وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث أبي بكر أَنه ركب فرسا يشوره فَقَامَ إِلَيْهِ فَتى من الْأَنْصَار فَقَالَ لَهُ احملني عَلَيْهِ يَا خَليفَة رَسُول الله فَقَالَ أَبُو بكر لِأَن أحمل عَلَيْهِ غُلَاما ركب الْخَيل على غرلته أحب إِلَيّ من أَن أحملك عَلَيْهِ فَقَالَ أَنا وَالله أَفرس عَلَيْهِ مِنْك وَمن أَبِيك قَالَ الْمُغيرَة فَمَا تمالكت حِين سمعته أَن آخذه بأذنيه وَركبت أَنفه بركبتي فَكَأَن أَنفه مزادة انبعثت وَمن وَجه آخر عزلاء مزادة فتواثبت إِلَيّ رجال من الْأَنْصَار وَمضى أَبُو بكر فَلَمَّا رأى مَا يصنعون بِي قَالَ أَن الْمُغيرَة رجل وازع فَلَمَّا سمعُوا ذَلِك أرسلوني
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو أُسَامَة عَن إِسْمَاعِيل بن
[ ١ / ٥٥٧ ]
أبي خَالِد عَن قيس بن أبي حَازِم عَن أبي بكر
قَوْله يشوره أَي يعرضه يُقَال شار الدَّابَّة يشورها شورا إِذا عرضهَا وَالْمَكَان الَّذِي تعرض فِيهِ الدَّوَابّ يُسمى المشوار
حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي أَن أبجر الْعجلِيّ قَالَ لحجار ابْنه إياك والخطب فَإِنَّهَا مشوار كثير العثار
وَقَوله ركب الْخَيل على غرلته يُرِيد ركبهَا فِي صغره وَهُوَ أغرل أَي أقلف
والغرلة القلفة وفيهَا لُغَة أُخْرَى القلفة وَمثلهَا من الْكَلَام قِطْعَة وَقطعَة لقطع الْيَد وخدمة وخدمة وصلعة وصلعة
وَيُقَال رجل أغرل وأرغل وَهُوَ من المقلوب وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة حُفَاة عُرَاة غرلًا
وَمن لم يركب الْخَيل على صغره فَهُوَ نَاقص الفروسية قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] لم يركبُوا الْخَيل إِلَّا بَعْدَمَا كبروا فهم ثقال على أكتافها ميل
[ ١ / ٥٥٨ ]
حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن رجل عَالم بِالْخَيْلِ لم يسمه قَالَ كَانَ يُقَال إِن طفيلا ركب الْخَيل بغرلته وَرَآهَا أَهله وَأَن أَبَا دؤاد ملكهَا لنَفسِهِ ووهبها لغيره وللملوك
وَأَن النَّابِغَة الْجَعْدِي أسلم النَّاس وآمنوا ثمَّ اجْتَمعُوا فتحدثوا فَسمع مَا قَالُوا إِلَى مَا كَانَ سمع قبل ذَلِك
فَهَؤُلَاءِ نعات الْخَيل وَكَانُوا يَقُولُونَ من عَلَامَات السؤدد طول الغرلة
حَدثنِي عبد الرحمن عَن عَمه قَالَ أخبرنَا جَمِيع بن أبي غاضرة وَكَانَ شَيخا مسنا من أهل الْبَادِيَة وَكَانَ من ولد الزبْرِقَان بن بدر من قبل النِّسَاء
قَالَ كَانَ الزبْرِقَان يَقُول أبْغض صبياننا إِلَيّ الأقيعس الذّكر الَّذِي كَأَنَّمَا يطلع فِي جحرة وَإِن سَأَلَهُ الْقَوْم أَيْن أَبوك
[ ١ / ٥٥٩ ]
هر فِي وُجُوههم وَقَالَ مَا تُرِيدُونَ من أبي
وَأحب صبياننا إِلَيّ الطَّوِيل الغرلة السبط الْغرَّة العريض الورك الأبله الْعُقُول الَّذِي يُطِيع عَمه ويعصي أمه وَإِن سَأَلَهُ الْقَوْم أَيْن أَبوك قَالَ مَعكُمْ
والأقيعس الذّكر هُوَ تَصْغِير أقعس والقعس فِي الظّهْر دُخُوله وَخُرُوج الصَّدْر والحدب دُخُول الصَّدْر وَخُرُوج الظّهْر
قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي من الطَّوِيل فَإِن حدبوا فاقعس وَإِن هم تقاعسوا لينتزعوا مَا خلف ظهرك فاحدب
كَأَنَّهُمْ كَانُوا يتفرسون بقعس الذّكر ويستدلون بِهِ على معنى من السوء كَمَا استدلوا بطول الغرلة على السِّيَادَة
وَقَوله الأبله الْعُقُول يُرِيد إِنَّه كالأبله لشدَّة حيائه وتعاقله وَهُوَ عقول وَهَذَا شَبيه بقول الشَّاعِر [من الْبَسِيط]
[ ١ / ٥٦٠ ]
.. لَا خير فِي خب من ترجى فواضله فاستمطروا من قُرَيْش كل منخدع
كَأَن فِيهِ إِذا حاولته بلها عَن مَاله وَهُوَ وافي الْعقل والورع
وَيُقَال فِي مثل لَيْسَ أَمِير الْقَوْم بالخب الخدع
وَقَوله أَن الْمُغيرَة رجل وازع هُوَ من وزعت الرجل إِذا كففته عَن الشَّيْء يَفْعَله والوازع فِي الْجَيْش هُوَ أكبرهم يدبر أَمرهم ويضعهم مواضعهم وَيرد من شَذَّ مِنْهُم وَمن كَانَ كَذَلِك لم يقْتَصّ مِنْهُ إِذا أدب
والعزلاء فَم المزادة الْأَسْفَل وَجَمعهَا عزالي والمزادة الراوية وركبته أصبت أَنفه بركبتي وَهُوَ أَن يَأْخُذ بأذنيه فَيضْرب أَنفه بركبته يُقَال مِنْهُ ركبته أركبه ركبا
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه مر بِالنَّاسِ فِي معسكرهم بالحرف فَجعل يكْتب الْقَبَائِل حَتَّى مر ببني فَزَارَة فَقَامَ إِلَيْهِ رجل مِنْهُم فَقَالَ لَهُ
أيؤمر جبانكم قَالُوا نَحن يَا خَليفَة رَسُول الله أحلاس الْخَيل وَقد قدناها مَعنا فَقَالَ أَبُو بكر بَارك الله فِيكُم
[ ١ / ٥٦١ ]
حَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيم بن مُسلم عَن دَاوُد بن شَيبَان الْعَبْسِي عَن الْوَاقِدِيّ عَن عبد الرحمن بن إِبْرَاهِيم المري عَن يزِيد بن عبيد السَّعْدِيّ أبي وجزة
قَوْلهم نَحن أحلاس الْخَيل يُقَال هَؤُلَاءِ أحلاس الْخَيل إِذا كَانُوا يقتنونها ويضمرونها ويفتلونها ويلزمون ظُهُورهَا وَلِهَذَا يَقُول النَّاس لس من أحلاسها وَأرى أَصله من الحلس وَهُوَ كسَاء يكون تَحت البرذعة أَي نلزم ظُهُورهَا كَمَا يلْزم الحلس ظهر الْبَعِير والحلس أَيْضا بِسَاط يبسط فِي الْبَيْت وَمِنْه قيل فِي الحَدِيث كن حلْس بَيْتك أَي إلزمه فِي الْفِتْنَة والهرج لُزُوم الْبسَاط لَهُ وَيُقَال للَّذين يرَوْنَ هَذَا فِي الْفِتْنَة الحلسية
الرياشي قَالَ حَدثنَا يَعْقُوب بن إِسْحَق بن تَوْبَة عَن حَمَّاد بن زيد قَالَ دخل الضَّحَّاك بن قيس على مُعَاوِيَة فَقَالَ مُعَاوِيَة [من الطَّوِيل] تطاولت للضحاك حَتَّى رَددته إِلَى حسب فِي قومه متقاصر
فَقَالَ قد علم قَومنَا أننا أحلاس الْخَيل فَقَالَ لَهُ صدقُوا أَنْتُم أحلاسها وَنحن فرسانها
يُرِيد أَنْتُم راضة وساسة وَنحن الفرسان وَنَحْو هَذَا قَول
[ ١ / ٥٦٢ ]
جرير [من الْكَامِل] تصف السيوف وغيركم يعْصى بهَا يَابْنَ القيون وَذَاكَ فعل الصيقل
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَن قيس بن أبي حَازِم قَالَ كَانَ يخرج إِلَيْنَا وَكَأن لحيته ضرام عرفج
يرويهِ خَالِد عَن حُصَيْن عَن الْمُغيرَة بن شبْل عَن قيس بن أبي حَازِم الضرام لَهب النَّار وَمِنْه يُقَال اضطرمت النَّار إِذا التهبت والضرمة النَّار يُقَال مَا فِي الديار نافخ ضرمة أَي مَا بهَا أحد والعرفج نبت ضَعِيف تسرع النَّار فِيهِ ثمَّ لَا تلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى تطفأ
وَقيل لامْرَأَة من الْأَعْرَاب مالكن يَا معشر نسَاء آل فلَان رسحا فَقَالَت أرسحتنا نَار الزحفتين تَعْنِي نَار العرفج وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تسرع الالتهاب فِيهِ وتقوى حَتَّى تؤذي بحرها من يدنو فيزحفون للتاخر عَنْهَا وَاحِدَة ثمَّ يسْرع خمودها فيزحفون أُخْرَى للتقدم إِلَيْهَا وَلذَلِك قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] يَا موقد النَّار أوقدها بعرفجة لمن تبينها من مُدْلِج ساري
[ ١ / ٥٦٣ ]
أمره أَن يوقدها بعرفج لِأَن سنا ناره أَشد من سنا غَيرهَا لضَعْفه وَقلة دخانه هَذَا إِذا كَانَ يَابسا فَإِذا كَانَ رطبا فالمثل يضْرب بِهِ فِي كَثْرَة الدُّخان قَالَ الرَّاعِي [من الْكَامِل] كدخان مرتجل بِأَعْلَى تلعة غرثان ضرم عرفجا مبلولا
وَإِنَّمَا شبه الْمُشبه لحية أبي بكر بسنا نَار العرفج الْيَابِس لِأَنَّهُ كَانَ يخضبها بِالْحِنَّاءِ ويشبعها خضابا فتشتد حمرتها
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه قَالَ لأسامة حِين أنفذ جَيْشه إِلَى الشَّام أغر عَلَيْهَا غَارة سحاء لَا تتلاقى عَلَيْك جموع الرّوم
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد قَالَ حدّثنَاهُ أَبُو أُسَامَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه وحدثنيه أَيْضا عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق بِإِسْنَادِهِ إِلَّا أَنه قَالَ مسحاء أَو سنحاء
قَوْله سحاء هُوَ فعلاء من السح والسح الصب يُقَال يَدَاهُ تسحان أَي تصبان المَال صبا وَالسَّمَاء تسح أَي تصب وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ يَمِين الله سحاء لَا يغيضها شَيْء اللَّيْل وَالنَّهَار أَي لَا ينقصها شَيْء
[ ١ / ٥٦٤ ]
يُقَال غاض المَاء يغيض غيضا إِذا نقص وغضته أَنا وَمِنْه يُقَال للسمان من الشَّاء وَغَيرهَا سحاح
وَقَالَ خَالِد بن مَالك حِين نافره الْقَعْقَاع بن معبد أَنا أنحر للسحاح وأطعن بِالرِّمَاحِ وَأنزل بالتبراح والتبراح المتسع من الأَرْض
وخبرني عبد الرحمن عَن عَمه أَنه قَالَ فِي قَوْلهم لحم ساح هُوَ بِالتَّشْدِيدِ وَمَعْنَاهُ أَنه من سمنه يصب الودك صبا قَالَ الشَّاعِر [من الوافر] وربت غَارة أَوضعت فِيهَا كسح الخزرجي جريم تمر
يُرِيد أَنه صبها عَلَيْهِم كَمَا صب الخزرجي التَّمْر فَتفرق والجريم التَّمْر المصروم والجرام الصرام ومسحاء فعلاء من مسحهم يمسحهم إِذا مر بهم مرا خَفِيفا لم يقم فِيهِ عِنْدهم وَهُوَ يشبه الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ أَبُو بكر ﵀ لِأَنَّهُ اراد أَن تكون غارته عَلَيْهِم غَارة سريعة لِئَلَّا تحشد لَهُ الرّوم وتجتمع عَلَيْهِ
وَمَا أَكثر مَا تَأتي فعلاء وَلم يَأْتِ للمذكر أفعل كَقَوْل
[ ١ / ٥٦٥ ]
امْرِئ الْقَيْس [من الرمل] دِيمَة هطلاء فِيهَا وَطف طبق الأَرْض تحرى وتدر
وَلم يقل فِي الْمُذكر أهطل إِنَّمَا يُقَال سَحَاب هطل وكقول العجاج [من الرجز] حدواء جَاءَت من جبال الطّور
يُرِيد الشمَال وَجعلهَا حدواء لِأَنَّهَا تحدو السَّحَاب أَي تسوقه وَلَيْسَ يُقَال للمذكر أحدى إِنَّمَا يُقَال حاد وَكَذَلِكَ مسحاء وَلم يقل فِي الْمُذكر أَمسَح وَفِي مثل هَذِه الْغَارة أَو نَحْوهَا قَول ضَمرَة [من السَّرِيع] ماوي بل ربت مَا غَارة شعواء كاللذعة بالميسم
يُرِيد كَأَنَّهَا فِي سرعتها لذعة بميسم فِي وبر والشعواء المتفرقة
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه قَالَ فِي خطْبَة لَهُ أَلا إِن أَشْقَى النَّاس فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة الْمُلُوك الْملك إِذا ملك زهده الله فِيمَا عِنْده ورغبه فِيمَا فِي يَدي غَيره وانتقصه شطر أَجله وأشرب قلبه الإشفاق فَإِذا وَجب ونضب عمره وضحا ظله حَاسبه الله فأشد حسابه وَأَقل عَفوه وَقَالَ بعد ذَلِك فِي كَلَام لَهُ
[ ١ / ٥٦٦ ]
وسترون بعدِي ملكا عَضُوضًا وَأمة شعاعا ودما مفاحا فَإِن كَانَت للباطل نزوة وَلأَهل الْحق جَوْلَة يعْفُو لَهَا الْأَثر وَتَمُوت السّنَن فالزموا الْمَسَاجِد واستشيروا الْقُرْآن وَليكن الإبرام بعد التشاور والصفقة بعد طول التناظر
قَوْله فَإِذا وَجب يُرِيد مَاتَ وأصل الْوُجُوب السُّقُوط يُقَال قد وَجَبت الشَّمْس تجب وجوبا إِذا غربت وَيُقَال دفعت الرجل فَوَجَبَ أَي سقط قَالَ الله جلّ وَعز ﴿فَإِذا وَجَبت جنوبها﴾
وَيُقَال وَجب الْقلب إِذا خَفق وَيجب وجيبا
وَقَوله نضب عمره أَي نفد يُقَال نضب المَاء إِذا ذهب ينضب نضوبا قَالَ الْأَصْمَعِي وَالْأَصْل فِي نضب بعد
وَقَوله وضحا ظله أَي صَار شمسا وَإِذا صَار الظل شمسا فقد بَطل صَاحبه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه مَاتَ يُقَال ضحا الرجل يُضحي إِذا صَار فِي الشَّمْس وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز ﴿وَأَنَّك لَا تظمأ فِيهَا وَلَا تضحى﴾
خبرني أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ هُوَ من الضحاء
[ ١ / ٥٦٧ ]
وَهُوَ الْحر وَأنْشد بَيت عمر بن أبي ربيعَة [من الطَّوِيل] رَأَتْ رجلا أما اذا الشَّمْس عارضت فيضحى وَأما بالْعَشي فيخصر
وَمثل هَذَا الْمَعْنى قَول كثير [من الوافر] فَلَمَّا أَن رَأَيْت العيس صبَّتْ بِذِي المأثول مجمعة التوالي
وقحم سيرنا من قور حسمى مروت الرَّعْي ضاحية الظلال
وَقَوله مروت الرَّعْي يُرِيد جمع مرت وَهِي الأَرْض الملساء الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا يَقُول رعيها مرت أَي رعى بهَا وظلها ضاح أَي لَا ظلّ فِيهَا وَقَوله وَأمة شعاعا أَي مُتَفَرّقين مُخْتَلفين يُقَال ذهبت نَفسِي شعاعا اذا انتشرت وَقَالَ قيس بن الخطيم يصف طعنة [من الطَّوِيل] طعنت ابْن عبد الْقَيْس طعنة ثَائِر لَهَا نفذ لَوْلَا الشعاع أضاءها
النفذ مخرج الدَّم والشعاع مَا تفرق من الدَّم وانتشر يَقُول لَوْلَا ذَلِك لَأَضَاءَتْ لَك حَتَّى يَسْتَنِير وَقَالَ الآخر [من الطَّوِيل] فَلَا تتركي نَفسِي شعاعا فانها من الوجد قد كَادَت عَلَيْك تذوب
وَأما قَوْله ودما مفاحا فانه من قَوْلهم فاحت الشَّجَّة
[ ١ / ٥٦٨ ]
تفيح فيحا اذا نفحت بِالدَّمِ وأفحتها أَنا وَقَالَ الْأَصْمَعِي كَانَ يُقَال للغارة فِي الْجَاهِلِيَّة فيحي فياح مَكْسُورَة مثل قطام وحذام وَكَذَلِكَ اذا دفعت أَي اتسعي وَقَوله فاح الدَّم نَفسه اذا سَالَ وَيُقَال دَار فيحاء وَمَكَان أفيح أَي وَاسع.
فَأَرَادَ انكم ترَوْنَ قتلا ذريعا فاشيا بِكُل مَكَان.
وَقَوله وَلأَهل الْحق جَوْلَة هُوَ من قَوْلك جال يجول فِي الْبِلَاد يُرِيد أَنهم لايستقرون على أَمر يعرفونه ويطمئنون اليه فهم متحيرون.
وَقَوله يعْفُو لَهَا الْأَثر أَي يدرس والعفاء موت الْأَثر.
حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي شيخ مسن من بني نهشل قَالَ كَانَ فِي أقطاع النَّاس اني أقطعتك من عفاء الأَرْض وَحقّ السُّلْطَان وَابْن السَّبِيل أول شَارِب.
قَالَ السجسْتانِي عَنهُ العفاء موت الْأَثر وَقَالَ الزيَادي عَنهُ عَفا الأَرْض مَا كَانَ عافيا لَيْسَ فِيهِ لمُسلم وَلَا لمعاهد شَيْء وَالْقَوْلَان جَمِيعًا متقاربان.
والصفقة وَمَا يجمعُونَ عَلَيْهِ يُقَال صفق الْقَوْم لَهُ بالبيعة وَأَصله من صفق يَده على يَده وَعنهُ يُقَال ربحت صفقتك اذا اشْتريت شَيْئا وَيُقَال أَتَت الحلفة صفقتهم أَي بيعتهم كَأَنَّهُمْ كَانُوا يتصافقون بِأَيْدِيهِم عِنْد كل أَمر يبرمونه فَيكون ذَلِك
[ ١ / ٥٦٩ ]
كالحلف وَالدَّلِيل على انْقِطَاع الْأَمر وَيُقَال أصفق النَّاس لفُلَان أَي اجْتَمعُوا لَهُ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر حَدِيث الشَّفَاعَة انه قَالَ انما نَحن حفْنَة من حفنات الله تَعَالَى.
يرويهِ أَبُو مُعَاوِيَة عَن اسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة عَن سعيد ابْن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن أَبَا بكر قَالَ ذَلِك.
الحفنة والحثوة شَيْء وَاحِد يُقَال حفن الْقَوْم من المَال وحاث لَهُم اذا أعْطى كل رجل مِنْهُم حثوة وانما أَرَادَ أَبُو بكر انا على كثرتنا يَوْم الْقِيَامَة قَلِيل عِنْد الله كالحفنة.
ويروى أَن عمر قَالَ: ان الله ان شَاءَ أَدخل خلقه الْجنَّة بكف وَاحِدَة فَقَالَ النَّبِي ﷺ: صدق عمر.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه ذكر الْمُسلمين فَقَالَ: فَمن ظلم مِنْهُم أحدا فقد أَخْفَر ذمَّة الله وَمن ولي من أَمر النَّاس شَيْئا فَلم يعطهم كتاب الله فَعَلَيهِ بهلة الله وَمن صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي خفرة الله.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن نصر بن عمرَان أَو نصر بن عَاصِم عَن رَافع الطَّائِي عَن أبي بكر.
قَوْله أَخْفَر ذمَّة الله أَي نقض ذمَّة الله وَعَهده يُقَال
[ ١ / ٥٧٠ ]
أخفرت فلَانا اذا كَانَ بَيْنك وَبَينه عهدا أَو حلف فنقضه وَقَالَ زيد الْخَيل [من الطَّوِيل] اذا أخفروكم مرّة كَانَ ذَلِكُم جيادا على فرسانهن العمائم
يَقُول اذا نقضوا مَا بَيْنكُم وَبينهمْ من الصُّلْح كَانَ ذَلِك النَّقْض فُرْسَانًا يغيرون عَلَيْكُم.
وَيُقَال خفرت الرجل بِغَيْر ألف اذا حفظته فَأَنا خفير.
قَالَ عدي بن زيد [من الْخَفِيف] من رَأَيْت الْمنون خلدن أم من ذَا عَلَيْهِ من أَن يضام خفير
وَأَرَادَ أَبُو بكر أَن الْمُسلم قد أَخذ من الله باسلامه عهدا أَو ذمَّة فَمن ظلمه فقد أَخْفَر تِلْكَ الذِّمَّة أَلا ترَاهُ يَقُول وَمن صلى الصُّبْح فَهُوَ فِي خفرة الله.
وفيهَا لُغَتَانِ أخريان خفارة وخفارة وَمثله بِشَارَة ودراية اللَّبن ودوايته للَّذي يَعْلُو شبه الْجلْدَة الرقيقة.
وروى الْكسَائي الزِّيَارَة والزوارة وَقَالَ غَيره والفتاحة والفتاحة وَهِي المحاكمة والفتاح الْحَاكِم.
[ ١ / ٥٧١ ]
وَقَوله عَلَيْهِ بهلة الله أَي لعنته وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿ثمَّ نبتهل فَنَجْعَل لعنة الله على الْكَاذِبين﴾ .
وفيهَا لُغَة أُخْرَى بهلة وَمثله سدفة اللَّيْل وسدفة وجهمة وجهمة وبرهة من الدَّهْر وبرهة وَمَالِي عَلَيْهِ عرجة وَلَا عرجة وبقعة من الأَرْض وبقعة وَجَلَست نبذة ونبذة أَي نَاحيَة.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه أشرف من كنيف وَأَسْمَاء بنت عُمَيْس ممسكته وَهِي موشومة الْيَدَيْنِ حِين اسْتخْلف عمر فَكَلَّمَهُمْ.
يرويهِ وَكِيع عَن يُونُس بن أبي اسحاق عَن أبي السّفر.
وَقَوله أشرف من كنيف يَعْنِي من ستْرَة وكل شَيْء سترك فَهُوَ كنيف وَلذَلِك قيل للترس كنيف وَقَالَ لبيد من الوافر حريما يَوْم لم يمنح حريما سيوفهم وَلَا الحجف الكنيف
أَي السَّاتِر وَمِنْه يُقَال كنفت الرجل اذا حطته وَمِنْه يُقَال أَنْت فِي كنف الله أَي فِي ستر الله وَيُقَال أَيْضا كنف فلَان عَن الشَّيْء وصدف ونكب أَي عدل وَمِنْه قَول الْقطَامِي
[ ١ / ٥٧٢ ]
[من الطَّوِيل [ ليعلم مَا فِينَا عَن البيع كانف
أَي عَادل.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه تزوج بنت خَارِجَة بن أبي زُهَيْر وهم بالسنح فِي بني الْحَارِث بني الْخَزْرَج فَكَانَ اذا أَتَاهُم تَأتيه النِّسَاء بأغنامهم فيحلب لَهُنَّ فَيَقُول أأنفج أم ألبد فان قَالَت أنفج باعد الاناء من الضَّرع حَتَّى تشتد الرغوة فان قَالَت ألبد أدنى الاناء من الضَّرع حَتَّى لَا يكون لَهُ رغوة.
يرويهِ يحيى بن آدم عَن ابْن ادريس عَن عبد الرَّحْمَن بن سُلَيْمَان عَن عبد الله بن حَنْظَلَة بن الراهب.
قَوْله أأنفج هُوَ من نفجت الشَّيْء فانتفج أَي عَظمته وَمِنْه قيل انتفج الدَّابَّة اذا شرب المَاء فَعظم جنباه.
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد أَنه قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ لمن ولدت لَهُ بنت هَنِيئًا لَك النافجة يُرِيدُونَ أَنه يَأْخُذ
[ ١ / ٥٧٣ ]
مهرهَا ابلا يضمها الى ابله فينفجها.
وَقَوله أم ألبد هُوَ من لبد الشَّيْء يلبد لبودا وَتَلَبَّدَ أَيْضا اذا انْضَمَّ بعضه الى بعض يُقَال ألبد فلَان بِالْمَكَانِ فَهُوَ ملبد بِهِ اذا لزمَه وَأقَام بِهِ وَمِنْه قَول ابْن أبي بَرزَة وَذكر قوما يعتزلون الْفِتْنَة عِصَابَة ملبدة خماص الْبُطُون من أَمْوَال النَّاس خفاف الظُّهُور من دِمَائِهِمْ.
وخبرني السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ وَمن أمثالهم تلبدي تصيدي يُرَاد انما تلبدتك لتثب وَمثله مخر نبق لينباع والمخر نبق اللاطيء لينباع أَي لينبسط فيثب وَأنْشد [من السَّرِيع] ثمَّة ينباع انبياع الشجاع
وَقَول الله جلّ وَعز: ﴿كَادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ هُوَ من هَذَا أَي كَادُوا يركبونه ويلبدون بِهِ رَغْبَة فِيمَا سمعُوا من الْقُرْآن وشهوة لَهُ.
وَقَالَ ابْن مَسْعُود ان الْجِنّ أَتَوا فَجعلُوا يركبون رَسُول
[ ١ / ٥٧٤ ]
الله وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة لبدا جماعات متظاهرين وَالْأَصْل من هَذَا.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان حسان لما هجا قُريْشًا قَالَت قُرَيْش ان هَذَا الشتم مَا غَابَ عَنهُ ابْن أبي قُحَافَة.
حَدَّثَنِيهِ عبد الرَّحْمَن بن عبد الله عَن عَمه عَن ابْن أبي الزِّنَاد قَوْلهم مَا غَابَ عَنهُ ابْن أبي قُحَافَة لم يُرِيدُوا أَن أَبَا بكر واطأ حسان على الهجاء وَلَا حَضَره حِين هجاهم وانما أَرَادوا ان أَبَا بكر عَالم بالأنساب وَالْأَخْبَار وان ذَاك لم يخف عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ ﵀ هَذَا قَول الْأَصْمَعِي.
وَذكر ابْن اسحق ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لحسان: نافح عَن قَوْمك واسأله عَن معايب الْقَوْم يَعْنِي أَبَا بكر.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان الْأَنْصَار قَالَت لقريش منا
[ ١ / ٥٧٥ ]
أَمِير ومنكم أَمِير فجَاء أَبُو بكر فَقَالَ انا معشر هَذَا الْحَيّ من قُرَيْش أكْرم النَّاس أحسابا وأثقبه أنساباء ثمَّ نَحن بعد عترة رَسُول الله الَّتِي خرج مِنْهَا وبيضته الَّتِي تفقأت عَنهُ وانما جيبت الْعَرَب عَنَّا كَمَا جيبت الرَّحَى عَن قطبها.
يرويهِ زيد بن هرون عَن أبي مَالك النصري عَن عَليّ بن زيد قَوْله أثقبه أنسابا يُرِيد أبينهم وأوضحهم والثاقب المضيء يُقَال حسب ثاقب وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿فَأتبعهُ شهَاب ثاقب﴾ أَي نجم مضيء.
يُقَال أثقب نارك والثقوب مَا تذكى بِهِ النَّار وَهُوَ مثل الْوقُود وَقَالَ أَبُو الْأسود [من الطَّوِيل] أذاع بِهِ فِي النَّاس حَتَّى كَأَنَّهُ بعلياء نَار أوقدت بثقوب
وَيُقَال أثقبت النَّار فثقبت وَمِنْه قَول سَاعِدَة [من الْكَامِل] غَابَ تشيمه ضرام مثقب
تشيمه دخل فِيهِ.
وَقَوله وَنحن عترة رَسُول الله يُرِيد رهطه وَقد بيّنت هَذَا فِي صدر هَذَا الْكتاب.
[ ١ / ٥٧٦ ]
وَقَوله وانما جيبت الْعَرَب عَنَّا يُرِيد خرقت الْعَرَب عَنَّا فَكُنَّا وسطا وَكَانَت الْعَرَب حوالينا كَمَا خرقت الرَّحَى فِي وَسطهَا للقطب وَهُوَ الَّذِي تَدور عَلَيْهِ فقريش كالقطب وَفِيه ثَلَاث لُغَات قطب وقطب وقطب وَيُقَال جبت الْقَمِيص اذا قورت جيبه وجبيته اذا جعلت لَهُ جيبا.
وَأَرَادَ أَن قُريْشًا وَاسِطَة الْعَرَب ولبابها وَلذَلِك قيل فِي النَّبِي ﵊ هُوَ أوسطهم حسبا أَي خَيرهمْ ووسط كل شَيْء خَيره وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا﴾ . قَالَ الشَّاعِر [من الْكَامِل] كَانَت قُرَيْش بَيْضَة فتفلقت فالمخ خالصه لعبد منَاف
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان رجلا وقف عَلَيْهِ فلاث لوثا من كَلَام فِي دهش فَقَالَ أَبُو بكر قُم يَا عمر الى الرجل فَانْظُر مَا شَأْنه فَسَأَلَهُ عمر فَذكر أَنه ضافه ضيف فزنى بابنته.
يرويهِ يزِيد عَن مُحَمَّد بن اسحق عَن نَافِع عَن ابْن عمر أصل اللوث الطي يُقَال لثت الْعِمَامَة ألوثها لوثا وَمِنْه قَول الشَّاعِر [من الطَّوِيل] وَلم ينفض الادلاج لوث العمائم
[ ١ / ٥٧٧ ]
وَأَرَادَ أَنه تكلم بِكَلَام مطوي لم يشرحه وَلم يُبينهُ للاستحياء حَتَّى خلا بِهِ عمر فَصرحَ بِهِ.
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر ان عبد الرَّحْمَن ابْنه قَالَ لَهُ لقد أهدفت لي يَوْم بدر فضفت عَنْك فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر لكنك لَو أهدفت لي لم أضف عَنْك.
يرويهِ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين قَوْله لقد أهدفت لي أَي أشرفت لي يُقَال أهدف فلَان واستهدف للشَّيْء إِذا أربأ لَهُ وَمِنْه قيل للْبِنَاء الْمُرْتَفع هدف وَأرى هدف الرَّمْي مِنْهُ لِأَنَّهُ شَيْء إرتفع للرامي فَرَآهُ وَيُقَال فِي غير هَذَا الْموضع أهدفت الى فلَان أَي لجأت اليه.
وَقَالَ كَعْب الغنوي [من الطَّوِيل] عَظِيم رماد الْبَيْت يحتل بَيته الى هدف لم يحتجبه غيوب
ويحتل وَيحل وَاحِد والهدف الْموضع الْمُرْتَفع لم يحتجبه غيوب أَي لم يصر فِيهَا فيحجبه والغيوب مَا اطْمَأَن من الأَرْض وَاحِدهَا غيب يُرِيد انه ينزل الْمَوَاضِع المرتفعة لِئَلَّا يخفى مَكَانَهُ على ضيف أَو طَالب حَاجَة وَمثل هَذَا قَول الآخر
[ ١ / ٥٧٨ ]
[من الطَّوِيل] عِظَام الْبيُوت ينزلون الروابيا
وَقَوله فضفت عَنْك أَي عدلت عَنْك وملت يُقَال ضاف فلَان عَن الشَّيْء وَمثله ضَاقَ قَالَ أَبُو زبيد [من الْخَفِيف] علل الْمَرْء بالرجاء ويضحى غَرضا للمنون نصب الْعود
كل يَوْم ترميه مِنْهَا برشق فمصيب أَو ضاف غير بعيد
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه أكل مَعَ رجل بِهِ ضروة من جذام. . هُوَ من ضرّ بِي الْعرق يضرو اذا سَالَ كَأَنَّهُ من الضراوة يُرَاد أَن داءه قد ضري بِهِ قَالَ العجاج [من الرجز] مِمَّا ضرى الْعرق بِهِ الضري
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر انه قَالَ فِي كَلَام لَهُ سلوا الله
[ ١ / ٥٧٩ ]
الْعَفو والعافية والمعافاة وَاعْلَمُوا أَن الصَّبْر نصف الايمان وَالْيَقِين الايمان كُله.
أما الْعَفو فالعفو عَن الذُّنُوب يكون بَين الله وَبَين العَبْد وَأما الْعَافِيَة فالعافية من آفَات الدُّنْيَا وأهوال الْآخِرَة وَأما المعاناة فان تَعْفُو عَن النَّاس وَيَعْفُو عَنْك فَلَا يكون يَوْم الْقِيَامَة قصاص.
والمفاعلة تكون من اثْنَيْنِ نَحْو الْمُضَاربَة والمشاتمة وَهُوَ أَن تضرب وتضرب وتشتم وتشتم وَكَذَلِكَ المعافاة هِيَ أَن تَعْفُو ويعفى عَنْك
وَقد تكون المعافاة من الله جلّ وَعز تَقول رب عَافنِي كَمَا تكون المعاقبة والمشارفة من وَاحِد إِلَّا أَن المعافاة فَفِي حَدِيث أبي بكر على مَا أعلمتك
وَأما الصَّبْر فَثَلَاث دَرَجَات أَولهَا الصَّبْر على الْمُصِيبَة وَثَانِيها الصَّبْر على الطَّاعَة وأعلاها الصَّبْر على الْمعْصِيَة
وَأما الْيَقِين فدرجتان إِحْدَاهمَا يَقِين السّمع وَالْأُخْرَى يَقِين النّظر وَهَذَا أَعلَى الْيَقِين قَالَ الله ﵎ حِكَايَة عَن إِبْرَاهِيم ﷺ ﴿رب أَرِنِي كَيفَ تحيي الْمَوْتَى قَالَ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي﴾ أَي يَقِين النّظر وَلذَلِك قَالَ النَّبِي ﷺ لَيْسَ الْمخبر كالمعاين حِين ذكر مُوسَى إِذْ
[ ١ / ٥٨٠ ]
أعلمهُ الله جلّ وَعز أَن قومه عبدُوا الْعجل فَلم يلق الألواح فَلَمَّا عاينهم عاكفين عَلَيْهِ غضب وَألقى الألواح حَتَّى انْكَسَرت
وَقَالَ فِي حَدِيث أبي بكر أَنه رأى رجلا يتَوَضَّأ فَقَالَ عَلَيْك بالمغفلة والمنشلة
يرويهِ ابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو بن الْحَارِث قَالَ عَن عقبَة بن مُسلم عَن أبي عبد الرحمن الحبلي عَن الصنَابحِي
قَالُوا المغفلة العنفقة سميت بذلك لِأَن كثيرا من النَّاس يغْفل عَنْهَا وَعَما تحتهَا
والمنشلة مَوضِع الْخَاتم من الْخِنْصر وَلَا أَحْسبهُ سمي مَوضِع الْخَاتم منشلة إِلَّا لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ غسله نشل الْخَاتم من ذَلِك الْموضع أَي اقتلعه مِنْهُ ثمَّ غسله ورد الْخَاتم
[ ١ / ٥٨١ ]