١ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أهل الْجنَّة الضُّعَفَاء المغلبون وَأهل النَّار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع
حَدثنِي أبي ﵀ قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن الْخَلِيل عَن عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْمروزِي عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن مُوسَى بن عَليّ عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النبيت ﷺ [٣٤ / ب] وَأَخْبرنِي السجسْتانِي سهل بن مُحَمَّد عَن أبي زيد الْأنْصَارِيّ سعيد بن أَوْس بن ثَابت أَنه قَالَ الجواظ الْكثير اللَّحْم المختال فِي مشيته يُقَال جاظ يجوظ جوظانا (٢) . وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِيهِ نَحْو ذَلِك وَأنْشد لرؤبة [من الرجز]: يَعْلُو بِهِ ذَا العضل الجواظا
قَالَ وَقَالَ أَبُو زيد والجعظري الَّذِي يتنفج لما لَيْسَ عِنْده وَهُوَ إِلَى الْقصر مَا هُوَ قَالَ الْأَصْمَعِي وَيُقَال أَيْضا جعظار وجعظارة
[ ١ / ٢٥٦ ]
وَرُوِيَ عَن خلف أَنه سَأَلَ أَبَا الخضري عَن الجعظارة فَقَالَ بيدَيْهِ وألزق ضبعيه إِلَى جَنْبَيْهِ وَضم أَصَابِع يَدَيْهِ وَجعل كَأَنَّهُ يتجمع ويتوتر وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي رجز لَهُ يصف رجلا من الرجز لَيْسَ بقساس وَلَا نم نجث وَلَا يجواظ العشيات مغث
بالجار يعلق حبله ضبس شبث
القساس المتجسس والنجث الَّذِي يسْتَخْرج الْأَخْبَار والنجيثة تُرَاب الْبِئْر إِذا أخرج وَقد جَاءَ هَذَا الْحَرْف مُفَسرًا فِي حَدِيث آخر
حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي القومسي عَن أبي نعيم قَالَ حَدثنِي الْبَراء بن عبد الله عَن عبد الله بن شَقِيق عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ أَلا أنبئكم بِأَهْل النَّار كل جعطري هم الَّذين لَا يألمون رُؤْسهمْ أَرَادَ أَنهم المصحون وَلم يرد الرَّأْس خَاصَّة دون سَائِر الْبدن فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك فلَان مَا صدع رَأسه قطّ يُرِيد مَا اعتل وَقد جَاءَ هَذَا الحرفان فِي حَدِيث آخر بلغَة أُخْرَى مفسرين
حَدثنِي أبي حَدثنِي عَبدة بن عبد الله الصفار عَن يحيى بن آدم عَن إِسْرَائِيل عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَلا أنبئك بِأَهْل الْجنَّة قلت بلَى قَالَ كل ضَعِيف متضعف ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله
[ ١ / ٢٥٧ ]
جلّ وَعز لَأَبَره أَلا أنبئك بِأَهْل النَّار كل جظ جعظ مستكبر قلت مَا الجظ قَالَ الضخم قلت مَا الجعظ قَالَ الْعَظِيم فِي نَفسه
٢ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد النَّبِي ﷺ عَلَيْكُم بالأبكار فَإِنَّهُنَّ أعذب أفواها وأنتق أرحاما وأرضى باليسير
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ أَحْمد ابْن الْخَلِيل عَن عبد الرحمن بن إِبْرَاهِيم الدِّمَشْقِي ثَنَا مُحَمَّد بن طَلْحَة التَّيْمِيّ عَن عبد الرحمن بن سَالم بن عتبَة بن عويم بن سَاعِدَة عَن ابيه عَن جده أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك
قَوْله أنتق أرحاما يُرِيد أَكثر أَوْلَادًا قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال امْرَأَة ناتق أَي كَثِيرَة الْوَلَد وَأخذ من نتق السقاء وَهُوَ نفضه حَتَّى تقتلع الزبدة مِنْهُ وَقَالَ النَّابِغَة يصف جَيْشًا [من الْكَامِل] لم يحرموا حسن الْغذَاء وأمهم دحقت عَلَيْك بناتق مذكار
يُرِيد أَنهم غذوا غذَاء حسنا فنموا وكثروا وَقَوله دحقت عَلَيْك بناتق أَي هِيَ نَفسهَا ناتق كَمَا قَالَ الأخطل [من الطَّوِيل] بنزوة لص بعد مَا مر مُصعب بأشعث لَا يفلى وَلَا هُوَ يغسل
[ ١ / ٢٥٨ ]
يُرِيد أَنه مر مُصعب وَهُوَ كَذَلِك
قَالَ أبي وأنشدنا الرياشي [من الرجز] ينتقن أقتاد الشليل نتقا
يَعْنِي إبِلا أَي ينفضن قَالَ وَيُقَال نتق الْمَاشِيَة الْكلأ وَهُوَ من هَذَا قَالَ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة﴾ قَالَ كَأَنَّهُ قلع من أَصله
٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ حَدِيث موادعته أهل مَكَّة وَإِسْلَام أبي سُفْيَان وَأَنه رأى الْمُسلمين لما قَامَ رَسُول الله ﷺ إِلَى الصَّلَاة قَامُوا فَلَمَّا كبر كبروا فَلَمَّا ركع ركعوا ثمَّ سجد فسجدوا فَقَالَ أَبُو سُفْيَان للْعَبَّاس يَا أَبَا الْفضل مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ طَاعَة قوم وَلَا فَارس الأكارم وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن زِيَاد عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب عَن عِكْرِمَة قَوْله وَلَا الرّوم ذَات الْقُرُون بَلغنِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ أَرَادَ قُرُون شُعُورهمْ وَكَانُوا يطولون ذَلِك فَكَانُوا يعْرفُونَ بِهِ وَقَالَ فِي قَول المرقش [من الْخَفِيف]
[ ١ / ٢٥٩ ]
.. أبلغ الْمُنْذر المنقب عني غير مستعتب وَلَا مستعين
لات هُنَا وليتني طرف الز ج وَأَهلي بِالشَّام ذَات الْقُرُون
لات هُنَا أَي لَيْسَ هَذَا وَقت لدادتك والزج مَوضِع وَقَوله بِالشَّام ذَات الْقُرُون أَرَادَ الرّوم وَكَانُوا ينزلون الشَّام كَأَنَّهُ قَالَ بِالشَّام ذَات الْعَدو أَي لَيْتَني فِي بِلَاد الْعَدو
وَقد جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ فِي حَدِيث آخر هَذَا الْحَرْف كالمفسر حَدثنِي أبي حَدثنِي مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي عَمْرو عَن ابْن محيريز قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فَارس نطحة أَو نطحتين ثمَّ لَا فَارس بعْدهَا أبدا وَالروم ذَات الْقُرُون كلما هلك قرن خلف مَكَانَهُ قرن أهل صَخْر وبحر هَيْهَات آخر الدَّهْر وَهَذَا حَدِيث مُنْقَطع فَإِن صَحَّ فَهُوَ مَا قَالَ ﵇
٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن عكراش بن ذُؤَيْب بَعَثَنِي بَنو مرّة بن عبيد بصدقات أَمْوَالهم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقدمت عَلَيْهِ بِإِبِل كَأَنَّهَا عروق الأرطى وَذكر حَدِيثا طَويلا فِيهِ أَنه أكل مَعَه قَالَ فأتينا بِجَفْنَة كَثِيرَة الثَّرِيد والوذر
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو الغنوي ثَنَا الْعَلَاء بن الْفضل
[ ١ / ٢٦٠ ]
عَن عبيد الله بن عكراش عَن أَبِيه قَوْله كَأَنَّهَا عروق الأرطى فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه اراد كَأَنَّهَا حمر وحمر الْإِبِل كرامها وَلذَلِك يُقَال مَا يسرني بِكَذَا حمر النعم
وَالْآخر أَنه اراد أَنَّهَا دقاق رقاق كعروق الأرطى وَذَلِكَ من أَمارَة كرمها
والمعنيان جيدان جَمِيعًا لِأَن الشُّعَرَاء تشبه الثور وَالْحمار بعروق الشَّجَرَة فِي الضمر وَفِي الْحمرَة وتصف عروق الأرطى بالحمرة وَكَذَلِكَ السدر قَالَ الْهُذلِيّ يصف حمارا من مجزوء الْكَامِل خاظ كعرق السدر يسْبق غَارة الخوص النجائب
قَالَ الْأَصْمَعِي أَرَادَ كَأَنَّهُ فِي حمرته عرق سِدْرَة وَلَيْسَ يجوز أَن يكون أَرَادَ الضمر هَا هُنَا لِأَنَّهُ قَالَ خاظ والخاظي الممتليئ وَقَالَ العجاج يصف ثَوْر الْحفر عَن أصل أَرْطَاة [من الرجز] إِذا انتحى كالنابت المثير مرت لَهُ دون الرجا المحفور
نواشط الأرطاة كالسيور
أَي يعْتَرض لَهُ عروق الشَّجَرَة دون الرجا يَعْنِي نَاحيَة الكناس والنواشط عروق تَأْخُذ من جَانب إِلَى جَانب وَشبه
[ ١ / ٢٦١ ]
عروقها بالسيور فِي الرقة وَفِي الْحمرَة كَمَا قَالَ ذُو الرمة يصف ثورا بحفرة فِي أصل شَجَرَة [من الطَّوِيل] توخاه بالأظلاف حَتَّى كَأَنَّمَا يثير الكباب الْجَعْد عَن متن محمل
قَالَ الْأَصْمَعِي الْمحمل حمالَة السَّيْف شبه عروق الشَّجَرَة بحمرة حمائل السَّيْف قَالَ والكباب مَا تكبب من الرمل وَقَالَ آخر [من الْكَامِل] تَيْس قعيد كالوشيجة أعضب قَالُوا الوشيجة عرق الشَّجَرَة شبه بهَا فِي الضمر وَقَوله كَثِيرَة الوذر يُرِيد كَثِيرَة بضع اللَّحْم واحدتها وذرة
قَالَ أَبُو زيد يُقَال وذرت الوذرة أذرها وذرا وبضعتها أبضعها بضعا سَوَاء
وحَدثني السجسْتانِي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ قَالَ رجل جاؤوا بثريدة ذَات حفافين من الْبضْع أَو الوذر وجناحين من الْعرَاق تجذب أولاها فتنقعر أخراها وَإِنَّمَا فرق بَين الْبضْع وَالْعراق لِأَن الْعرَاق الْعِظَام وَاحِدهَا عرق وَهِي تسمى عراقا إِذا كَانَت جردا لَا لحم عَلَيْهَا وَتسَمى عَلَيْهَا اللَّحْم عراقا لِأَنَّهَا تتعرق فَيُؤْخَذ مَا عَلَيْهَا من
[ ١ / ٢٦٢ ]
اللَّحْم وَهِي فِي هَذَا الحَدِيث عَلَيْهَا اللَّحْم
وَمثله حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَنه دخل على أم سَلمَة وَقد تَوَضَّأ فانتشل كَتفًا أَو تنَاول عرقا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ وَأما موَاضعهَا وَهِي جرد فَمثل حَدِيث جَابر أَنه قَالَ أكلت مَعَ أبي بكر خبْزًا وَلَحْمًا وَكَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ وَفِي يَده عرق يتمشمشه ثمَّ دلك يَده وَصلى وَلم يتَوَضَّأ
وَمثل قَول الْأَعرَابِي وَكَانَ يطرد الطير عَن زرع فِي سنة جَدب [من الرجز] عجبت من نَفسِي وَمن إشفاقها وَمن مطرادي الطير عَن أرزاقها
فِي سنة قد كشفت عَن سَاقهَا حَمْرَاء تبري اللَّحْم عَن عراقها
وَالْمَوْت فِي عنقِي وَفِي أعناقها
وَيُقَال ألأم من كلب على عرق
حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا الرياشي عَن أبي زيد أَنه قَالَ قَول النَّاس ثريدة كَثِيرَة الْعرَاق خطأ لِأَن الْعرَاق الْعِظَام وَلَكِن يُقَال
[ ١ / ٢٦٣ ]
ثريدة كَثِيرَة الوذر وَأنْشد [من الوافر] إِذا استهديت من لحم فأهدي من المأنات أَو فدر السنام
وَلَا تهدي الْأَمر وَمَا يَلِيهِ وَلَا تهدن معروق الْعِظَام
المأنة الطفطفة الَّتِي عَلَيْهَا الشَّحْم تكون بَين الضدع والسرة وَالْأَمر المصارين ومعروق الْعِظَام هُوَ الْعرَاق وَلم يَأْتِ فعال بنية لجَمِيع إِلَّا فِي حُرُوف يسيرَة قَالُوا رخل ورخال وتؤم وتؤام وشَاة ربى وَهِي الَّتِي ولدت وغنم ربَاب وفرير وَهُوَ ولد الْبَقَرَة وفرار وعرق وعراق قَالَ الرياشي والعرام مثله يُقَال عرمت الْعظم أعرمه وَحدثنَا الرياشي عَن أبي عَاصِم عَن أبي مُحَمَّد بن السّمع قَالَ رَأَيْت أَبَا الْملح قيد ابْنا لَهُ فِي عرام
٥ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه أعْطى بِلَال بن الْحَارِث معادن الْقبلية جلسيها وغوريها
[ ١ / ٢٦٤ ]
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ القومسي عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَالَ حَدثنِي أبي عَن ثَوْر بن زيد عَن خَاله مُوسَى بن ميسر ة مولى بني الدئل عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَوْله جلسيها يَعْنِي نجديها وَيُقَال لنجد جلس قَالَ الْأَصْمَعِي وكل مُرْتَفع جلس يُقَال جبل جلس أَي مشرف وَيُقَال جلس الرجل إِذا أَتَى نجدا فَهُوَ جَالس قَالَ الشماخ وَذكر نَاقَته [من الطَّوِيل] فمرت على مَاء العذيب وعينها كوقب الصَّفَا جلسيها قد تغورا
جعل نجدا والغور لعينها مثلا أَرَادَ أَن مَا كَانَ من عينهَا عَالِيا بارزا قد غَار قَالَ الْهُذلِيّ [من الطَّوِيل] إِذا مَا جلسنا لَا تزَال ترومنا سليم لَدَى أَبْيَاتنَا وهوازن
أَي أنجدنا والقبلية من نَاحيَة الْفَرْع
٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه بعث عشرَة عينا وَأقر عَلَيْهِم عَاصِم بن ثَابت فَلَقِيَهُ الْمُشْركُونَ فَقَالَ من الرجز
[ ١ / ٢٦٥ ]
.. أَبُو سُلَيْمَان وَرِيش المقعد ووبر من متن ثَوْر أجرد
وضالة مثل الْجَحِيم الموقد
فَرَمَوْهُ بِالنَّبلِ حَتَّى قتلوره فِي سَبْعَة وَبعثت قُرَيْش إِلَى عَاصِم ليأتوا بِرَأْسِهِ وَشَيْء من جسده فَبعث الله جلّ وَعز عَليّ مثل الظلة من الدبر فحمته حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن ابْن الْمُبَارك عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عَمْرو بن أبي سُفْيَان الثَّقَفِيّ عَن أبي هُرَيْرَة وَقَوله أَبُو سُفْيَان يَعْنِي نَفسه والمقعد رجل كَانَ يعْمل النبل ويريشها وَكَانَ مقْعدا وضالة شَجَرَة من السدر تعْمل مِنْهَا النبل والضال من السدر مَا بعد من المَاء والعبري مَا نبت على شطوط الْأَنْهَار وَعظم وَكَانَ نبله الَّتِي كَانَت مَعَه من ضَالَّة وراشها هَذَا المقعد يَقُول فَمَا عِنْدِي وَأَنا عَاصِم وقوسي ونبلي هَكَذَا فِي أَن لَا أقاتلهم
وَقَوله مثل الْجَحِيم الموقد شبه السِّهَام بالجمر قَالَ الْهُذلِيّ من الطَّوِيل أذبهم بِالسَّيْفِ ثمَّ أبثها عَلَيْهِم كَمَا بَث الْجَحِيم القوابس [٣٨ / أ]
قَالَ الْأَصْمَعِي الْجَحِيم الْجَمْر هَاهُنَا شبه النبلأ بهَا
قَالَ أَوْس بن حجر [من الطَّوِيل]
[ ١ / ٢٦٦ ]
.. تخيرن أنضاء وركبن أنصلا كجمر غضا فِي يَوْم ريح تزيلا
والأنضاء القداح الَّتِي لم تبر وَالْوَاحد نضي وَقَالَ أَبُو كَبِير الْهُذلِيّ فِي مثله من الْكَامِل ومعابلا صلع الظبات كَأَنَّهَا جمر بمسهكة تشب لمصطلي
المسهكة الْموضع الَّذِي تسهك فِيهِ الرّيح أَي تمر مرا سَرِيعا يُقَال ريح سهوك وَقَوله ضَالَّة مثل الْجَحِيم أَرَادَ سهاما من ضَالَّة مثل الْجَحِيم فَسُمي النبل ضَالَّة أَي تعْمل مِنْهَا وَمثل ذَلِك قَول سَاعِدَة بن جؤية الْهُذلِيّ من الطَّوِيل أجزت بمخشوب صقيل وضالة مباعج ثجر كلهَا أَنْت شائف
أَلا ترَاهُ أَنه قَالَ ضَالَّة ثمَّ وصفهَا بِصِفَات النبل فَقَالَ مباعج وَهِي العراض الْجراح والثجر العراض الأوساط لِأَنَّهُ أَرَادَ نبْلًا عملت مِنْهَا وشائف حَال والدبر جمَاعَة النَّحْل وَكَذَلِكَ الثول والخشرم وَلَا وَاحِد لشَيْء من هَذَا وَهُوَ كَمَا يُقَال لجَماعَة الْجَرَاد رجل ولجماعة النعام خيط ولجماعة الظباء إجل وَلَيْسَ بِشَيْء من هَذَا وَاحِد
[ ١ / ٢٦٧ ]
٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ﷺ أَنه قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا رَسُول الله الله نشدتك بِاللَّه إِلَّا قضيت بَيْننَا بِكِتَاب الله فَقَامَ خَصمه وَكَانَ أفقه مِنْهُ فَقَالَ صدق أقض بَيْننَا بِكِتَاب الله وأئذن لي فَقَالَ قل قَالَ إِن ابْني كَانَ عسيفا على هَذَا فزنى بامرأته [٣٨ / ب] فَافْتَدَيْت مِنْهُ بِمِائَة شَاة وخادم ثمَّ سَأَلت رجَالًا من أهل الْعلم فَأَخْبرُونِي أَن على ابْني جلد مائَة وتغريب عَام وعَلى امْرَأَة هَذَا الرَّجْم فَقَالَ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله الْمِائَة الشَّاة وَالْخَادِم رد عَلَيْك وعَلى ابْنك جلد مائَة وتغريب عَام وعَلى امْرَأَة هَذَا الرَّجْم فاغد يَا أنس على امْرَأَة هَذَا فَإِن اعْترفت فارجمها فغدا عَلَيْهَا فَاعْترفت فرجمها
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد ثناه سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله بن أبي هُرَيْرَة وَزيد بن خَالِد وشبل يذهب قوم من أهل الزيغ والهوى إِلَى أَن الْقُرْآن قد نقص مِنْهُ وَغير وَحذف بعض أَحْكَامه وَاحْتَجُّوا بقول النَّبِي ﷺ فِي هَذَا الحَدِيث لأقضين بَيْنكُمَا بِكِتَاب الله ثمَّ حكم بِالنَّفْيِ وَالرَّجم
[ ١ / ٢٦٨ ]
وَلَيْسَ لَهما فِي الْقُرْآن ذكر وَقَالُوا فِي هَذَا دَلِيل على أَنَّهُمَا كَانَا فِيهِ بِكِتَاب الله هَا هُنَا الْقُرْآن وَإِنَّمَا أَرَادَ لأقضين بَيْنكُمَا بِمَا كتب الله أَي بِمَا فرض
وَالْكتاب يتَصَرَّف على وُجُوه قد ذكرتها فِي كتاب تَأْوِيل مُشكل الْقُرْآن وَمِنْهَا الْفَرْض قَالَ الله جلّ وَعز ﴿كتاب الله عَلَيْكُم وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ أَي فَرْضه عَلَيْكُم وَقَالَ ﴿كتب عَلَيْكُم الْقصاص﴾ أَي فرض
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال﴾ أَي فرضت وَقَالَ تَعَالَى ﴿وكتبنا عَلَيْهِم فِيهَا أَن النَّفس بِالنَّفسِ﴾ أَي فَرضنَا عَلَيْهِم فِيهَا وَقَالَ الْجَعْدِي [من الطَّوِيل] وَمَال الْوَلَاء بالبلاء فملتم وَمَا ذَاك قَالَ الله إِذْ هُوَ يكْتب
أَرَادَ مَالَتْ الْقَرَابَة بأحسابنا إِلَيْكُم وَمَا ذَاك قَالَ الله إِذْ هُوَ يحكم
٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن أنس بن مَالك قَالَ كناني رَسُول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها
[ ١ / ٢٦٩ ]
وحدثنيه أبي قَالَ حَدثنِي زيد بن أخزم الطَّائِي ثَنَا أَبُو دَاوُد عَن شُعْبَة عَن جَابر عَن أبي نصر عَن انس بن مَالك كَانَ أنس يكنى أَبَا حَمْزَة والحمزة فِي الطَّعَام لذعة وقرصة للسان يُقَال طَعَام فِيهِ حروة وَحَمْزَة فالحروة حرارة والحمزة حِدة وحرافة فِيهِ تقرص اللِّسَان كقرص الْخَرْدَل وأشباهه للفم
قَالَ ابو حَاتِم تغدى أَعْرَابِي مَعَ قوم وَاعْتمد على الْخَرْدَل فَقَالُوا مَا يُعْجِبك مِنْهُ قَالَ حراوته وحمزه وَمن ذَلِك حَدِيث رَوَاهُ أَبُو معمر عَن عبد الوارث عَن أبي عَمْرو قَالَ شرب عمر شرابًا فِيهِ حمازة يُرِيد شرابًا يحذي للسان إِمَّا لحموضة أَو غير ذَلِك وَمِنْه قَول الشماخ [عَن الطَّوِيل]
وَفِي الْقلب حزاز من اللوم حامز
أَي ممض للفؤاد محرق وَسُئِلَ ابْن عَبَّاس أَي الْأَعْمَال أفضل قَالَ أحمزها يُرِيد أمضها وأشقها وَكَأن البقلة الَّتِي كَانَ يجتنيها أنس كَانَ فِيهَا حَمْزَة أَي لذع اللِّسَان إِذا أكلت فسميت بِفِعْلِهَا وكنى النَّبِي ﵊ أنسا بهَا
٨ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء قَالَت أَتَيْته بقناع من رطب وَأجر زغب فَأكل مِنْهُ يرويهِ أسود بن عَامر عَن شريك عَن عبد الله بن مُحَمَّد
[ ١ / ٢٧٠ ]
ابْن عقيل عَن الرّبيع بنت معوذ بن عفراء
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي زيد أَنه قنع وَهُوَ الطَّبَق الَّذِي تجْعَل فِيهِ الْفَاكِهَة أَو غَيرهَا ثمَّ يَأْكُلُون عَلَيْهِ جمعه أقناع وَقَالَ غَيره عَن ابي زيد أَنه يُقَال لَهُ القناع أَيْضا على مَا جَاءَ فِي الحَدِيث والزغب القثاء
وَفِي حَدِيث آخر أَنه أهدي إِلَيْهِ ضغابيس وَهِي صغَار القثاء وَمِنْه قيل للرجل الضَّعِيف ضغبوس بِسَبَبِهَا فِي الضعْف
وَأَخْبرنِي عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب عَن عَمه الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ الضغابيس نبت ينْبت فِي أصل الثمام يشبه الهليون يسلق وَيجْعَل بالخل وَالزَّيْت ويؤكل
وروى الزيَادي عَنهُ نَحْو ذَلِك وَقَالَ وَإِن عجوزا قيل لَهَا مَا طَعَامك فَقَالَت الْحَار والقار وَمَا حشت بِهِ النَّار وَإِن ذكرت الضغابيس فَإِنِّي ضغبة قَالَ وضغبة مُشْتَقّ مِنْهُ وَأجر جمع جرو وَيجمع أَيْضا أجراء مَمْدُود وجرو القثاء وَالرُّمَّان والحنظل صغاره قَالَ الشَّاعِر وَذكر ظليما [من السَّرِيع]
[ ١ / ٢٧١ ]
.. أصك صعل ذُو جران شاخص وَهَامة فِيهَا كجرو الرُّمَّان
أَي صَغِيرَة
٩ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه لما طعن أبي بن خلف بالعنزة بَين ثدييه انْصَرف إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ قتلني ابْن أبي كَبْشَة فنظروا فَإِذا هُوَ خدش فَقَالَ لَو كَانَت بِأَهْل ذِي الْمجَاز لقتلتهم
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن الْمطلب بن حنْطَب
كَانَ الْمُشْركُونَ ينسبون رَسُول الله ﷺ إِلَى أبي كَبْشَة وَكَانَ أَبُو كَبْشَة رجلا من خُزَاعَة خَالف قُريْشًا فِي عبَادَة الْأَوْثَان وَعبد الشعرى العبور وَحكي أَنه كَانَ يَقُول إِن الشعرى العبور قطعت السَّمَاء عرضا وَلم يقطع السَّمَاء عرضا نجم غَيرهَا فسميت بذلك عبورا فعبدها وَخَالف قُريْشًا فَأنْزل الله جلّ وَعز ﴿وَأَنه هُوَ رب الشعرى﴾ أَي هُوَ رب هَذَا النَّجْم المعبود من دونه فَلَمَّا خالفهم النَّبِي ﷺ فِي عبَادَة الْأَوْثَان ودعاهم إِلَى غَيرهَا قَالُوا هَذَا ابْن أبي كَبْشَة تَشْبِيها لَهُ
[ ١ / ٢٧٢ ]
بِهِ يُرِيدُونَ أَنه خَالَفنَا كَمَا خَالَفنَا وَيُقَال كَانَ وهب بن عبد منَاف بن زهرَة جد النَّبِي ﷺ لأمه ابْن بنت كَبْشَة فَأَبُو كَبْشَة جد جد النَّبِي ﷺ لأمه يذهبون إِلَى أَنه نزع إِلَيْهِ فِي الشّبَه
١٠ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه خطب فَذكر الدَّجَّال وَقتل الْمَسِيح لَهُ قَالَ فَلَا يبْقى شَيْء مِمَّا خلقه الله جلّ وَعز يتَوَارَى بِهِ يَهُودِيّ إِلَّا أنطق الله ذَلِك الشَّيْء لَا شَجَرَة وَلَا حجر وَلَا دَابَّة إِلَّا فَيَقُول يَا عبد الله الْمُسلم هَذَا يَهُودِيّ فاقتله إِلَّا الغرقدة فَإِنَّهَا من شجرهم فَلَا تنطق وترفع الشحناء والتباغض وتنزع حمة كل دَابَّة حَتَّى يدْخل الْوَلِيد يَده فِي الحنش فَلَا يضرّهُ وَتَكون الأَرْض كفاثور الْفضة تنْبت كَمَا كَانَت تنْبت على عهد آدم ﷺ يجْتَمع النَّفر على القطف فيشمعهم
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن يُونُس بن عبد الرحيم الْعَسْقَلَانِي وَأحمد بن الْوَلِيد بن برد عَن ضَمرَة بن ربيعَة عَن يحيى بن عَمْرو عَن عَمْرو بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ عَن ابي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَن النَّبِي ﷺ الْغَرْقَد شجر من العضاه والعضاه كل شجر لَهُ شوك مثل الطلح وَالسّلم والسمر والسدر
وَبَلغنِي أَن الْغَرْقَد كبار العوسج إِنَّمَا قيل لمدفن أهل الْمَدِينَة
[ ١ / ٢٧٣ ]
بَقِيع الْغَرْقَد لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ غرقد قَالَ ذُو الرمة [من الرجز] ألفن ضَالًّا نَاعِمًا وغرقدا
وَقَوله وتنزع حمة كل دَابَّة يُرِيد سمها وضرها والعامة تذْهب الى أَن حمة الْعَقْرَب شوكتها وَلَيْسَ كَذَلِك انما الْحمة سمها والشوكة هِيَ الابرة والحنش الأفعى قَالَ ذُو الرمة [من الطَّوِيل] وَكم حَنش ذعف اللعاب كَأَنَّهُ على الشّرك العادي نضو عِصَام
والذعف الْقَاتِل وَمِنْه قيل موت ذعاف أَي سريع الاجهاز والعصام حَبل الْقرْبَة شبه الأفعى بِحَبل خلق وَأما فاثور الْفضة فَفِيهِ قَولَانِ يُقَال انه خوان من فضَّة وَيُقَال انه جَام من فضَّة قَالَ لبيد وَذكر النُّعْمَان [من الطَّوِيل] حقائبهم رَاح عَتيق ودرمك وريط وفاثورية وسلاسل
يُقَال فِي الفاثورية أَنَّهَا أخونة وَيُقَال جامات والدرمك
[ ١ / ٢٧٤ ]
الْحوَاري والسلاسل مَا يتسلسل من صفائه وسهولته وَيُقَال للخمر أَيْضا سلسل وانما أَرَادَ أَن الأَرْض تنقى من كل دغل وَشَوْك حَتَّى تعود الى حَالهَا فِي زمن آدم ﵇ لِأَنَّهُ يروي الحَدِيث: ان الأَرْض أنبتت الشوك بعد قتل ابْن آدم أَخَاهُ.
وَكَذَلِكَ هُوَ فِي التَّوْرَاة وروى حَمَّاد بن سَلمَة عَن سعيد الْجريرِي عَن أبي نَضرة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ان النَّبِي ﷺ سَأَلَ ابْن صياد عَن تربة الْجنَّة فَقَالَ: درمك بَيْضَاء مسك خَالص فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: صدق.
وَذكر خَالِد بن صَفْوَان الدِّرْهَم فَقَالَ يطعم الدرمق ويكسو النرمق.
أَرَادَ النرم بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ اللين وَأَرَادَ بالدرمق الْحوَاري وَيُقَال درمك أَيْضا وَفِي الحَدِيث: ان النَّاس يحشرون على الأَرْض بَيْضَاء كقرصة النقي يُرِيد
[ ١ / ٢٧٥ ]
الحوارى والقطف العنقود
والمحدثون أَو أَكْثَرهم يَرْوُونَهُ بِفَتْح الْقَاف وَالْقِيَاس أَن يكسر لِأَنَّهُ اسْم مَا قطف فَأَما القطف بِالْفَتْح فَهُوَ مصدر قطفت وَمثل ذَلِك الذّبْح وَالذّبْح فالذبح مصدر ذبحت وَالذّبْح الْمَذْبُوح والرعي والرعي فالرعي مصدر رعيت والرعي الْكلأ والطحن والطحن فالطحن مصدر طحنت والطحن الدَّقِيق وَمثل هَذَا كثير
١١ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه نهى عَن الْجَلالَة وَالْمُجَثمَة وَفِي حَدِيث آخر وَنهى عَن الْخَطفَة
حَدثنِي أبي حَدثنِي بِالْأولِ القومسي عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أما الْجَلالَة فَهِيَ الَّتِي تَأْكُل الجلة والجلة البعر كنى بهَا عَن الْعذرَة وَقد فسر أَبُو عُبَيْدَة ذَلِك وَمِنْه قَوْله لرجل سَأَلَهُ عَن لُحُوم الْحمير أطْعم أهلك من سمين مَالك فَإِنِّي إِنَّمَا كرهت لَك جوال الْقرْيَة جمع جالة وَهِي بِمَنْزِلَة الْجَلالَة وَأما الْمُجثمَة فَهِيَ الَّتِي جثمت على الْمَوْت يُقَال برك الْبَعِير وربضت الشَّاة وجثم الطَّائِر وجثمت الأرنب وجثمتها إِذا أَنا فعلت بهَا مكْرها لَهَا عَلَيْهِ
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَهِي بِمَنْزِلَة المصبوة والمصبورة المحبوسة على الْمَوْت يُقَال صبرت الْبَهِيمَة أصبرها صبرا إِذا انت أوثقتها ثمَّ قتلتها رميا وَضَربا وَمِنْه حَدِيثه ﵇ أَنه نهى عَن صَبر الرّوح رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله عَن ابْن عَبَّاس وَقَالَ الزُّهْرِيّ الخصاء صَبر شَدِيد وَبَين الجاثم والمجثم فرق فالجاثم من الصَّيْد يجوز لَك أَن ترميه حَتَّى تضطاده والمجثم فَهُوَ مَا ملكته فجثمته ثمَّ جعلته غَرضا ترميه حَتَّى تقتله
وَأما مَا جثمته على الذَّكَاة فَلَيْسَ من هَذَا
والخطفة قَالَ أَبُو حَاتِم سَأَلت عَنْهَا الْأَصْمَعِي فَقَالَ لَا أعرف ذَلِك قَالَ وَقَالَ غَيره هُوَ مَا اقتطعته السَّبع من الدَّابَّة فاختطفه نهي عَن أكله وَكَذَلِكَ مَا أبنته عَن الصَّيْد عَن ضَرْبَة بِسيف أَو غَيره فَهُوَ ميتَة لَا يحل أكله وَالْأَصْل فِي ذَلِك الحَدِيث أَنه قدم الْمَدِينَة وَبهَا نَاس يَعْمِدُونَ إِلَى أسنمة الْإِبِل وأليات الْغنم فيجبونها فَقَالَ ﵊ مَا وَقع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميتَة
١٢ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ مثل الْمُنَافِق مثل الشَّاة ين الربضين إِذا أَتَت هَذِه نطحتها وَإِذا
[ ١ / ٢٧٧ ]
أَتَت هَذ نطحتها حَدَّثَنِيهِ ابي حَدثنِي مُحَمَّد بن يحيى الْقطعِي ثَنَا أَبُو دَاوُد ثَنَا المَسْعُودِيّ ثَنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن حُسَيْن قَالَ بَينا أَنا جَالس عِنْد عبيد بن عُمَيْر وَعِنْده ابْن عمر قَالَ عبيد قَالَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ ذكر ذَلِك فَقَالَ ابْن عمر إِنَّمَا قَالَ كشاة بَين غنمين فاختلط عبيد وَغَضب فَقَالَ ابْن عمر لَو لم أسمعهُ من رَسُول الله ﷺ لم أَقَله ربض الْغنم مأواها وَلَا أَحسب سمي ربضا إِلَّا أَنَّهَا تربض فِيهِ وَجمعه أرباض وَقَالَ العجاج [من الرجز] واعتاد أرباضا لَهَا آري
فَأَما الربيض فجماعة الْغنم فَإِن كَانَ الْحَرْف على مَا رَوَاهُ من الربضين فَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ منزلَة شَاة بَين مربضي غنم وَإِن كَانَ بَين الربيضين فَلَا فرق بَينه وَبَين الْغَنَمَيْنِ وَقد يُقَال ذَلِك للجماعتين إِذا انْفَرَدت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا يُقَال الغنمان والإبلان قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] هما سيدانا يزعمان وَإِنَّمَا يسوداننا أَن يسرت غنماهما
وَقَالَ الْحَارِث بن حلزة [من الْخَفِيف] عنتا بَاطِلا وظلما كَمَا تعتر حجرَة الربيض الظباء
[ ١ / ٢٧٨ ]
قَالَ الْأَصْمَعِي العتر الذّبْح والعتر الذّبْح فِي رَجَب وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ فَلَا فرعة وَلَا عتيرة والحجرة الحظيرة وتتخذ للغنم والربيض جمَاعَة الْغنم وَكَانَ الرجل من الْعَرَب ينذر نذرا على شائه إِذا بلغت مئة أَن يذبح عَن كل عشر مِنْهَا شَاة فِي رَجَب فَكَانَت تسمى تِلْكَ الذَّبَائِح الرجبية والعتاتر فَكَانَ الرجل رُبمَا بخل بشائه فيصيد الظباء ويذبها عَن غنمه ليوفي بهَا نَذره فَقَالَ الشَّاعِر أَنْتُم تأذوننا بذنوب غَيرنَا كَمَا ذبح أُولَئِكَ الظباء عَن غَنمهمْ فَأَرَادَ ﵊ الْمثل معنى قَول الله تَعَالَى ﴿مذبذبين بَين ذَلِك لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ وَلست أَدْرِي أَي شَيْء أنكر ابْن عمر من الربض أَو الربيض ومعناهما معنى الْغنم إِلَّا أَن يكون لذكر اللَّفْظ بِعَيْنِه دون الْمَعْنى وروى ابْن عمر فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث بَين غنمين
١١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن شُرَيْح بن هَانِئ قَالَ لعَائِشَة أَكَانَ رَسُول الله يُصَلِّي على الْحَصِير فَإِنِّي سَمِعت فِي كتاب الله تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ فَقَالَت لم يكن يُصَلِّي عَلَيْهِ يرويهِ يزِيد عَن الْمِقْدَام [٤٣ / أ] عَن أَبِيه عَن شُرَيْح عَن أَبِيه
[ ١ / ٢٧٩ ]
أَنا أذكر هَذَا الحَدِيث للغلط فِي تاويله قَول الله جلّ وَعز ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ وَلِأَنَّهُ قد رُوِيَ عَن عَائِشَة أَنه كَانَ لرَسُول الله ﷺ حَصِير يبسطه بِالنَّهَارِ ويحتجره بِاللَّيْلِ يُصَلِّي عَلَيْهِ وروى ذَلِك مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي عَن عبد الله بن عمر عَن سعيد بن أبي سَلمَة بن عبد الرحمن عَن عَائِشَة
وَقَالَ أبي خبرني السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ أَي محبسا وَهُوَ من قَوْلك حصرت الرجل إِذا حَبسته وضيقت عَلَيْهِ وَإِنَّمَا قيل للْملك حَصِير لأنن مَحْجُوب فَهُوَ كالمحبوس وَأَحْسبهُ جَاءَ على فعيل بِمَعْنى مفعول قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل بني مَالك جَار الْحَصِير عَلَيْكُم
وَمِنْه قيل للبخيل حصر وَالَّذِي لَا يخرج مَعَه الشّرْب شَيْئا حصور وَقَوْلها يحتجره بِاللَّيْلِ أَي يحظره لنَفسِهِ دون غَيره وَمِنْه يُقَال احتجرت الأَرْض إِذا ضربت عَلَيْهَا منارا أَو أعلمت عَلَيْهَا علما فِي الْحُدُود للحيازة وَمِنْه حجر القَاضِي على الرجل حَتَّى
[ ١ / ٢٨٠ ]
يقْضِي دينه وعَلى الْغُلَام المبذر حَتَّى يؤنس مِنْهُ الرشد
١٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن عرْفجَة بن أسعد أُصِيب أَنفه يَوْم الْكلاب فِي الْجَاهِلِيَّة فَاتخذ أنفًا من ورق فَأَنْتن عَلَيْهِ فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يتَّخذ أنفًا من ذهب
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو بن الْبَراء الغنوي [٤٣ / ب] ثَنَا جناد بن هِلَال عَن ابي الْأَشْهب حَدثنِي عبد الرحمن بن طرفَة أَن عرْفجَة أُصِيب أَنفه وَذكر الحَدِيث الْوَرق الْفضة بِكَسْر الرَّاء وَالْوَرق بِفَتْح الرَّاء المَال من الْغنم وَالْإِبِل وَقَالَ لي يزِيد بن عَمْرو ذاكرت الْأَصْمَعِي بِهَذَا الحَدِيث فَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخِذ أنفًا من ورق فَأَنْتن عَلَيْهِ فَأَما الْوَرق فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة الذَّهَب لَا ينتن وأحسب الْأَصْمَعِي أَرَادَ بالورق الرّقّ الَّذِي كتب فِيهِ وَقد كنت أَحسب قَول الْأَصْمَعِي أَن الْوَرق لَا ينتن وَأَنه بِمَنْزِلَة الذَّهَب صَحِيحا ثمَّ خبرني بعض أهل الْخِبْرَة بهما أَن الذَّهَب لَا يبليه الثرى وَلَا يصدئه الندى وَلَا تنقصه الأَرْض وَلَا تَأْكُله النَّار وَلَا تَتَغَيَّر رِيحه على الفرك
وَأَنه ألطف شَيْء شخصا وأثقل شَيْء ميزانا قَالَ وقليله يلقى فِي الزئبق فيرسب ويلقى الْكثير من غَيره فيطفو
وَأَخْبرنِي أَن الْفضة تصدأ وتنتن وتبلى فِي الحمأة
وَقد روى أَبُو قَتَادَة عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ كتب عمر بن عبد العزيز
[ ١ / ٢٨١ ]
فِي الْيَد إِذا قطعت أَن تختم بِالذَّهَب فَإِنَّهُ لَا يقيح
١٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه ذكر يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَأَن نَبِي الله عِيسَى ﵇ يحضر وَأَصْحَابه فيرغب إِلَى الله ﷿ فَيُرْسل عَلَيْهِم النغف فِي رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس وَاحِدَة
قَالَ ثمَّ يُرْسل الله مَطَرا فتغسل الأَرْض حَتَّى يَتْرُكهَا كالزلفة
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن أَخِيه بن الْوَلِيد بن برد عَن بشر بن بكر عَن عبد الرحمن بن يزِيد عَن جَابر الْحِمصِي عَن عبد الرحمن بن نفير الْحَضْرَمِيّ عَن أَبِيه عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي إِن رَسُول الله ﷺ ذكر ذَلِك
النغف دود يكون فِي أنوف الْغنم وَالْإِبِل واحدتها نغفة
وَمِنْه قَوْلك للرجل تحتقره يَا نغفة
وَقَوله فيصبحون فرسى أَي قَتْلَى وَمِنْه يُقَال فرس الذِّئْب الشَّاة يفرسها فرسا وَقد أَفرس الرَّاعِي إِذا فرس الذِّئْب شَاة من غنمه وَهَذِه فريسة الْأسد وأصل الْفرس دق الْعُنُق ثمَّ كثر وَاسْتعْمل حَتَّى صير كل قتل فرسا وَوَاحِد فرسى فريس مثل قَتِيل وقتلى وَأنْشد الْأَصْمَعِي لطفيل الغنوي [من الوافر]
[ ١ / ٢٨٢ ]
.. وَيتْرك مَاله فرسى ويقرش إِلَى مَا كَانَ من ظفر وناب
يقرش يجمع وَمِنْه قيل قُرَيْش وَيُقَال ذبح الرجل ففرس إِذا بلغ النخاع وَهُوَ كالخيط الْأَبْيَض فِي الفقار ثمَّ دقه ولواه وَمِنْه الحَدِيث كره الْفرس فِي الذَّبِيحَة
وَيُقَال أَيْضا ذبح فنخع إِذا بلغ النخاع وَقَوله حَتَّى يَتْرُكهَا كالزلفة فالزلفة مصنعة المَاء وَجَمعهَا زلف قَالَ لبيد وَذكر ساقية تَسْقِي زرعا [من الْكَامِل] حَتَّى تحيرت الدبار كَأَنَّهَا زلف وَأُلْقِي قتبها المحزوم
والدبار المشارات تحيرت من كَثْرَة المَاء حِين لم يجد المَاء منفذا وَأُلْقِي قتب النَّاقة عِنْد فراغها وَيُقَال قتب وقتب مثل حلْس وحلس وَمثل وَمثل وَبدل وَبدل
واراد أَن الْمَطَر يكثر حَتَّى يقوم المَاء فِي الأَرْض فَتَصِير الأَرْض كَأَنَّهَا مصنعة من مصانع المَاء وَقد فسرت الزلفة فِي
[ ١ / ٢٨٣ ]
الحَدِيث أَنَّهَا المحارة وَهِي الصدفة
وَلست أعرف هَذَا التَّفْسِير إِلَّا أَن يكون الغدير يُسمى محارة لِأَن المَاء يحور إِلَيْهِ ويجتمع فَيكون بِمَنْزِلَة تفسيرنا
١٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَتَرَى رَبنَا فَقَالَ أتضارون فِي رُؤْيَة الشَّمْس فِي غير سَحَاب قُلْنَا لَا قَالَ فَإِنَّكُم لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته
يرويهِ عبد الله بن أدريس عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قُلْنَا لرَسُول الله ﷺ ذَلِك
وَفِي حَدِيث آخر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته
أما المحدثون أَو أَكْثَرهم فَيَقُولُونَ تضَارونَ وتضامون كَأَنَّهُ من الضير والضيم أَي لَا يضير وَلَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا بِأَن يَدْفَعهُ عَن ذَلِك أَو يستأثر دونه
وَقَالَ بعض أَصْحَاب اللُّغَة إِنَّمَا هُوَ تضَارونَ وتضامون على تَقْدِير تفاعلون بإدغام الرَّاء وَالْمِيم فَأَما تضَارونَ فَهُوَ من الضرار والضرار أَن يتضار الرّجلَانِ عِنْد الِاخْتِلَاف يُقَال ضار فلَان فلَانا مضارة وضرارا وَقد وَقع الضرار بَينهمَا وَالِاخْتِلَاف قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي [من المتقارب]
[ ١ / ٢٨٤ ]
.. وخصمي ضرار ذَوي مأقة مَتى يدن سلمهما يشغب
والمأقة الأنفة والحدة يُقَال رجل مئق وَالْمعْنَى أَنكُمْ لَا تختلفون وَلَا تمارون فيضار بَعْضكُم بَعْضًا
وَأما تضَامون فَإِنَّهُ من الانضمام يُرِيد أَنكُمْ لَا تختلفون فِيهِ حَتَّى تجتمعون للنَّظَر وينضم بَعْضكُم إِلَى بعض فَيَقُول وَاحِد هُوَ ذَاك وَيَقُول آخر لَيْسَ كَذَلِك فعل النَّاس عِنْد النّظر إِلَى الْهلَال أول لَيْلَة من الشَّهْر
وَالْعرب تَقول للشَّيْء الْمُخْتَلف فِيهِ محلف ومحنث وَقَالُوا حضار وَالْوَزْن محلفان وهما نجمان يطلعان قبل طُلُوع سُهَيْل فِي نَاحيَة ة مطلعه ويأخذان على سمته ويشبهانه فِي المرأى فيختلف النَّاس فيهمَا ويتضامون فَيَقُول بَعضهم لأَحَدهمَا هَذَا سُهَيْل وَيَقُول بَعضهم لَيْسَ بِهِ وَلَا يزَال بهم الِاخْتِلَاف حَتَّى يحلف كل فريق مِنْهُم على مَا ادَّعَاهُ وَيُقَال كميت محلفة إِذا كَانَت تشبه الشقر وَغير محلفة إِذا كَانَت خَالِصَة الكمتة لَا تشبه الشقر فَيَقَع فِيهَا الِاخْتِلَاف وَالْحلف قَالَ الشَّاعِر [من الوافر] كميت غير محلفة وَلَكِن كلون الصّرْف عل بِهِ الْأَدِيم
١٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه
[ ١ / ٢٨٥ ]
قَالَ سموا أَوْلَادكُم اسماء الْأَنْبِيَاء وَأحسن الْأَسْمَاء عبد الله وعبد الرحمن وَأصْدقهَا الْحَارِث وَهَمَّام وأقبحها حَرْب وَمرَّة
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن الْخَلِيل عَن عمرَان بن مُوسَى عَن يحيى بن صَالح عَن مُحَمَّد بن المُهَاجر عَن عقيل بن شهيب عَن أبي وهب الكلَاعِي عَن النَّبِي ﷺ
أصدق الْأَسْمَاء الْحَارِث لِأَن الْحَارِث الكاسب يُقَال حرث فلَان إِذا كسب واحتراث المَال كَسبه وَلَيْسَ من أحد إِلَّا وَهُوَ يحرث قَالَ الله جلّ وَعز ﴿من كَانَ يُرِيد حرث الْآخِرَة نزد لَهُ فِي حرثه وَمن كَانَ يُرِيد حرث الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا﴾ أَي من كَانَ يُرِيد كسب الْآخِرَة نضاعف لَهُ كَسبه يُرِيد تَضْعِيف الْحَسَنَات وَمن كَانَ يُرِيد كسب الدُّنْيَا نؤته مِنْهَا
وحَدثني أبي حَدثنِي السجسْتانِي ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عبيد الله بن الْعيزَار عَن عبد الله بن عَمْرو أَنه قَالَ احرث لدنياك كَأَنَّك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كَأَنَّك تَمُوت غَدا
[ ١ / ٢٨٦ ]
قَالَ كثير [من المتقارب] بأيه أَبى إِذا مَا ذكرت عرفت خلائق مني ثَلَاثًا
عفافا ومجدا إِذا مَا الرِّجَال تبالوا خلائقهم واحتراثا
وَأما همام فَهُوَ من هَمت بالشَّيْء إِذا أردته وَلَيْسَ من أحد إِلَّا وَهُوَ يهم وأقبحهما حَرْب لما فِي الْحَرْب من المكاره وَمرَّة للمرارة وَكَانَ ﷺ يحب الفأل الصَّالح وَالِاسْم الْحسن
حَدثنِي أبي حَدثنِي يزِيد بن عَمْرو ثَنَا خَالِد بن يزِيد الصفار ثَنَا همام بن يحيى عَن حضرمي بن لَاحق أَو عَن أبي سَلمَة قَالَ أَبُو مُحَمَّد أرَاهُ عَن يحيى بن أبي كثير عَن حضرمي أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يكْتب إِلَى أمرائه إِذا أبردتم إِلَيّ بريدا فَاجْعَلُوهُ حسن الْوَجْه حسن الِاسْم
١٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إِن عَمْرو بن الْعَاصِ هجاني وَهُوَ يعلم أَنِّي لست بشاعر فاهجه اللَّهُمَّ والعنه عدد مَا هجاني أَو مَكَان مَا هجاني حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخطاب زِيَاد بن يحيى بن حسان ثناه أَبُو عتاب عَن عِيسَى بن عبد الرحمن السّلمِيّ حَدثنِي عدي بن ثَابت
[ ١ / ٢٨٧ ]
عَن الْبَراء بن عَازِب أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك
قَالَ ابو الْخطاب الشَّك من عِيسَى فِي عدد أَو مَكَان قَوْله أهجه يُرِيد جازه عَن الهجاء جَزَاء الهجاء وَمثل هَذَا كثير مِنْهُ قَوْله ﵊ من يسمع يسمع الله بِهِ وَمن يراءي يراءي الله بِهِ وَنَحْوه قَول الله ﷿ ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ وَالله أعلم جازاهم جَزَاء النسْيَان وَقد فسر تَرَكُوهُ فتركهم وَالْأَمر وَاحِد لِأَنَّهُ جازاهم جَزَاء التّرْك
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ وَجَزَاء السَّيئَة لَا يكون سَيِّئَة وَهُوَ من هَذَا أَرَادَ جَزَاء السَّيئَة مثلهَا عُقُوبَة وَقَوله ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾
فالعدوان الأول ظلم وَالثَّانِي قصاص وَالْقصاص لَا يكون ظلما وَإِن خرج لَفظه كَلَفْظِ الأول
هَذَا قَول الْفراء ونرى هَذَا من قَول رَسُول الله ﷺ
[ ١ / ٢٨٨ ]
كَانَ قبل إِسْلَام عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁
١٨ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من تَوَضَّأ للْجُمُعَة فبها ونعمت وَمن اغْتسل فَذَلِك أفضل حَدثنِي أبي حَدثنِي مُحَمَّد عَن عبد الله بن عبد الوهاب الحجني عَن أبي عوَانَة عَن قَتَادَة عَن الْحسن أَن رَسُول الله ﵊ قَالَ ذَلِك
قَالَ أَبُو حَاتِم سَأَلت الْأَصْمَعِي عَن التَّأْنِيث فِي قَوْله فبها فَقَالَ أَظُنهُ أُرِيد فبالسنة أَخذ أضمر ذَلِك إِن شَاءَ الله
وَأما قَوْله ونعمت فَفِيهِ قَولَانِ يُقَال أَرَادَ ونعمت الْخلَّة أَو الفعلة ثمَّ تحذف الْخلَّة اختصارا وَيُقَال ونعمت بِكَسْر الْعين وتسكين الْمِيم أَي نعمك الله
وَأما حَدِيثه الآخر فِي يَوْم الْجُمُعَة من غسل واغتسل وَبكر وابتكر واستمع وَلم يلغ فَإِن أَكثر النَّاس يذهبون فِي غسل إِلَى أَنه أَرَادَ مجامعة الرجل أَهله قبل خُرُوجه إِلَى الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَا يُؤمن عَلَيْهِ أَن يرى فِي طَرِيقه مَا يُحَرك مِنْهُ ويشغل قلبه وَيذْهب آخَرُونَ أَنه أَرَادَ بقوله غسل تَوَضَّأ للصَّلَاة فَغسل جوارح
[ ١ / ٢٨٩ ]
الْوضُوء وَثقل الْفِعْل لِأَنَّهُ أَرَادَ غسلا بعد غسلأ لِأَنَّهُ إِذا أَسْبغ وأكمل الطّهُور غسل كل عُضْو ثَلَاث مَرَّات ثمَّ اغْتسل بعد ذَلِك غسل الْجُمُعَة
وَأما قَوْله بكر فَإِن الْعَوام تذْهب فِي هَذَا إِلَى أَنه الغدو إِلَى الْمَسْجِد الْجَامِع وَلَيْسَ كَذَلِك إِنَّمَا التبكير هَا هُنَا إتْيَان الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا وكل من أسْرع إِلَى شَيْء فقد بكر إِلَيْهِ وَلذَلِك يُقَال بَكرُوا بصلا ة الْمغرب أَي صلوها عِنْد سُقُوط القرص وَيُقَال لأوّل شَيْء يَأْتِي من الْفَوَاكِه باكورة لِأَنَّهُ جَاءَ فِي أول الْوَقْت
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو وَائِل عَن شَاذ بن فياض عَن الْحَارِث بن شبْل عَن أم النُّعْمَان الكندية عَن عَائِشَة قَالَت قَالَ النَّبِي ﷺ لَا تزَال أمتِي على سنتي مَا بَكرُوا بِصَلَاة الْمغرب
وَأما قَوْله وابتكر فَإِنَّهُ أَرَادَ أدْرك الْخطْبَة من أَولهَا وأولها بكورتها كَمَا يُقَال ابتكر الرجل إِذا أكل باكورة الْفَاكِهَة وابتكر إِذا نكح بكرا أَو تزوج بكرا ويدلك أَيْضا على هَذَا التَّأْوِيل قَوْله بعقب ابتكر اسْتمع وَلم يلغ وَمن الدَّلِيل على هَذَا التَّأْوِيل حَدِيث رَوَاهُ الزيَادي قَالَ ثَنَا أَبُو صَالح عَن اللَّيْث قَالَ حَدثنِي خَالِد بن يزِيد عَن سعيد بن ابي هِلَال عَن مُحَمَّد بن سعيد الْأَزْدِيّ عَن عباد بن نسي عَن أَوْس الثَّقَفِيّ صَاحب رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ من غسل رَأسه واغتسل ثمَّ هجر إِلَى الْمَسْجِد وابتكر ثمَّ دنا واقترب واستمع كتب لَهُ بِكُل خطْوَة يخطوها صِيَام سنة وَقيام سنة
[ ١ / ٢٩٠ ]
١٩ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أجد نفس ربكُم من قبل الْيمن يرويهِ يزِيد بن هرون عَن جرير عَن شبيب بن نعيم الكلَاعِي عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ يزِيد إِنَّمَا يَعْنِي بذلك أَن الْأَنْصَار من الْيمن وَأَن الله نفس عَنهُ الكرب بهم وَيُقَال أَنْت فِي نفس من أَمرك أَي فِي سَعَة وَيُقَال اعْمَلْ وَأَنت فِي نفس أَي فِي فسحة قبل الْهَرم والأمراض وَأَشْبَاه ذَلِك من الْحَوَادِث وَنَحْو هَذَا الحَدِيث قَوْله لَا تسبوا الرّيح فَإِنَّهَا من نفس الرَّحْمَن يُرِيد أَنه تفرج بهَا الكرب وَيذْهب بهَا الجدب يُقَال اللَّهُمَّ نفس عني أَي فرج عني فَمن نفس الله بِالرِّيحِ أَنَّهَا إِذا هشت فِي الْبَلَد الْحَار والهواجر أذهب الوهد وأطابت للْمُسَافِر الْمسير وَإِذا هبت أنشأت السَّحَاب وألقحته بِإِذن الله وَكَانَت الْعَرَب تَقول إِذا كثرت الرِّيَاح كثر الْحبّ وَإِذا تنسمها عليل أَو محزون وجد فِي نسيمها شِفَاء وفرجا مِمَّا يجد قَالَ الشَّاعِر من الطَّوِيل
[ ١ / ٢٩١ ]
.. فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت على كبد محزون تجلت همومها
قَالَ الْعُتْبِي هجمت على بطن بَين جبلين فِيمَا رَأَيْت وَاديا أخصب مِنْهُ فَإِذا وُجُوه أَهله مهجة وألوانهم مصفرة فَاسِدَة فَقلت واديكم أخصب وَاد وَأَنْتُم لَا تشبهون المخاصيب فَقَالَ لي شيخ مِنْهُم لَيْسَ لنا ريح وَقد نصر الله تَعَالَى رَسُوله بالصبا وَنَفس عَنهُ الكرب يَوْم الْأَحْزَاب بِالرِّيحِ فَقَالَ ﷿ ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم ريحًا وجنودا لم تَرَوْهَا﴾ فَهِيَ من نفس الله كَمَا كَانَ الْأَنْصَار من نفس الله تَعَالَى وَمِمَّا يزِيد هَذَا التَّأْوِيل وضوحا حَدِيث حَدَّثَنِيهِ أَحْمد بن الْخَلِيل عَن مُحَمَّد بن حَرْب عَن اللَّيْث بن سعد عَن يُونُس عَن ابْن شهَاب عَن ثَابت بن قيس عَن ابي هُرَيْرَة أَنه قَالَ لعمر الرّيح من روح الله تَأتي بِالرَّحْمَةِ وَالْعَذَاب فَلَا تسبوها فَروح الله بِمَنْزِلَة نفس الله مَا أَكثر من يذهب من حَملَة الحَدِيث إِلَى غير مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ وَإِذا وَقع الْحَرْف بَين تأويلين وَلم يكن لنا فيهمَا إِمَام من السّلف نقلد مثله ملنا إِلَى أقربهما من السَّلامَة أَلا ترى أَن من ذهب إِلَى هَذَا الْمَذْهَب فِي نفس الرَّحْمَن صَادِق وَإِن كَانَ مُرَاد النَّبِي ﵊ معنى آخر وَأَن من ذهب الْمَذْهَب الآخر إِن كَانَ مُرَاد النَّبِي ﵊
[ ١ / ٢٩٢ ]
مَا أردنَا متعسف فِي القَوْل غير مَأْمُون عَلَيْهِ المأثم
٢٠ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن عَامر بن الطُّفَيْل أَتَاهُ فوثبه وسَادَة وَقَالَ لَهُ أسلم يَا عَامر فَقَالَ على أَن لي الْوَبر وَلَك الْمدر فَأبى رَسُول الله ﷺ وَقَامَ عَامر مغضبا وَقَالَ وَالله لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا جردا ورجالا مردا ولأربطن بِكُل نَخْلَة فرسا رَوَاهُ الزبيرِي عَن ظمياء بنت عبد العزيز بن مؤله بن كثيف بن حمل قَالَت حَدثنِي أبي عَن جدي مؤله بذلك قَوْله وثبه وسَادَة أَي فرشه إِيَّاهَا وَأَجْلسهُ عَلَيْهَا والوثاب الْفراش بلغَة حمير وهم يسمون الْملك إِذا كَانَ لَا يَغْزُو موثبانا يُرِيدُونَ أَنه يُطِيل الْجُلُوس وَلَا يَغْزُو وَيَقُولُونَ للرجل ثب أَي اجْلِسْ
وَرُوِيَ أَن زيد بن عبد الله بن دارم وَفد على بعض مُلُوك حمير فَأَلْقَاهُ فِي متصيد لَهُ على جبل مشرف فَسلم عَلَيْهِ وانتسب لَهُ فَقَالَ لَهُ الْملك ثب يُرِيد اجْلِسْ فَظن الرجل أَنه أمره بالوثوب من الْجَبَل فَهَلَك فَقَالَ الْملك مَا شَأْنه فخبروه بِقِصَّتِهِ
[ ١ / ٢٩٣ ]
فَقَالَ من دخل ظفار حمر وظفار الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ بهَا واليها ينْسب الْجزع الظفاري وَأَرَادَ من دخل ظفار فليتعلم الحميرية وليفهمها وَبَعْضهمْ يذهب بِهَذَا القَوْل هَذَا الْمَذْهَب قَالَ ظفار قَرْيَة فِيهَا مغرة فَمن دَخلهَا أصَاب من ذَلِك وَنَحْو من هَذَا الحَدِيث حَدِيث رَوَاهُ الْهَيْثَم عَن مُجَاهِد عَن الشّعبِيّ أَن عدي بن حَاتِم أَتَى النَّبِي ﷺ فَأمر لَهُ بمنبذة وَقَالَ إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه
والمنبذة الوسادة سميت بذلك لِأَنَّهَا تنبذ أَي تلقى وَيجْلس عَلَيْهَا
٢١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من يتتبع المشمعة يشمع الله بِهِ من حَدِيث عبد العزيز بن عمرَان عَن عبد الله بن مُصعب بن مَنْظُور عَن أَبِيه عَن عقبَة بن عَامر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك فِي خطْبَة خطبهَا طَوِيلَة هَكَذَا يرْوى هَذَا الْحَرْف فِي هَذَا الحَدِيث بالشين مُعْجمَة وَفِي حَدِيث آخر من سمع النَّاس بِعَمَلِهِ يسمع الله بِهِ بِالسِّين غير مُعْجمَة أَي من يرائي بِهِ وَيُحب إِظْهَاره يشهره الله بالرياء ويفضحه وَهَذَا غير ذَلِك الْمَعْنى والمشمعة المزاح والضحك قَالَ المنتخل الْهُذلِيّ وَذكر
[ ١ / ٢٩٤ ]
أضيافه [من الوافر] سأبدؤهم بمشمعة وأثني بجهدي من طَعَام أَو بِسَاط
يُرِيد أَنه يبْدَأ أضيافه عِنْد نزولهم بالمزاح والمضاحكة ليؤنسهم بذلك وَهُوَ نَحْو قَول الآخر [من الرجز] وَرب ضيف طرق الْحَيّ سرى صَادف زادا وحديثا مَا اشْتهى
إِن الحَدِيث جَانب من الْقرى
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عبد الرحمن بن عبد الله عَن الْأَصْمَعِي عَن خلف الْأَحْمَر قَالَ سنة الْأَعْرَاب إِذا حدثوا الرجل الْغَرِيب وهشوا إِلَيْهِ ومازحوه أَيقَن بالقرى وَإِذا أَعرضُوا عَنهُ عرف الحرمان فَلذَلِك قَالَ إِن الحَدِيث جَانب من الْقرى
وَيُقَال شمع الرجل وَمَا جد فَهُوَ يشمع شموعا وَامْرَأَة شموع إِذا كَانَت كَثِيرَة اللَّهْو والمزاح قَالَ أَبُو ذُؤَيْب يصف الْحمير [من الْكَامِل] فلبثن حينا يعتلجن بروضة فيجد حينا فِي العلاج ويشمع
وَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن من كَانَ شَأْنه الْعَبَث بِالنَّاسِ والاستهزاء بهم أصاره الله إِلَى حَالَة يعبث بِهِ فِيهَا ويستهزأ مِنْهُ
[ ١ / ٢٩٥ ]
٢٢ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ لما بلغ الكديد أَنه أَمر النَّاس بِالْفطرِ فأصح النَّاس شرجين حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَق عَن سعيد بن عبد العزيز عَن عَطِيَّة بن قيس عَن قزعة عَن ابي سعيد قَوْله أصبح النَّاس شرجين أَي فريقين كل وَاحِد مِنْهُمَا مثل الآخر يُرِيد أَن بَعضهم أصبح صَائِما وَبَعْضهمْ أصبح مُفطرا وَمثله شريجين يُقَال شرج وشريج وَهَذَا شرج هَذَا وشريجة إِذا كَانَ مثله ولفقه وَأَصله أَن تشق الْخَشَبَة نِصْفَيْنِ فَيكون أحد النصفين شريج الآخر
بَلغنِي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ قَالَ يُوسُف بن عمر أَنا شريج الْحجَّاج أَي مثله فِي السن وَقَالَ المنخل الْيَشْكُرِي [من مجزوء الْكَامِل] وَإِذا الرِّيَاح تكمشت بجوانب الْبَيْت الْقصير
الفينني هش الندى بشريج قدحي أَو شجيري
والشجير الْغَرِيب يُقَال نزل فلَان شجيرا فِي بني فلَان أَي غَرِيبا
[ ١ / ٢٩٦ ]
وَقَالَ جندل [من الرجز] من شعب شَتَّى وأنساب شجر
يَقُول الفيتني فِي هَذَا الْوَقْت أضْرب بقدحين فِي الميسر أَحدهمَا لي وَالْآخر مستعار
٢٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الله نظيف يحب النَّظَافَة فنظفوا أفنيتكم
وَفِي حَدِيث آخر فنظفوا عذراتكم وَلَا تشبهوا باليهود تجمع الأكباء فِي دورها حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ القومسي عَن الْحسن بن بشر البَجلِيّ عَن المعافا بن عمرَان عَن خَالِد بن الياس عَن المُهَاجر ابْن مِسْمَار عَن عَامر بن سعد عَن سعد أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك
الأكباء جمع كبا وَهِي الكناسة وَقَالَ الْأَصْمَعِي إِذا قصر فَهُوَ الكناسة وَإِذا مد فَهُوَ البخور
وَمن الأول حَدِيث يرويهِ مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن يزِيد عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن الْمطلب بن ربيعَة قَالَ أَن أُنَاسًا من الْأَنْصَار قَالُوا للنَّبِي ﷺ إِنَّا نسْمع من قَوْمك حَتَّى يَقُول الْقَائِل مِنْهُم
[ ١ / ٢٩٧ ]
إِنَّمَا مُحَمَّد مثل نَخْلَة نَبتَت فِي كبا
وَفِي حَدِيث أَنه قيل لَهُ يَا رَسُول الله أَيْن ندفن ابْنك قَالَ عِنْد فرطنا عُثْمَان بن مَظْعُون وَكَانَ قبر عُثْمَان عِنْد كبا عَمْرو بن عَوْف
وَأما العذرات فَهِيَ الأفنية الْوَاحِدَة عذرة ويروى فِي حَدِيث الْيَهُود أنتن خلق الله عذرة أَي فنَاء وَمن ذَلِك سمي الْحَدث عذرة لِأَنَّهُ كَانَ يلقى بالأفنية فكني عَنهُ باسم الفناء كَمَا كني عَنهُ باسم الْغَائِط وَأنْشد الزيَادي عَن زيد بن كثوة الْعَنْبَري [من الطَّوِيل] أَلا أَن قومِي لَا تلط قدورهم وَلكنهَا يوقدن بالعذرات
يَقُول لَا تستر وَلكنهَا تطبخ بالأفنية وكل شَيْء سترته فقد لططت عَنهُ
٢٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سيد أدام أهل الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اللَّحْم وَسيد ريحَان أهل الْجنَّة الفاغية
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ القومسي قَالَ ثناه الْأَصْمَعِي عَن أبي هِلَال الرَّاسِبِي عَن عبد الله بن بُرَيْدَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ
[ ١ / ٢٩٨ ]
وَقَالَ القومسي قَالَ الْأَصْمَعِي الْفَا غية هَاهُنَا نور الحنا وَقَالَ غَيره وفاغية كل نبت نوره
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عَبده الصفار ثَنَا سُلَيْمَان بن كثير الوَاسِطِيّ عَن عبد الحميد عَن أنس قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ تعجبه الفاغية وَأحب الطَّعَام إِلَيْهِ الدُّبَّاء والدباء القرع واحدته دباءة قَالَ الْأَصْمَعِي والفغو أَيْضا هُوَ الفاغية وَأنْشد لأوس بن حجر [من الْكَامِل] لَا زَالَ ريحَان وفغو ناضر يجْرِي عَلَيْك بمسبل هطال
وَقَالَ الفغو هَا هُنَا نور الريحان وروى مُسلم بن قُتَيْبَة عَن ابْن دعامة عَن الْحسن أَنه سُئِلَ عَن السّلف فِي الزَّعْفَرَان فَقَالَ إِذا فغا يُرِيد إِذا نور وَأَرَادَ ﵊ أَن سيد رياحينهم فِي الْجنَّة أنوار الشّجر من كل ضرب وَلَا أَرَادَ نور الْحِنَّاء وَحده كَمَا ذكر الْأَصْمَعِي وَجعل اللَّحْم أدما وَبَعض أَصْحَاب الرَّأْي لَا يَجعله أدما وَيَقُول لَو أَن رجلا حلف لَا يأتدم حولا ثمَّ أكل لَحْمًا قبل تصرم الْحول لم يَحْنَث وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على خَطِيئَة وكل شَيْء قرنته بِشَيْء فقد أدمته بِهِ وَقَالَ النَّابِغَة الذبياني [من الْبَسِيط]
[ ١ / ٢٩٩ ]
.. إِنِّي أتمم أيساري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسوا الْجَفْنَة الأدما
يُرِيد اللَّحْم وَقَوله أتمم أيساري أَي نقص الأيسار وهمم المتقامرون أخذت مَا بَقِي فتممتهم ومثنى الأيادي إِعَادَة الْمَعْرُوف
وَيُقَال هُوَ مَا فضل من الْجَزُور يَشْتَرِيهِ فيقسمه على الأبرام والأبرام الَّذين لَا يدْخلُونَ فِي الميسر
٢٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ القومسي ثَنَا خَالِد بن مخلد عَن مُحَمَّد بن هِلَال الْمدنِي عَن أَبِيه عَن مَيْمُونَة بنت سعد مولاة النَّبِي ﷺ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ ذَلِك وَقَوله يبت الصّيام يَعْنِي ينويه قبل الْفجْر وأصل الْبَتّ الْقطع يُقَال بت الْحَبل أَي قطعه وَبت الْقَضَاء على فلَان أَي قطعه وَمِنْه بت الطَّلَاق وَمِنْه قَوْلهم سَكرَان لَا يبت أَي لَا يقطع أمرا وَأَجَازَ الْفراء لَا يبت
[ ١ / ٣٠٠ ]
على لفظ الْعَامَّة
وَقَالَ هما لُغَتَانِ بت وأبت فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا صِيَام لمن لم يقطع الصّيام على نَفسه قبل دُخُوله فِي وقته بِالنِّيَّةِ والعزيمة وَإِلَى هَذَا يذهب الشَّافِعِي وَمن سلك طَرِيقه وَأما أَصْحَاب الرَّأْي فيرون صِيَام من فَرْضه على نَفسه بعد دُخُوله فِي الْوَقْت وَفِي صدر النَّهَار تَاما وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على الصَّوَاب وَقد جَاءَ فِي هَذَا مَا هُوَ أبين من هَذَا الحَدِيث
روى مَرْوَان بن مُعَاوِيَة عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم عَن ابْن شهَاب عَن حَمْزَة بن عبد الله عَن حَفْصَة قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا صِيَام لمن لم يُوجِبهُ من اللَّيْل هَذَا مَعَ قَوْله ﵇ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَوقت الصّيام من لدن طُلُوع الْفجْر إِلَى وجوب الشَّمْس وَكَيف يكون صَائِما من مضى عَنهُ من هَذَا الْوَقْت الْبَعْض وَهُوَ على عقد الْإِفْطَار
٢٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا عسله قيل يَا رَسُول الله وَمَا عسله قَالَ يفتح لَهُ عملا صَالحا بَين يَدي مَوته حَتَّى يرضى عَنهُ من حوله
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ عَبده بن عبد الله الصفار ثَنَا زيد بن الْحباب
[ ١ / ٣٠١ ]
ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح حَدثنِي عبد الرحمن بن جُبَير بن نفير بن مَالك بن عَامر الْحَضْرَمِيّ عَن أَبِيه أَنه سمع عَمْرو بن الْحمق الْخُزَاعِيّ يَقُول أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك
قَوْله عسله أرَاهُ مأخوذا من الْعَسَل شبه الْعَمَل الصَّالح الَّذِي يفتح للْعَبد حَتَّى يرضى النَّاس عَنهُ ويطيب ذكره فيهم بالعسل يُقَال عسلت الطَّعَام أعسله وأعسله عسلا إِذا جعلت فِيهِ السّمن وزت الطَّعَام أزيته إِذا لتته بالزيت أَو جعلته فِيهِ فَهُوَ طَعَام معسول ومسمون ومزيت وَكَذَلِكَ عسلت الْقَوْم وسمنتهم وزتهم إِذا جعلت أدمهم الْعَسَل وَالسمن وَالزَّيْت فَإِن أردْت أَنَّك زودتهم ذَلِك قلت عسلتهم وسمنتهم وزيتهم بِالتَّشْدِيدِ فَالْمَعْنى وَالله أعلم فِي قَوْله عسله جعل فِيهِ كالعسل من الْعَمَل الصَّالح كَمَا يعسل الطَّعَام إِذا جعل فِيهِ الْعَسَل
٢٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن الْأَنْصَار لما أَرَادوا أَن يبايعوه قَالَ أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان يَا رَسُول الله إِن بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا وَنحن قَاطِعُوهَا فنخشى إِن الله أعزّك وَأَظْهَرَك أَن ترجع إِلَى قَوْمك فَتَبَسَّمَ النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم أَنا مِنْكُم وَأَنْتُم مني أُحَارب من
[ ١ / ٣٠٢ ]
حَارَبْتُمْ واسالم من سَالَمْتُمْ من حَدِيث عبد الأعلى عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن معبد بن كَعْب بن مَالك عَن أَخِيه عَن أَبِيه كَعْب قَوْله إِن بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا يَعْنِي قُريْشًا أَي بَيْننَا وَبينهمْ عهود ومواثيق وَالْحَبل الْعَهْد والأمان وَقَالَ الله جلّ وَعز ﴿ضربت عَلَيْهِم الذلة أَيْن مَا ثقفوا إِلَّا بِحَبل من الله وحبل من النَّاس﴾ أَي إِلَّا بِأَمَان وعهد وَمِنْه قَول الْأَعْشَى من الْكَامِل وَإِذا تجوزها إِلَيْك حبال قَبيلَة أخذت من الْأُخْرَى إِلَيْك حبالها
يُرِيد أَنه يستجير بِقوم بعد قوم وَتَأْخُذ مِنْهُم عهدا بعد عهد حَتَّى يصل وَأَرَادَ أَبُو الْهَيْثَم أَنه كَانَت بَيْننَا وَبَين قوم يَعْنِي قُريْشًا عهود ومواثيق ثمَّ قَطعْنَاهَا فِيك فلعلك ترجع إِلَى مَكَّة إِذا ظَهرت وتخلينا وَأما قَول النَّبِي ﷺ الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم فَهَكَذَا رُوِيَ فِي الحَدِيث وَقد اخْتلف فِي اللَّفْظ والتأويل لَهُ فَقَالَ بَعضهم كَانَت قُرَيْش فِي الْجَاهِلِيَّة إِذا احتلفت أَو حالفت غَيرهَا تَقول الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم يُرِيدُونَ تطلب بدمي وأطلب بدمك وَمَا هدمت من الدِّمَاء هدمت أَي مَا عَفَوْت عَنهُ وهدرته عَفَوْت عَنهُ وهدرته
وَقَالَ آخر كَانُوا يَقُولُونَ هدمي هدمك وَدمِي دمك وترثني أرثك وتطلب بِي وأطلب بك فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا وَرثهُ الآخر السُّدس وَدفع الْبَاقِي إِلَى ورثته فَهَذَا وَجه
[ ١ / ٣٠٣ ]
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى يَقُول هُوَ الْهدم الْهدم واللدم اللدم أَي حرمتي مَعَ حرمتكم وبيتي مَعَ بَيتكُمْ وَأنْشد ثمَّ الحقي بهدمي ولدمي
أَي بأصلي وَمَوْضِعِي وأصل الْهدم مَا انْهَدم تَقول هدمت هدما والمهدوم هدم وَسمي مبرك الرجل هدما لانهدامه وَيجوز أَن يكون الْهدم الْقَبْر سمي بذلك لِأَنَّهُ يحْفر ثمَّ يرد ترابه فِيهِ وَهُوَ هَدمه قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] كَأَنَّهَا هدم فِي الجفر منقاض
يُرِيد بالهدم مَا انْهَدم من جَوَانِب الْبِئْر فَسقط فِيهَا والجفر الْبِئْر ومنقاض سَاقِط فَكَأَنَّهُ أَرَادَ على هَذَا التَّأْوِيل مقبري مقبركم أَي لَا أَزَال حَتَّى أَمُوت عنْدكُمْ وَمِمَّا يشْهد لهَذَا التَّأْوِيل أَنه رُوِيَ فِي حَدِيث آخر أَن الْأَنْصَار قَالُوا أَتَرَوْنَ أَن نَبِي الله إِذا فتح الله عَلَيْهِ مَكَّة أرضه وبلده يُقيم بهَا فَقَالَ مَا قُلْتُمْ فأخبروه فَقَالَ معَاذ الله الْمحيا محياكم وَالْمَمَات مماتكم
واللدم الْحُرْمَة جمع لادم مثل طَالب وَطلب وحارس وحرس
وَسمي أهل الرجل ونساؤه لدما لِأَنَّهُنَّ يلتدمن عَلَيْهِ إِذا مَاتَ أَي يضربن صدورهن أَو خدودهن واللدم الضَّرْب يُرِيد حرمي مَعَ حرمكم
[ ١ / ٣٠٤ ]
٢٨ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه خطب فَذكر أهل النَّار فَقَالَ أَلا وَإِن أهل النَّار خَمْسَة الضَّعِيف الَّذِي لَا زبر لَهُ الَّذين هم فِيكُم أَتبَاع لَا يَبْغُونَ أَهلا وَلَا مَالا والشنظير الفحاش وَذكر سَائِرهمْ
رَوَاهُ يزِيد عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن مطرف عَن عِيَاض بن حَمَّاد عَن النَّبِي ﷺ قَوْله لَا زبر أَي لَا رَأْي لَهُ يرجع إِلَيْهِ يُقَال رجل لَا زبر لَهُ وَلَا زور لَهُ وَلَا صيور إِذا لم يكن لَهُ رَأْي يرجع إِلَيْهِ
والشنظير السيء الْخلق وأنشدني أَبُو حَاتِم لرجل فِي امْرَأَته شنظيرة الْأَخْلَاق رأراء الْعين
قَالَ والرأراء الْعين الَّتِي كَأَن حدقتها تموج وتدور وَقد سمعته فِي وصف الرجل أَيْضا بِالْهَاءِ رجل شنظيرة وَقَالَ الْفراء تدخل الْهَاء فِي نعت الْمُذكر يذهبون بِهِ إِلَى الداهية وعَلى الذَّم يذهبون بِهِ إِلَى الْبَهِيمَة وَقَالَت امْرَأَة من الْأَعْرَاب تصف زَوجهَا [من الرجز] شنظيرة زوجنيه أَهلِي من جَهله يحْسب رَأْسِي رجْلي
كَأَنَّهُ لم ير أُنْثَى قبلي
[ ١ / ٣٠٥ ]
٢٩ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث ﷺ انه نهى عَن القنازع حد ثنيه أبي قَالَ حد ثني القومسي ثناه قبيصَة بن عقبَة ثَنَا سُفْيَان بن عبد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَن ذَلِك
قَالَ الْأَصْمَعِي القنازع واحدتها قنزعة وَهُوَ أَن يُؤْخَذ الشّعْر وَيتْرك مِنْهُ شَيْء متفرق فِي أَمَاكِن لَا يُؤْخَذ يُقَال لم يبْق من شعره إِلَّا قنزعة والعنصوة مثل ذَلِك وَجَمعهَا عناص وَمثله أَو نَحوه القزع الَّذِي نهى عَنهُ وَقد فسره أَبُو عبيد
وَفِي حَدِيث آخر ان رَسُول الله ﷺ قَالَ لأم سليم خضلي قنازعك
قَوْله خضلي أَي ندي والخضل الندى
٣٠ - وَفِي خطْبَة لرَسُول الله ﷺ خطب بهَا الْأَنْصَار فَقَالَ أوجدتم يَا معشر الْأَنْصَار من لعاعة من الدُّنْيَا تألفت بهَا قوما ليسلموا ووكلتكم الى إسلامكم فَبكى الْقَوْم حَتَّى أخضلوا لحاهم أَي بلوها بالدموع
واللعاعة أول مَا يَبْدُو من النبت وَهُوَ طري ناعم جعله
[ ١ / ٣٠٦ ]
مثلا لما نالهم وَكَذَلِكَ زهرَة الدُّنْيَا أَصله زهرَة النَّبَات
والقنازع فِي حَدِيث أم سليم شعر تطاير وَقَامَ من الشعث بعد شَيْء مِنْهُ نتف فَأمرهَا أَن تنديه بدهن أَو مَاء ليسكن يُقَال رَطْل فلَان شعره اذا لينه بالدهن أَو المَاء من قَوْلهم فلَان رَطْل اذا كَانَ فِيهِ لين
٣١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ انه ذكر الدَّجَّال فَقَالَ أَعور جعد أَزْهَر هجان كَأَن رَأسه أصلة أشبه النَّاس بِعَبْد الْعُزَّى بن قطن وَلَكِن الهلك كل الهلك أَن ربكُم لَيْسَ بأعور
وَفِي رِوَايَة أُخْرَى فاما هَلَكت هلك فان ربكُم لَيْسَ باعور حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد ثَنَا مُسلم بن ابراهيم عَن شُعْبَة عَن سماك بن حَرْب عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ
الهجان الْأَبْيَض يُقَال رجل هجان وَامْرَأَة هجان وَرِجَال هجان ونسوة هجان هَذَا الْأَكْثَر وَرُبمَا قيل هجائن
قَالَ أَبُو زيد إمرأة هجان بَيِّنَة الهجانة وَفرس هجين بَين الهجنة والأزهر الْأَبْيَض
[ ١ / ٣٠٧ ]
وَفِي حَدِيث زَائِدَة عَن سماك هجان أقمر والأقمر الْأَبْيَض الشَّديد الْبيَاض وَيُقَال للسحاب الَّذِي يشْتَد ضوؤه لِكَثْرَة مَائه أقمر وأتان قَمْرَاء أَي بَيْضَاء وَيُقَال إِذا رَأَيْت السحابة كَأَنَّهَا بطن أتان قمرءا فَذَلِك الْجُود
والأصلة الأفعى وَلست أَدْرِي لأي شَيْء شبه رَأسه بالأفعى غير أَن الْعَرَب تشبه الرَّأْس الصَّغِير الْكثير الْحَرَكَة بِرَأْس الْحَيَّة قَالَ طرفَة من الطَّوِيل أَنا الرجل الضَّرْب الَّذِي تعرفونه خشَاش كرأس الْحَيَّة المتوقد
وَلَا أرى هَذَا من ذَلِك لِأَن الأصلة كَبِيرَة الرَّأْس قَصِيرَة الْجِسْم وَأما الهلك كل الهلك أَن ربكُم لَيْسَ بأعور فَإِنَّهُ يُرِيد أَنه يَدعِي الربوبية لنَفسِهِ وَلَيْسَ على النَّاس بأَشْيَاء لَا تكون مثلهَا فِي الْبشر إِلَّا العور فَإِنَّهُ لَا يقدر أَن يُزِيلهُ وَلَا يُغَيِّرهُ
فالهلك كل الهلك [٥٤ / ا] أَنه أَعور وَالنَّاس يعلمُونَ أَن الله جلّ وَعز لَيْسَ بأعور فبذلك يهْلك وَيبْطل مَا يَدعِيهِ
وَمن رَوَاهُ فَأَما هلك هلك فَإِنَّهُ يُرِيد فَإِن هَلَكت بِهِ هلك وصلت فاعلموا أَن الله لَيْسَ بأعور
وَهلك جمع هَالك مثل حاسر وحسر وَالْعرب تَقول أفعل ذَلِك أما هَلَكت هلك بِضَم اللَّام وتخفيفها أَي أَفعلهُ على مَا خيلت فَإِن كَانَت الرِّوَايَة كَذَلِك فَإِنَّهُ أَرَادَ فَإِن شبه عَلَيْكُم بِكُل معنى
[ ١ / ٣٠٨ ]
فَلَا يتشبهن عَلَيْكُم إِن ربكُم لَيْسَ بأعور
وَأما الحَدِيث الَّذِي يرويهِ الفلتان عَن النَّبِي ﷺ فِي صفة مسيح الضَّلَالَة إِنَّه رجل أجلى الْجَبْهَة مَمْسُوح الْعين الْيُسْرَى عريض النَّحْر فِيهِ دفأ
فَإِن الأجلى الْجَبْهَة هُوَ الَّذِي انحسر الشّعْر عَن مقدم رَأسه والجبهة مَسْجِد الرجل والجبينان يكتنفانها والأجلى والأجله وَالْأَجْلَح سَوَاء والجميع جلو وجله وجلح فَإِذا ارْتَفع ذَلِك الانحسار حَتَّى يبلغ اليافوخ فَهُوَ الصلع وَقَوله فِيهِ دفا يُرِيد انحناء وأصل الدفا الْميل قَالَ ذُو الرمة وَذكر حميرا من الطَّوِيل يحاذرن من أدفا إِذا مَا هُوَ انتحى عَلَيْهِنَّ لم تنج الفرور المشائح
جعله أدفى لِأَنَّهُ يمِيل على جَانب من نشاطه وَيُقَال شَاة دفواء إِذا مَال قرناها مِمَّا يَلِي العلباوين
٣٢ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن العركي سَأَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّا نركب هَذِه الأرمات فِي الْبَحْر [٥٤ / ب]
[ ١ / ٣٠٩ ]
حَدثنِي أبي حَدَّثَنِيهِ القومسي ثَنَا مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ ثَنَا حَاتِم بن إِسْمَاعِيل عَن أُسَامَة بن زيد عَن أبي عبد الرحيم عَن عبد الله بن زرير الغافقي عَن العركي
قَالَ الْأَصْمَعِي العركي صائد السّمك والجميع عَرك وَفِي كتاب لرَسُول الله ﷺ لقوم من يهود إِن عَلَيْكُم ربع مَا أخرجت نخلكم وَربع مَا صَاد عروككم وَربع المغزل أَي ربع مَا غزل نِسَاؤُكُمْ وَهَذَا شَيْء خص بِهِ هَؤُلَاءِ وَلَا نعلم ألزم هَذَا غَيرهم وَقَالَ الْأَصْمَعِي فِي بَيت زُهَيْر لأ [من الْبَسِيط] يغشى الحداة بهم حر الْكَثِيب كَمَا يغشى السفائن موج اللجة العرك
العرك هَا هُنَا الملاحون وَقَالَ أَبُو عَمْرو إِنَّمَا سمي الملاحون عركا لأَنهم يصيدون السّمك وروى أَبُو عُبَيْدَة كَمَا يغشى السفائن موج اللجة العرك
والعرك فِي هَذِه الرِّوَايَة المتلاطم الَّذِي يدافع بعضه بَعْضًا لِشِدَّتِهِ والأرماث خشب يضم بعضه إِلَى بعض ويركب وَقد فسره أَبُو عُبَيْدَة
[ ١ / ٣١٠ ]
٣٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مَا ينْتَظر أحدكُم إِلَّا هرما مفندا أَو مَرضا مُفْسِدا رَوَاهُ الْمُعْتَمِر ابْن سُلَيْمَان عَن معمر عَن رجل من غفار عَن سعيد بن ابي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله هرما مفندا هُوَ من الفند يُقَال أفند الرجل إِذا كثر كَلَامه من الخرف وأفنده الْكبر
وَقَالَ أَبُو زيد إِذا لم يعقل من الْكبر قيل أفند فَهُوَ مُفند حَدثنِي أبي قَالَ ثَنَا الرياشي عَن الْأَصْمَعِي قَالَ ثَنَا طَلْحَة بن مُحَمَّد بن سعيد بن الْمسيب قَالَ حَدثنِي من رأى مساور بن هِنْد قد كبر وأفند وَعظم رَأسه وَاسْتَرْخَتْ أذنَاهُ وَقطع لَهُ حفش ووكلت بِهِ مرأة تقوم عَلَيْهِ فغفلت فَقَامَ حَتَّى قعد وسط الْبَيْت فكوم كومة من تُرَاب ثمَّ أَخذ بعرتين فجعلهما على رَأس الكومة ثمَّ ارسلهما فَقَالَ أرْسلت الحواء والبلندح ثمَّ نظر فَقَالَ سبقت الحواء فبصرت الْمَرْأَة فَأَقْبَلت تهودل وَهُوَ يدف حَتَّى دخل الحفش وَقَالَ إِمَّا لَا فهبي لي بعبقة البلندج السمينة
[ ١ / ٣١١ ]
الْعَظِيمَة من النوق والحفش أَصله الدرج شبه مَا قطع لَهُ فِي الْبَيْت بِهِ بصغره وتهودل تسترخي فِي مشيها وتضطرب ويدف من الدفيف وَهُوَ مشي الْكَبِير إِذا أسْرع ويدج مثله ويدب نَحْو ذَلِك
٣٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن فِي كل أمة محدثين أَو مروعين فَإِن يكن فِي هَذِه الْأمة أحد فَإِن عمر مِنْهُم يرويهِ مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ عَن الْأَشْعَث عَن الْحسن قَوْله محدثين يُرِيد قوما يصيبون إِذا ظنُّوا وَإِذا حدسوا يُقَال رجل مُحدث وَإِنَّمَا قيل لَهُ ذَلِك لِأَنَّهُ يُصِيب رَأْيه وَيصدق ظَنّه إِذا توهم فَكَأَنَّهُ حدث بِشَيْء فقاله وَمِنْه قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ فِي ابْن عَبَّاس إِنَّه لينْظر إِلَى الْغَيْب من ستر رَقِيق وَقَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] وأبغي صَوَاب الظَّن أعلم أَنه إِذا طاش ظن الْمَرْء طاشت مقادره
وَقَالَ أَوْس بن حجر [من المنسرح] الألمعي الَّذِي يظنّ لَك الظَّن كَأَن قد رأى وَقد سمعا
[ ١ / ٣١٢ ]
وَيُقَال فِي بعض الْأَمْثَال من لم ينفعك ظَنّه لم ينفعك يقينه والمروع الَّذِي ألقِي فِي روعه الشَّيْء كَأَن الله جلّ وَعز أَلْقَاهُ فِيهِ
فَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن روح الْقُدس نفث فِي روعي أَن نفسا لن تَمُوت حَتَّى تستوفي رزقها فَاتَّقُوا الله وأجملوا فِي الطّلب والروع النَّفس يُقَال وَقع كَذَا فِي روعي أَي فِي خلدي وَنَفْسِي وَكَانَ عمر يَقُول الشَّيْء ويظن الشَّيْء فَيكون كَمَا قَالَ وكما يظنّ كَقَوْلِه فِي سَارِيَة بن زنيم الدؤَلِي وَكَانَ ولاه جَيْشًا فَوَقع فِي قلب عمر أَنه لَقِي الْعَدو وَإِن جبلا بِالْقربِ مِنْهُ فَجعل عمر يُنَادِيه يَا سَارِيَة الْجَبَل الْجَبَل وَوَقع فِي قلب سَارِيَة ذَلِك فاستند هُوَ وَأَصْحَابه إِلَى الْجَبَل فَقَاتلُوا الْعَدو من جَانب وَاحِد وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله جلّ وَعز جعل الْحق على لِسَان عمر وَقَلبه
وَفِي حَدِيث آخر إِن السكينَة تنطق على لِسَان عمر هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام ويروى فِي بعض الحَدِيث إِن الْمُحدث هُوَ الَّذِي تنطق الْمَلَائِكَة على لِسَانه
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه
[ ١ / ٣١٣ ]
مر على أَسمَاء بنت عُمَيْس وَهِي تمعس إهابا لَهَا حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة بن عَمْرو عَن أبي إِسْحَاق عَن سعيد بن عبد العزيز
قَوْله تمعس أَي تدبغ وأصل المعس الدَّلْك قَالَ الْأَصْمَعِي بعثت امْرَأَة من الْعَرَب بِنْتا لَهَا إِلَى جارتها فَقَالَت تَقول لَك أُمِّي أعطيني نفسا أَو نفسين أمعس بِهِ منيئتي فَإِنِّي أفدة
قَوْلهَا نفسا أَو نفسين أَي قدر دبغة من الدّباغ أَو دبغتين
والمنيئة الْجلد مَا كَانَ فِي الدّباغ قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] إِذا أَنْت باكرت المنيئة باكرت مداكا لَهَا من زعفران وإثمدا
وَقَوْلها فَإِنِّي أفدة أَي عجلة وَمِنْه يُقَال أفد الترحل
٣٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن عَائِشَة قَالَت لسودة إِذا دخل عَلَيْك رَسُول الله ﷺ فَقولِي أكلت مَغَافِير فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَا وسيقول سقتني حَفْصَة شربة من عسل فَقولِي جرست نحله العرفط يرويهِ أَبُو اسامة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة
المغافير وَاحِدهَا مغْفُور بِضَم الْمِيم وَيُقَال لَهَا مغثور أَيْضا كَمَا يُقَال ثوم وفوم وجدث وجدف وَهُوَ شَيْء ينضحه العرفط
[ ١ / ٣١٤ ]
حُلْو كالناطف وَله ريح مُنكرَة والعرفط شجر من العضاه كل شجر لَهُ شوك وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مفعول بِضَم الْمِيم الا مغْفُور ومغرود وَهُوَ ضرب من الكمأة وَجمعه مغاريد ومنحور وَهُوَ المنحر ومعلوق وَاحِد المعاليق شبه بفعلول.
وَقَوله جرست نحله أَي أكلت وَيُقَال للنحل جوارس بِمَعْنى أَو أكل وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب وَذكر نحلا [من الطَّوِيل] يظل على الثمراء مِنْهَا جوارس مواضيع صهب الريش زغب رقابها
والثمراء شجر وَيُقَال جبل وَيُقَال جمع ثَمَرَة كَمَا قيل شَجَرَة وشجراء وقصبة وقصباء مراضيع مَعهَا أَوْلَادهَا وَهِي لَا ترْضع وَلكنه لما كَانَت المراضيع تستتبع أَوْلَادهَا شبهها بهَا وصهب الريش أَرَادَ صفر الأجنحة.
٣٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَيْسَ فِي الاكسال الا الطّهُور.
يرويهِ حَمَّاد بن سَلمَة عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن أبي أَيُّوب عَن أبي بن كَعْب عَن النَّبِي ﷺ.
الاكسال هُوَ أَن يُجَامع الرجل ثمَّ يُدْرِكهُ فتور فَلَا ينزل يُقَال أكسل الرجل يكسل اكسالا اذا أَصَابَهُ ذَلِك وأحسب أَصله من الكسل يُقَال كسل الرجل اذا فتر وأكسل صَار فِي الكسل أَو دخل فِي الكسل كَمَا يُقَال يبس الشئ أَو أيبس اذا صَار فِي اليبس.
[ ١ / ٣١٥ ]
وقحط فاذا أردْت انه صَار فِي الْقَحْط قلت أقحط وَأَرَادَ أَن الْغسْل بانزال الْمَنِيّ يجب لَا بملاقاة الْخِتَان الْخِتَان وَقد ذهب قوم يَقُولُونَ المَاء من المَاء يُرِيدُونَ الْغسْل من الْمَنِيّ فاذا لم ينزل فَلَا غسل عَلَيْهِ انما عَلَيْهِ الْوضُوء وَهَذَا كَانَ فِي صدر الاسلام ثمَّ نسخ وَمثل هَذَا قَوْله من أَتَى أَهله فأقحط فَلَا يغْتَسل هُوَ من قَوْلهم قحط الْمَطَر اذا انْقَطع أَو قل.
٣٨ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه سُئِلَ عَن الشُّهَدَاء فوصفهم ثمَّ قَالَ أُولَئِكَ يتلطون من الغرف العلى من الْجنَّة.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير.
وَفِي حَدِيث آخر ذكر فِيهِ الشُّهَدَاء فَقَالَ المجنوب فِي سَبِيل الله شَهِيد.
قَوْله يتلبطون هُوَ قَوْلك لبطت الرجل لبطا اذا أَنْت صرعته.
وَيُقَال لبط بِالرجلِ يلبط لبطا اذا سقط وَرجل ملبوط وَمِنْه حَدِيث سهل بن حنيف ان رجلا عانه فلبط بِهِ أَي صرع وَقد ذكر ذَلِك أَبُو عبيد فَكَأَن يتلبطون بِمَنْزِلَة
[ ١ / ٣١٦ ]
يتصرعون فِي التَّقْدِير وَالْمعْنَى يضطجعون.
والمجنوب الَّذِي بِهِ ذَات الْجنب يُقَال جنب الرجل فَهُوَ مجنوب وَمثله صدر فَهُوَ مصدور اذا اشْتَكَى صَدره وبطن فَهُوَ مبطون اذا اشْتَكَى بَطْنه.
حَدثنِي أبي حَدثنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن عِيسَى بن عمر قَالَ قلت لأعرابي مَا تَقول فِيمَن تصاب رئته قَالَ مرئي قلت فيصاب فُؤَاده قَالَ مفؤود قلت فتصاب كليته قَالَ مكلي وَفِي الْعين معِين وَفِي الْجنب مجنوب فَقَالَ لي مَا تَقول أَنْت فِي المكمور فَقلت انه لمكمور فَقَالَ شهِدت لَك بالفقه أَرَادَ أَن يَقُول مَا تَقول أَنْت فِيمَن تصاب كمرته فَلم يرفق فِي المسئلة وَيُقَال رجل فقر ظهر وفقر اشْتَكَى ظَهره وفقاره وَلم أسمع بمظهور وَلَا مفقور قَالَ طرفَة من الرمل واذا تلسنني ألسنها انني لست بموهون فقر
قَوْله تلسنني تأخذني بلسانها وَيُقَال فَقير أَيْضا وَمِنْه قَول الآخر من الْكَامِل لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل
[ ١ / ٣١٧ ]
٣٩ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ انه قَالَ عَلَيْكُم بِالْجَمَاعَة فان يَد الله على الْفسْطَاط يرويهِ سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز عَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر عَن مَكْحُول عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ الْفسْطَاط الْمَدِينَة وكل مَدِينَة فسطاط وَلذَلِك قيل لمصر فسطاط.
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ حَدثنِي رجل من بني تَمِيم قَالَ قَرَأت فِي كتاب رجل من قُرَيْش هَذَا مَا اشْترى فلَان بن فلَان من عجلَان مولى زِيَاد اشْترى مِنْهُ خمس مائَة جريب حِيَال الْفسْطَاط يُرِيد الْبَصْرَة.
وَمِنْه قَول الشّعبِيّ فِي الْآبِق اذا أَخذ فِي الْفسْطَاط عشرَة فاذا أَخذ خَارِجا من الْفسْطَاط أَرْبَعُونَ وَأَرَادَ ان يَد الله على أهل الْأَمْصَار وان من شَذَّ عَنْهُم وفارقهم فِي الرَّأْي فقد خرج عَن يَد الله وَفِي ذَلِك آثَار مِنْهَا حَدِيثه ان الله لم يرض بالوحدانية وَمَا كَانَ الله ليجمع أمتِي على ضَلَالَة بل يَد الله عَلَيْهِم فَمن شَذَّ تخلف عَن صَلَاتنَا وَطعن على أَئِمَّتنَا فقد خلع ربقة الاسلام من عُنُقه شرار أمتِي الوحداني المعجب بِدِينِهِ الْمرَائِي بِعَمَلِهِ المخاصم بحجته وَمِنْهَا قَوْله من عمل لله فِي الْجَمَاعَة تقبل الله مِنْهُ وان أَخطَأ غفر الله لَهُ وَمن عمل لله فِي الْفرْقَة فَأصَاب لم
[ ١ / ٣١٨ ]
يتَقَبَّل الله مِنْهُ فان أَخطَأ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار.
وَمِنْهَا قَوْله ان أمتِي لَا تجمع على ضَلَالَة فاذا رَأَيْتُمْ الِاخْتِلَاف فَعَلَيْكُم بِالسَّوَادِ الْأَعْظَم وَلَيْسَت كل جمَاعَة اجْتمعت هِيَ فِي هَذَا السوَاد الْأَعْظَم انما السوَاد الْأَعْظَم جملَة النَّاس الَّتِي اجْتمعت على طَاعَة السُّلْطَان وبخعت بهَا برا كَانَ أَو فَاجِرًا مَا أَقَامَ الصَّلَاة كَمَا قَالَ أنس بن مَالك وَقَالَ يزِيد الرقاشِي روى عُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن يزِيد بن ابان الرقاشِي قَالَ قلت لأنس أَيْن الْجَمَاعَة فَقَالَ أمرائكم.
٤٠ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ بَينا رجل بفلاة من الأَرْض سمع صَوتا فِي سَحَابَة أَسْقِي حديقة فلَان فَتنحّى ذَلِك السَّحَاب فأفرغ مَاءَهُ فِي شرجة فاذا شرجة من تِلْكَ الشراج قد استوعبت ذَلِك المَاء.
يرويهِ يزِيد بن هَارُون عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة الْمَاجشون عَن رجل عَن عبيد بن عُمَيْر عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ.
قَالَ الْأَصْمَعِي الشراج مجاري المَاء من الْحرار الى السهل وأحدها شرج هَذِه رِوَايَة أبي عبيد عَنهُ.
حَدثنِي أبي وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَنهُ قَالَ سَمِعت عُثْمَان بن طَلْحَة يَقُول اقتتل أهل الْمَدِينَة وموالي مُعَاوِيَة فِي شرج من شرج
[ ١ / ٣١٩ ]
الْحرَّة سَالَتْ قَالَ والشرج شعب من الْحرَّة تسيل قَالَ وَفِي الحَدِيث خَاصم الزبير فِي شرج الْمَدِينَة وانما هُوَ شرج وشرج جمع الْجمع كَأَنَّهُ جمع شراج وشراج جمع شرج كَمَا قَالُوا رهن ورهان وَرهن وَفِي بعض الْأَمْثَال أشبه شرج شرجا لَو أَن أسيمرا يضْرب للشيئين يشتبهان وَيُفَارق أَحدهمَا صَاحبه فِي الْبَعْض وَلم أجعَل شرجا جمع شرج لِأَنَّهُ فعلا لَا يجمع على فعل وَقد كَانَ بعض أهل الْأَعْرَاب يَقُول رهن جمع رهن وسقف جمع سقف قَالَ وَيُقَال رجل حشر الْأذن أَي محددها وَرِجَال حشر الْأَذَان فرس ورد وخيل ورد وَهَذَا من الْجمع شَاذ لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَلَا يعرف غَيره.
وَكَانَ الْفراء فِيمَا أَحسب أَو غَيره من البغداديين يَقُول رهن جمع رهان مثل كتاب وَكتب ورهان جمع رهن مثل كلب وكلاب وسقف جمع سقيف مثل كثيب وكثب وقضيب وقضب وَلَا أحفظ عَنْهُم فِي الحرفين الآخرين شَيْئا.
٤١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يُصَلِّي الهجير الَّتِي يسمونها الأولى حِين تدحض الشَّمْس.
[ ١ / ٣٢٠ ]
يرويهِ إِسْمَاعِيل بن علية عَن عَوْف عَن أبي الْمنْهَال عَن أبي بَرزَة قَوْله حِين تدحض الشَّمْس يَعْنِي تَزُول وَاصل الدحض الزلق يُقَال دحض يدحض دحضا إِذا زلق وَجعل الشَّمْس تدحض لِأَنَّهَا لَا تزَال ترْتَفع من لدن تطلع إِلَى أَن تصير فِي كبد السَّمَاء ثمَّ تنحط عَن الكبد للزوال فَكَأَنَّهَا تزلق فِي ذَلِك الْوَقْت فَلَا تزَال فِي انحطاط حَتَّى تغرب وَمن ذَلِك قَول مُعَاوِيَة لعَمْرو بن الْعَاصِ حِين ذكر لَهُ مَا وَرَاه عبد الله ابْنه عَن قَول النَّبِي ﷺ لعمَّار تقتلك الفئة الباغية لَا تزَال تَأْتِينَا بهنة تدحض بهَا فِي نولك أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتله الَّذِي جَاءَ بِهِ
٤٢ - قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سبق المفردون قَالُوا وَمَا المفردون قَالَ الَّذين أهتروا فِي ذكر الله يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم فَيَأْتُونَ يَوْم الْقِيَامَة خفافا يرويهِ مُحَمَّد بن بشر عَن عمر بن رَاشد عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة قَوْله أهتروا من الهتر وَهُوَ السقط من القَوْل والغلط يُقَال أهتر الرجل فَهُوَ مهتر إِذا أَصَابَهُ ذَلِك من الخرف وَمِنْه أَخذ التهاتر فِي القَوْل بَين الرجلَيْن قَالَ أَبُو زيد هُوَ أَن يَدعِي كل وَاحِد مِنْهُمَا على الآخر بَاطِلا وَقَالَ غَيره هِيَ الْأَقَاوِيل والشهادات الَّتِي يكذب بَعْضهَا بَعْضًا وَالْأَصْل الهتر وَهُوَ أَن يحملهُ اللجاج وَالْحمية على أَن يتكلما بِهِ وَقَالَ النَّبِي ﷺ
[ ١ / ٣٢١ ]
المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران وَأما المفردون فهم الهرمى الَّذين قد هلك لداتهم من النَّاس وَذهب الْقرن الَّذِي كَانُوا فِيهِ وبقوا فهم يذكرُونَ الله وَقد اهتروا وَهُوَ كَمَا تَقول قد هرم فلَان فِي طَاعَة الله وخرف فِي ذكر الله تُرِيدُ هرم وَهُوَ يُطِيع الله وخرف وَهُوَ يذكرهُ أَي لم يزل يفعل ذَلِك حَتَّى خرف وهرم هَكَذَا أرَاهُ وَالله أعلم
وَقد رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة أَيْضا أَنه قَالَ سبق المفردون المستهترون بِذكر الله وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز أَن تجْعَل الإهتار بِمَنْزِلَة الاستهتار وَهُوَ كالولوع بالشَّيْء وَتجْعَل المفردين المنفردين المتحلين من النَّاس بِذكر الله جلّ وَعز
٤٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن سفينة أشاط دم جزور بجذل فَأَكله
رَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن عُثْمَان بن عمر عَن عَليّ بن الْمُبَارك عَن يحيى بن أبي كثير عَن عمر بن هرون عَن صُهَيْب عَن سفينة [٥٩ / ب] قَوْله أشاط دم جزور أَي سفكه يُقَال أشاط دَمه فشاط أَي أبْطلهُ فَبَطل وأصل الإشاطة الإحراق وَقَالَ الْأَعْشَى من الْبَسِيط
[ ١ / ٣٢٢ ]
.. قد نخضب العير من مَكْنُون قَائِله وَقد يشيط على أرماحنا البطل
أَي يبطل دَمه وَهَكَذَا كَانَ الْأَصْمَعِي يرويهِ نخضب العير من مَكْنُون قَائِله والفائل والفال عرق فِي الْفَخْذ وَكَانَ غَيره يرويهِ قد يطعن العير فِي مَكْنُون فائله وَكَانَ الْأَصْمَعِي يُنكر هَذَا وَيَقُول كَيفَ يطعنه فِي الدَّم
وَيُقَال أشاط فلَان دم فلَان إِذا عرضه للْقَتْل وَالْأَصْل فِي هَذَا كُله الإحراق
والجذل أصل الشَّجَرَة يقطع وفيهَا لُغَتَانِ جذل وجذل هَذَا أَصله
وَرُبمَا جعل الْعود جذلا وَهُوَ كَذَلِك فِي هَذَا الْموضع أَرَادَ بِهِ ذبحه بِعُود قد أحده للذبح وَجمع الجذل أجذال وَفِي بعض الحَدِيث كَيفَ تبصر القذاة فِي عين أَخِيك وَلَا تبصر الجذل فِي عَيْنك
٤٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه لما فرغ من قتال أهل بدر أَتَاهُ جِبْرِيل على فرس أُنْثَى حَمْرَاء عاقدا ناصيته عَلَيْهِ درعه وَرمحه فِي يَده قد عصم ثنيته
[ ١ / ٣٢٣ ]
الْغُبَار فَقَالَ إِن الله جلّ وَعز أَمرنِي أَن لَا أُفَارِقك حَتَّى ترْضى فَهَل رضيت قَالَ نعم قد رضيت فَانْصَرف
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن مُعَاوِيَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي بكر بن عبد الله العسافي عَن عَطِيَّة بن قيس هَكَذَا رَوَاهُ قد عصم ثنيتيه الْغُبَار وَأَحْسبهُ غَلطا من بعض نقلة الحَدِيث وَالصَّوَاب عصب بِالْبَاء [٦٠ / أ] أَي يبس الْغُبَار على ثنيتيه فتوهمه السَّامع عصم لقرب مخرج الْبَاء من مخرج الْمِيم وأشباههما فِي السّمع يُقَال عصب الرِّيق بِفِيهِ يعصب عصبا إِذا يبس وَقد عصب فَاه الرِّيق قَالَ ابْن أَحْمَر من الطَّوِيل يُصَلِّي على من مَاتَ منا عريفنا وَيقْرَأ حَتَّى يعصب الرِّيق بالفم
وَقَالَ بعض الرجاز من الرجز يعصب فَاه الرِّيق أَي عصب عصب الْجبَاب بشفاه الوطب
والجباب شَيْء يجْتَمع من ألبان الْإِبِل كالزبد وَلَيْسَ لِلْإِبِلِ زبد وَأما عصم فبمعنى منع وَمِنْه الْعِصْمَة فِي الدّين إِنَّمَا هُوَ الْمَنْع من الْمعاصِي وَقَوله ﴿لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله﴾ أَي لَا مَانع وَيُقَال قد عصمه الطَّعَام أَي مَنعه من الْجُوع وَلَيْسَ لعصم
[ ١ / ٣٢٤ ]
فِي هَذَا الحَدِيث وَجه إِلَّا أَن يكون أعصم بثنيتيه أَي لزمهما ولصق بهما قَالَ أَبُو زيد أعصم الرجل بِصَاحِبِهِ إِذا لزمَه وَيُقَال أعصم الرجل يعْصم إِذا تشدد واستمسك بِشَيْء لِئَلَّا يصرعه فرسه أَو بعيره قَالَ الشَّاعِر من الْكَامِل كفل الفروسة دَائِم الإعصام
وَقَالَ طفيل [من الطَّوِيل] وَلم يشْهد الهيجا بألوث معصم
٤٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ الَّذِي ذكره فِيهِ أَن الْملك يَأْتِي العَبْد إِذا وضع فِي قَبره قَالَ فَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا فَيُقَال لَهُ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل يَعْنِي مُحَمَّدًا ﵊ فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته فَيَقُول لَا دَريت وَلَا تليت وَلَا اهتديت رَوَاهُ عَليّ بن الْمَدِينِيّ عَن عبد الملك بن عمر عَن عباد بن رَاشد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن أبي نصْرَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَوْله وَلَا تليت هَكَذَا يَقُولُونَهُ وَإِذا قطع أَيْضا من لَا قَالُوا تليت وَهُوَ غلط وَفِيه قَولَانِ بَلغنِي عَن يُونُس الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هُوَ لَا دَريت وَلَا
[ ١ / ٣٢٥ ]
أتليت سَاكِنة التَّاء يَدْعُو عَلَيْهِ أَن لَا تتلي إبِله أَي لَا يكون لَهَا أَوْلَاد تتلوها أَي تتبعها يُقَال للناقة قد أتلت فَهِيَ متلية وتلاها وَلَدهَا إِذا تبعها وَقَالَ غَيره هُوَ لَا دَريت وَلَا ائتليت تَقْدِيره افتعلت من قَوْلك مَا ألوت هَذَا وَلَا استطعته وَيُقَال لَا آلو كَذَا أَي لَا أستطيعه كَأَنَّهُ يُقَال لَا دَريت وَلَا اسْتَطَعْت وَهَذَا أشبه بِالْمَعْنَى وَلَفظه أشبه بِاللَّفْظِ فِي الحَدِيث أَلا ترى أَنَّك إِذا خففت الْهمزَة وأدرجت الْكَلَام وَافَقت اللَّفْظَة لفظ الْمُحدث
٤٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه سمى الْغُرَاب فَاسِقًا
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد عَن القعنسي عَن مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه الْفَاسِق العَاصِي وأصل الْفسق الْخُرُوج من الشَّيْء قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ ففسق عَن أَمر ربه﴾ أَي خرج عَن طَاعَته قَالَ الْفراء وَلَا أَحسب الْفَأْرَة سميت فويسقة إِلَّا لخروجها من جحرها على النَّاس
[ ١ / ٣٢٦ ]
حَدثنِي أبي حَدثنِي القومسي عَن عبد العزيز بن عبد الله الأوسي ثَنَا اللَّيْث بن سعد عَن أبي الزبير عَن جَابر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ غطوا الْإِنَاء وأوكوا السقاء وَأَغْلقُوا الْبَاب وأطفئوا السراج فَإِن الفويسقة تصرم على أهل الْبَيْت بَيتهمْ يَعْنِي الْفَأْرَة وَلَا اراه سمى الْغُرَاب فَاسِقًا إِلَّا أَن نوحًا ﵇ كَانَ أرْسلهُ ليَأْتِيه بِخَبَر مَاء الطوفان فَوجدَ جيفة طافية على المَاء فشغل بهَا وَلم يرجع إِلَيْهِ فَأرْسل الْحَمَامَة بعده فَرَجَعت إِلَيْهِ بِمَا أحب من الْخَبَر فَدَعَا الله لَهَا بالطوق فِي عُنُقهَا والخضاب فِي رِجْلَيْهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وقرأت فِي التَّوْرَاة أَنه لما كَانَ بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا فتح نوح كوَّة الْفلك الَّتِي صنع ثمَّ ارسل الْغُرَاب فَخرج وَلم يرجع حَتَّى يبس المَاء عَن الأَرْض وَأرْسل الْحَمَامَة مرّة بعد مرّة فَرَجَعت حِين أمست وَفِي منقارها ورقة زيتون فَعلم أَن المَاء قد قل عَن وَجه الأَرْض وأحسب هَذَا أصل قَوْلهم غراب الْبَين لِأَنَّهُ بَان فَذهب وَلذَلِك تشاءموا بِهِ وزجروا فِي نعيقه الْفِرَاق والإغتراب مِنْهُ
وَقَوْلهمْ قَذَفته نوى غربَة وَهَذَا شأو مغرب أَي بعيد وَهَذِه عنقاء مغرب أَي جائية من بعيد وَمَا أشبه هَذَا مشتقا من اسْمه لمفارقته نوحًا ﵇ ومباينته إِيَّاه وَسَماهُ
[ ١ / ٣٢٧ ]
رَسُول الله ﷺ فَاسِقًا لمعصيته إِيَّاه وَأمر بقتْله فِي الْحرم وَقَالَ بَعضهم سمي غراب الْبَين لِأَنَّهُ يسْقط فِي الديار إِثْر الْقَوْم إِذا تحملوا يتقمم وَالتَّفْسِير الأول أعجب إِلَيّ وَالشَّاهِد عَلَيْهِ أقوى وَسُئِلَ بعض عُلَمَاء الْأَعْرَاب لم سمي الْغُرَاب غرابا فَقَالَ لِأَنَّهُ نأى واغترب وَذهب هَذَا إِلَى أَن اسْمه مُشْتَقّ من الغربة لَا إِن الغربة مُشْتَقَّة مِنْهُ وَهَذَا وَجه أَيْضا
وَمِمَّا يزِيد هَذَا الْمَعْنى وضوحا حَدِيث مُحَمَّد بن سِنَان الْعَوْفِيّ عَن عبد الله بن الْحَارِث بن أَبْزي الْمَكِّيّ قَالَ حَدَّثتنِي أُمِّي ريطة ابْنة مُسلم عَن أَبِيهَا قَالَ شهِدت مَعَ النَّبِي ﷺ حنينا فَقَالَ لي مَا اسْمك قلت غراب فَقَالَ أَنْت مُسلم كره أَن يكون اسْمه غرابا لفسق الْغُرَاب ومعصيته فَسَماهُ مُسلما وَكَذَلِكَ كَانَ مذْهبه ﵊ فِي الِاسْم إِذا كرهه للرجل أَن يُسَمِّيه بضد مَعْنَاهُ كَقَوْلِه لقوم قَالُوا لَهُ نَحن بَنو زنية فَقَالَ أَنْتُم بَنو رشدة
وَكَقَوْلِه لحزن جد سعيد بن الْمسيب أَنْت سهل كَذَلِك ذهب فِي تَسْمِيَته بِمُسلم إِلَى ضد معنى غراب لِأَن الْغُرَاب عَاص وَالْمُسلم مُطِيع مَأْخُوذ من الاستسلام وَهُوَ الإنقياد وَالطَّاعَة
[ ١ / ٣٢٨ ]
٤٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن ام سَلمَة قَالَت يَا رَسُول الله أَرَاك ساهم الْوَجْه أَمن عِلّة قَالَ لَا وَلكنه السَّبْعَة الدَّنَانِير الَّتِي أَتَيْنَا بهَا أمس نسيتهَا فِي خصم الْفراش فَبت وَلم أقسمها
يرويهِ حُسَيْن بن عَليّ عَن زَائِدَة بن قدامَة عَن عبد الملك بن عُمَيْر عَن ربعي عَن أم سَلمَة
وخصم الْفراش جَانِبه وَكَذَلِكَ هُوَ من كل شَيْء وَجمعه خصوم وأخصام قَالَ الأخطل وَذكر السَّحَاب [من الطَّوِيل] إِذا طعنت فِيهِ الْجنُوب تحاملت بأعجاز جرار تداعى خصومها
أَي جوانبها وَطعن الْجنُوب فِيهِ سوقها إِيَّاه والجرار الثقيل ذُو المَاء تحاملت بأعجازه دفعت أواخره وخصومها جوانبها الْوَاحِد خصم يُرِيد تداعى بالرعد وَمِنْه قَول سهل بن حنيف يَوْم صفّين لما حكم الحكمان إِن هَذَا الْأَمر لَا يسد لله فِيهِ خصم إِلَّا انْفَتح علينا خصم آخر
٤٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن عبد الله
[ ١ / ٣٢٩ ]
ابْن الشخير قَالَ قدمت عَلَيْهِ فِي رَهْط من بني عَامر فسلمنا عَلَيْهِ أَنْت والدنا وَأَنت سيدنَا وَأَنت الْجَفْنَة الغراء فَقَالَ قُولُوا بقولكم وَلَا يستجرينكم الشَّيْطَان يرويهِ يُونُس بن مُحَمَّد عَن مهْدي ابْن مَيْمُون عَن غيلَان بن جرير عَن مطرف بن عبد الله بن الشخير عَن أَبِيه
قَوْلهم أَنْت الْجَفْنَة الغراء كَانَت الْعَرَب تَدْعُو السَّيِّد الْمطعم للطعام جَفْنَة لِأَنَّهُ يَضَعهَا وَيطْعم فِيهَا وَأكْثر مَا يَقع هَذَا فِي المراثي قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] يَا جَفْنَة كإزاء الْحَوْض قد كفؤوا ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
فَإِنَّمَا أَرَادَ رجلا قتل يَقُول فَلَمَّا قتل كفئت جَفْنَة وَقَالَ آخر [من الوافر] وماذا بالقليب قليب بدر من الشيزى تكلل بالسنام
والشيزى خشب الجفان وَإِنَّمَا أَرَادَ كم بالقليب من جَفْنَة تكلل بالسنام يَعْنِي أَن صَاحبهَا قتل والغراء الْبَيْضَاء من الشَّحْم
وَقَوله لَا يستجرينكم الشَّيْطَان هُوَ من الجري والجري
[ ١ / ٣٣٠ ]
الْوَكِيل
يَقُول جريت جَريا واستجريت جَريا أَي اتَّخذت وَكيلا تسجعوا فتكونوا كأنكم تنطقون عَن الشَّيْطَان وَقد قَالَ لرجل مسجع فِي مَنْطِقه أسجع كسجع الْكُهَّان وَجَاءَت فِي كَرَاهَة مثل هَذَا عَنهُ أَحَادِيث كَثِيرَة ذكر فِيهَا البلغاء والثرثارين والمتشدقين والمتفيهقين
٤٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن أهل الْجنَّة أَكْثَرهم البله رَوَاهُ عَمْرو بن حَمَّاد عَن سَلامَة بن عقيل عَن ابْن شهَاب عَن أَبِيه يذهب عوام النَّاس إِلَى أَن البله هَاهُنَا المجانين وَمن لَا يعقل ويمتد إِلَى خشائرهم وَلَا أرى إِلَّا أَن موحد الله وعابده بعقل وَعلم وَإِن كَانَت مِنْهُ الزلات والهفوات أفضل عِنْد الله من المجانين وَأولى بتعظيم الْحُرْمَة فِي الْمحيا وَالْمَمَات وَلَيْسَ البله الَّذين ذكر رَسُول الله ﷺ أَنهم أَكثر أهل الْجنَّة على مَا ظنُّوا وَإِن كُنَّا لَا نبعد أُولَئِكَ أَيْضا من رَحْمَة الله وفضله وَإِنَّمَا البله فِي الحَدِيث الَّذين غلبت عَلَيْهِم سَلامَة الصُّدُور وَحسن الظَّن بِالنَّاسِ قَالَ النمر بن تولب [من الْكَامِل] وَلَقَد لهوت بطفلة ميالة بلهاء تطلعني على أسرارها
يُرِيد أَنَّهَا غر لَيْسَ لَهَا دهاء فَهِيَ تُخبرنِي بأسرارها وَلَا تفهم
[ ١ / ٣٣١ ]
مَا فِي ذَلِك عَلَيْهَا وَلم يرد أَنَّهَا بمجنونة وَلَا معتوهة وَمن شَأْنهمْ أَن يصفوا الْجَارِيَة بالغرارة وسلامة الصَّدْر والانقطاع قَالَ ابْن الدمينة [من الطَّوِيل] بنفسي وَأَهلي من إِذا عرضوا لَهُ بِبَعْض الْأَذَى لم يدر كَيفَ يُجيب
وَلم يعْتَذر عذر البريء وَلم يزل بِهِ صعقة حَتَّى يُقَال مريب
وَقَالَ أَبُو دواد الْإِيَادِي يصف ضعفة النِّسَاء [من الْخَفِيف] يكتبين الينجوع فِي كبة المشتى وبله أحلامهن وسام
والأحلام هَاهُنَا الْعُقُول والبله فِيهَا سلامتها وعقلتها عَن الشَّرّ والخب وَالْمَكْر وَقد يكنى عَن الْعُقُول بالأحلام لِأَن الأحلام تكون عَنْهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أم تَأْمُرهُمْ أحلامهم بِهَذَا﴾ وَإِلَى هَذَا بِعَيْنِه ذهب ابْن شهَاب فِي هَذَا الحَدِيث وَمن الشَّاهِد عَلَيْهِ أَيْضا قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ حِين ذكر زَمَانا ذمّ أَهله وَقَالَ لَا ينجو فِيهِ إِلَّا كل نومَة يَعْنِي الْمَيِّت الذّكر أُولَئِكَ أَئِمَّة الْهدى ومصابيح الْعلم لَيْسُوا بالعجل المذاييع الْبذر
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَفِي الحَدِيث إِن الله جلّ وَعز يدْخل الْجنَّة أَقْوَامًا بسلامة الصُّدُور لَيْسَ لَهُم كَبِير عمل هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام
٤٩ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه صلى فِي ثوب وَاحِد متلببا بِهِ
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَبده بن عبد الله الصفار ثَنَا مُحَمَّد بن بشر الْعَبْدي عَن عَمْرو بن كثير الْمَكِّيّ عَن عبد الرحمن بن كيسَان عَن أَبِيه
متلببا بِهِ أَي محتزما والتلبب التحزم وَرُوِيَ فِي حَدِيث آخر أَن النَّبِي ﷺ نهى أَن يُصَلِّي الرجل حَتَّى يحتزم وَفِي حَدِيث آخر أَنه أَمر بالتحزم فِي الصَّلَاة وَقَالَ المنخل الْيَشْكُرِي وَذكر فُرْسَانًا [من مجزوء الْكَامِل] واستلأموا وتلببوا إِن التلبب للمغير
قَوْله استلأموا أَي لبسوا اللأمات وَهِي الدروع وَاحِدهَا لأمة وَمِنْه الحَدِيث لِأَن أقدم سقطا أحب إِلَيّ من أَن أخلف مائَة مستلئم أَي مائَة ابْن قد لبسوا الدروع وحاربوا وَمعنى الحَدِيث أَنهم كَانُوا يصلونَ فِي الثَّوْب الْوَاحِد وَلَيْسَ تجوز الصَّلَاة فِيهِ إِلَّا بِأَن تتحزم بِهِ إِن كَانَ إزارا أَو تزره إِن كَانَ قَمِيصًا كَمَا روى
[ ١ / ٣٣٣ ]
انه قَالَ زره وَلَو بِالشَّوْكَةِ فَأَما الْمَرْأَة فَأول مَا تحزم للصَّلَاة درع تبلغ قدميها وخمار يستر صدرها كتب الي بذلك الرّبيع بن سُلَيْمَان يذكرهُ عَن الشَّافِعِي وَلم يذكر التحزم
وَقَالَ ابْن عمر من لم تَجِد غير ثوب فانها تتزر بِهِ اتزارا
٥٠ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ تُوضَع الرَّحِم يَوْم الْقِيَامَة لَهَا حجنة كحجنة المغزل تكلم بِلِسَان طلق ذلق أَو بألسنة ذلق يرويهِ عَفَّان عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن قَتَادَة عَن أبي ثُمَامَة الثَّقَفِيّ عَن عبد الله بن عمر عَن النَّبِي ﷺ
قَوْله حجنة المغزل الصنارة وَهِي الحديدة العقفاء الَّتِي يعلق بهَا الْخَيط ثمَّ يفتل المغزل وكل شَيْء انعقف فَهُوَ أحجن وَيُقَال أحجن بَين الحجنة كَمَا يُقَال أَحْمَر بَين الْحمرَة وَمِنْه المحجن وَهُوَ شبه الصولجان روى ان النَّبِي ﷺ طَاف بِالْبَيْتِ يسْتَلم الْحجر بِمِحْجَنِهِ
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي عبد الله بن حبَان النَّحْوِيّ عَن مُحَمَّد بن
[ ١ / ٣٣٤ ]
سَلام الجُمَحِي عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه حدث بِحَدِيث صَاحب المحجن الَّذِي كَانَ يسرق الْحَاج فِي الْجَاهِلِيَّة بمحجنة فاذا فطن لَهُ قَالَ لم آخذه انما تعلق بمحجني أَو انما أَخذه محجني فَقَالَ حَمَّاد لَو أدْرك زَمَاننَا هَذَا كَانَ من أَصْحَاب أبي حنيفَة ولسرق هَذَا بِمِحْجَنِهِ قَالُوا احتجن فلَان المَال اذا اقتطعه هَكَذَا أَحسب وَالله أعلم.
٥١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ: انه كره من الشَّاء سبعا الدَّم والمرار وَالْحيَاء والغدة وَالذكر والأنثيين والمثانة.
رَوَاهُ أَبُو عَاصِم عَن الْأَوْزَاعِيّ عَن وَاصل بن أبي جميل عَن مُجَاهِد قَالَ الرياشي أرَاهُ أَرَادَ الْأَمر فَقيل لَهُ المرار وَالْأَمر المصارين وأنشدنا عَن أبي زيد [من الوافر]
[ ١ / ٣٣٥ ]
.. وَلَا تهد الْأَمر وَمَا يَلِيهِ وَلَا تهدن معروق الْعِظَام
وَلَا أرى هَذَا الا كَمَا ذكر لِأَن المرار لَيْسَ أحد يستحبه فيكرهه لَهُ وَلَا يَأْكُلهُ فينهاه عَنهُ.
والمصران قد يُؤْكَل فكرهه لَا أَنه حرمه وَلَا بَأْس بِأَكْلِهِ لمن اشتهاه وَقد نهي عَن لُحُوم الْجَلالَة وَكسب الْحجام نهي تَأْدِيب وَلَيْسَ هما مِمَّا حرم الله وَلَا رَسُوله فان احْتج مُحْتَج بِأَنَّهُ كره الدَّم وَالدَّم حرَام وَقَالَ وسبيل هَذِه الْأَشْيَاء سَبيله لِأَنَّهُ لَا يكون أَن يكره شَيْئَيْنِ فَيكون أَحدهمَا حَرَامًا وَالْآخر حَلَالا قُلْنَا لَهُ قد يجوز ذَلِك الا ترى أَن الله جلّ وَعز يَقُول: ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ فالحج فَرِيضَة وَالْعمْرَة غير فرض الا فِي قَول من يُخَالِفهُ عَامَّة الْمُسلمين فِيهَا.
وَنهى رَسُول الله ﷺ عَن كل مُسكر ومفتر والمسكر محرم بِسنة رَسُول الله ﷺ لِأَنَّهُ قَالَ: كل مُسكر حرَام وكل مُسكر خمر.
[ ١ / ٣٣٦ ]
والمفتر نهي عَنهُ نهي تَأْدِيب لِأَنَّهُ لم يَأْتِ فِي شئ من الحَدِيث انه قَالَ كل مفتر حرَام وَلَا كل مفتر خمر وَقد نهى ﵊ عَن شَيْئَيْنِ حكمهمَا مُخْتَلف وَجمع بَينهمَا فِي النَّهْي وَنهى عَن كسب المومسة وَكسب الْحجام والمومسة الزَّانِيَة وكسبها حرَام وَكسب الْحجام مَكْرُوه وَجمع بَينهمَا فِي النَّهْي.
٥٢ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: ويل لأقماع القَوْل وويل للمصرين يرويهِ يحيى بن أبي بكير عَن حريز بن عُثْمَان عَن حبَان بن زيد الشرعبي عَن عبد الله بن عَمْرو عَن النَّبِي ﷺ.
قَوْله ويل لأقماع القَوْل يَعْنِي الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل كثيرا وَلَا يعْملُونَ بِهِ وَهُوَ جمع قمع وَمِنْه لُغَة أُخْرَى قمع مثل ضلع وضلع شبه آذانهم لِكَثْرَة مَا يدخلهَا من الْوَعْظ وهم مصرون بالأقماع الَّتِي تفرغ فِيهَا الْأَنْوَاع وَلَيْسَ يبْقى فِيهَا مِنْهَا شَيْء وَيُقَال أصر الرجل على الذَّنب وأصر الْفرس أُذُنه وصر الشَّيْء اذا جمعه.
[ ١ / ٣٣٧ ]
٥٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ: أَنه كَانَ يتَعَوَّذ من خمس من العيمة والغيمة وَالْأَيمَة والكزم وَالْقَرْمُ.
يرويهِ سُلَيْمَان بن الرّبيع الْكُوفِي عَن همام عَن أبي الْعَوام عمرَان بن دَاوُد الطان عَن قَتَادَة عَن الْحسن عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ.
العيمة شَهْوَة اللَّبن حَتَّى لَا تصبر عَنهُ يُقَال عَام الى اللَّبن يعام ويعيم عيما وَمَا أَشد عيمته وَرجل عيمان وَقوم عيامى.
والغيمة أَن يكون الانسان شَدِيد الْعَطش كثير الاسْتِسْقَاء للْمَاء يُقَال غام يغيم قَالَ الشَّاعِر يصف حميرا [من المتقارب] فظلت صَوَافِن خزر الْعُيُون الى الشَّمْس من رهبة أَن تغيما
يَقُول خشيت أَن يشْتَد عطشا فَهِيَ ترقب الشَّمْس الى أَن تغيب فَترد المَاء.
وَالْأَيمَة طول التعزب من قَوْلك رجل أيم وَامْرَأَة أيم اذا كَانَا عزبين وَالْقَرْمُ فِي اللَّحْم كالعيمة فِي اللَّبن يُقَال قرمت الى اللَّحْم وعمت الى اللَّبن اذا اشتدت شهوتك لَهما.
والكزم فِيهِ قَولَانِ يُقَال هُوَ شدَّة الْأكل من قَوْلك
[ ١ / ٣٣٨ ]
كزم فلَان الشىء بِفِيهِ يكزمه كزما اذا كَسره الْمصدر سَاكن الزَّاي وَالِاسْم مفتوحها وَيُقَال هُوَ الْبُخْل من قَوْلك فلَان أكزم البنان أَي قصيها وأكزم الرجل وَهَذَا كَمَا يُقَال فِي الرجل الممسك جعد الْكَفّ وقصير البنان وَذهب قَتَادَة فِي تَفْسِير الكزم الى الْبُخْل.
٥٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ ان صعصعة بن نَاجِية الْمُجَاشِعِي جد الفرزدق بن غَالب قدم عَلَيْهِ وَأسلم وَقَالَ اني كنت أعمل أعمالا فِي الْجَاهِلِيَّة فَهَل لي فِيهَا من أجر فَقَالَ مَا عملت قَالَ اني أضللت ناقتين لي عشراوين فَخرجت أبغيهما فَرفع لي بيتان فِي فضاء من الأَرْض فقصدت قصدهما فَوجدت فِي أَحدهمَا شَيخا كَبِيرا فَقلت هَل أحسست من ناقتين عشراوين قَالَ وَمَا نارهما قلت ميسم بني دارم قَالَ قد أصبْنَا ناقتيك وتجناهما فظأرناهما على أولادهما وَذكر حَدِيث الموؤدة واحيائه اياها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: هَذَا بَاب من الْبر وَلَك أجره اذ من الله عَلَيْهِ بالاسلام. [٦٥ / ب]
حَدَّثَنِيهِ ابي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن مَرْزُوق عَن الْعَلَاء بن الْفضل عَن
[ ١ / ٣٣٩ ]
عباد بن نسيب عَن طفيل بن عَمْرو عَن صعصة بن نَاجِية الْمُجَاشِعِي انه ذكر ذَلِك.
النَّاقة العشراء الَّتِي أَتَى على حملهَا عشرَة اشهر ثمَّ لَا يزَال ذَلِك أسمها حَتَّى تضع وَبعد أَن تضع أَيْضا.
وَجَمعهَا عشار وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذا العشار عطلت﴾ .
وَمثله فِي التَّقْدِير امْرَأَة نفسَاء وَجَمعهَا نِفَاس وَيُقَال عشرت فَهِيَ عشراء وَلَا يُقَال ذَلِك الا للناقة وَكَذَلِكَ الخلفة هِيَ الْحَامِل من النوق وَالْجمع خلفات ومخاض قَالُوا وكل ذَات حافر ننوج وعتوق وكل سَبْعَة ملمع وَذَلِكَ إِذا أشرقت ضروعها للْحَمْل واسودت حلماتها وَذَوَات الْحَافِر كَذَلِك أَيْضا وكل مقرب من الْحَوَامِل مجح وَقَالَ أَبُو زيد الاجحاح انما هُوَ للسباع فاستعير فِي الانسان وأصل الْحَبل للنِّسَاء.
وَقَوله مَا نارهما يُرِيد مَا ميسمها قَالَ الْأَصْمَعِي كل وسم بمكوى فَهُوَ نَار وَمَا كَانَ بِغَيْر مكوى فَهُوَ جرف وحز وُقُوع وقرم وزنم وَيُقَال فِي مثل: نجارها نارها أَي ميسمها يدلك على جوهرها قَالَ الشَّاعِر من الرجز
[ ١ / ٣٤٠ ]
.. حَتَّى سقوا آبالهم بالنَّار وَالنَّار قد تشفي من الأوار
والأوار الْعَطش وَقَوله سقوها بالنَّار يَقُول سقوها على مواسمها فقدموا الْأَعَز مِنْهَا فالأعز أَرْبَابًا وَقَالَ بعض لصوص الْأَعْرَاب وَذكر ابلا سَرَقهَا من مواضيع كَثِيرَة من الرجز نجار كل ابل نجارها ونار كل الْعَالمين نارها [٦٦ / أ]
وَقَوله نتجناهما يُقَال قد نتجت نَاقَتي على تَقْدِير فعلت كَأَن الْفِعْل لَك اذا ولدت عنْدك وَقَالَ الْكُمَيْت من المتقارب
وَقَالَ المذمر للناتجين مَتى ذمرت قلبِي الأرجل
ذكر دواهي فَضرب اليتن وَهُوَ الْجَنِين الَّذِي يخرج رِجْلَاهُ قبل يَدَيْهِ لَهما مثلا.
والمذمر الَّذِي يدْخل يَده فِي رحم النَّاقة ليعلم مَا الْجَنِين أذكر هُوَ أم أُنْثَى وَسمي بذلك لِأَن يَده على مذمره وَهُوَ أصل
[ ١ / ٣٤١ ]
الْقَفَا عِنْد الذفرى وَيُقَال نتجت النَّاقة اذا ولدت وَلَا يُقَال نتجت فاذا تبين حملهَا قيل أنتجت فَهِيَ نتوج وَلَا يُقَال منتج وَكَذَلِكَ أعقت الْفرس فَهِيَ عقوق وَلَا يُقَال معق.
وَقَوله ظأرناهما على أولادهما يُرِيد أَنهم عطفوهما على أولادهما وَلم يعطفوهما على غَيرهمَا قَالَ الْأَصْمَعِي كَانَت الْعَرَب اذا أَرَادَت أَن تغير ظاءرت تَقْدِير فاعلت قَالَ وَذَلِكَ أَنهم يبقون اللَّبن ليسقوه الْخَيل وَيُقَال فِي مثل الطعْن يظأر أَي يعْطف على الصُّلْح.
٥٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ ان عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَة فَقَالَ هَل مَعَ أحد مِنْكُم طَعَام فاذا مَعَ رجل صَاع من طَعَام فَأمر بِهِ فعجن ثمَّ جَاءَ رجل مُشْرك طَوِيل مشعان بِغنم يَسُوقهَا فَقَالَ النَّبِي ﷺ أبيع أم عَطِيَّة أم هبة قَالَ بل بيع فَاشْترى مِنْهُ شَاة فَأمر بهَا فصنعت وَأمر بسواد الْبَطن أَن يشوى قَالَ وأيم الله مَا من الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَة الا قد حز لَهُ النَّبِي ﷺ حزة من سَواد بَطنهَا يرويهِ الْمُعْتَمِر عَن أَبِيه عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَن
[ ١ / ٣٤٢ ]
عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر.
قَوْله مشعان يُرِيد أَنه متنفش الشّعْر يُقَال رجل مشعان الرَّأْس وَشعر مشعان اذا كَانَ ذَلِك متنفشا.
وروى الْأَصْمَعِي عَن جوريرية بن أَسمَاء انه قَالَ خرج الْوَلِيد وَهُوَ مشعان الرَّأْس يَقُول هلك الْحجَّاج بن يُوسُف وقرة بن شريك يتفجع عَلَيْهِمَا قَالَ الْأَصْمَعِي وَكَذَلِكَ الشوع هُوَ انتشار الشّعْر وَأرى قَوْلهم ابْن أَشوع مِنْهُ وَسَوَاد الْبَطن هُوَ الكبد.
٥٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ ان سَعْدا استأذنه فِي أَن يتَصَدَّق بِمَالِه فَقَالَ لَا ثمَّ قَالَ الشّطْر فَقَالَ لَا قَالَ فَالثُّلُث قَالَ الثُّلُث وَالثلث كثير انك أَن تتْرك أولادك أَغْنِيَاء خير من أَن تتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس.
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن عَامر بن سعد عَن أَبِيه.
الشّطْر النّصْف يُقَال شاطره المَال شقّ الأبلمة والأبلمة الخوصة وَشطر الشَّيْء فِي مَوضِع آخر قَصده وَنَحْوه وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿وَمن حَيْثُ خرجت فول وَجهك شطر الْمَسْجِد الْحَرَام﴾
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَقَوله عَالَة أَي فُقَرَاء وَهُوَ جمع عائل يُقَال عَال الرجل يعيل اذا افْتقر وعال يعول اذا جَار قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا﴾ .
والعول فِي الْفَرِيضَة مِنْهُ وأعال يعيل اذا كثر عِيَاله.
وَقَوله يَتَكَفَّفُونَ النَّاس أَي يَسْأَلُونَهُمْ وَهُوَ من الْكَفّ مَأْخُوذ كَأَنَّهُمْ يبسطون أكفهم للنَّاس يَسْأَلُونَهُمْ يُقَال تكففت واستكففت وَمِنْه الحَدِيث الآخر: ان رجلا رأى فِي الْمَنَام كَأَن ظلة تنطف سمنا وَعَسَلًا وَكَانَ النَّاس يتكففونه فَمنهمْ المستكثر وَمِنْهُم المستقل هَذَا أَو نَحوه من الْكَلَام يَأْخُذُونَ بأكفهم وَقَالَ الْكُمَيْت [من الطَّوِيل] وَلَا يطعموا فِيهَا يدا مستكفة لغيركم لَو يَسْتَطِيع انتشالها
٥٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ انه قَالَ: أفضل الصَّدَقَة على ذِي الرَّحِم الْكَاشِح رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة عَن الزُّهْرِيّ عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن أم كُلْثُوم بنت عقبَة بن أبي معيط قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول ذَلِك.
[ ١ / ٣٤٤ ]
الْكَاشِح الْعَدو وَقَالَ الْكُمَيْت [من مجزوء الْكَامِل] لما رَآهُ الكاشحون من الْعُيُون على الحنادر
والحنادر نواظر الْعُيُون وَاحِدهَا حندورة وحنديرة أَي رَأَوْهُ كَأَنَّهُ على أَبْصَارهم من بغضه وَيُقَال انما سمي الْعَدو كاشحا لِأَنَّهُ مخبأ الْعَدَاوَة فِي كشحه قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] وأضمر أضغانا عَليّ كشوحها
والكشح والقرب وَالْخضر وَاحِد وَهُوَ مِمَّا يَلِي الخاصرة وَمِنْه يُقَال طوى كشحا اذا أعرض قَالَ الْأَعْشَى من الطَّوِيل صرمت وَلم أصرمكم وكصارم أَخ قد طوى كشحا وَأب ليذهبا
أَب تهَيَّأ وشمر للذهاب وَالِاسْم الأبابة والكبد فِي الكشح وانما يُرِيدُونَ أَن الْعَدَاوَة فِيهَا يُقَال عَدو أسود الكبد
كَأَن شدَّة الْعَدَاوَة قد أحرقت كبده قَالَ الْأَعْشَى [من الوافر] فَمَا أجشمت من اتيان قوم هم الْأَعْدَاء والأكباد سود
[ ١ / ٣٤٥ ]
وَقَالَ العجاج [من الرجز] فَقَأَ أكبادهم المرار
يَقُول احتشت أكبادهم غيظا وَانْشَقَّ مِنْهُم المرارات وبخروج الكشحين يعرف حمل النَّاقة.
وحَدثني أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو حَاتِم ثَنَا الْأَصْمَعِي عَن اهاب بن عُمَيْر قَالَ قَالَ فلَان كَانَ لنا جمل يعرف كشح الْحَامِل من قبل أَن يشمها.
٥٨ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه أَتَاهُ رجل وَعَلِيهِ شارة وَثيَاب فأتأره بصرة وجاءه رجل آخر فِيهِ بذاذة تعلو عَنهُ الْعين فَقَالَ هَذَا خير من طلاع الأَرْض ذَهَبا ان هَذَا لَا يُرِيد أَن يظلم النَّاس شَيْئا رَوَاهُ اسماعيل بن علية عَن الْجريرِي عَن عبد الله بن شَقِيق.
الشارة الْهَيْئَة واللباس يُقَال مَا أحسن شوار الرجل وشارته.
والشوار فِي غير هَذَا مَتَاع يحمل على الْبَعِير.
وَقَوله أتأره بَصَره أَي أحده إِلَيْهِ قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] أتأرتهم بَصرِي والآل يرفعهم حَتَّى اسمدر بِطرف الْعين اتآري
[ ١ / ٣٤٦ ]
وَقَوله اسمدر أَي ضعف نَظَرِي وَهُوَ من السمادير.
وَقَوله تعلو عَنهُ الْعين بِمَنْزِلَة تنبو عَنهُ واذا نبا الشَّيْء عَن الشَّيْء وَلم يلصق بِهِ فقد علا عَنهُ.
قَوْله طلاع الأَرْض حَدثنِي أبي قَالَ خبرني أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ أَظُنهُ يُرِيد مَا يمْلَأ الأَرْض حَتَّى يطلع ويسهل قَالَ وَمن ذَلِك حَدِيث الْحسن: لَان أعلم أَنِّي برِئ من النِّفَاق أحب إِلَيّ من طلاع الأَرْض ذَهَبا.
وحَدثني أبي قَالَ وحدثنيه أَبُو حَاتِم عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي الْأَشْهب قَالَ أَظُنهُ عَن عَوْف عَن الْحسن.
٥٩ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ ان سَلمَة ابْن الاكوع قَالَ غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ هوَازن فَبَيْنَمَا نَحن نتضحى مَعَ رَسُول الله ﷺ جَاءَ رجل على جمل أَحْمَر فأناخه ثمَّ انتزع طلقا من حقبه فقيد بِهِ الْجمل
وَفِي حَدِيث آخر بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث سَوَاء قَالَ سَلمَة غزونا مَعَ رَسُول الله ﷺ فَبينا نَحن نزُول يَوْمًا جَاءَ رجل يَقُود فرسا عقوقا مَعهَا مهرَة فَقَالَ مَا فِي بطن فرسي هَذِه قَالَ غيب وَلَا يعلم الْغَيْب إِلَّا الله يَرْوِيهَا عمر بن يُونُس اليمامي عَن عِكْرِمَة بن عمار عَن أياس بن سَلمَة عَن أَبِيه سَلمَة
قَوْله نتضحى أَي نتغدى وَالِاسْم الضحاء وَإِنَّمَا سمي
[ ١ / ٣٤٧ ]
الْغَدَاء ضحاء باسم الْوَقْت والضحاء مَفْتُوح الأول مَمْدُود فَإِذا أَنْت ضممت أَوله قصرت فَقلت الضُّحَى
والطلق قيد من جُلُود والطلق فِي غير هَذَا الْمَوْضُوع الشوط يُقَال عدا طلقا أَو طلقين والطلق والقرب يَوْمَانِ يكونَانِ بَيْنك وَبَين المَاء فاليوم الأول الطلق وَالثَّانِي الْقرب
والحقب حَبل يشد على حقو الْبَعِير وَكَانَ قد علق الطلق يُقَال أحقبت الْبَعِير إِذا شددته بالحقب وأبطنته بالبطان إِذا شددت بطانه وصدرت عَنهُ من التصدير وَهُوَ الحزام قَالَ الراجز [من الرجز] محملج أدرج إدراج الطلق يَعْنِي حمارا
والحقب فِي غير هَذَا أَن يحقب الْبَعِير ببوله وَذَلِكَ أَن يُصِيب الحقب وَهُوَ الْحَبل ثيله فيحتبس بَوْله يُقَال حقب الْبَعِير يحقب حقبا وَلَا يُصِيب ذَلِك الْإِنَاث لِأَن الْحَبل لَا يبلغ حَيَاء النَّاقة وَمِنْه قَول عبَادَة بن أَحْمَر الْمَازِني كنت فِي إبلي عاها فأغارت علينا خيل رَسُول الله ﷺ أَو خيل أَصْحَابه فَجمعت إبلي وَركبت الْفَحْل فحقب فتفاج يَبُول فَنزلت عَنهُ وَركبت
[ ١ / ٣٤٨ ]
نَاقَة مِنْهَا فنجوت عَلَيْهَا وطردوا الْإِبِل
والعقوق هِيَ الْحَامِل يُقَال أعقت فَهِيَ عقوق وَلَا يُقَال معق وَكَانَ الْقيَاس ذَلِك والأبلق العقوق يضْرب مثلا لما لَا يكون لِأَن الأبلق ذكر وَالذكر لَا يكون عقوقا
٦٠ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْحمى رائد الْمَوْت وَهِي سجن الله فِي الأَرْض يحبس بهَا عَبده إِذا شَاءَ ويرسله إِذا شَاءَ
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ أَبُو الْخطاب قَالَ ثناه بشر بن الْمفضل عَن يُونُس عَن الْحسن أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ ذَلِك
رائد الْقَوْم رسولهم الَّذِي يرتاد لَهُم مساقط الْغَيْث وَمِنْه الحَدِيث إِن الرائد لَا يكذب أَهله يُرِيد أَنهم ينتقلون عَن مواضعهم بِخَبَرِهِ فَهُوَ لَا يكذبهم
وَبَلغنِي أَنهم كَانُوا يشمون الْبَرْق فَإِذا لمعت سَبْعُونَ برقة لم يرسلوا رائدا وانتقلوا كَأَنَّهُمْ يثقون بالغيث
يُرِيد أَن الْحمى رَسُول الْمَوْت
٦١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ
[ ١ / ٣٤٩ ]
كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ كَمَا تناتج الْإِبِل من بَهِيمَة جَمْعَاء هَل نحس من جَدْعَاء قَالُوا يَا رَسُول الله أَفَرَأَيْت من يَمُوت وَهُوَ صَغِير قَالَ الله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد يَعْنِي ابْن عبد العزيز عَن القعْنبِي عَن مَالك عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة
أما قَوْله كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فَإِنَّهُ يُرِيد أَنه يُولد على الْإِقْرَار بِاللَّه وَهُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أَخذه الله عَلَيْهِم حِين أخرجهم من ظهر آدم أَمْثَال الدّرّ ﴿وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ فَالنَّاس جَمِيعًا وَإِن اخْتلفُوا فِي أديانهم ونحلهم عالمون بِأَن الله ﷿ خالقهم والفطرة ابْتِدَاء الْخلقَة وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿الْحَمد لله فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي مبتدئهما وَقد بيّنت هَذَا فِي كتاب إصْلَاح الْغَلَط بِأَكْثَرَ من هَذَا الْبَيَان
وَمثله فِي كتاب الله جلّ وَعز ﴿فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا لَا تَبْدِيل لخلق الله ذَلِك الدّين الْقيم﴾
[ ١ / ٣٥٠ ]
يُرِيد أَن الله جلّ وَعز فطر النَّاس على مَعْرفَته لَا تَبْدِيل لخلق الله أَي لهَذَا من دين الله
والبهيمة الجمعاء هِيَ السليمة سميت بذلك لِاجْتِمَاع السَّلامَة لَهَا فِي أعضائها
وَلَا أَحْسبهُ قيل للبكر يدْخل بهَا زَوجهَا دخل عَلَيْهَا يجمع إِلَّا من هَذَا يُرَاد أَنه دخل بهَا وَهِي سليمَة وَشبه الْمَوْلُود حِين يُولد فِي سَلَامَته من الْكفْر بهَا ثمَّ يهود الْيَهُود أَبْنَاءَهُم وينصر النَّصَارَى أَبْنَاءَهُم أَي يعلمونهم ذَلِك كَمَا كَانَت الْجَاهِلِيَّة تقطع آذان الْبَهَائِم السليمة وتفقأ عيونها وَأما سُؤَالهمْ إِيَّاه عَن الصَّغِير مِنْهُم يَمُوت فَإِنَّهُم أَرَادوا أَن يعلمُوا مَاذَا ينسبونهم إِلَيْهِ من كفر أَو إِيمَان فَقَالَ النَّبِي ﷺ ألله أعلم بِمَا كَانُوا عاملين لَو أبقاهم
يُرِيد فَلَا تحكموا عَلَيْهِم بِكفْر آبَائِهِم إِذا لم يبلغُوا فيكفروا وَلَا تحكموا عَلَيْهِم بميثاق الْفطْرَة الَّتِي ولدُوا عَلَيْهَا لأَنهم لم يبلغُوا فيؤمنوا
٦٢ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّهُم سَأَلُوهُ عَن بني عَامر بن صعصعة فَقَالَ جمل أَزْهَر متفاج يتَنَاوَل من أَطْرَاف الشّجر وسألوه عَن غطفان فَقَالَ
[ ١ / ٣٥١ ]
رهوة تنبع مَاء
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيم بن مُسلم ثَنَا أَبُو عَاصِم عَن سَلام بن سعد عَن زيد الْعمي عَن مَنْصُور بن زَاذَان عَن أبي هُرَيْرَة
الْأَزْهَر الْأَبْيَض من الْإِبِل وَهُوَ أحسن الْإِبِل إِذا كَانَ أسود المقلة
والمتفاج الَّذِي يفتح مَا بَين رجلَيْهِ ليبول يُرِيد أَنه مخصب فِي مَاء وَشَجر فَهُوَ لَا يزَال يتفاج للبول سَاعَة بعد سَاعَة وَذَلِكَ لِكَثْرَة مَا يشرب من المَاء
وَقَوله يتَنَاوَل من أَطْرَاف الشّجر يُرِيد أَنه فِي مرعى مخصب فَهُوَ شبعان وَلَيْسَ يرْعَى إِنَّمَا يستطرف ويصيب الشَّيْء بعد الشَّيْء وَفِي نَحْو هَذَا الْمَعْنى قَول ابْن ميادة من الْبَسِيط إِنِّي امْرُؤ أعتفي الْحَاجَات أطلبها كَمَا اعتفى سنق يلقى لَهُ العشب
والسنق المتخم والرهوة تكون الْمُرْتَفع من الأَرْض وَتَكون المنخفض مِنْهَا وَهِي حرف من حُرُوف الأضداد قَالَ الْأَصْمَعِي الرهاء أَمَاكِن مُرْتَفعَة وَاحِدهَا رهو قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم
[ ١ / ٣٥٢ ]
من الوافر نصبنا مثل رهوة ذَات حد مُحَافظَة وَكُنَّا المسنفينا
يُرِيد مثل جبل وَكَأَنَّهُ فِي هَذَا الْموضع اسْم جبل بِعَيْنِه لِأَنَّهُ لم يعرفهُ وَقَالَ الْأَصْمَعِي وَقد يكون الرهو الانخفاض وَحكي عَن أَعْرَابِي أَنه مر بِهِ فالج وَهُوَ الْبَعِير لَهُ سنامان فَقَالَ سُبْحَانَ الله رهو بَين سنَامَيْنِ وَحكى غَيره عَن بعض بني نمير أَنه قَالَ دليت رجْلي فِي رهوة فَهَذَا انخفاض وَأَرَادَ فِي الحَدِيث جبل يَنْبع مِنْهُ مَاء وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه رُوِيَ فِي حَدِيث آخر عِنْد ذكره غطفان أَنه قَالَ أكمة خشناء وَيَتَّقِي النَّاس عَنْهَا يُرِيد أَن فيهم توعرا وخشونة وَهَذِه أَمْثَال ضربهَا لَهُم فِي أَحْوَالهم وَبَلغنِي عَن أبي الْيَقظَان أَنه قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أريت جدود الْعَرَب فَرَأَيْت جد بني عَامر جملا أَحْمَر يَأْكُل
[ ١ / ٣٥٣ ]
من فروع الشّجر وَقَالَ اللَّهُمَّ أكفني عَامِرًا يَعْنِي بن الطُّفَيْل واهد بني عَامر
قَالَ أَبُو الْيَقظَان وهجان الْعَرَب قُرَيْش وعامر وحَنْظَلَة ابْن مَالك
آخر الْجُزْء الأول من الأَصْل
[ ١ / ٣٥٤ ]
٦٣ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن أم سَلمَة قَالَت كنت مَعَه فِي لِحَاف فحضت فَخرجت فشددت عَليّ ثِيَابِي ثمَّ رجعت فَقَالَ أنفست يُرِيد أحضت يُقَال طمثت الْمَرْأَة ودرست ونفست تنفس وعركت تعرك وَمِنْه الحَدِيث كَانَت عَائِشَة إِذا عركت قَالَ لَهَا رَسُول الله ﷺ ائتزري على وسطك ويباشرها
وَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا قيل للْمَرْأَة إِذا ولدت نفسَاء لسيلان الدَّم وَفِي الحَدِيث أَن أَسمَاء بنت عُمَيْس نفست بِالشَّجَرَةِ فَأمر النَّبِي ﷺ أَبَا بكر ﵁ أَن يأمرها أَن تَغْتَسِل وتهل يُرِيد حَاضَت وَقَالَ إِبْرَاهِيم كل شَيْء لَيست لَهُ نفس سَائِلَة فَإِنَّهُ لَا ينجس المَاء إِذا مَاتَ فِيهِ أَي لَيْسَ لَهُ دم
٦٤ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن عمر قَالَ إِن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ أشرق ثبير كَيْمَا نغير وَكَانُوا
[ ١ / ٣٥٥ ]
لَا يفيضون حَتَّى تطلع الشَّمْس فخالفهم رَسُول الله ﷺ
يرويهِ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر عَن حجاج وَعَن أبي إِسْحَق عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن عمر ﵁
قَوْلهم أشرق ثبير هُوَ من شروق الشَّمْس وشروقها طُلُوعهَا يُقَال شَرقَتْ الشَّمْس شروقا إِذا هِيَ طلعت وأشرقت إِذا أَضَاءَت وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ أَدخل أَيهَا الْجَبَل فِي الشروق كَمَا تَقول أشمل الْقَوْم إِذا دخلُوا فِي ريح الشمَال وأجنبوا إِذا دخلُوا فِي الْجنُوب وأراحوا إِذا دخلُوا فِي الرّيح وأربعوا إِذا دخلُوا فِي الرّبيع فَإِذا أردْت شَيْئا من هَذَا أَصَابَهُم قلت شَمل الْقَوْم وجنبوا وريحوا وربعوا وشرقوا
وَكَذَلِكَ غيثوا إِذا أَصَابَهُم الْغَيْث خبرني غير وَاحِد مِنْهُم الطوسي عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء عَن ذِي الرمة أَنه قَالَ مَا رَأَيْت أفْصح من أمة بني فلَان قلت لَهَا كَيفَ الْمَطَر عنْدكُمْ أَو كَيفَ كَانَ مطركم فَقَالَت غثنا مَا شِئْنَا
وَقَوْلهمْ كَيْمَا نغير يُرِيدُونَ كَيْمَا ندفع للنحر قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال أغار إغارة الثَّعْلَب إِذا أسْرع وَدفع وَمِنْه قَالَ بشر بن أبي خازم [من الوافر] فعد طلابها وتعز عَنْهَا بِحرف قد تغير إِذا تبوع
[ ١ / ٣٥٦ ]
يُقَال باعت تبوع إِذا مدت بِيَدَيْهَا فِي السّير وَأرَاهُ من الباع مأخوذا
ويروى
وتعد عَنْهَا
أَي انْصَرف عَنْهَا
٦٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ فِي رد السَّلَام على الْيَهُود قَالَ أَنهم يَقُولُونَ السام عَلَيْكُم فَقولُوا وَعَلَيْكُم حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد عَن يزِيد بن هرون عَن مُحَمَّد بن عَمْرو عَن أبي سماكة عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ
قَالَ الْأَصْمَعِي السام الْمَوْت والبرسام بالسُّرْيَانيَّة ابْن الْمَوْت وَذَلِكَ إِن بر هُوَ الابْن والسام هُوَ الْمَوْت
وَأَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَنهُ أَنه يُقَال وَمَا أَدْرِي أَي البرنساء هُوَ يُرَاد أَي النَّاس هُوَ وَأَصله بالسُّرْيَانيَّة ابْن الْإِنْسَان وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ فِي هَذِه الْحبَّة السَّوْدَاء
[ ١ / ٣٥٧ ]
شِفَاء من كل دَامَ إِلَّا السام قيل وَمَا السام قَالَ الْمَوْت
وَأما الحَدِيث الْأُخَر لَو كَانَ شَيْء يُنجي من الْمَوْت لَكَانَ السنا والسنوت فَإِن السنوت الْعَسَل وَفِيه لُغَة أُخْرَى السنوت
قَالَ الشَّاعِر [من الطَّوِيل] هم السّمن بالسنوت لَا ألس فيهم وهم يمْنَعُونَ جارهم أَن يقردا
والألس الْخِيَانَة وَالْعَيْب وَمِنْه يُقَال لَا يوالس يَعْنِي لَا يمْنَعُونَ جارهم أَن يستذل كَمَا يستذل الْبَعِير إِذا نزع قردانه
والسام فِي غير هَذَا عروق الذَّهَب وَاحِدهَا سامة وَبهَا سمي سامة ابْن لؤَي قَالَ قيس بن الخطيم وَذكر قوما تراصوا فِي الْحَرْب واشتبكوا [من الطَّوِيل] لَو أَنَّك تلقي حنظلا فَوق بيضنا تدحرج عَن ذِي سامه المتقارب
وَذُو سامه الْبيض الْمَذْهَب وَعَن فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى فَوق يَقُول لَو ألقِي عَلَيْهِم حنظل لجرى فَوق الْبيض وَلم يسْقط إِلَى الأَرْض لشدَّة تراصفهم
[ ١ / ٣٥٨ ]
٦٥ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن الْعَبَّاس بن عبد المطلب قَالَ لَهُ يَا رَسُول الله إِنِّي أُرِيد أَن أمتدحك قَالَ قل لَا يفضض الله فَاك قَالَ الْعَبَّاس [من المنسرح] ١ - من قبلهَا طبت فِي الظلال وَفِي مستودع حَيْثُ يخصف الْوَرق
٢ - ثمَّ هَبَطت الْبِلَاد لَا بشر أَنْت وَلَا مُضْغَة وَلَا علق
٣ - بل نُطْفَة تركب السفين وَقد ألْجم نسرا وَأَهله الْغَرق
٤ - تنقل من صالب إِلَى رحم إِذا مضى عَالم بدا طبق
٥ - حَتَّى احتوى بَيْتك الْمُهَيْمِن من خندف علياء تحتهَا النُّطْق
٦ - وَأَنت لما ولدت أشرقت الأَرْض وضاءت بنورك الْأُفق
٧ - فَنحْن فِي ذَلِك الضياء وَفِي النُّور وسبل الرشاد نخترق
حَدَّثَنِيهِ أبي حَدَّثَنِيهِ يزِيد بن عَمْرو الغنوي ثناه زَكَرِيَّا بن يحيى الْكُوفِي ثَنَا عَم أبي زحر بن حُصَيْن عَن جده حميد بن ينهب قَالَ سَمِعت جدي حَرِيم بن أَوْس بن حَارِثَة يَقُول هَاجَرت إِلَى رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة بعد مُنْصَرفه من تَبُوك فَسمِعت الْعَبَّاس يَقُول ذَلِك لرَسُول الله ﷺ.
[ ١ / ٣٥٩ ]
قَوْله لَا يفضض الله فَاك أَي لَا يسْقط ثغرك والعوام تَقول يفضض الله وَهُوَ خطأ وَإِنَّمَا يُقَال يفضض بِفَتْح الْيَاء وَضم الضَّاد الأولى لِأَنَّهُ من فض يفض وَيُقَال فضضت جموعهم إِذا فرقتها وَقَالَ الله جلّ وَعز ﴿وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾
وَيُقَال فضضت الْكتاب من ذَلِك والفم يقوم مقَام الْأَسْنَان يُقَال سقط فَم فلَان فَلم تبْق لَهُ حاكة إِذا سَقَطت أَسْنَانه
وَرُوِيَ أَن النابعة الْجَعْدِي أنْشد رَسُول الله ﷺ شعره الَّذِي يَقُول فِيهِ [من الطَّوِيل] أتيت رَسُول الله إِذْ جَاءَ بِالْهدى وَيَتْلُو كتابا كالمجرة نيرا
فَلَمَّا بلغ وَلَا خير فِي حلم إِذا لم يكن لَهُ بَوَادِر تَحْمِي صَفوه أَن يكدرا
قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يفضض الله فَاك فغبر مائَة سنة لم تنغص لَهُ سنّ وَأنْشد فيهمَا من الطَّوِيل
[ ١ / ٣٦٠ ]
.. بلغنَا السَّمَاء مَجدنَا وجدودنا وَإِنَّا لنَرْجُو فَوق ذَلِك مظْهرا
فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ إِلَى أَيْن يَا أَبَا ليلى فَقَالَ إِلَى الْجنَّة
وَأما قَول الْعَبَّاس من قبلهَا طبت فِي الظلال فَإِنَّهُ يَعْنِي فِي ظلال الْجنَّة وَأَرَادَ أَنه كَانَ طيبا فِي صلب آدم وآدَم فِي الْجنَّة قبل أَن يهْبط إِلَى الأَرْض والظلال جمع ظلّ وَلَيْسَ يُرِيد بِظِل الْجنَّة ظلّ الشّجر والبنيان إِنَّمَا يكون ذَلِك حَيْثُ تطلع الشَّمْس وَالْجنَّة كلهَا ظلّ لَا شمس فِيهَا قَالَ الله جلّ وَعز ﴿وظل مَمْدُود﴾
أَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ دَائِم لَا تنسخه الشَّمْس وَرُوِيَ فِي حَدِيث ظلّ الْجنَّة سَجْسَج والسجسج المعتدل لَا حر فِيهِ وَلَا برد وَقَالَ بَعضهم هُوَ كغدوات الصَّيف قبل طُلُوع الشَّمْس
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة سنة لَا يقطعهَا أَي ذراها وَهُوَ مثل قَوْلك للرجل أَنا فِي ظلك تُرِيدُ ي ذراك وناحيتك
[ ١ / ٣٦١ ]
وَالْعرب تجْعَل اللَّيْل ظلا وَهُوَ لَا شمس فِيهِ قَالَ ذُو الرمة [من الْبَسِيط] قد أعسف النازح الْمَجْهُول معسفه فِي ظلّ أَخْضَر يَدْعُو هامه البوم
والأخضر هَاهُنَا اللَّيْل والخضرة عِنْدهم سَواد وَأَرَادَ فِي ستر ليل أسود
وَقَوله فِي مستودع يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن يكون أَرَادَ بالمستودع الْموضع الَّذِي جعل بِهِ آدم وحواء ﵉ من الْجنَّة واستودعاه وَالْآخر أَن يكون أَرَادَ الرَّحِم والنطفة فِيهِ
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأكم من نفس وَاحِدَة فمستقر ومستودع﴾ قَالَ فمستقر فِي الصلب ومستودع فِي الرَّحِم
وَقَوله حَيْثُ يخصف الْوَرق أَي فِي الْجنَّة حَيْثُ خصف آدم وحواء ﵉ عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة أَي يخصفان الْوَرق بعضه إِلَى بعض وَلم يزدْ على ذَلِك فِي التَّفْسِير
[ ١ / ٣٦٢ ]
والخصف هُوَ أَن تضم الشَّيْء إِلَى الشَّيْء وتشكه مَعَه أَو تلصقه بِهِ وَمِنْه يُقَال خصفت نَعْلي وَقيل للصانع خصاف ولإشفائه مخصف وكأنهما كَانَا يضمان الْوَرق بعضه إِلَى بعض ليَكُون لَهما لبسا وسترا وَقَوله ثمَّ هَبَطت الْبِلَاد يُرِيد أَنه لما هَبَط آدم ﵇ إِلَى الأَرْض هَبَطت لِأَنَّهُ فِي صلبه وَهُوَ إِذْ لَا بشر وَلَا لحم وَلَا دم يُرِيد أَنه نُطْفَة لم ينْتَقل فِي هَذِه الْمَرَاتِب الَّتِي ينْتَقل فِيهَا الْجَنِين أَلا ترَاهُ يَقُول بل نُطْفَة تركب السفين يُرِيد ركُوب نوح السَّفِينَة فِي وَقت الطوفان وَهُوَ فِي صلبه
ونسر أحد الْأَصْنَام الَّتِي كَانَت لقوم نوح وَقَوله تنقل من صالب يَعْنِي الصلب وَلم أسمعهُ بِهَذِهِ اللُّغَة إِلَّا فِي هَذَا الحَدِيث وَفِيه لُغَة أُخْرَى صلب وَمثله فِي التَّقْدِير سقم وسقم وبخل وبخل وَطَعَام قَلِيل النزل والنزل قَالَ
[ ١ / ٣٦٣ ]
الراجز فِي صلب مثل الْعَنَان المؤدم
وَقَوله إِذا مضى عَالم بدا طبق يُرِيد إِذا مضى قرن بَدَأَ قرن وَإِنَّمَا قيل للقرن طبق لأَنهم طبق الأَرْض ثمَّ ينقرضون وَيَأْتِي طبق للْأَرْض آخر وَيُقَال هَذَا مطر طبق الأَرْض إِذا طبقها وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ حِين استسقى اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا طبقًا وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] دِيمَة هطلاء فِيهَا وَطف طبق الأَرْض تحرى وتدر
وطبق الأَرْض يرفع وَينصب قَالَ الْأَصْمَعِي يُقَال قُرَيْش الكتبة الْحِسْبَة ملح هَذِه الْأمة علم عالمهم طباق الأَرْض فَيكون طباقا لَهَا وَقَالَ الله جلّ وَعز ﴿لتركبن طبقًا عَن طبق﴾ أَي حَالا بعد حَال كَذَلِك فسر وَهُوَ من ذَلِك قَالَ كَعْب بن زُهَيْر [من الْبَسِيط] كَذَلِك الْمَرْء إِن ينسأ لَهُ أجل يركب بِهِ طبق من بعده طبق
أَي ينْقل من حَال الشَّبَاب إِلَى الْهَرم
[ ١ / ٣٦٤ ]
والنطق جمع نطاق وَهُوَ مَا انتطقت بِهِ الْمَرْأَة أَي شدته فِي وَسطهَا وانتطقت بِهِ وانتطق بِهِ الرجل أَيْضا وَبِه سميت المنطقة وَضرب هَذَا مثلا فِي ارتفاعه وتوسطه فِي عشيرته وعزه فَجعله فِي علياء وجعلهم تَحْتَهُ نطاقا لَهُ
وَقَوله وضاءت أَي أَضَاءَت وهما لُغَتَانِ أَضَاء النَّهَار وضاء
٦٦ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ الْحيَاء شُعْبَة من الْإِيمَان
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو مَسْعُود الدَّارمِيّ قَالَ حَدَّثَنِيهِ جدي خرَاش قَالَ ثناه أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ
إِنَّمَا جعل الْحيَاء وَهُوَ غريزة شُعْبَة من الْإِيمَان وَهُوَ اكْتِسَاب لِأَن المستحي يَنْقَطِع بِالْحَيَاءِ عَن الْمعاصِي وَإِن لم يكن لَهُ تقية فَصَارَ كالإيمان الَّذِي يقطع عَنْهَا وَلذَلِك يُقَال إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت يُرَاد أَن من لم يستح صنع مَا شَاءَ لِأَنَّهُ لَا يكون لَهُ حَيَاء يحجزه ويكفه عَن الْفَوَاحِش والقبح
[ ١ / ٣٦٥ ]
وَقَالَ رجل لِلْحسنِ بليتني الرجل وَأَنا أمقته مَا أعْطِيه إِلَّا حَيَاء فَهَل لي فِي ذَلِك من أجر قَالَ إِن ذَلِك من الْمَعْرُوف [٧٤ / أ] وَإِن فِي الْمَعْرُوف لأجرا
٦٧ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تهْلك أمتِي حَتَّى يكون التحايل والتمايز والمعامع
يرويهِ مُحَمَّد بن كثم عَن إِسْمَاعِيل عَن هِشَام بن الْغَاز عَن مَكْحُول الوصفي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ذَلِك
أَرَادَ بالتحايل أَنه لَا يكون سُلْطَان يكف النَّاس من الْمَظَالِم فيميل بَعضهم على بعض بالغارة وَأَرَادَ بالتمايز أَن النَّاس يتَمَيَّز بَعضهم من بعض بهَا ويتحزبون أحزابا بِوُقُوع العصبية وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز ﴿وامتازوا الْيَوْم أَيهَا المجرمون﴾ قَالَ أَبُو مُحَمَّد أَخْبرنِي أَبُو حَاتِم عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ تميزوا يُرِيد انْقَطَعُوا عَن الْمُؤمنِينَ وَكُونُوا فرقة وَاحِدَة وَقَوله ﴿تكَاد تميز من الغيظ﴾ أَي يَنْقَطِع بَعْضهَا عَن بعض وَأما المعامع فَهِيَ شدَّة الْحَرْب وَالْجد فِي الْقِتَال وَالْأَصْل فِيهِ معمعة النَّار وَهِي سرعَة تلهبها قَالَ الشَّاعِر وَوصف فرسا من المتقارب
[ ١ / ٣٦٦ ]
.. جموحا مروحا وإحضارها كمعمعة السعف الموقد
شبه حفيفها من المرح فِي عدوها بحفيف النَّار إِذا التهبت فِي السعف وَمثله معمعة الْحر ومعمعات الصَّيف قَالَ ذُو الرمة من الْبَسِيط حَتَّى إِذا معمعان الصَّيف هَب لَهُ بأجة نش عَنْهَا المَاء وَالرّطب
والأجة من تأجج النَّار وَمِنْه يُقَال للْمَرْأَة الذكية المتوقدة معمع
حَدثنِي أبي حَدثنِي عبد الرحمن بن عبد الله عَن عَمه حَدثنِي أَبُو بكر بن ابي عَاصِم عَن مَوْلَاهُ ابْن الأجيد عَن أوفى بن دلهم [٧٤ / ب] أَنه كَانَ يَقُول النِّسَاء أَربع فمنهن معمع لَهَا شَيْئا أجمع ومنهن تبع ترى وَلَا تَنْفَع وَمِنْهُم صدع تفرق وَلَا تجمع ومنهن غي وَقع بِبَلَد فأمرع أَي أنبت
قَالَ وَذكرت بعض هَذَا الحَدِيث لأبي عوَانَة قَالَ فَكَانَ عبد الملك بن عُمَيْر يزِيد فِيهِ ومنهن القرثع وَهِي الَّتِي تلبس درعها مقلوبا وتكحل إِحْدَى عينيها وتترك الْأُخْرَى
[ ١ / ٣٦٧ ]
وشبيه بقَوْلهمْ معمة الْحَرْب الْآن حمي الْوَطِيس يرْوى أَن النَّبِي ﷺ قَالَه فِي بغض مغازيه وَيُقَال أَن الْوَطِيس التَّنور أَو شَيْء يشبه التَّنور
٦٨ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ذَات يَوْم كَيفَ أَنْتُم إِذا مرج الدّين وَظَهَرت الرَّغْبَة وَاخْتلف الإخوان وَحرق الْبَيْت الْعَتِيق
حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَبده الصفار قَالَ ثناه عبد الله بن مُوسَى عَن سعد بن أَوْس عَن بِلَال الْعَبْسِي عَن مَيْمُونَة
قَوْله مرج الدّين يَعْنِي فسد وَمِنْه قَول النَّبِي ﷺ لعبد الله بن عمر كَيفَ أَنْت إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس قد مرجت عهودهم وأماناتهم أَي فَسدتْ وأصل المرج أَن يقلق الشَّيْء فَلَا يسْتَقرّ يُقَال مرج الْخَاتم فِي يَدي مرجا إِذا قلق
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن ابي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿فهم فِي أَمر مريج﴾ أَي مختلط
[ ١ / ٣٦٨ ]
وَقَالَ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿مرج الْبَحْرين﴾ أَي خلاهما
يُقَال مرجت دَابَّتي إِذا خليتها وأمرجتها إِذا رعيتها قَالَ الشَّاعِر [من الرمل] مرج الدّين فأعددت لَهُ مشرف الحارك محبوك الكتد
وَقَوله ظَهرت الرَّغْبَة يُرِيد كثر السُّؤَال وَقل الاستعفاف وَمِنْه قَوْلك رغبت إِلَى فلَان فِي كَذَا إِذا سَأَلته إِيَّاه وَمثله قَول عبد الله بن مَسْعُود حِين ذكر نُقْصَان الْإِسْلَام فَقَالَ وَآيَة ذَلِك أَن تَفْشُو الْفَاقَة
وَقَوله وَاخْتلف الإخوان يُرِيد اخْتِلَاف الْمُسلمين فِي الْفِتَن وتحزبهم وَيكون الِاخْتِلَاف الَّذِي يَقع بَينهم فِي الْأَهْوَاء والبدع حَتَّى يتباغضوا ويتعادوا ويتبرأ بَعضهم من بعض
وَأما قَوْله لعبد الله بن عمر كَيفَ أَنْت إِذا بقيت فِي حثالة من النَّاس فَإِن الحثالة رذال النَّاس وشرارهم وَهُوَ الرَّدِيء من كل شَيْء وَمِنْه حَدِيثه الآخر لَا تقوم السَّاعَة إِلَّا على حثالة من النَّاس وَمثله الخشارة والحفالة
وَفِي حَدِيث آخر أَنه قَالَ يذهب الصالحون الأول فَالْأول حَتَّى
[ ١ / ٣٦٩ ]
تبقى حفالة كحفالة التَّمْر وَفِي الحثالة لفظ آخر رُوِيَ عَن أنس أَنه قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك أَن أبقى فِي حثل من النَّاس لَا تبالي أغلبوا أَو غلبوا
٦٩ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن سَلمَة بن الْأَكْوَع سَأَلَهُ عَن الصَّلَاة فِي الْقوس والقرن فَقَالَ صل فِي الْقوس واطرح الْقرن
يرويهِ عقبَة بن خَالِد السكونِي عَن مُوسَى بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَن أَبِيه عَن سَلمَة بن الْأَكْوَع قَالَ الْأَصْمَعِي الْقرن جعبة من جُلُود تشق ثمَّ تخرز وَإِنَّمَا تشق حَتَّى تصل الرّيح إِلَى الريش فَلَا يفْسد قَالَ الشَّاعِر [من الرجز] يَابْنَ هِشَام أهلك النَّاس اللَّبن فكلهم يغدوا بقوس وَقرن
ويروى يعدو يُرِيد أَنهم أخصبوا فغزا بَعضهم بَعْضًا وَمثله قَول الآخر [من الْكَامِل] قوم إِذا نبت الرّبيع لَهُم نَبتَت عداوتهم مَعَ البقل
وَإِنَّمَا أمره بِنَزْع الْقرن فِيمَا أرى لِأَنَّهُ كَانَ من جلد غير ذكي
[ ١ / ٣٧٠ ]
وَلَا مدبوغ فَأَما غير الْقرن من الجعاب فَلَا بَأْس بِأَن يصلى فِيهِ وَكَذَلِكَ الْقرن إِن كَانَ من جلد ذكي مدبوغ
٧٠ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِنَّه توضأك فاستوكف ثَلَاثًا حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّد بن عبيد بن يزِيد بن هرون عَن شُعْبَة عَن النُّعْمَان بن سَالم عَن ابْن أبي أَوْس الثَّقَفِيّ عَن جده أَوْس
استوكف ثَلَاثًا يُرِيد أَنه غسل يَدَيْهِ ثَلَاثًا وَهُوَ من وكف الْبَيْت يكف وكوفا ووكفا إِذا قطر وَتقول أَصَابَنَا وكف وواكف ووكف الدمع يكف وكوفا ووكفا إِذا قطر واستوكف استفعل من هَذَا أَرَادَ أَخذ ثَلَاث دفع من المَاء وَقَالَ حميد بن ثَوْر وَذكر الْحمر [من الطَّوِيل] إِذا استوكفت بَات الغوي يسوفها كَمَا جس أحشاء السقيم طَبِيب
أَرَادَ إِذا استقطرت وَمثله استودقت يُقَال استودفت الشحمة أَي استقطرتها وودف الشَّحْم سَالَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه صب على يَده المَاء وَلم يدخلهَا فِي الْإِنَاء وَهَذَا مثل حَدِيثه إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من مَنَامه فَلَا يغمس يَده فِي طهوره حَتَّى يفرغ عَلَيْهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده وَقد تقدم ذكر هَذَا وَتَفْسِيره
[ ١ / ٣٧١ ]
٧١ - وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَن جَابر ابْن عبد الله قَالَ عرضت يَوْم الخَنْدَق كدية وَأخذ النَّبِي ﷺ المسحاة ثمَّ سمى ثَلَاثًا وَضرب فَعَادَت كثيبا أهيل حَدَّثَنِيهِ أبي قَالَ حَدَّثَنِيهِ عَن عبد الرحمن بن مُحَمَّد الْمحَاربي عَن عبد الواحد بن أَيمن الْمَكِّيّ عَن أَبِيه عَن جَابر
وَفِي حَدِيث آخر أَن الْمُسلمين وجدوا أعبلة فِي الخَنْدَق وهم يحفرون فضربوها حَتَّى تَكَسَّرَتْ معاولهم فدعوا لَهَا النَّبِي ﷺ فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا دَعَا بِمَاء فَصَبَّهُ عَلَيْهَا فَصَارَت كثيبا ينهال انهيالا
الكدية قِطْعَة من الأَرْض غَلِيظَة صلبة يُقَال حفرت حَتَّى أكديت
وَأَخْبرنِي السجسْتانِي عَن أبي عُبَيْدَة أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكدى﴾ أَرَادَ وَقطع وَهُوَ من الكدية مَأْخُوذ وَذَلِكَ أَنه إِذا حفر فَبلغ الكدية يئس من المَاء لصلابة الأَرْض فَقطع الْحفر يُقَال بلغنَا كدية الرَّكية وَلِهَذَا قيل للرجل يطْلب الشَّيْء فَلَا يقدر عَلَيْهِ قد أكدى وَمَا أجدى وَيُقَال فِي مثل مَا هُوَ إِلَّا ضَب كدية وَإِنَّمَا نسب الضَّب إِلَيْهَا لِأَنَّهُ لَا يحْفر أبدا إِلَّا فِي صلابة خوفًا من انهيار الْحجر عَلَيْهِ
[ ١ / ٣٧٢ ]
قَالَ كثير [من المتقارب] فَإِن شِئْت قلت لَهُ صَادِقا وَجَدْتُك بالقف ضبا جحولا
من اللائي يحفرن تَحت الكدى وَلَا يبتغين الدماث السهولا
فَإِن بلغ الْحَافِر المَاء قيل أنبط وأماه وأموه وَأمّهَا وأنهر وأعين إِذا بلغ الْعُيُون وأجبل بلغ الْجَبَل وأثلج بلغ الطين وأسهب بلغ الرمل
وَقَوله عَادَتْ كثيبا أهيل الْكَثِيب قِطْعَة من الرمل محدودبة والأهيل والمنهال وَاحِد وَهُوَ السَّائِل والأعبل والعبلاء حِجَارَة بيض قَالَ الشَّاعِر [من السَّرِيع] وَالضَّرْب فِي أقبال ملمومة كَأَنَّمَا لأمتها الأعبل
يَقُول درعها فِي الحصانة كالأعبل والأعبلة جمع على غير هَذَا الْوَاحِد
[ ١ / ٣٧٣ ]