قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه سَأَلَ جرير ابْن عبد الله عَن منزله ببيشة فوصفها جرير فَقَالَ سهل ودكداك وَسلم وحمص وعلاك بَين نَخْلَة ونخلة ماؤنا ينبوع وجنابنا مريع وشتاؤنا ربيع فَقَالَ لَهُ يَا جرير إياك وسجع الْكُهَّان هَكَذَا قَالَ ابْن دأب فَأَما غَيره فيخالفه فِي بعض هَذِه الْأَلْفَاظ
حَدثنِي أبي حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن مُسلم عَن إِسْمَاعِيل بن مهْرَان عَن الديَّان بن عباد الْمذْحِجِي عَن عَمْرو بن مُوسَى الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله بن عبد الله ابْن عتبَة عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ شتاؤنا ربيع وماؤنا يميع أَو يريع لَا يُقَام ماتحها وَلَا يحسر صابحها وَلَا يعزب سارحها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن خير المَاء الشبم وَخير المَال الْغنم وَخير المرعى الْأَرَاك وَالسّلم إِذا أخلف كَانَ لجينا وَإِذا سقط كَانَ درينا وَإِذا أكل كَانَ لبينا
[ ١ / ٥٤٢ ]
فِي أَلْفَاظ اختصرتها واقتصرت مِنْهَا على مَا يُفَسر
وَفِي الحَدِيث أَنه قَالَ خلق الله الأَرْض السُّفْلى من الزّبد الْجفَاء وَالْمَاء الكباء
الدكداك من الرمل مَا التبد مِنْهُ بِالْأَرْضِ وَلم يرْتَفع ذَلِك الِارْتفَاع وَأَرَادَ أَن أَرضهم غير ذَات حزونة وَالسّلم شجر من العضاه واحدته سَلمَة وَبهَا سمي الرجل سَلمَة والحمض من النبت مَا كَانَت فِيهِ ملوحة مثل الرمث والهرم والنجيل والقلام وَيُقَال هُوَ القاقلى وَالْعرب تَقول الْخلَّة خبز الْإِبِل والحمض لَحمهَا أَو فاكهتها
والخلة مَا لم تكن فِيهِ ملوحة من صغَار الشّجر الَّذِي ترعاه الْإِبِل فَإِذا ملت الْخلَّة حولت إِلَى الحمض
والعلاك شجر ينْبت بالحجاز وَهُوَ العلك قَالَ لبيد وَذكر إبِلا [من الْكَامِل] لتقيظت علك الْحجاز مُقِيمَة فجنوب ناصفة لقاح الحوأب
والجناب مَا حول الْقَوْم والمريع الخصيب
[ ١ / ٥٤٣ ]
وَقد ذكرته فِي حَدِيث اسستقاء النَّبِي ﷺ وَقَوله ماؤنا يميع أَي يسيل من علو وكل سايل فَهُوَ مايع وَمن رَوَاهُ تريع أَرَادَ يعود ويثوب وكل شَيْء عَاد فقد رَاع
وَقَوله لَا يُقَام ماتحها الماتح المستقي الَّذِي ينْزع بالدلو والمائح الَّذِي ينزل فِي الْبِئْر إِذا قل المَاء فَيمْلَأ الدَّلْو أَرَادَ أَن ماءها جَار على وَجه الأَرْض فَلَيْسَ يُقَام بهَا ماتح لِأَن الماتح يحْتَاج إِلَى إِقَامَته على الْآبَار
وَقَوله وَلَا يحسر صابحها يُرِيد أَنه لَا يعي وَلَا يكل يُقَال حسرت من كَذَا أحسر فَأَنا حسيرا إِذا كللت وانقطعت وَيُقَال للبعير إِذا قَامَ إعياء وكلالا قد حسره السّير وَهَذِه إبل حسرى قَالَ الله جلّ وَعز ﴿يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خاسئا وَهُوَ حسير﴾
والصابح الَّذِي يصبح الْإِبِل أَي يسقيها صباحا يَقُول لَيْسَ يتعب فِي سقيها حَتَّى يحسر لِأَنَّهُ يوردها مَاء ظَاهرا على وَجه الأَرْض فَهِيَ تشرب من غير أَن يَسْتَقِي لَهَا أَو يمتح وَلَو كَانَت ترد آبارا لاحتاج إِلَى أَن يَسْتَقِي لَهَا مخسر
[ ١ / ٥٤٤ ]
وَقَوله وَلَا يعزب سارحها والسارح مَا سرح من الْأَنْعَام يُقَال سرحت الْإِبِل وَالْغنم إِذا غَدَتْ للمرعى لَا تعزب يُرِيد أَنه لَا يبعد إِذا خرج يرْعَى لِأَنَّهُ يجد بِالْقربِ من مَنَازِلهمْ مرعى يَكْفِيهِ فَهُوَ لَا يعزب وَلكنه يرْعَى فِي جنابهم وناحيتهم
وَقَوله خير المَاء الشبم هَكَذَا رُوِيَ والشبم الْبَارِد والشبم الْبرد وَأَنا أَحْسبهُ السنم والسنم المَاء على وَجه الأَرْض وكل شَيْء علا شَيْئا فقد تسنمه وَيُقَال للشريف سنيم وَهَذَا مَأْخُوذ من السنام وَهَذَا أشبه بِمَا ذكره عَن مَائِهِمْ لِأَنَّهُ قَالَ وماؤنا يميع أَي يجْرِي من علو فَقَالَ النَّبِي ﷺ خير المَاء السنم أَي مَا كَانَ ظَاهرا على الأَرْض وَلم يذكر جرير أَن مَاءَهُمْ بَارِد
فَيَقُول النَّبِي ﷺ خير المَاء الشبم قَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿ومزاجه من تسنيم﴾ أَنه يمزج بِمَا ينزل من علو
وَقَوله إِذا أخلف يُرِيد إِذا أخرج الخلفة وَهِي ورق يخرج بعد الْوَرق الأول فِي الصَّيف وَيكون إِذا أخلف فَلم يحمل واللجين هُوَ الْخبط بِعَيْنِه وَذَلِكَ إِن ورق الْأَرَاك
[ ١ / ٥٤٥ ]
وَالسّلم يخبط حَتَّى يسْقط ويجف ثمَّ يدق حَتَّى يتلجن أَي يلتزج وَيصير كالخطمي ثمَّ تؤجره الْإِبِل وكل شَيْء تلزج فقد تلجن قَالَ الشماخ [من الوافر] وَمَاء قد وَردت لوصل أروى عَلَيْهِ الطير كالورق اللجين
قَالُوا وَمِنْه قيل للناقة البطيئة الثَّقِيلَة لجون
وَقَوله إِذا سقط كَانَ درينا يُرِيد أَنه إِذا سقط ثمَّ أَخذ جافا كَانَ درينا والدرين حطام المرعى إِذا قدم قَالَ الشماخ وَذكر نَاقَة [من الوافر] تعللها مسود الدرين
وَقَوله إِذْ أكل لبينا أَي مدرا للبن مكثرا لَهُ يُرِيد أَنه يلبن النعم إِذا رعته يَعْنِي البرير وَحمل السّلم وَهُوَ فعيل بِمَعْنى فَاعل كَمَا يُقَال قدير بِمَعْنى قَادر وحفيظ بِمَعْنى حَافظ وَكَذَلِكَ لبين بِمَعْنى لِابْنِ للنعم وَكَأَنَّهَا يُعْطِيهَا اللَّبن كَمَا يَقُول لبِنْت الْقَوْم وسمنتهم إِذا أدمتهم اللَّبن وَالسمن
والزبد الْجفَاء هُوَ مَا جفاه الْوَادي فَرمى بِهِ هَذَا أَصله
[ ١ / ٥٤٦ ]
يُقَال أجفأت الْقدر بزبدها إِذا ألقته قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَأَما الزّبد فَيذْهب جفَاء﴾ فَأَرَادَ أَنه خلق الأَرْض من زبد اجْتمع للْمَاء وتكاثف فِي جنبات المَاء وَالْمَاء الكباء هُوَ الْعَظِيم العالي وَمِنْه يُقَال فلَان كابي الرماد أَي عَظِيم الرماد منتفخه وَقد كبا الْفرس يبكو إِذا رَبًّا وانتفخ وَكَأَنَّهُ يُرِيد أَيْضا مَا انتفخ على المَاء وَربا من الزّبد
[ ١ / ٥٤٧ ]