب تتَابع ومليع طَرِيق والعثير تبع فَأَما العثير فَهُوَ الْغُبَار وحَدثني الرياشي أَن العيثر أخفا من الْأَثر حَدثنَا عبد الله بن حبَان النَّحْوِيّ عَن أَبِيه عَن بعض الْعلمَاء إِن العثير هُوَ عين الشَّيْء يُرِيد شخصه وَهُوَ مثل قَوْلهم مَاله عين وَلَا أثر وَأنْشد [من الوافر] لعمر أَبِيك يَا صَخْر بن عَمْرو لقد عيثرت طيرك لَو تعيف
[ ١ / ٤١١ ]
أَي لقد أَبْصرت وعاينت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى عَلَيْهِ وَسلم أَنه دَعَا بِلَالًا بِتَمْر فَجعل يَجِيء بِهِ قبصا قبصا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أنْفق بِلَال وَلَا تخش من ذِي الْعَرْش إقلالا حَدثنِي ابي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو سُفْيَان الغنوي قَالَ ثناه مُوسَى بن مَسْعُود النَّهْدِيّ ثَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ عَن أبي إِسْحَق قَالَ سَمِعت مسروقا يَقُول ذَلِك
قبص جمع قبصة وَهُوَ من القبص والقبص بأطراف الْأَصَابِع والقبص بالكف كلهَا وَمثل ذَلِك مِمَّا يتقارب فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى القضم والخصم فالقضم بالأسنان والخضم بالفم كُله والنصح والنصخ والنصخ أَكثر من النصح وَلَا يُقَال مِنْهُ فعلت والحزم والحزن يُقَال إِن الحزم أرفع من الْحزن وَيُقَال هما جَمِيعًا وَاحِد لِأَن الْمِيم تبدل من النُّون وتبدل النُّون مِنْهَا لقرب مخرجها
والمضمضة والمصمصة فالمصمصة بِطرف اللِّسَان والشفتين والمضمضة بالفم كُله حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن إِسْحَق عَن صَفْوَان عَن ابي الْمثنى عَن عتبَة بن عبد الرحمن وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِن رَسُول
[ ١ / ٤١٢ ]
الله ﷺ قَالَ الْقَتْلَى ثَلَاثَة رجل كَذَا وَرجل كَذَا وَرجل مُؤمن قرف على نَفسه من الذُّنُوب جَاهد بِنَفسِهِ وَمَاله فِي سَبِيل الله حَتَّى إِذا لَقِي الْعَدو قَاتل حَتَّى يقتل فَتلك ممصمصة محت ذنُوبه وخطاياه إِن السَّيْف محاء الْخَطَايَا
أَرَادَ أَن الْقَتْل طهُور لَهُ من الذُّنُوب كَمَا يطهر التمضمض وَمن المصمصة حَدِيث أبي قلَابَة كُنَّا نمصمص من اللَّبن وقرأت بِخَط الْأَصْمَعِي حَدثنِي أَبُو الْأَشْهب عَن الْحسن أَنه كَانَ يقْرَأ فقبصت قبصة من أثر الرَّسُول على صَاد غير مُعْجمَة وَقَالَ أحفظ عَن ابي رَجَاء قبضت على ضاد مُعْجمَة وَكَأن قبصة اسْم مَا قبصت وقبصة بِفَتْح الْقَاف هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة تَقول قبصت قبصة وَمثل هَذَا الغرفة والغرفة وَبَلغنِي عَن يُونُس أَنه قَالَ غرفت غرفَة بِالْفَتْح إِذا أردْت الْمرة الْوَاحِدَة وَفِي الْإِنَاء غرفَة وَكَذَلِكَ حسوت حسوة وَاحِدَة وَفِي الصحفة حسوة وَقَالَ الْفراء خطوت خطْوَة وَاحِدَة والخطوة مَا بَين الْقَدَمَيْنِ فالمضموم من هَذِه هُوَ اسْم الشَّيْء بِعَيْنِه وَالْمعْنَى إِن بِلَالًا كَانَ يَأْتِيهم بِهِ قَلِيلا قَلِيلا فَقَالَ لَهُ أنْفق وَلَا تخف فقرا
[ ١ / ٤١٣ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يوطن الْمَسَاجِد للصَّلَاة وَالذكر رجل إِلَّا تبشبش الله بِهِ من حِين يخرج من بَيته كَمَا تبشبش أهل الْبَيْت بغائبهم إِذا قدم عَلَيْهِم
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن دَاوُد عَن عبد الله بن وهب عَن رجل عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله يتبشبش هُوَ من البشاشة وَهُوَ يتفعل إِلَّا أَنهم يستثقلون الْكَلِمَة إِذا جَاءَت على هَذَا الْوَزْن وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يجْتَمع فِيهِ ثَلَاثَة أحرف فيبدلون الْأَوْسَط مِنْهَا وَمثله قَوْلهم فلَان يتململ على فرَاشه وَإِنَّمَا أَصله يتملل من الْملَّة يُرِيدُونَ كَأَنَّهُ على مِلَّة وَهِي مَوضِع الخبزة فِي الرماد أَو فِي الْجَمْر وَمِنْه قَوْلهم حثحثته إِنَّمَا أَصله حثثته وكفكفته إِنَّمَا هُوَ كففته وتكمكمت الْجَارِيَة إِنَّمَا هُوَ تكممت من الكمة وَهِي القلنسوة وَقَالَ الفرزدق يصف نسَاء [من الطَّوِيل] مَوَانِع للأسرار إِلَّا لأَهْلهَا ويخلفن مَا ظن الغيور المشفشف
أَرَادَ المشفف وَهُوَ الَّذِي شفته الْغيرَة وَمثل هَذَا حَدِيثه الآخر
[ ١ / ٤١٤ ]
إِن نَاقَته أناخت عِنْد بَيت أبي أَيُّوب وَالنَّبِيّ ﵇ وَاضع زمامها ثمَّ تلحلحت وأرزمت وَوضعت جِرَانهَا
تلحلحت أَقَامَت وَثبتت بمكانها يُقَال تلحلح الرجل إِذا أَقَامَ وَلم يبرح فَإِذا قدمت الحاءين قبل اللامين فَقلت تحلحل أردْت ذهب وَلم يقم لِأَن أصل تلحلح تلح مَأْخُوذ من ألح يلح كَأَنَّهَا ألحت على الْمَكَان فَلم تَبْرَح وَيُقَال ألحت النَّاقة كَمَا يُقَال حرن الْفرس إِذا اقام وَلم يبرح وأصل تحلحل تتحلل والتحلحل هُوَ الذّهاب والافتراض قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] أنَاس إِذا قيل انفروا قد أتيتم أَقَامُوا على أثقالهم وتلحلحوا
وَقَوله أرزمت أَي صوتت يُقَال أرزمت النَّاقة ترزم إرزاما وَالِاسْم الرزمة وَهُوَ صَوت لَا تفتح بِهِ فاها دون الحنين
حَدثنِي أبي حَدَّثَنى عبد الرحمن بن عبد الله عَن عَمه الْأَصْمَعِي قَالَ ثَنَا بعض جلساء أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ ضرب الْمَخَاض امْرَأَة من أهل الْبَادِيَة فَاجْتمع إِلَيْهَا النِّسَاء فَلَمَّا ولدت سكتن وارتابت بسكوتهن وَلم ترهن تبشبشن وَلَا فرحن فَقَالَت [من الرجز] كأنني من قولهن الهمس وَقلة التَّكْبِير عِنْد اللَّمْس
[ ١ / ٤١٥ ]
.. مَعَ الأشاكي سليم يأس مَا بك من جَارِيَة من بَأْس
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه أرسل أم سليم تنظر إِلَى امْرَأَة فَقَالَ شمي عوارضها وانظري إِلَى عقبيها
يرويهِ إِسْحَق بن مَنْصُور عَن عمَارَة الصيدلاني عَن ثَابت عَن أنس
الْعَوَارِض الْأَسْنَان الَّتِي فِي عرض الْفَم وَعرضه جَانِبه وَهِي مَا بَين الثنايا والأضراس وَاحِدهَا عَارض يُقَال امْرَأَة نقية الْعَارِض والعارضين قَالَ جرير من الوافر أَتَذكر يَوْم تصقل عارضيها بفرع بشامة سقِي البشام
وكل جَانب عَارض قَالَ الْأَصْمَعِي للْإنْسَان من فَوق ثنيتان ورباعيتان مُخَفّفَة ونابان وضاحكان وست أرحاء ثَلَاث من كل جَانب وناجذان وَمِنْه الحَدِيث ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه يُرَاد انْفَتح فوه من شدَّة الضحك حَتَّى رأى آخر أَضْرَاسه من استقبله وَله مثل ذَلِك من أَسْفَل والنواجذ للْفرس أَيْضا أقْصَى أَضْرَاسه وَهِي الأنياب من الْخُف والسوالغ من
[ ١ / ٤١٦ ]
الظلْف وَاحِدهَا سالغ
قَالَ أَبُو زيد لكل خف وظلف ثنيتان من أَسْفَل فَقَط وللحافر وَالسِّبَاع كلهَا أَربع ثنايا وللحافر بعد الثنايا أَربع رباعيات وَأَرْبَعَة قوارح وَأَرْبَعَة أَنْيَاب وَثَمَانِية أضراس
والعارض أَيْضا الخد فِي غير هَذَا الْموضع يُقَال أَخذ من عارضيه أَي من خديه وَإِنَّمَا أمرهَا أَن تشم عوارضها لتبور بذلك ريح فمها وَتنظر إِلَى عقبيها لتستدل بِهِ على جَسدهَا
قَالَ الْأَصْمَعِي إِذا اسود عَقبهَا اسود سائرها وَأنْشد قَول النَّابِغَة [من الْبَسِيط] لَيست من السود أعقابا إِذا انصرفت وَلَا تبيع بجنبي نَخْلَة البرما
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ حِين سحر جَاءَنِي رجلَانِ فَجَلَسَ أَحدهمَا عِنْد رَأْسِي وَالْآخر عِنْد رجْلي فَقَالَ أَحدهمَا مَا وجع الرجل قَالَ مطبوب قَالَ من طبه قَالَ لبيد بن الأعصم قَالَ فِي أَي
[ ١ / ٤١٧ ]
شَيْء قَالَ فِي مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْر ذِي أروان
يرويهِ ابْن نمير عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة
وَفِي حَدِيث أَنه حِين أخرج سحره جعل عَليّ ﵇ يحله وَكلما حل عقدَة وجد لذَلِك خفَّة فَقَامَ فَكَأَنَّمَا أنشط من عقال
المطبوب المسحور وأصل الطِّبّ الحذق بالأشياء يُقَال رجل طب بِكَذَا إِذا كَانَ حاذقا بِهِ وَمِنْه قَول عنترة من الْكَامِل فإنني طب بِأخذ الْفَارِس المستلئم
وَيُقَال فِي مثل عمله لَك عمل من طب لمن حب أَي عمل الحاذق لمن يحب وَمن هَذَا قيل للمعالج طَبِيب
والمشاطة الشّعْر الَّذِي يسْقط من الرَّأْس إِذا سرح بالمشط وَمثله مَا جَاءَ على فعالة مِمَّا يسْقط على معالجة وَعمل النحاتة وَهِي اسْم مَا وَقع عَن النحت والنخالة اسْم مَا وَقع عَن النّخل والقوارة اسْم مَا وَقع عَن التقوير وقلامة للظفر اسْم
[ ١ / ٤١٨ ]
مَا وَقع عَن تقليمه والسحالة اسْم مَا وَقع عَن السحل والخلالة اسْم مَا سقط من الْفَم عَن التخلل والكساحة وَالْقُمَامَة والخمامة اسْم مَا وَقع عَن الكسح والقم والخم وَهُوَ الكنس وجف الطلعة قشرها
وَأما الجف الَّذِي نهي أَن ينْبذ فِيهِ فَإِنَّهُ شَيْء ينقر من جذع النَّخْلَة وَهِي أَيْضا قربَة يقطع عِنْد يَديهَا وينبذ فِيهَا وبئر ذِي أروان بِئْر مَعْرُوفَة
وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَبَعْضهمْ يخطأ فَيَقُول ذروان
وَقَوله أنشط من عقال أَي حل يُقَال أنشطت الْعقْدَة حللتها ونشطتها عقدتها بأنشوطة وَقد جَاءَت حُرُوف على هَذَا الْمِثَال وَيكون أفعلت فِيهَا ضدا لفَعَلت مثل قَوْلهم أخفيت الشَّيْء سترته وخفيته أظهرته وأفرطت جَاوَزت الْقدر وفرطت قصرت وأعذرت فِي طلب الْحَاجة بالغت وعذرت قصرت وأقسطت فِي الحكم عدلت وقسطت فِيهِ جرت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن المقسطين فِي الدُّنْيَا على منائر من لُؤْلُؤ يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ أَبُو مُوسَى من إجلال الله إكرام ذِي الشيبة
[ ١ / ٤١٩ ]
الْمُسلم وحامل الْقُرْآن غير الغالي فِيهِ وَلَا الجافي عَنهُ وإكرام ذِي السُّلْطَان المقسط فَهَذَا من أقسطت أَي عدلت
وَقَالَ الله جلّ وَعز ﴿وَأما القاسطون فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا﴾ وَهَذَا من قسطت أَي جرت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه ذكر الْحق على صَاحب الْإِبِل فَقَالَ إطراق فَحلهَا وإعارة دلوها ومنحتها وحلبها على المَاء وَحمل عَلَيْهَا فِي سَبِيل الله
يرويهِ يعلى عَن عبد الملك عَن أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله إطراق فَحلهَا يَعْنِي إنزاؤه يُقَال طرق الْفَحْل النَّاقة إِذا نزا عَلَيْهَا وَيُقَال أطرقني فحلك وفرسك والطروقة هِيَ الَّتِي يضْربهَا الْفَحْل
ومنحتها إعارتها فِي هَذَا الْموضع وَهُوَ أَن يدْفع مِنْهَا بَعْضًا إِلَى قوم لَا در لم يَنْتَفِعُونَ بألبانها وَمِنْه حَدِيثه الآخر حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو الْحطاب عَن بشر بن الْمفضل عَن يُونُس عَن الْحسن قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل من رجل يمنح من إبِله نَاقَة
[ ١ / ٤٢٠ ]
أهل بَيت لَا در لَهُم تَغْدُو برفد وَتَروح برفد إِن أجرهَا لعَظيم
والرفد الْقدح فَإِن أَنْت دفعت مِنْهَا شَيْئا ليركب فَذَلِك الإفقار يُقَال أفقرت فلَانا بَعِيرًا وَمِنْه حَدِيثه الآخر قَالَ أَبُو رهم الْغِفَارِيّ خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك فَسَأَلَنِي عَن قوم تخلفوا عَنهُ وَقَالَ مَا يمْنَع أحدهم أَن يفقر الْبَعِير من إبِله فَيكون لَهُ مثل أجر الْخَارِج فَإِن أَنْت دفعت مِنْهَا شَيْئا للضراب فَذَلِك الإطراق وَتَكون المنحة فِي مَوضِع آخر الْهِبَة
وَأما قَوْله وحلبها على المَاء فَإِنَّهُ أَرَادَ عِنْد المَاء يَقُول عَلَيْهِ من الْحق أَن يحلبها فِي الْمجمع ليسقي أَهله وَهَذَا مثل نَهْيه عَن جدَاد النّخل بِاللَّيْلِ وَهُوَ صرامه
أَرَادَ أَن يصرم نَهَارا ليحضره النَّاس فينالوا من التَّمْر وَكَانُوا إِذا أوردوا الْإِبِل حلبوها يَوْم الْورْد وَسقوا من حضر
قَالَ النمر بن تولب لامْرَأَته حِين عاتبته على إيثاره بألبان إبِله [من الطَّوِيل] عَلَيْهِنَّ يَوْم الْورْد حق وَحُرْمَة وَهن غَدَاة الغب عنْدك حفل
يَقُول على الْإِبِل يَوْم وردهَا حق وَهُوَ أَن يسقى من حضر
[ ١ / ٤٢١ ]
أَلْبَانهَا وَهِي بعد الْورْد بِيَوْم تَأْتِيك حفلا أَي ممتلئات الضروع فاسكبي وَلَا تجزعي وَمثله الحَدِيث الآخر أَنه قَالَ نعم الْإِبِل الثَّلَاثُونَ تحمل على نجيبها وتمنحها يَوْم وردهَا فِي أعطانها
اراد تدفع مِنْهَا يَوْم الْورْد مَا يحلب وَيشْرب لبنه ثمَّ ترد إِلَيْك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن السقط ليراغم ربه إِن أَدخل أَبَوَيْهِ النَّار فيجترهما بسرره حَتَّى يدخلهما الْجنَّة
يرويهِ مُصعب بن الْمِقْدَام عَن منْدَل عَن الْحسن بن الحكم عَن أَسمَاء بنت عَبَّاس عَن أَبِيهَا عَن عَليّ ﵇ عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله يراغم ربه من المراغمة وَهِي الْغَضَب يُقَال راغمت فلَانا إِذا أغضبته وترغمت أَي غضِبت
وَأما التزغم بالزاي فَهُوَ الْغَضَب مَعَ كَلَام
فَأَما الحَدِيث الآخر إِنَّه يظل محبنطيا على بَاب الْجنَّة فَإِن أَبَا عُبَيْدَة قد ذكر وَفَسرهُ
المحبنطئ المتغضب المستبطئ للشَّيْء قَالَ فَإِذا همز فَهُوَ الْعَظِيم الْبَطن المنتفخ وذاكرت بِهَذَا الْحَرْف شَيخا من الْعلمَاء باللغة فَقَالَ لي المحبنطىء المتمدد وأنشدني فِي مقتل النُّعْمَان بن الْمُنْذر
[ ١ / ٤٢٢ ]
[من السَّرِيع] بَين فيول الْهِنْد يحبطنه محبنطئا تدمى نواحيه
والسرر للمولود مَا تقطعه الْقَابِلَة وَهِي السِّرّ وَمَا بَقِي بعد الْقطع فَهُوَ السُّرَّة يُقَال سر فلَان إِذا قطع سرره
وَمِنْه حَدِيث ابْن عمر فِي شَجَرَة سر تحتهَا سَبْعُونَ نَبيا أَي قطع سررهم وَأَخْبرنِي الرياشي فِي بَيت أبي ذُؤَيْب [من المتقارب] بِآيَة مَا وقفت والركاب بَين الْحجُون وَبَين السرر
قَالَ هُوَ هَذَا الْموضع الَّذِي سر فِيهِ الْأَنْبِيَاء وَهُوَ من مَكَّة إِلَى أَرْبَعَة أَمْيَال وَكَانَ عبد الصمد بن عَليّ بنى عَلَيْهِ مَسْجِدا
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى الْقطعِي عَن عبد الأعلى عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن مُسلم بن يسَار عَن أبي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيّ أَن رَسُول الله ﷺ دخل على عبَادَة بن الصَّامِت يعودهُ فِي مَرضه
[ ١ / ٤٢٣ ]
فَذكر الشُّهَدَاء فَقَالَ وَالنُّفَسَاء شَهَادَة يجرها وَلَدهَا بسرره إِلَى الْجنَّة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لرجل أَتَاهُ أرب إبل أَنْت أم رب غنم قَالَ من كل قد أَتَانِي الله فَأكْثر وَأطيب قَالَ فتنتجها وافية أعينها وآذانها فتجدع هَذِه فَتَقول صربى وَتقول بحيرة فساعد الله أَشد وموساه أحد وَلَو شَاءَ أَن يَأْتِيك بهَا صربى أَتَاك
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن سعيد صَاحب أبي عبيد عَن ابْن حَنْبَل عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ ثَنَا أَبُو الزعرا عَمْرو بن عَمْرو عَن عَمه أبي الْأَحْوَص عَن أَبِيه قَالَ أتيت النَّبِي ﷺ فَصَعدَ فِي الْبَصَر وَصوب ثمَّ قَالَ لي ذَلِك
قَوْله فتنتجها يُرِيد فتنتج عنْدك يُقَال نتجت نَاقَتي إِذا ولدت عنْدك ونتجت إِذا ولدت وَلَا يُقَال نتجت فَإِذا تبين حملهَا قيل أنتجت فَهِيَ نتوج وَلَا يُقَال منتج
وَقَوله وافية أعينها وآذانها يُرِيد تَامَّة الْأَعْين والآذان
يُقَال وفا شعره إِذا تمّ وَطَالَ وَهُوَ واف وأوفيته أَنا
[ ١ / ٤٢٤ ]
وأحسب الْوَفَاء بالعهد والميثاق من هَذَا وَمِنْه قَوْله أتيت لَيْلَة أسرِي بِي على قوم تقْرض شفاههم كلما قرضت وفت فَقَالَ جِبْرِيل هَؤُلَاءِ خطباء أمتك الَّذين يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ
وَقَوله وَتقول بحيرة بَلغنِي عَن مُحَمَّد بن إِسْحَق أَنه قَالَ الْبحيرَة بنت السائبة وَكَانَت السائبة فيهم أَن النَّاقة إِذا تابعت بَين عشر إناث لَيْسَ فِيهِنَّ ذكر سيبت فَلم يركب ظهرهَا وَلم يجز وبرها وَلم يشرب لَبنهَا إِلَّا ضيف فَمَا نتجت بعد ذَلِك من أُنْثَى شقّ أذنها ثمَّ خلي سَبِيلهَا مَعَ أمهَا فَلم يركب ظهرهَا وَلم يجز وبرها وَلم يشرب لَبنهَا إِلَّا ضيف فَمَا نتجت بعد ذَلِك من أُنْثَى شقّ
حَدثنِي أبي أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ الْبحيرَة النَّاقة إِذا نتجت خَمْسَة أبطن فَكَانَ آخر سقبا ذكرا شَقوا أذن النَّاقة وخلوا عَنْهَا فَلَا تحلأ عَن مَاء وَلَا مرعى وَلَا ينْتَفع بهَا ويلقاها المعيي فَلَا يركبهَا تحرجا
وحَدثني أبي حَدثنِي ابْن مَرْزُوق ثَنَا صَفْوَان بن هُبَيْرَة ثَنَا أَبُو بكر الْهُذلِيّ عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ الْبحيرَة النَّاقة إِذا ولدت خَمْسَة أبطن ينظر فِي الْبَطن الْخَامِس فَإِن كَانَ سقبا ذبحوه فأكلوه وَإِن كَانَ ربعَة تكوى أذنها وَقَالُوا هَذِه بحيرة فَلم يشرب لَبنهَا وَلم يفقر ظهرهَا وَهَذِه ثَلَاثَة أقاويل فِي الْبحيرَة وَإِنَّمَا سميت بحيرة لشقهم أذنها وَالْبَحْر الشق وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة وَأما السائبة فقد بَينا مَا قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق فِيهَا
[ ١ / ٤٢٥ ]
وحَدثني أبي أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ السائبة أَن يسيب الرجل بعيره فَلَا يركب وَلَا يحلأ عَن مَاء كالبحيرة وَكَانُوا ينذرون السائبة عِنْد الْمَرَض إِن عافى الله مِنْهُ أَو الضَّالة إِن ردهَا الله وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ عِكْرِمَة فِيهِ نَحْو قَول أبي عُبَيْدَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم
وَأما الوصيلة فَإِنَّهَا من الْغنم بإجماعهم جَمِيعًا قَالَ ابْن إِسْحَق هِيَ الشَّاة إِذا أنأمت عشر إناث مُتَتَابِعَات فِي خَمْسَة أبطن لَيْسَ فِيهِنَّ ذكر جعلت وصيلة فَقَالُوا قد وصلت فَكَانَ مَا ولدت بعد ذَلِك للذكور دون الْإِنَاث
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَت الْعَرَب إِذا ولدت الشَّاة ذكرا قَالُوا هَذَا لِآلِهَتِنَا فيتقربون بِهِ وَإِذا ولدت أُنْثَى قَالُوا هَذِه لنا وَإِذا ولدت ذكرا وَأُنْثَى قَالُوا وصلت أخاها فَلم يذبحوه لمكانها وَقَالَ عِكْرِمَة بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم الوصيلة الشَّاة إِذا ولدت سَبْعَة أبطن نظر فِي الْبَطن السَّابِع فَإِن كَانَ جديا ذبحوه فَأَكله الرِّجَال دون النِّسَاء وَقَالُوا هَذَا حَلَال لذكورنا ومحرم على أَزوَاجنَا وإناثنا وَإِن كَانَ عنَاقًا سرحت فِي غنم الْحَيّ وَإِن كَانَ جديا وعناقا قَالُوا وصلت أخاها فسميت وصيلة
وَأما الحامي فَإِنَّهُ الْبَعِير ينْتج من صلبه عشرَة أبطن
[ ١ / ٤٢٦ ]
فَيُقَال حمي ظَهره ويخلى اتَّفقُوا جَمِيعًا على ذَلِك
وَزَاد أَبُو عُبَيْدَة وَكَانَت الْعَرَب إِذا بلغت إبل الرجل ألفا فَقَأَ عين بعير مِنْهَا من خِيَارهَا وخلي وأنشدني ابْن حبَان النَّحْوِيّ عَن أَبِيه [من الطَّوِيل] إِذا عَار عين الْفَحْل لم ير أَهله بِأَهْل وَلم يقنع سُوَيْد بِأَرْبَع
وخبرني عَن أَبِيه أَنهم كَانُوا يفقئون عين الْفَحْل مَخَافَة الْعين عَلَيْهَا يَقُول فَهَذَا الرجل إِذا كثر مَاله ازدرى أَهله وَلم يقنع بِأَرْبَع نسْوَة يخدمنه أَو قَالَ يخدمن إبِله
وَقَول رَسُول الله ﷺ وافية أعينها يُرِيد هَذَا الْمَعْنى أَنَّهَا تولد صِحَاح الْعُيُون فيفقئون عينهَا
وصربى هُوَ من قَوْلك صربت اللَّبن فِي الضَّرع إِذا أَنْت جمعته فِيهِ وَلم تحلبه وَيُقَال لما اجْتمع مِنْهُ وَمن غَيره الصريب قَالَ الْكُمَيْت يمدح رجلا [من الوافر] صنعت إِلَيّ مَا سيغب عِنْدِي وَذخر مَا لحاقته الصريب
وَإِنَّمَا قيل للبحيرة صربى لأَنهم كَانُوا لَا يحلبونها إِلَّا لضيف فيجتمع اللَّبن فِي ضرْعهَا كَمَا قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق
وَقَالَ ابْن شهَاب سَمِعت ابْن الْمسيب يَقُول الْبحيرَة الَّتِي
[ ١ / ٤٢٧ ]
يمْنَع درها للطواغيت فَلَا يحلبها أحد من النَّاس وَنَحْوه شَاة شكرى إِذا كَانَت ممتلئة الضَّرع وشكرة والإشتكار الإحتفال كَأَنَّهَا اشتكرت وَكَأن الصربى من صربت اللَّبن فِي ضرْعهَا أَي جمعته والصرب من اللَّبن الحامض يُقَال قد صرب اللَّبن فِي الوطب يصربه صربا إِذا حلب بعضه على بعض وَتَركه يحمض
قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] سيكفيك صرب الْقَوْم لحم مغرض وَمَاء قدور فِي القصاع مشوب
والمغرض الَّذِي لم ينضج فَإِن أَنْت فتحت الرَّاء فَقلت الصرب فَهُوَ الصمغ الْأَحْمَر قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] أَرض عَن الْخَيْر وَالسُّلْطَان نائية فالأطيبان بهَا الطرثوث والصرب
وَبَعْضهمْ يَجْعَل الصربى من الصرم وَهُوَ الْقطع والجدع وَيجْعَل الْبَاء فِيهِ مبدلة من مِيم كَمَا يُقَال لَازم فِي لازب وَمِنْه قيل للسيف صارم أَي قَاطع وصرمت الْحَبل صرما بِفَتْح الصَّاد إِذا كَانَ مصدرا والصرم الِاسْم بضَمهَا وَهَذَا عِنْدِي أصح التفسيرين لقَوْله
فتجدع هَذِه فَتَقول صربى وَلِأَنَّهُ رُوِيَ من وَجه آخر أَنه قَالَ فَقطع آذان بَعْضهَا فَتَقول هَذِه بَحر وتشق آذان
[ ١ / ٤٢٨ ]
أُخْرَى فَتَقول هَذِه صرم وَمِنْه الحَدِيث الآخر فِي هَذِه الْأمة خمس فتن قد مَضَت أَربع وَبقيت وَاحِدَة وَهِي الصيرم وَهُوَ فيعل من صرمت مثل الفيصل من فصلت
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي غَزْوَة خَيْبَر من كَانَ مضعفا أَو مصعبا فَليرْجع
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق الْفَزارِيّ عَن يسر بن نمير عَن الْقسم عَن أبي أُمَامَة
قَوْله من كَانَ مصعبا يُرِيد من كَانَ بعيره صعبا وَكَذَلِكَ قَوْله من كَانَ مضعفا أَي كَانَ بعيره ضَعِيفا
يُقَال أصعب الرجل وأضعف وَأقوى إِذا كَانَ بعيره كَذَلِك وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ فِي غَزْوَة تَبُوك لَا يخْرجن مَعنا إِلَّا رجل مقو
يُقَال للحمال قوي مقو إِذا كَانَ قَوِيا فِي بدنه وَكَانَت إبِله قَوِيَّة وَيُقَال رجل خَبِيث مخبث إِذا كَانَ خبيثا وَأَصْحَابه خبثاء
فَقَالَ عمر ﵁ المضعف أَمِير على أَصْحَابه يَعْنِي فِي السّفر يُرِيد أَنهم يَسِيرُونَ بسيره وَهُوَ مثل قَول النَّبِي ﷺ أقطف الْقَوْم دَابَّة أَمِيرهمْ
[ ١ / ٤٢٩ ]
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من حفظ مَا بَين فقميه وَرجلَيْهِ دخل الْجنَّة
يرويهِ مُعلى بن مَنْصُور عَن مُوسَى بن أعس عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عقيل مولى ابْن عَبَّاس
الفقمان هَاهُنَا اللحيان يُرِيد من حفظ لِسَانه وفرجه دخل الْجنَّة ويروى أَن أَكْثَم بن صَيْفِي قَالَ مقتل الرجل بَين فَكَّيْهِ والفكان اللحيان قَالَ أَبُو زيد يُقَال للرجل إِذا قَاتل رجلا فَأخذ بلحييه وذقنه أَخذ بفقميه والفقم فِي الْفَم أَن يتَقَدَّم الثنايا السُّفْلى فَلَا يَقع عَلَيْهَا الْعليا إِذا ضم الرجل فَاه
وحَدثني أبي ثَنَا السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي الْأَشْهب العطاردي قَالَ كَانَ يُقَال من وقِي شَرّ لقلقه وَشر قبقبه وَشر ذبذبه فقد وقِي
وَقَالَ الْأَصْمَعِي اللقلق اللِّسَان والقبقب الْبَطن والذبذب الْفرج وَقَالَ غَيره إِنَّمَا قيل للسان لقلق من اللَّقْلَقَة وَهِي الجلبة وَكَأن اللَّقْلَقَة حِكَايَة الْأَصْوَات إِذا كثرت
[ ١ / ٤٣٠ ]
وَمِنْه حَدِيث عمر ﵁ مَا على نسَاء بني الْمُغيرَة أَن يسفكن من دُمُوعهنَّ على أبي سُلَيْمَان مالم يكن نقع وَلَا لقلقَة
وَقَالَ إِنَّمَا قيل للبطن قبقب من القبقبة وَهُوَ صَوت يسمع من الْبَطن وَكَأن القبقبة حِكَايَة ذَلِك الصَّوْت
وَمثل هَذَا الحَدِيث فِي قوم يقرأون الْقُرْآن لَا يُجَاوز جراجرهم
قَالَ الْأَصْمَعِي أَرَادَ حُلُوقهمْ وسماهاه جراجر لجرجرة المَاء إِذا شرب وَإِنَّمَا تكون الجرجرة فِي الْحلق وَكَأَنَّهَا حِكَايَة الجرع قَالَ وَلَا وَاحِد لَهَا وَأنْشد للنابغة [من الطَّوِيل] لهاميم يسيلهونها فِي الجراجر
وَنَحْو من هَذَا قَول الْهُذلِيّ [٧٦ / ب] من الْبَسِيط بالطعن شغشغة وَالضَّرْب هيقعة ضرب المعولأ تَحت الديمة العضدا
فالشغشغة حِكَايَة صَوت الطعْن والهيقعة حِكَايَة صَوت الضَّرْب ثمَّ شبهه بِصَوْت ضرب الرجل عضدا وَهُوَ مَا قطع من الشّجر ليبنى بِهِ عَالَة وَهِي شبه الطلة يسْتَتر بهَا من الْمَطَر
[ ١ / ٤٣١ ]
وَمثله قَول رُؤْيَة من الرجز وَلم يزل عز تَمِيم مدعما للنانس يَدْعُو هيقما وهيقما
قَالَ شبهه بفحل وضربه مثلا
وهيقم حِكَايَة صَوته وَبَعْضهمْ يرويهِ كالبحر يَدْعُو فَمن رَوَاهُ كَذَلِك أَرَادَ حِكَايَة أصوات موجه وَمثله فِي شعر رُؤْيَة تسمع للجن بهَا زيزيما
وَهُوَ حِكَايَة أصوات الْجِنّ قَالَ وَإِنَّمَا قيل لِلْفَرجِ ذبذب لِأَنَّهُ يتذبذب إِذا مَشى الرجلأ أَي يذهب وَيَجِيء وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز فِي الْمُنَافِقين ﴿مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يُرِيد أَنهم متحيرون بَين الْفَرِيقَيْنِ لَا يقتلهُمْ هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ
وَقد ضرب رَسُول الله ﷺ لَهُم الشَّاة بَين الربضين مثلا وَقد تقدم تَفْسِير ذَلِك
وَأنْشد أَبُو زيد من الرجز وَلَو رأتني وَالنُّعَاس غالبي على الْبَعِير نائسا ذباذبي
يَعْنِي مذاكيره ونوسها حركتها يُرِيد أَنه ينَام فَتحَرك
[ ١ / ٤٣٢ ]
مذكيره بحركة الْبَعِير
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَرَوْحَة فِي سَبِيل الله أَو غدْوَة خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم من الْجنَّة أَو مَوضِع قده خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
حَدَّثَنِيهِ ابي ﵀ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَق عَن حميد الويل عَن أنس بن مَالك
قَوْله قاب قَوس أحدكُم أَي مِقْدَار قوسه إِذا أَلْقَاهَا قَالَ الله جلّ وَعز ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ وَقَوله أَو مَوضِع قده بِكَسْر الْقَاف يَعْنِي مَوضِع سَوْطه وَيُقَال للسوط الْقد المقدود وَهُوَ مثل الْقسم وَالْقسم فالقسم مصدر قسمت وَالْقسم النَّصِيب وَمثل السَّقْي والسقي فالسقي مصدر سقيت والسقي حظك من المَاء وأنشدني عبد الرحمن عَن عَمه ليزِيد بن الصَّعق بقوله لبني أَسد [من الطَّوِيل] فَرَغْتُمْ لتمرين السِّيَاط وكنتم يسن عَلَيْكُم بالقنا كل مربع
قَالَ فَأَجَابَهُ الْأَسدي فَقَالَ [من الطَّوِيل]
[ ١ / ٤٣٣ ]
.. أعبتم علينا أَن تمرن قدنا وَمن لَا يمرن قده يتقطع
يجنبها الْجَار الْكَرِيم ويمتري بهَا الْحَبل فِي أَطْرَاف شرب ممنع
هَكَذَا رَوَاهُ يسن عَلَيْكُم بِالسِّين غير مُعْجمَة وَغَيره يرويهِ يَشن وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي شن وَسن وَاحِد
وَكَانَ ابْن السّكيت يفرق بَينهمَا فَيَقُول شن المَاء على وَجهه خطأ إِنَّمَا هُوَ سنّ بِالسِّين غير مُعْجمَة أَي صبه صبا سهلا وَسن عَلَيْهِ درعه أَي صبها قَالَ وَإِنَّمَا يُقَال شن الْغَارة عَلَيْهِم أَي فرقها وَقَالَ أَبُو زيد وَالْقد بِفَتْح الْقَاف الْأَدِيم وَيُقَال فِي مثل مَا يَجْعَل قدك إِلَى أديمك يَقُول مَا يَجْعَل مسك السخلة إِلَى الْأَدِيم الْعَظِيم يضْرب مثلا للرجل إِذا تعدى طوره قَالَ وَيُقَال قد وَثَلَاثَة أقد وَهِي القداد
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن جَابر بن عبد الله قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ بمر الظهْرَان نجني الكباث فَقَالَ عَلَيْكُم بالأسود مِنْهُ فَإِنَّهُ أطيبه
حَدَّثَنِيهِ عبد الله بن إِسْحَق إجَازَة عَن عُثْمَان بن عمر الْجَوْهَرِي عَن
[ ١ / ٤٣٤ ]
يُونُس الإبلي عَن الزُّهْرِيّ عَن أبي سَلمَة عَن جَابر
قَالَ الْأَصْمَعِي البرير ثَمَر الْأَرَاك والغض مِنْهُ المرد والنضيج الكباث وأسوده أشده نضجا قَالَ الْجَعْدِي وَذكر مَاء [من المتقارب] كَأَن البرير بحافاته جواليق بِالسوقِ من يثرب
شبه مَا سقط فِيهِ بجوانب المَاء لشدَّة سوَاده وتراكبه بجواليق فِيهَا مَتَاع تجار بسوق يثرب
وَإِنَّمَا قيل لعناقيد البرير غربان البرير لسوادها وَقَالَ بشر وَذكر امْرَأَة [من الطَّوِيل] رأى درة بَيْضَاء يحفل لَوْنهَا سخام كغربان البرير مقصب
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن أَزوَاجه كن يدلحن بِالْقربِ على ظهورهن يسقين أَصْحَابه بادية خدامهن يَعْنِي فِي غَزْوَة أحد
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن دَاوُد عَن عبد الواحد بن غياث عَن حَمَّاد عَن ثَابت عَن أنس
[ ١ / ٤٣٥ ]
قَوْله يدلحن أَي يحملن وكل من حمل حملا ثقيلا فَمر بِهِ فقد دلح بِهِ يدلح قَالَ الْكُمَيْت وَذكر الْغَيْث [من مجزوء الْكَامِل] خضل النطاف مَعَ القطاف يمج من دلح مواقر
النطاف هَاهُنَا الْقطر وَيُقَال نطف السقاء إِذا قطر وَمِنْه حَدِيث رَسُول الله ﷺ إِن رجلا قَالَ لَهُ رَأَيْت فِي النّوم ظلة تنطف سمنا وَعَسَلًا
والقطاف السّير البطيء والدلح السحائب المثقلة وَكَذَلِكَ المواقر هِيَ الموقرة
وَقَوله بادية خدامهن يَعْنِي خلاخيلهن الْوَاحِدَة خدمَة وَهِي أَيْضا الحجول وَاحِدهَا حجل وَهِي البرين والبري أَيْضا واحدتها برة. وانما قيل برذون محجل ومخدع (١٧٢) من الحجل والخدمة لِأَنَّهُ ابيض موضعهما مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه دخل يَوْمًا حائش نخلأ فَرَأى بَعِيرًا فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِير خن أَو
[ ١ / ٤٣٦ ]
حن وذرفت عَيناهُ فَمسح النَّبِي ﷺ سراته وذفراه فسكن فَقَالَ لصَاحبه أحسن إِلَيْهِ فَإِنَّهُ شكا إِلَيّ إِنَّك تدئبه وتجيعه
يرويهِ أسود بن عَامر عَن مهْدي بن مَيْمُون عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أبي يَعْقُوب عَن الْحسن بن سعد عَن عبد الله بن جَعْفَر عَن النَّبِي ﷺ
حائش النّخل جمَاعه وَمثله الصُّور وَمِنْه قَوْله يطلع من تَحت هَذَا الصُّور رجل من أهل الْجنَّة فطلع أَبُو بكر وَلَا وَاحِد بِشَيْء مِنْهَا من لَفظه وَهُوَ بِمَنْزِلَة الربرب من الْبَقر
والضوار وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا لَا وَاحِد لَهُ قَالَ الأخطل [من الْكَامِل] وَكَأن ظعن الْحَيّ حائش قَرْيَة داني الجناة وَطيب الأثمار
والسراة الظّهْر والذفريان أصُول الْأُذُنَيْنِ وَكَذَلِكَ المقذان بتَشْديد الذَّال وهما أول مَا يعرق من الْبَعِير وَإِنَّمَا سميا بذلك لذفر الْعرق
قَالَ الْأَصْمَعِي قلت لأبي عَمْرو والذفرى من الذفر فَقَالَ
[ ١ / ٤٣٧ ]
نعم والمعزى من الْمعز فَقَالَ نعم والذفر شدَّة الرَّائِحَة من الشَّيْء الطّيب أَو الشَّيْء الْخَبيث الرّيح
فَأَما الذفر بتسكين الْفَاء فَإِنَّهُ النتن خَاصَّة وَمِنْه قيل للدنيا أم ذفر وَمن النَّاس من يرى أَن شكوى الْبَعِير لرَسُول الله ﷺ أَن رَسُول الله ﷺ تبين أثر الضّر والإتعاب فَقضى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَو كَانَ متكلما لاشتكى مَا ذكر يذهب إِلَى قَول عنترة فِي فرسه [من الْكَامِل] فازور من وَقع القنا بليانه وشكا إِلَيّ بعبرة وتحمحم
وَهَذَا تعسف فِي القَوْل وبخس لعلم النُّبُوَّة فَلَو كَانَ الْأَمر على مَا ذكر لم يكن للنَّبِي ﷺ فضل على غَيره فِي هَذَا الْخَبَر لِأَن النَّاس قد يفهمون عَن الْبَهَائِم من هَذَا الْوَجْه وَالْقَوْل فِي هَذَا إِن الله جلّ وَعز أفهمهُ عَن الْبَعِير من الْوَجْه الَّذِي أفهم بِهِ سُلَيْمَان ﵉ كَلَام النَّمْل والنمل مِمَّا لَا يصوت وَمن الْوَجْه الَّذِي يتفاهم مِنْهُ الْبَهَائِم وَلَيْسَ شكوى الْبَعِير بِأَعْجَب من قَصده إِلَيْهِ بالحنين وذروف الْعين
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم قَالَ قَالَ لي جِبْرِيل لم يَمْنعنِي من الدُّخُول عَلَيْك البارحة إِلَّا أَنه كَانَ على بَاب بَيْتك ستر فِيهِ تصاوير وَكَانَ فِي بَيْتك كلب فَمر بِهِ فَليخْرجْ
[ ١ / ٤٣٨ ]
وَكَانَ الْكَلْب جروا لِلْحسنِ وَالْحُسَيْن ﵉ تَحت نضد لَهُم
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن خَالِد بن خِدَاش حَدثنِي سلم بن قُتَيْبَة عَن يُونُس بن أبي إِسْحَق عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم
النضد هَاهُنَا السرير وأصل النضد مَا نضد من الثِّيَاب بعضه على بعض قَالَ النَّابِغَة [من الْبَسِيط] خلت سَبِيل أُتِي كَانَ يحْبسهُ ورفعته إِلَى السجفين فالنضد
يُقَال سجف وسجف وَإِنَّمَا سمي السرير نضدا لِأَن النضد يكون عَلَيْهِ وَقد يُسمى الشَّيْء باسم غَيره إِذا كَانَ مَعَه أَو بِسَبَبِهِ من ذَلِك تسميتهم النبت ندى لِأَنَّهُ عَن الندى يكون وتسميتهم السحم ندى لِأَنَّهُ عَن النبت يكون وَهُوَ من أغرب مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَاب قَالَ ابْن أَحْمَر [من الطَّوِيل] كثور العداب الْفَرد يضْربهُ الندى تعلى الندى فِي مَتنه وتحدرا
يَعْنِي بالندى الثَّانِي الشَّحْم وَمن ذَلِك قَوْلهم للمطر سَمَاء لِأَنَّهُ من السَّمَاء ينزل يُقَال مَا زلنا نَطَأ السَّمَاء حَتَّى أَتَيْنَاكُم قَالَ الشَّاعِر [من الوافر]
[ ١ / ٤٣٩ ]
.. إِذا سقط السَّمَاء بِأَرْض قوم رعيناه وَإِن كَانُوا غضابا
قَوْله رعيناه أَي رعينا مَا نبت عَنهُ وَمثل هَذَا كثير وَلم أزل أسأَل عَن السَّبَب الَّذِي أَمر لَهُ بقتل الْكلاب وإخراجها حَتَّى بَلغنِي أَن أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور سَأَلَ عَمْرو بن عبيد عَن الحَدِيث فِيمَن اقتنى كَلْبا لغير زرع وَلَا حراسة أَنه ينقص كل يَوْم من أجره قِيرَاط فَقَالَ عَمْرو بن عبيد هَكَذَا جَاءَ الحَدِيث وَلَا أَدْرِي لم ذَلِك فَقَالَ الْمَنْصُور خُذْهَا بِحَقِّهَا إِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَنَّهُ ينبح الضَّيْف ويروع السَّائِل وَأنْشد [من الْكَامِل] أَعدَدْت للضيفان كَلْبا ضاريا عِنْدِي وَفضل هراوة من أرزن
[ ١ / ٤٤٠ ]
.. ومعاذرا كذبا ووجها باسرا وتشكيا عض الزَّمَان الألزن
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه نهى عَن لونين من التَّمْر الجعرور ولون الحبيق يرويهِ سُلَيْمَان ابْن كثير عَن ابْن شهَاب عَن أبي أُمَامَة بن سهل بن حنيف عَن أَبِيه
قَالَ الْأَصْمَعِي الجعرور ضرب من الدقل يحمل شَيْئا صغَارًا لَا خير فِيهِ
وَأما لون الحبيق فَإِن الْأَصْمَعِي قَالَ عذق حبيق ضرب من الدقل رَدِيء والعذق النَّخْلَة بِفَتْح الْعين والعذق الكباسة كَأَن التَّمْر سمي باسم النَّخْلَة إِذْ كَانَ مِنْهَا
وَقَالَ الْأَصْمَعِي عذق ابْن حبيق ولون الحبيق نَحْو ذَلِك أَيْضا لِأَن الدقل يُقَال لَهُ الألوان وَاحِدهَا لون
وَالْمعْنَى أَنه نهى أَن يُؤْخَذ هَذَانِ الضربان من التَّمْر فِي الصَّدَقَة لرداءتها وَكَانَ النَّاس يخرجُون شرار تمرانهم
[ ١ / ٤٤١ ]
الصَّدَقَة فَنهى عَن ذَلِك وَأنزل الله جلّ عز ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عبد الرحمن عَن عَمه عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ لَا يَأْخُذ الْمُصدق الجعرور وَلَا مصران الْفَأْرَة وَلَا عذق حبيق قَالَ وَقَالَ مَالك بن أنس ﵀ من عِنْده وَلَا يَأْخُذ البردي قَالَ الْأَصْمَعِي ومصران الْفَأْرَة ضرب من التَّمْر رَدِيء والبردي من أَجود التَّمْر فَأَرَادَ أَنه لَا يَأْخُذ الردي جدا وَلَا الْجيد جدا وَلَكِن يَأْخُذ الْوسط
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يغلبنكم الْأَعْرَاب على اسْم صَلَاتكُمْ الْعشَاء فَإِن اسْمهَا فِي كتاب الله جلّ وَعز الْعشَاء فَإِنَّمَا يعتم بحلاب الْإِبِل
يرويهِ وَكِيع عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن أبي لبيد عَن أبي سَلمَة بن عبد الرحمن عَن ابْن عمر
قَوْله يعتم بحلاب الْإِبِل وَهُوَ من عتمة اللَّيْل
[ ١ / ٤٤٢ ]
وعتمته ظلامه
يُقَال قد عتم اللَّيْل يعتم وَقد أعتم النَّاس إِذا دخلُوا فِي ظلمَة اللَّيْل مثل أشملوا وأجنبوا إِذا دخلُوا فِي الشمَال والجنوب وَكَانُوا يحتلبون الْإِبِل عِنْد نتاجها بلَيْل ويسقى اللَّبن الْحَيّ وَكَانُوا يسمون تِلْكَ الحلبة الْعَتَمَة وَإِنَّمَا سميت عتمة باسم عتمة اللَّيْل وَهِي ظلامه بقول فَإِنَّمَا يَقع هَذَا الِاسْم على حلاب الْإِبِل على الصَّلَاة وَيُقَال قرى عاتم أَي بطيء وَقد عتم قراه أَي أَبْطَأَ وأعتم الرجل قراه إِذا أَخّرهُ قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] فَلَمَّا رَأينَا أَنه عاتم الْقرى بخيل ذكرنَا لَيْلَة الهضب كردما
وَمِنْه يُقَال ضربه فَمَا عتم أَي مَا احْتبسَ فِي ضربه وَقعد قدر عتمة الْإِبِل أَي احْتبسَ بِقدر احتباسها فِي عشائها
وحَدثني أبي قَالَ أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ قَالَ سَمِعت الْعَرَب تَقول للهلال إِذا كَانَ ابْن لَيْلَة عتمة سخيلة حل أَهلهَا برميلة وَلابْن لَيْلَتَيْنِ حَدِيث أمتين بكذب مين وَلابْن ثَلَاث حَدِيث فتيات جد غير مؤتلفات وَلابْن أَربع عتمة ربع غير جَائِع وَلَا مرضع وَلابْن خمس عشَاء خلفات من الْإِبِل الْحَوَامِل واحدتها خلفة وَهِي الْمَخَاض أَيْضا وَلَا وَاحِد للمخاض من لَفظهَا إِنَّمَا واحدتها خلفة وَمثله النِّسَاء لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِنَّمَا وَاحِدهَا امْرَأَة وَمن هَذَا قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم ثَلَاث آيَات يقرؤهن أحدكُم فِي صلَاته خير لَهُ من
[ ١ / ٤٤٣ ]
ثَلَاث خلفات سمان عِظَام
والقعساء الَّتِي قد مَال رَأسهَا نَحْو ظهرهَا وعنقها نَحْو نحرها وَجَمعهَا قعس وَإِنَّمَا يعنون بقَوْلهمْ عتمة سخيلة إِن مكث الْهلَال اللَّيْلَة يحلو من الشَّهْر حَتَّى يغيب قدر احتباس سخلة فِي الرَّضَاع وَكَذَلِكَ سَائِر الْحُرُوف هَذَا أَصْلهَا
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا زِمَام وَلَا خزام وَلَا رَهْبَانِيَّة وَلَا تبتل وَلَا سياحة فِي الْإِسْلَام حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن سُفْيَان عَن ابْن جريج عَن الْحسن بن مُسلم عَن طَاوُوس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك
قَوْله لَا زِمَام وَلَا خزام الزِّمَام فِي الْأنف وَلَا يكون فِي غَيره يُقَال زممت الْبَعِير أزمه زما والخزام والخزامة وَاحِد وَقد يكون الخزام جمعا لخزامة وَهِي حَلقَة من شعر تجْعَل فِي أحد جَانِبي المنخرين فَإِن كَانَت تِلْكَ الْحلقَة من صفر فَهِيَ برة والخشاش من خش يُقَال خششت الْبَعِير وخزمته وأبريته هَذِه وَحدهَا بِالْألف
وَأَرَادَ ﵊ مَا كَانَ عباد بني إِسْرَائِيل يَفْعَلُونَهُ من حرق التراقي وزم الأنوف
حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي عبد الرحمن بن الْحُسَيْن عَن مُحَمَّد بن يحيى
[ ١ / ٤٤٤ ]
عَن الْمَنْصُور عَن الْحَارِث بن اللَّيْث عَن أَبِيه عَن ابْن لَهِيعَة عَن أبي قبيل عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ دخل يحيى بن زَكَرِيَّا بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ ابْن ثَمَانِي حجج فَنظر إِلَى عباد بَيت الْمُقَدّس وَقد لبسوا مدارع الشّعْر وبرانس الصُّوف وَنظر إِلَى متهدديهم أَو قَالَ مجتهديهم قد خرقوا التراقي وسلكوا فِيهَا السلَاسِل وشدوها إِلَى حنايا بَيت الْمُقَدّس فهاله ذَلِك وَرجع إِلَى أَبَوَيْهِ فَمر بصبيان يَلْعَبُونَ فَقَالُوا يَا يحيى هَلُمَّ فلنلعب فَقَالَ إِنِّي لم أخلق للعب فَأتى أَبَوَيْهِ فَسَأَلَهُمَا أَن يدرعاه الشّعْر ففعلا ثمَّ رَجَعَ إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ يَخْدمه نَهَارا وَيُصْبِح فِيهِ لَيْلًا حَتَّى أَتَت عَلَيْهِ خمس عشرَة حجَّة فَأَتَاهُ الْخَوْف فساحا وَلزِمَ أَطْرَاف الأَرْض وغيران الشعاب فِي حَدِيث فِيهِ طول
قَوْله نظر إِلَى متهجديهم يَعْنِي الْمُصَلِّين بِاللَّيْلِ يُقَال تهجدت إِذا سهرت وهجدت إِذا نمت قَالَ الله جلّ وَعز ﴿وَمن اللَّيْل فتهجد بِهِ نَافِلَة لَك﴾
وَقَوله يصبح فِيهِ لَيْلًا أَي يسرج والمصباح السراج
قَوْله وَلَا رَهْبَانِيَّة يُرِيد فعل الرهبان من مُوَاصلَة الصَّوْم وَلبس المسوح وَترك أكل اللَّحْم وَأَشْبَاه ذَلِك
وأصل الرهبانية من الرهبة ثمَّ صَارَت اسْما لما فضل عَن
[ ١ / ٤٤٥ ]
الْمِقْدَار وأفرط فِيهِ (٢١٩) .
وَقَوله وَلَا تبتل يُرِيد ترك النِّكَاح وَاصل البتل الْقطع (٢٢٠) .
يُقَال بتلت الشَّيْء وبلته وَمِنْه قيل صَدَقَة بتة بتلة كَأَنَّهُ قطعهَا من مَاله وَمِنْه قيل لِمَرْيَم ﵍ الْعَذْرَاء البتول يُرِيد المنقطعة عَن النِّكَاح
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو سُفْيَان الغنوي حَدثنِي مُحَمَّد بن عمر الرُّومِي ثَنَا أَبُو صَالح الْعمي وَالْعَبَّاس بن الْفضل الْأنْصَارِيّ وَأَبُو فَاطِمَة مسكن الطَّاحِي عَن برد عَن مَكْحُول عَن عَطِيَّة بن بسر عَن عَكَّاف بن ودَاعَة الْهِلَالِي إِن النَّبِي ﷺ قَالَ لَهُ يَا عَكَّاف أَلَك امْرَأَة قَالَ لَا قَالَ فَأَنت إِذن من إخْوَان الشَّيَاطِين إِن كنت من رُهْبَان النَّصَارَى فَالْحق بهم وَإِن كنت منا فَمن سنتنا النِّكَاح من حَدِيث فِيهِ طول [١٠٢ / أ] .
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ لَهُ أَو لرجل آخر أَلَك شاعة وَهِي الْمَرْأَة وَكَذَلِكَ الطلة والحنة والعرس والحليلة
وَقَوله وَلَا سياحة يُرِيد مُفَارقَة الْأَمْصَار والذهاب فِي
[ ١ / ٤٤٦ ]
سالأرض كَفعل يحيى بن زَكَرِيَّا حِين صَاح وَلزِمَ أَطْرَاف الأَرْض وَفعل غَيره من عباد بني إِسْرَائِيل وَمن هَذَا قيل ماسح وسائح إِذا جرى فَذهب وَأَرَادَ أَن الله جلّ وَعز قد وضع هَذَا عَن الْمُسلمين وَبَعثه بالحنيفية السمحة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا يحل لأحد مِنْكُم من مَال أَخِيه شَيْء إِلَّا بِطيب نَفسه فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن يثربي يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن لقِيت غنم ابْن عمي أجتزز مِنْهَا شَاة فَقَالَ إِن لقيتها نعجة تحمل شفرة وزنادا بخبت الجميش فَلَا تهجها
يرويهِ عبد العزيز بن عمرَان عَن عبد الملك بن حسن الْحَارِثِيّ عَن عبد الرحمن بن سعد بن يثربي عَن عَمْرو بن يثربي قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد سَأَلت الْحِجَازِيِّينَ عَن خبت الجميش فَأَخْبرُونِي أَن بَين مَكَّة والحجاز صحراء تعرف بالخبت والخبت الأَرْض الواسعة المستوية وَإِنَّمَا خص الخبت
[ ١ / ٤٤٧ ]
لسعته وَبعده وَقلة من يسكنهُ وحاجة الْإِنْسَان فِيهِ إِذا هُوَ سلكه فأقوى فِيهِ إِلَى مَال أَخِيه فقد وسع رَسُول الله ﷺ فِي غير هَذَا الحَدِيث لِابْنِ السَّبِيل فِي اللَّبن وَفِي التَّمْر عِنْد الضَّرُورَة فَأَما أصُول المَال فَلَا يعلم بِرُخْصَة أَتَت فِيهِ عَنهُ وَقَالَ تحمل شفرة أَي سكينا وزنادا أَي مقدحة يُرِيد إِن أَتَت النَّاقة فِي هَذَا الْموضع القواء بِمَا تحْتَاج إِلَيْهِ لذبحها واتخاذها فَلَا تعرضن لَهَا وَنَحْو هَذَا قَول الْعَرَب حتفها تحمله ضَأْن بأظلافها وَأَصله أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر عمد إِلَى كَبْش فَجعل فِي عُنُقه مدية وزندا ثمَّ خلاه وَقَالَ من ذبحه قتلته بِهِ فَمَكثَ بذلك زَمَانا يجول وَلَا يعرض لَهُ أحد ثمَّ أَنه مر على أَرقم ابْن علْبَاء الْيَشْكُرِي فَقَالَ كَبْش يحمل حتفه بأظلافه ثمَّ وثب عَلَيْهِ فذبحه واشتواه وَقَالَ شعرًا طَويلا فِيهِ [من الطَّوِيل] أخوف بالنعمان حَتَّى كأنني قتلت لَهُ خالا كَرِيمًا وَابْن عَم
أَمن أجل كَبْش لم أَجِدهُ بمنزل وَلَا بَين أذواد رتاع وَلَا غنم
وَإِنَّمَا جعلهَا تحمله بأظلافها وَهِي فِي عُنُقهَا لِأَن الأظلاف هِيَ الْحَوَامِل للجسم وَمَا عَلَيْهِ
[ ١ / ٤٤٨ ]
وَقيل للخبت خبت الجميش لِأَنَّهُ لَا نَبَات بِهِ كَأَنَّهُ جمش نَبَاته أَي حلق يُقَال جمش الحالق رَأسه إِذا حلقه وَهَذِه نورة جموش وَركب جميش أَي حليق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن مَرْيَم بنت عمرَان سَأَلت رَبهَا أَن يطْعمهَا لَحْمًا لَا دم فِيهِ فأطعمها الْجَرَاد فَقَالَت اللَّهُمَّ أعشه بِغَيْر رضَاع وتابع بَينه بِغَيْر شياع
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن عَمْرو بن عُثْمَان عَن بَقِيَّة ابْن الْوَلِيد عَن نمير بن يزِيد قَالَ حَدثنِي أبي أَنه سمع أَبَا أُمَامَة يذكر ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ
الشياع دُعَاء الرَّاعِي يَقُول شايعت بِالْإِبِلِ شياعا إِذا دَعَوْت بهَا لتجتمع وتنتسق وَأَنا مشايع قَالَ جرير لراعي الْإِبِل [من الطَّوِيل]
[ ١ / ٤٤٩ ]
.. فألق استك الهلباء فَوق قعودها وشايع بهَا واضمم إِلَيْك التواليا
يُرِيد صَوت بهَا لتلحق أخراها بأولاها
وَقَوْلها تَابع بَينه تَعْنِي فِي الطيران لِأَنَّهُ يطير وَيتبع بعضه بَعْضًا ويأتلف من غير أَن يشايع بِهِ كَمَا يشايع بِالنعَم حَتَّى تَجْتَمِع وَلَا تتفرق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه قَالَ مَا أُبَالِي مَا أتيت إِن أَنا شربت ترياقا أَو تعلّقت تَمِيمَة أَو قلت الشّعْر من قبل نَفسِي
يرويهِ أَبُو عبد الرحمن الْمقري عَن سعيد بن أبي أَيُّوب عَن شُرَحْبِيل الْمعَافِرِي عَن عبد الرحمن بن رَافع التنوخي عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ
التميمة خرزة كَانَت الْجَاهِلِيَّة تعلقهَا فِي الْعُنُق وَفِي الْعَضُد تتوقى بهَا وتظن أَنَّهَا تدفع عَن الْمَرْء العاهات وَكَانَ بَعضهم يظنّ أَنَّهَا تدفع الْمنية حينا ويدلك على ذَلِك قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] إِذا مَاتَ لم تفلح مزينة بعده فنوطي عَلَيْهِ يَا مزين التمائما
قَالَ أَبُو زيد التميمة خرزة رقطاء روى عقبَة بن عَامر أَن
[ ١ / ٤٥٠ ]
رَسُول الله ﷺ قَالَ من تعلق تَمِيمَة فقد أشرك
وَبَعض النَّاس يتَوَهَّم أَن المعاذات هِيَ التمائم وَيَقُول فِي قَول عبد الله إِن التمائم والرقى والتولة من الشّرك
والرقى الْمَكْرُوهَة مَا كَانَ بِغَيْر لِسَان الْعَرَبيَّة وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا التميمة الخرز وَلَا بَأْس بالمعاذات إِذا كتب فِيهَا الْقُرْآن وَأَسْمَاء الله ﷿
وَأما شرب الترياق فَلَا أَحْسبهُ كرهه إِلَّا لما يَجْعَل فِيهِ من لُحُوم الْحَيَّات فَإِذا لم يكن فِيهِ ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ ﵊ قد أَمر بالتداوي وَكَانَ ابْن سِيرِين يكره الترياق إِذا كَانَت فِيهِ الْحمة يُرِيد لحم الْحَيَّات إِلَّا أَن يكون للجاهلية فِي الترياق مَذْهَب كمذهبهم فِي التميمة فكرهه لذَلِك
وَأما قَول الشّعْر فَإِنَّهُ خَاص لَهُ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[ ١ / ٤٥١ ]
وَأما مَا رُوِيَ عَنهُ من قَوْله أَنا النَّبِي لَا كذب أَنا ابْن عبد الْمطلب
وَقَوله هَل أَنْت إِلَّا إِصْبَع دميت وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت
فَلَيْسَ هَذَا شعرًا وَإِن وَافق فِي الْوَزْن الشّعْر لِأَنَّهُ لم يُنَوّه وَلَا قارنه بأمثاله وَإِنَّمَا هُوَ وفَاق وَقع بَينه وَبَين الشّعْر
حَدثنِي أبي ثَنَا أَبُو عبد الرحمن صَاحب الْأَخْفَش وَأبي عُبَيْدَة أَن رجلا سَأَلَ أَبَا عُبَيْدَة عَن هَذَا من قَول النَّبِي ﵊ فَقَالَ مالم يعن بِهِ الشّعْر فَلَيْسَ بِشعر
والقليل من الْكَلَام يتَغَيَّر عَن حَاله بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّة وَقد بيّنت هَذَا فِي كتاب تَبْيِين الْغَلَط وشرحته هُنَاكَ بِأَكْثَرَ من
[ ١ / ٤٥٢ ]
هَذَا الشَّرْح
وَالشعر من غير كَلَام النَّبِي ﷺ كَالْكَلَامِ حسنه حسن وقبيحه قَبِيح وَلَا بَأْس فِيهِ إِذا لم يكن فِيهِ رفث وَلَا كذب مؤثم وَإِنَّمَا أقحم الله جلّ وَعز عَنهُ النَّبِي ﷺ ليخلص قلبه وَلسَانه لِلْقُرْآنِ ويصون الْوَحْي عَن صَنْعَة الشّعْر وَلِأَن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ فِي الْقُرْآن أَنه شعر وهم يعلمُونَ أَنه لَيْسَ بِشعر وَأَن النَّبِي ﷺ لَا يصنع الشّعْر فَلَو كَانَ يصنعه لوجدوا شَاهدا على مَا يدعونَ ولقالوا فِي الْقُرْآن أَنه ضرب من شعره الَّذِي يَقُوله
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أَكثر منافقي هَذِه الْأمة قراؤها
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو عَن عبد الله بن يزِيد عَن ابْن لَهِيعَة عَن مشرح بن هاعان عَن عقبَة بن عَامر عَن النَّبِي ﷺ
إِنَّمَا جعل النِّفَاق فِي أَكثر الْقُرَّاء لِأَن الرِّيَاء فيهم أَكثر مِنْهُ فِي غَيرهم والرياء نفاق أَلا أَن الْمُنَافِق يظْهر غير مَا يسر وَذُو الرِّيَاء يُبْدِي للنَّاس خلاف مَا يضمر
وَقَالَ عبد الله بن الْمُبَارك هم الزَّنَادِقَة والنفاق على عهد
[ ١ / ٤٥٣ ]
رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الزندقة بعده وَأما قَوْله فِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ الْمُنَافِقين فَقَالَ مستكبرون لَا يألفون وَلَا يؤلفون خشب بِاللَّيْلِ صخب بِالنَّهَارِ
فَإِنَّهُ أَرَادَ بقوله خشب بِاللَّيْلِ أَنهم نيام بِاللَّيْلِ صرعى كَأَن جثثهم مطرحة وَالْعرب تَقول للقتيل خر كَأَنَّهُ خَشَبَة وَكَأَنَّهُ جذع وَكَذَلِكَ النَّائِم وَقَالَ جميل بن معمر وَذكر [من الطَّوِيل] قعدت لَهُ وَالْقَوْم صرعى كَأَنَّهُمْ لَدَى العيس والأكوار خشب مطرح
يُرِيد أَنهم قد تمددوا كَأَنَّهُمْ الْخشب المطرحة وَقَالَ الآخر فِي قَتْلَى [من المتقارب] لَدَى معرك لعوافي السبَاع تخالهم خشبا بائدا
يُرِيد أَن الْمُنَافِقين فِي ليلهم نيام لَا يصلونَ وَلَا يذكرُونَ الله فِي نهارهم تاركون لذَلِك مقبلون على الْخُصُومَات
وَأما قَول الله جلّ وَعز ﴿كَأَنَّهُمْ خشب مُسندَة﴾ لم يرد فِي هَذَا الْموضع فِيمَا يرى وَالله أعلم أَنهم نيام وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن أَجْسَادهم عطاف تعجبك إِذا رَأَيْتهمْ كَأَنَّهُمْ خشب
[ ١ / ٤٥٤ ]
مُسندَة وهم مَعَ ذَلِك جبناء يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم من جبنهم
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يستظل بِظِل جَفْنَة عِنْد عبد الله بن جدعَان فِي الْإِسْلَام فِي صَكَّة عمي
بَلغنِي عَن الْعمريّ حَفْص بن عمر عَن ابي سُفْيَان مولى أبي جَعْفَر عَن هِشَام بن عُرْوَة
هَذِه جَفْنَة كَانَت لعبد الله بن جدعَان فِي الْجَاهِلِيَّة يطعم فِيهَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كَانَ يَأْكُل مِنْهَا الْقَائِم والراكب لعظمها وَذكر بعض الروَاة أَنه وَقع فِيهَا صبي فغرق وَكَانَ رَسُول الله ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّة رُبمَا حضر طَعَام عبد الله بن جدعَان وَكَانَ لَهُ مُنَاد يُنَادي هَلُمَّ إِلَى الفالوذ
وَقَوله صَكَّة عمي يُرِيد الهاجرة يُقَال لقِيت فلَانا صَكَّة عمي إِذا لَقيته نصف النَّهَار عِنْد احتدام الْحر
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم أَن عميا فِي هَذَا الْموضع مصغر مرخم كَأَنَّهُ تَصْغِير أعمى كَمَا قَالُوا سُوَيْد وَإِنَّمَا هُوَ أسود مصغر مرخم وكما قَالُوا يجْرِي بليق ويذم وَإِنَّمَا هُوَ تَصْغِير
[ ١ / ٤٥٥ ]
أبلق
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لجَابِر فِي الْجمل الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَتَرَى إِنَّمَا كستك لآخذ جملك جد جملك وَمَالك فهما لَك يرويهِ ابْن أبي زَائِدَة عَن زَكَرِيَّا عَن الشّعبِيّ
قَوْله كستك هُوَ من الْكيس يُقَال كايسني الرجل فكسته أَي كنت أَكيس مِنْهُ وبايضني فبضته أَي كنت أَشد بَيَاضًا مِنْهُ وطاولني فطلته من الطول والطول جَمِيعًا أَي كنت أطول مِنْهُ وتضمه لِأَنَّهُ من الْوَاو وَالْأول من الْيَاء وَكَذَلِكَ ساودني فسدته من سَواد اللَّوْن والسؤدد جَمِيعًا وَبَعْضهمْ يرويهِ ماكستك
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه بلغه أَن سعد بن عبَادَة يَقُول لَو وجدت مَعهَا رجلا لضربته بِالسَّيْفِ غير مصفح
يرويهِ حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة عَن عبد الملك بن عُمَيْر عَن وراد عَن الْمُغيرَة
قَوْله غير مصفح هُوَ من صفحة السَّيْف وَهِي عرضه يُقَال أصفحت بِالسَّيْفِ فَأَنا مصفح وَالسيف مصفح بِهِ إِذا أَنْت ضربت بعرضه وَأَرَادَ سعد أَنه لَو وجد رجلا
[ ١ / ٤٥٦ ]
مَعَ امْرَأَته لضربه بِحَدّ سَيْفه لَا بعرضه وَلم يصبر إِلَى أَن يَأْتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن أَبَا أَيُّوب قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل يدخلني الْجنَّة فَقَالَ لَهُ أرب مَاله تعبد الله لَا تشرك بِهِ شَيْئا وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وَتصل الرَّحِم
يرويهِ أَبُو الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن مُحَمَّد بن عُثْمَان بن عبد الله بن موهب عَن مُوسَى بن طَلْحَة عَن أبي أَيُّوب
قَوْله أرب مَاله هُوَ من الْآرَاب مَأْخُوذ والآراب الْأَعْضَاء وَاحِدهَا إرب وَمِنْه قيل قطعته إربا إربا أَي عضوا عضوا وَالْمعْنَى فِي قَوْله أرب أَي سَقَطت أعضاؤه وَأُصِيبَتْ وَهِي كلمة مقولة لَا يُرَاد بهَا إِذا قيلت وُقُوع الْأَمر كَمَا يُقَال عقرى حلقى أَي عقرهَا الله وأصابها فِي حلقها بوجع وكقولهم قَاتله الله وكقولهم تربت يداك أَي افْتَقَرت وَأَشْبَاه هَذَا كثير وَمِنْه حَدِيث عمر ﵁ أَنه قَالَ لليحارث بن أَوْس أربت عَن ذِي يَديك يُرِيد سَقَطت آرابك من الْيَدَيْنِ خَاصَّة وَقد ذكر هَذَا أَبُو عبيد فِي حَدِيث عمر وَقد بَلغنِي أَنه يرْوى أرب مَاله
[ ١ / ٤٥٧ ]
بِالرَّفْع فَإِن كَانَ الْمَحْفُوظ هَذَا فَإِن الأرب من الرِّجَال ذُو الْعلم والخبرة وَقَالَ أَبُو الْعِيَال الْهُذلِيّ يصف رجلا يرثي ابْن عَم لَهُ من مجزوء الوافر يلف طوائف الفرسان وَهُوَ يلفهم أرب
أَي ذُو علم بذلك وخبرة
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن عمر بن الْخطاب قَالَ دخلت عَلَيْهِ وَعِنْده غليم أسود يغمز ظَهره فَقلت يَا رَسُول الله مَا هَذَا الغليم فَقَالَ إِنَّه تقحمت بِي النَّاقة اللَّيْلَة
يرويهِ هِشَام بن سعد عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن عمر بن الْخطاب
قَوْله تقحمت يُرِيد أَنَّهَا ندت فَلم تضبط وَهُوَ عَلَيْهَا وَمِنْه يُقَال فلَان يتقحم فِي الْأُمُور إِذا كَانَ يدْخل فِيهَا بِغَيْر تثبت وَلَا روية وَمِنْه قحمة الْأَعْرَاب وَهُوَ أَن يجدبوا فِي البدو فيدخلوا الرِّيف وأنشدني ابْن الْأَعرَابِي [من الرجز] أَقُول والناقة بِي تقحم وَأَنا مِنْهَا مكلئز معصم
وَيحك مَا اسْم أمهَا يَا علكم
[ ١ / ٤٥٨ ]
قَوْله مكلئز أَي منقبض يُقَال اكلأز الرجل إِذا انقبض والمعصم المستمسك قَالَ ابْن الْأَعرَابِي كَانُوا يَقُولُونَ أَن النَّاقة إِذا ندت فَلم تضبط فسميت أمهَا وقفت وَإِن الْبَعِير إِذا ند فَسُمي أَب من آبَائِهِ وقف
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه أُتِي بكبش أقرن يطَأ فِي سَواد وَينظر فِي سَواد ويبرك فِي سَواد ليضحى بِهِ
يرويهِ عبد الله بن وهب عَن حَيَاة عَن أبي صَخْر عَن يزِيد بن عبد الله بن قسيط عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة
قَوْله ينظر فِي سَواد يُرِيد أَن حدقته سودءا لِأَن إِنْسَان الْعين فِيهَا وَبِه ينظر فَإِذا هِيَ اسودت نظر فِي سَواد قَالَ كثير وَذكر الْمَرْأَة [من الوافر] وَعَن نجلاء تَدْمَع فِي بَيَاض إِذا دَمَعَتْ وَتنظر فِي سَواد
قَوْله تَدْمَع فِي بَيَاض يُرِيد أَن دموعها تسيل على خد أَبيض وَأَن نظرها من حدقة سَوْدَاء وَأَنا أَحْسبهُ لم يرد فِي الْكَبْش الحدقة وَحدهَا وَلكنه أَرَادَ الْعين وَالْوَجْه يَقُول نظره من وَجه أسود وَقَوله يطَأ فِي سَواد يُرِيد أَنه أسود القوائم وَقَوله ويبرك فِي سَواد يُرِيد أَن مَا يَلِي الأَرْض مِنْهُ إِذا برك أسود
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
[ ١ / ٤٥٩ ]
مَا ذئبان عاديان أصابا فريقة غنم أضاعها رَبهَا بأفسد فِيهَا من حب الْمَرْء المَال والشرف لدينِهِ
يرويهِ عِيسَى بن يُونُس عَن سعيد بن عُثْمَان البلوي عَن عَاصِم عَن أَبِيه عَن جده عَاصِم بن عدي
الفريقة الْقطعَة من الْغنم وَيُقَال هِيَ الْغنم الضَّالة يُقَال أفرق فلَان غنمه إِذا أضلها وَقَالَ كثير يذكر نَاقَة [من المتقارب] وذفرى ككاهل ذيخ الخليف أصَاب فريقة ليل فعاثا
والخليف مَا بَين الجبلين يَعْنِي غنما ضلت فِي اللَّيْل والذيخ ذكر الضباع وَالْفرق من الْغنم بِكَسْر الْفَاء القطيع وَمِنْه حَدِيث أبي ذَر أَنه قيل لَهُ مَا المَال فَقَالَ فرق لنا وذود وَتَفْسِيره فِي الحَدِيث إِنَّه الْغنم الْيَسِيرَة وَقَالَ يَعْقُوب هُوَ القطيع الْعَظِيم وَلَا أرى الصَّحِيح إِلَّا مَا جَاءَ فِي الحَدِيث لِأَن الْمَشْهُور عَن أبي ذَر أَنه كَانَ خَفِيف المَال والذود أَيْضا يشْهد على ك لِأَنَّهُ مَا بَين الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة
قَالَ أَبُو زيد الفزر من الضَّأْن مَا بَين الْعشْر إِلَى الْأَرْبَعين والصبة من الْمعز مثل ذَلِك وَمِنْه قَول عمر ﵁ لرجل
[ ١ / ٤٦٠ ]
بَعثه على الْحمى ادخل صَاحب الصبة والصرمة وإياي وَنعم ابْن عَوْف وَنعم ابْن عَفَّان
والقوط الْمِائَة فَمَا زَادَت والقطيع عِنْدهم نَحْو الفزر والصبة وَقَالَ غَيره والرف من الضَّأْن الْجَمَاعَة وَيُقَال للضأن الْكثير ثلة وَلَا يُقَال للمعزى ثلة وَلَكِن حِيلَة فَإِذا اجْتمعت الضَّأْن والمعزى قيل لَهَا ثلة والثلة الصُّوف يُقَال كسَاء جيد الثلَّة وَلَا يُقَال للشعر وَلَا للوبر ثلة فَإِذا اجْتمع الصُّوف والوبر وَالشعر قلت عِنْد فلَان ثلة كثير
[ ١ / ٤٦١ ]