قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ إِن وَفد هَمدَان قدمُوا عَلَيْهِ فَلَقوهُ مُقبلا من تَبُوك فَقَالَ مَالك بن نمط يَا رَسُول الله نصية من هَمدَان من كل حَاضر وباد أتوك على قلص نواج مُتَّصِلَة بحبائل الْإِسْلَام لَا تأخذهم فِي الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام عَهدهم لَا ينْقض عَن سنة ماحل وَلَا سَوْدَاء عنقفيز مَا قَامَت لعلع وَمَا جرى اليعفور بصلع
فَكتب لَهُم النَّبِي ﷺ هَذَا كتاب من مُحَمَّد رَسُول الله لمخلاف خارف وَأهل جناب الهضب وحقاف الرمل مَعَ وافدها ذِي المشعار مَالك بن نمط وَمن أسلم من قومه على أَن لَهُم فراعها ووهاطها وعزازها مَا أَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة يَأْكُلُون علافها ويرعون عفاءها لنا من دفئهم
[ ١ / ٥٤٨ ]
وصرامهم مَا سلمُوا بالميثاق وَالْأَمَانَة وَلَهُم من الصَّدَقَة الثلب والناب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري وَعَلَيْهِم بِهِ الصالغ والقارح هُوَ من حَدِيث أبي روق
قَوْله نصية من هَمدَان أَي رُؤَسَاء مختارون مِنْهُم يُقَال هَؤُلَاءِ نصية قَومهمْ أَي خيارهم وَهَذِه نصية الْإِبِل أَي خِيَارهَا وانتصيت من الْقَوْم رجلا أَي اخترته وأحسب أصل الْحَرْف من الناصية كني عَن الْخِيَار بهَا كَمَا كنى عَنْهُم بِالرَّأْسِ يُقَال هَذَا رَأس قومه وَهَؤُلَاء رُؤُوس الْقَوْم وكما كني عَن الأرذال بالأذناب لِأَن رَأس كل شَيْء خَيره وَأَعلاهُ وذنب كل شَيْء شَره وَأَدْنَاهُ وَرُبمَا كني عَن الْأَشْرَاف بالناصية فَيُقَال هَؤُلَاءِ نواصي الْقَوْم وَأُولَئِكَ أذنابهم قَالَ الشَّاعِر [من الْبَسِيط] قوم هم الرَّأْس والأذناب غَيرهم وَمن يُسَوِّي بأنف النَّاقة الذنبا
وَبِهَذَا الْبَيْت قيل هُوَ أنف النَّاقة
والقلص شواب النوق وَاحِدهَا قلُوص والنواجي السراع واحدتها نَاجِية وَبهَا سمي الرجل وَيُقَال نجت تنجو والنجاء الِاسْم وَهُوَ الْإِسْرَاع فِي السّير
وخارف ويام قبيلتان ينْسب إِلَيْهِمَا فَيُقَال فلَان الخارفي
[ ١ / ٥٤٩ ]
واليامي من يام
والمخلاف لأهل الْيمن كالرستاق لغَيرهم وَجمعه مخاليف وَقَوله وعدهم لَا ينْقض عَن سنة مَا حل والماحل السَّاعِي بالنمائم والإفساد بَين النَّاس يَقُول لَيْسَ ينْقض عَهدهم بسعي مَا حل فِي النَّقْص وَهُوَ سنته أَي طَرِيقَته وَهَذَا كَمَا نقُول أَنا لَا أفسد مَا بيني وَبَيْنك بمذاهب الأشرار يُرِيد بإفسادهم وسعايتهم
وَقَوله وَلَا سَوْدَاء عنقفير وَهِي الداهية أَي لَا ينْقض عَهدهم من داهية عَظِيمَة تنزل بهم وتضطرهم إِلَى النَّقْض وَلَكنهُمْ يُقِيمُونَ على الْعَهْد وَمِمَّا كَانُوا يكتبونه فِي عهودهم مِمَّا يشبه هَذَا لكم الْوَفَاء منا بِمَا أعطيناكم فِي الْعسر واليسر وعَلى المنشط وَالْمكْره
ولعلع جبل أَي لكم الْوَفَاء مَا قَامَ هَذَا الْجَبَل يُرِيدُونَ أبدا وَمَا جرى اليعفور وَهُوَ ولد الْبَقَرَة بصلع وَهِي
[ ١ / ٥٥٠ ]
الصَّحرَاء البارزة المستوية الَّتِي لَا نبت فِيهَا وَمثله فِي حَدِيث لُقْمَان بن عَاد إِلَّا أر مطمعي بوقاع بصلع
وجناب الهضب مَوضِع وحقاف الرمل جمع حقف وَيجمع أَيْضا أحقاف وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿إِذْ أنذر قومه بالأحقاف﴾ يُقَال كَانَت مَنَازِلهمْ بالرمل والحقف من الرمل مَا اعوج واستطال وَمِنْه يُقَال لما اعوج قد احقوقف
والفراع أعالي الْجبَال وَمَا أشرف من الأَرْض وَاحِدهَا فرعة
والفرعة فِي غير هَذَا القملة وَمِنْه حسان بن الفريعة إِنَّمَا هُوَ تَصْغِير فرعة وَيُقَال جبل فارع إِذا كَانَ عَالِيا وَامْرَأَة فارعة إِذا كَانَت طَوِيلَة
والوهاط الْمَوَاضِع المطمئنة وَاحِدهَا وهط وَبِه سمي
[ ١ / ٥٥١ ]
الوهط وَهُوَ مَال كَانَ لعَمْرو بن الْعَاصِ بِالطَّائِف
والعزاز مَا صلب من الأَرْض وَهُوَ الْجلد وَأخذ من قَوْلك تعزز لحم النَّاقة إِذا اشْتَدَّ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿فعززنا بثالث﴾ أَي قوينا الِاثْنَيْنِ بثالث قَالَ الزُّهْرِيّ كنت أختلف إِلَى عبيد الله بن عبد الله بن عتبَة أكتب عَنهُ فَكنت أقوم لَهُ إِذا خرج وأسوي ثِيَابه إِذا ركب ثمَّ ظَنَنْت إِنِّي قد استفرغت مَا عِنْده فَخرج يَوْمًا فَلم أقِم لَهُ فَقَالَ لي إِنَّك فِي العزاز فَقُمْ والعزاز يكون فِي أَطْرَاف الأَرْض وجوانبها فَإِذا توسطتها صرت فِي السهولة واللين فَأَرَادَ عبيد الله إِنَّك بعد فِي الْأَوَائِل من الْعلم والأطراف وَلم تبلغ الأوساط فعد إِلَى التَّعْظِيم الَّذِي كنت عَلَيْهِ إِذْ كنت لم تستغن وَلم تكمل
وَقَوله يَأْكُلُون علافها جمع علف يُقَال علف وعلاف كَمَا يُقَال جمل وجمال وَيُقَال أَيْضا أعلاف كَمَا يُقَال أحمال
والعفاء من الأَرْض مَا لَيْسَ لأحد فِيهِ شَيْء
[ ١ / ٥٥٢ ]
وَقَوله لنا من دفئهم يَعْنِي من إبلهم وشائهم وَسميت دفأ لما يتَّخذ من أوبارها وأصوافها من الأكسية والبيوت وَغير ذَلِك مِمَّا يستدفأ بِهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿والأنعام خلقهَا لكم فِيهَا دفء وَمَنَافع﴾
والصرام النّخل لِأَنَّهُ يصرم أَي يجتنى ثمره وأصل الصرم الْقطع وَيكون الصرام التَّمْر بِعَيْنِه
وَقَوله لنا من ذَلِك مَا سلمُوا بالميثاق وَالْأَمَانَة يُرِيد أَنهم مأمونون على صدقَات أَمْوَالهم بِمَا أَخذ عَلَيْهِم من الْمِيثَاق وَلَا يبْعَث فِيهِ إِلَيْهِم مُصدق وَلَا عَاشر
وَقَوله لَهُم من الصَّدَقَة الثلب وَهُوَ من الْإِبِل الذُّكُور الَّذِي قد تَكَسَّرَتْ أَسْنَانه
وَكتب عَمْرو بن الْعَاصِ مُعَاوِيَة إِنَّك قد جربتني فوجدتني لست بالغمر الضَّرع وَلَا الثلب الفاني والضرع الصَّغِير والناب الهرمة من النوق سميت بذلك لِأَن نابها يطول
[ ١ / ٥٥٣ ]
إِذا هرمت وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لرجل من بني نهد كَيفَ أَنْت عِنْد الْقرى قَالَ ألصق وَالله بالناب الفانية وَالْبكْر والضرع
قَوْله ألصق بالناب يُرِيد أَنه يعرقها إِذا عرقها ألصق بهَا السَّيْف فاختصر قَالَ الرَّاعِي وَذكر أضيافا طرقوه [من الطَّوِيل] فأومأت إِيمَاء خَفِيفا لحبتر وَللَّه ثوبا حبتر أَيّمَا فَتى
وَقلت لَهُ ألحق بأيبس سَاقهَا فَإِن يجْبر العرقوب لَا يرقأ النسا
والفارض المسنة وَمِنْه قَول الله تَعَالَى ﴿لَا فارض وَلَا بكر﴾ أَي لَا كَبِيرَة وَلَا صَغِيرَة
والداجن الَّتِي يعلفها النَّاس فِي مَنَازِلهمْ وَلَا يبْعَث بهَا إِلَى المرعى
والصالغ من الْغنم وَالْبَقر الَّذِي كمل وانتهت سنه وَذَلِكَ فِي
[ ١ / ٥٥٤ ]
السّنة السَّادِسَة مِنْهُ
والقارح من الْخَيل مثله والكبش الحوري أرَاهُ مَنْسُوبا إِلَى الْحور وَهِي جُلُود حمر تتَّخذ من جُلُود الْمعز وَمن جُلُود بعض الضَّأْن قَالَ أَبُو النَّجْم يذكر قَتِيلا [من الرجز] كَأَنَّمَا برقع خديه الْحور
يَقُول صَار الدَّم على خديه فَكَأَنَّهُ حور لحمرته
[ ١ / ٥٥٥ ]