وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ حَدِيث ابْن زمل الْجُهَنِيّ أَنه قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا صلى الصُّبْح قَالَ وَهُوَ ثَان رجله سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ أسْتَغْفر الله إِن الله كَانَ تَوَّابًا سبعين مرّة ثمَّ يَقُول سبعين بِسبع مائَة لَا خير وَلَا طعم لمن كَانَت ذنُوبه فِي يَوْم وَاحِد أَكثر من سبع مائَة ثمَّ يسْتَقْبل النَّاس بِوَجْهِهِ فَيَقُول هَل رأى أحد مِنْكُم شَيْئا قَالَ ابْن زمل أَنا يَا رَسُول الله قَالَ خير تَلقاهُ وَشر توقاه وَخير لنا وَشر على أَعْدَائِنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين اقصص قلت رَأَيْت جَمِيع النَّاس على طَرِيق رحب لاحب سهل فَالنَّاس على الجادة منطلقون فَبينا هم كَذَلِك أشفا ذَلِك الطَّرِيق بهم على مرج لم تَرَ عَيْني مثله قطّ يرف رَفِيقًا يقطر نداه فِيهِ من أَنْوَاع الْكلأ فَكَأَنِّي بالرعلة الأولى وَحين أشفوا على المرج كبروا ثمَّ أَكَبُّوا رواحلهم فِي الطَّرِيق فَلم يظلموه يَمِينا وَلَا شمالا ثمَّ جَاءَت الرَّعْلَة الثَّانِيَة من بعدهمْ وهم أَكثر مِنْهُم أضعافا فَلَمَّا أشفوا على المرج كبروا ثمَّ
[ ١ / ٤٧٩ ]
أَكَبُّوا رواحلهم فِي الطَّرِيق فَمنهمْ المرتع وَمِنْهُم الْآخِذ الضغث ومضوا على ذَلِك ثمَّ جَاءَت الرَّعْلَة الثَّالِثَة من بعدهمْ وهم أَكثر مِنْهُم أضعافا فَلَمَّا أشفوا على المرج كبروا ثمَّ أَكَبُّوا رواحلهم فِي الطَّرِيق وَقَالُوا هَذَا خير الْمنزل فمالوا فِي المرج يَمِينا وَشمَالًا فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك لَزِمت الطَّرِيق حَتَّى أتيت أقْصَى المرج فاذا أَنا بك يَا رَسُول الله على مِنْبَر فِيهِ سبع دَرَجَات وَأَنت فِي أَعْلَاهَا دَرَجَة واذا عَن يَمِينك رجل طوال آدم أقنى اذا هُوَ تكلم يسمو يكَاد يفرع الرِّجَال طولا واذا عَن يسارك رجل ربعَة تار أَحْمَر كثير خيلان الْوَجْه اذا هُوَ تكلم أصغيتم اليه اكرما لَهُ واذ أَمَام ذَلِك شيخ كأنكم تقتدون بِهِ واذا أَمَام ذَلِك نَاقَة عجفاء شَارف واذا أَنْت كَأَنَّك تبعثها يَا رَسُول الله قَالَ فانتقع لون رَسُول الله ﷺ ثمَّ سري عَنهُ فَقَالَ أما مَا رَأَيْت من الطَّرِيق الرحب اللاحب السهل فَذَلِك مَا حملتكم عَلَيْهِ من الْهدى فَأنْتم عَلَيْهِ وَأما المرج الَّذِي رَأَيْت فالدنيا وغضارة عيشها لم نتعلق بهَا وَلم نردها.
وَأما الرَّعْلَة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وقص كَلَامه فانا لله وانا اليه رَاجِعُون وَأما أَنْت فعلى طَريقَة صَالِحَة فَلَنْ تزَال عَلَيْهَا حَتَّى تَلقانِي وَأما الْمِنْبَر فالدنيا سَبْعَة آلَاف سنة أَنا فِي آخرهَا ألفا وَأما الرجل الطوَال الآدم فَذَلِك مُوسَى نكرمه بِفضل كَلَام الله اياه وَأما الرجل الربعة التار الْأَحْمَر فَذَلِك عِيسَى نكرمه بِفضل مَنْزِلَته من الله جلّ وَعز وَأما الشَّيْخ الَّذِي رَأَيْت كأننا نقتدي
[ ١ / ٤٨٠ ]
بِهِ فَذَلِك ابراهيم ﵇ وَأما النَّاقة الْعَجْفَاء الشارف الَّتِي رَأَيْتنِي أبعثها فَهِيَ السَّاعَة علينا تقوم نَبِي بعدِي وَلَا أمة بعد أمتِي قَالَ فَمَا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ بعد هَذَا أحدا عَن رُؤْيا الا أَن يجِئ الرجل مُتَبَرعا فيحدثه بهَا.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عبد الله بن هرون ثَنَا حَازِم بن مُحَمَّد التمار عَن الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مسرح الْحَرَّانِي عَن سُلَيْمَان بن عَطاء عَن مسلمة بن عبد الله الْجُهَنِيّ عَن عَمه أبي مشجعَة بن ربعي الْجُهَنِيّ عَن ابْن زمل الْجُهَنِيّ.
أما قَوْله على طَرِيق رحب فالرحب الْوَاسِع وَمِنْه يُقَال رَحبَتْ بِلَاده أَي اتسعت وَمِنْه يُقَال مرْحَبًا.
قَالَ الْأَصْمَعِي فِي قَول النَّاس مرْحَبًا أتيت رحبا أَي سَعَة وَقَوْلهمْ أَهلا أَي أتيت أَهلا لَا غرباء فاستأنس وَلَا تستوحش وسهلا أَي أتيت سهلا حزنا وَهُوَ فِي مَذْهَب الدُّعَاء كَمَا تَقول لقِيت خيرا وَأما اللاحب فالطريق المنقاد الَّذِي لَا يَنْقَطِع قَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] على لاحب لَا يهتدى بمناره اذا سافه الْعود الديافي جرجرا
[ ١ / ٤٨١ ]
قَوْله لَا يهتدى بمناره أَي لَيْسَ ثمَّ منار يهتدى بِهِ
وسافه شمه وَالْعود الْجمل المسن جرجر رغا وَإِنَّمَا يرغو لمعرفته بِطُولِهِ وَهَذَا مثل قَول لبيد [من الرمل] ترزم الشارف من عرفانه كلما لَاحَ بِنَجْد واحتفل
وَقَوله يرف رفيفا يُقَال ذَلِك للشَّيْء إِذا كثر مَاؤُهُ من النِّعْمَة والغضاضة حَتَّى يكَاد يَهْتَز قَالَ بعض الرجاز [من الرجز] يالك من غيث يرف بقله
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنِي أَبُو بكر الْعمريّ عَن الْأَعْين الْعَنزي وَكَانَ من أهل الْبَصْرَة أَن نَوْفَل بن أبي عقرب الْكِنَانِي أحد بني عويج هَكَذَا قَالَ وَأَحْسبهُ أَبَا نَوْفَل بن أبي عقرب من عريج سقط فوه حَتَّى لم تبْق لَهُ حاكة فَقَالَ فسد لساني وطعامي وحسبت أَن يطول الْعُمر قَالَ فدعوت الله فَخرج يرف قَالَ فَلَقَد عَاد من أحسن أهل الْبَصْرَة ثغرا وَفِيه لُغَة أُخْرَى ورف يرف وريفا
[ ١ / ٤٨٢ ]
قَالَ ذُو الرمة يصف رماما [من الطَّوِيل] وأحوى كأيم الضال أطرق بَعْدَمَا حبا تَحت فينان من الظل وارف
والأيم الْحَيَّة شبه الزِّمَام بِهِ وَقَوله فَكَأَنِّي بالرعلة يُقَال للقطعة من الفرسان رعلة وَيُقَال لجَماعَة الْخَيل رعيل
وَقَوله أشفوا على المرج يُرِيد أشرفوا وَلَا يكَاد يُقَال أشفى إِلَّا على الشَّرّ وَكَذَلِكَ هُوَ على شفا كَذَا أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الشَّرّ
وَقَوله أَكَبُّوا رواحلهم هَكَذَا تحدث بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ كبوا رواحلهم يُقَال كببت الْإِنَاء إِذا قلبته وكبه الله لوجهه بِغَيْر ألف قَالَ الله تَعَالَى ﴿فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾ وَيُقَال أكب الرجل على وَجهه قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن يمشي مكبا على وَجهه﴾ وَمعنى قَوْله كبوا رواحلهم أَي ألزموها الطَّرِيق كَمَا تكب رجلا على الْعَمَل فيكب هُوَ وَيُقَال كببت الْجَزُور إِذا عقرته وَقَالَ الشَّاعِر [من الوافر] يكبون العشار لمن أَتَاهُم إِذا لم تسكت المئة الوليدا
[ ١ / ٤٨٣ ]
يُرِيد أَنهم يعقرون الابل لمن أَتَاهُم فِي جَدب الزَّمَان اذا لم يكن فِي مائَة من الابل مَا يُعلل بِهِ صبي.
وَقَوله فَمنهمْ المرتع يُقَال رتعت الابل اذا رعت وارتع الرجل اذا خلى الركاب ترعى وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: ﴿يرتع ويلعب﴾ والمدنيون يقرؤنه: ﴿يرتع﴾ بِكَسْر الْعين كَأَنَّهُ نفتعل من رعيت أَي يحفظ بَعْضنَا بَعْضًا.
وَقَوله وَمِنْهُم الْآخِذ الضغث الحزمة تجمعها من الخلى وَمن العيدان قَالَ الله جلّ وَعز: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ وَأَرَادَ أَن الْفرْقَة الثَّانِيَة نَالَتْ من الدُّنْيَا وَأَن الأولى لم تنَلْ شَيْئا لزموا الطَّرِيق فَلم يظلموه أَي لم يعدلُوا عَنهُ.
وأصل الظُّلم وضع الشَّيْء غير مَوْضِعه وَمِنْه يُقَال من أشبه أَبَاهُ فَمَا ظلم أَي مَا وضع الشّبَه غير مَوْضِعه وَمِنْه ظلم السقاء وَهُوَ أَن تشربه قبل أَن يدْرك قَالَ الشَّاعِر [من الوافر]
[ ١ / ٤٨٤ ]
.. وقائلة ظلمت لكم سقائي وَهل يخفى على العكد الظليم
والعكد جمع عكدة وَهِي أصل اللِّسَان والظليم الْمَظْلُوم فعيل فِي معنى مفعول يَقُول لَا يخفى مذاقه مَا شرب من اللَّبن قبل الادراك.
وَقَوله فِي الْفرْقَة الثَّالِثَة وَقَالُوا هَذَا حِين الْمنزل يُرِيد أَنهم ركنوا الى مَا فِي المرج من الرَّعْي وأوطنوه وتخلفوا عَن الْفرْقَتَيْنِ المتقدمتين.
وَقَوله اذا هُوَ تكلم يسمو يُرِيد أَنه يَعْلُو بِرَأْسِهِ وبدنه اذا تكلم وَيُقَال فلَان سَام بِنَفسِهِ وَهُوَ يسمو لي الْمَعَالِي أَي يَتَطَاوَل اليها.
وَقَوله يكَاد يفرع الرِّجَال أَي يطولهم وَيُقَال فرعت الْقَوْم أفرعهم فرعا وَمِنْه سميت الْمَرْأَة فارعة وَقَوله ربعَة تار قَالَ أَبُو زيد التار الممتلئ الْعَظِيم يُقَال تَرَ يتر ترارة وَأنْشد [من الوافر] ونصبح بِالْغَدَاةِ أتر شَيْء ونمسي بالْعَشي طلنفحينا
الطلنفح الْخَالِي الْجوف وَيُقَال أَنه الكال المعيي والناقة
[ ١ / ٤٨٥ ]
الشارف هِيَ المسنة من النوق وَلَا يُقَال للذّكر شَارف وَكَذَلِكَ التار من النوق هِيَ المسنة وَلَا يُقَال للذّكر تار.
وَقَوله فانتقع لون رَسُول الله ﷺ أَي تغير يُقَال امتقع لَونه وانتقع واهتقع وابتقع كل هَذَا اذا تغير من حزن أَو فزع.
واللغة الْعَالِيَة امتقع وَقَوله ثمَّ سري عَنهُ أَي كشف ذَلِك عَنهُ وَأَحْسبهُ مأخوذا من قَوْلك سروت الثَّوْب عَنهُ أَي نَزَعته فَأَنا أسروه.
[ ١ / ٤٨٦ ]