وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي حَدِيث النَّبِي ﷺ أَنه ذكر الصَّيْحَة قَالَ فلعمر إلهك مَا يدع على ظهرهَا من شَيْء إِلَّا مَاتَ وَالْمَلَائِكَة الَّذين مَعَ رَبك فَأصْبح يطوف فِي الأَرْض وخلت عَلَيْهِ الْبِلَاد فَأرْسل السَّمَاء بهضب من عِنْد الْعَرْش فلعمر إلهك مَا يدع على ظهرهَا من مصرع قَتِيل وَلَا مدفن ميت إِلَّا شقَّتْ الأَرْض عَنهُ حَتَّى يخلقه من قبل رَأسه
وَسَأَلَهُ لَقِيط فَقَالَ كَيفَ يجمعنا الله بعد مَا مزقتنا الرِّيَاح والبلى وَالسِّبَاع قَالَ أنبئك بِمثل ذَلِك فِي إل الله الأَرْض أشرفت عَلَيْهَا مَدَرَة بالية فَقلت لَا تحيا أَبَد ثمَّ أرسل رَبك عَلَيْهَا السَّمَاء فَلم تلبث عَلَيْك إِلَّا أَيَّامًا ثمَّ أشرفت عَلَيْهَا وَهِي شربة وَاحِدَة ولعمر إلهك لَهو أقدر على أَن يجمعكم من المَاء على أَن يجمع نَبَات الأَرْض فتخرجون من الأصواء فتنظرون إِلَيْهِ سَاعَة وَينظر إِلَيْكُم قَالَ يَا رَسُول الله فَمَا يفعل رَبنَا إِذا لقيناه قَالَ تعرضون
[ ١ / ٥٣٠ ]
عَلَيْهِ باديا لَهُ صفحاتكم لَا تخفى مِنْكُم عَلَيْهِ خافية فَيَأْخُذ ربكُم بِيَدِهِ غرفَة من المَاء فينضح عَلَيْكُم فَأَما الْمُسلم فيدع وَجهه مثل الريطة الْبَيْضَاء وَأما الْكَافِر فتخطمه بِمثل الحمم الْأسود أَلا ثمَّ ينْصَرف من بَيْنكُم ويفترق على أَثَره الصالحون أَلا فتسلكون جِسْرًا فِي النَّار يطَأ أحدكُم الْجَمْرَة ثمَّ يَقُول حس يَقُول رَبك وَإنَّهُ أَلا فتطلعون على حَوْض الرَّسُول لَا يظمأ وَالله ناهله فلعمر إلهك مَا يبسط أحد مِنْكُم يَده إِلَّا وَقع عَلَيْهَا قدح مطهرة من الطوف والأذى قَالَ يَا رَسُول الله فعلى مَا نطلع من الْجنَّة قَالَ على أَنهَار من عسل مصفى وأنهار من كأس مَا بهَا صداع وَلَا ندامة ثمَّ بَايعه على أَن يحل حَيْثُ شَاءَ وَلَا يجر عَلَيْهِ إِلَّا نَفسه
يرويهِ إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن عبد الرحمن بن الْمُغيرَة حَدثنِي عبد الرحمن بن عَيَّاش السمعي الْأنْصَارِيّ عَن دلهم بن الْأسود عَن عَاصِم ابْن لَقِيط أَن لَقِيط بن عَامر خرج وافدا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَذكر ذَلِك عَنهُ فِي حَدِيث فِيهِ طول اختصرته واقتصرت مِنْهُ على مَا يُفَسر
قَوْله فَأرْسل السَّمَاء بهضب أَي بمطر يُقَال هضبت السَّمَاء تهضب هضبا قَالَ الْكُمَيْت من الطَّوِيل سحابته مَا شمتها فَهِيَ تهضب
[ ١ / ٥٣١ ]
أَي تمطر وَقَالَ العجاج [من الرجز] سَحا أهاضيب وبرقا مرعجا فالأهاضيب دفعات من الْمَطَر وَهُوَ جمع الْجمع كَأَنَّهُ جمع أهضاب وأهضاب جمع هضب مثل قَول وأقوال وأقاويل
والمرعج من الْبَرْق هُوَ المتتابع يُقَال أرعج الْبَرْق وارتعج إِذا كثر وتتابع
وَقَوله أنبئك بِمثل ذَلِك فِي إل الله الإل هَاهُنَا بِمَعْنى الربوية وَمِنْه قَول أبي بكر حِين سمع كَلَام مُسَيْلمَة إِنَّه لكَلَام لم يخرج من إل كَأَنَّهُ أَرَادَ أخْبرك بِمثل ذَلِك فِي قدرته وَفِي إلاهيته
فإل فِي غير هَذَا الْعَهْد وَهُوَ أَيْضا الْقَرَابَة
وَقَوله فتخرجون من الأصواء يَعْنِي الْقُبُور وأصل الأصواء الْأَعْلَام تنصب فِي الأَرْض للهدى شبه الْقُبُور بهَا وَهِي أَيْضا الصوى وَاحِدهَا صوة وَمِنْه الحَدِيث إِن
[ ١ / ٥٣٢ ]
لِلْإِسْلَامِ صوى ومنارا كمنار الطَّرِيق قَالَ رؤبة وَذكر السراب [من الرجز] إِذا جرى بَين الفلا رهاؤه وخشعت من بعده أصواؤه
يَقُول تنظر إِلَى أَعْلَامه صغَارًا من بعده كَأَنَّهَا خاشعة وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ الصوة الْمَكَان الْمُرْتَفع فِيهِ غلظ والجميع صوى وَأنْشد لحميد بن ثَوْر الْهِلَالِي فِي وصف طَرِيق [من الطَّوِيل] يجر إِلَى أصوائه عَن طَرِيقه عِظَام مطي كالمحاجن تبرق
وَقَوله أشرفت عَلَيْهَا وَهِي شربة وَاحِدَة هَكَذَا رَوَاهُ وَأَنا من ذَلِك على ارتياب فَإِن كَانَ ذَلِك هُوَ الْمَحْفُوظ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن المَاء قد كثر فَمن حَيْثُ أردْت أَن تشرب شربت وَإِن كَانَ الْمَحْفُوظ شربة وَاحِدَة بِفَتْح الرَّاء فَإِن الشربة حَوْض يكون فِي اصل النَّخْلَة يمْلَأ بِمَاء لشربها يُرِيد أَن المَاء قد وقف فِي مَوَاضِع مِنْهَا فَشبه تِلْكَ الْمَوَاضِع بالشربات قَالَ زُهَيْر يذكر الضفادع [من الْبَسِيط] يخْرجن من شربات مَاؤُهَا طحل على الْجُذُوع يخفن الْغم والغرقا
[ ١ / ٥٣٣ ]
وَقَالَ بعض الْعلمَاء غلط زُهَيْر فِي توهمه أَن خُرُوج الضفادع من المَاء مَخَافَة الْغم وَالْغَرق وَلَيْسَ خروجهن لذَلِك قَالَ وَأما قَول أبي ذُؤَيْب [من الطَّوِيل] ضفادعه غرقى رواء كَأَنَّهَا
فَإِنَّهُ مثل قَوْلهم فلَان غرق فِي النَّعيم وَكَذَلِكَ قَول طفيل [من الطَّوِيل] فصادفن جونا للعلاجيم فَوْقه مجَالِس غرقى لَا يحلأ ناهله
وَبَعض الْمُحدثين يرويهِ شرية وَاحِدَة والشرية الحنظلة وَجَمعهَا شري فَإِن كَانَ هَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن الأَرْض قد اخضرت بالنبات فَكَأَنَّهَا شرية وَاحِدَة وَوصف الأَرْض بالنبات فِي هَذَا أشبه بِالْمَعْنَى من اللَّفْظَيْنِ الْأَوَّلين لِأَنَّهُ شبه من أَحْيَاهُ الله من الْمَوْتَى بالنبات الَّذِي أخرجه الله من الأَرْض الهامدة بالمطر وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله وَهُوَ أقدر على أَن يجمعكم من المَاء على أَن يجمع نَبَات الأَرْض وَمثله فِي حَدِيث لَهُ آخر قَالَ كَيفَ يبْعَث الله الْمَوْتَى فَقَالَ اضْرِب لَك مثلا هَل مَرَرْت
[ ١ / ٥٣٤ ]
بواد أهلك محلا قَالَ نعم قَالَ ثمَّ مَرَرْت بِهِ يَهْتَز خضرًا قَالَ نعم قَالَ فَكَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى
والحنظل أَخْضَر ناعم قَالَ ذُو الرمة وَذكره [من الطَّوِيل] إِذا مَا المطايا سفنها لم يذقنها وَإِن كَانَ أَعلَى نبتها نَاعِمًا نضرا
وَيضْرب بهَا الْمثل فِي البريق وَالَّذِي قَالَ أَبُو النَّجْم يصف إبِلا [من الرجز] شربت والحشو من حفانها كالحنظل
قَالَ الْأَصْمَعِي شبهها بهَا فِي البريق والري وَذَلِكَ أَن الحنظلة إِذا شققتها قطرت مَاء والريطة الملاءة إِذا لم تكن لفقين وَجَمعهَا رياط وريط فَإِذا كَانَت لفقين فَلَيْسَتْ بريطة
وَقَوله فتخطمه بِمثل الحمم الْأسود أَي تصيب خطمه يُقَال رأست الرجل وبطنته وكبدته وخطمته فَأَنا أرأسه وأبطنه وأكبده وأخطمه كل هَذَا إِذا أردْت أَنَّك أصبت شَيْئا من ذَلِك وَمِنْه الحَدِيث فِي دَابَّة الأَرْض إِن مَعهَا
[ ١ / ٥٣٥ ]
عَصا مُوسَى وَخَاتم سُلَيْمَان فتجلو وَجه الْمُؤمن بالعصا وتخطم أنف الْكَافِر بالخاتم
وَذكر الزيَادي عَن الْأَصْمَعِي أَنه قَالَ فِي بَيت أَوْس بن حجر [من الطَّوِيل] يجود وَيُعْطِي المَال من غير ضنة ويخطم أنف الأبلخ المتغشم
هَذَا مثل أَي يضْرب أَنفه فَيجْعَل لَهُ أثرا مثل أثر الخطام فَيردهُ بصغر
والحمم الفحم واحدته حممة وَقَوله يطَأ أحدكُم الْجَمْرَة فَيَقُول حس هَذِه كلمة يَقُولهَا الْإِنْسَان إِذا أَصَابَهُ الشَّيْء غَفلَة فأمضه وَأحرقهُ كالجمرة تسْقط على يَده أَو الْجراحَة تقع بِهِ وَقَالَ طَلْحَة ذَلِك حِين أُصِيبَت يَده يَوْم أحد فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَو كَانَ ذكر الله لدخلت يَده الْجنَّة أَو لدخل الْجنَّة وَالنَّاس ينظرُونَ
وَحكى أَبُو زيد ضَربته فَمَا قَالَ حس وَلَا بس مَفْتُوحَة الأول مَكْسُورَة الآخر وَمِنْه حَدِيث أبي رهم الْغِفَارِيّ قَالَ خرجنَا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك فَبَيْنَمَا أَنا أَسِير
[ ١ / ٥٣٦ ]
فِي مضيق وَإِلَى جَنْبي رجل ضغطه بعض المرار فَقَالَ حس فَنَظَرت فَإِذا رَسُول الله ﷺ فَلَمَّا عرفني سَأَلَني عَن قوم تخلفوا عَنهُ
والمرار الْحَبل وَقَوله وَيَقُول رَبك وَإنَّهُ فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن تجْعَل إِنَّه بِمَعْنى نعم
وَالْآخر أَن تجْعَل الْكَلَام مُخْتَصرا مُقْتَصرا مِمَّا بعده عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ وَإنَّهُ كَذَلِك أَو أَنه على مَا تَقول وَمثله قَول الشَّاعِر من مجزوء الْكَامِل بكرت عَليّ عواذلي يلحينني وألومهنه
وَيَقُلْنَ شيب قد علاك وَقد كَبرت فَقلت إِنَّه
وَقَالَ بَعضهم إِنَّه بِمَعْنى نعم وَقَالَ أَعْرَابِي وَهُوَ ابْن الزبير الْأَسدي لِابْنِ الزبير لَا حملت نَاقَة حَملتنِي إِلَيْك
[ ١ / ٥٣٧ ]
فَقَالَ إِن وصاحبها وَقَالَ بعض أَرَادَ إِنَّه كَمَا تقلن فَحذف اختصارا وَمثل هَذَا من الِاخْتِصَار فِي الْقُرْآن والأشعار كثير قَالَ النمر بن تولب [من المتقارب] فَإِن الْمنية من يخشها فَسَوف تصادفه أَيْنَمَا
وَإِن تتخطاك أَسبَابهَا فَإِن قصاراك أَن تهرما
أَرَادَ أَيْن مَا ذهب أَو أَيْن مَا كَانَ وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب [من الطَّوِيل] عصيت إِلَيْهَا الْقلب إِنِّي لأَمره سميع فَمَا أَدْرِي أرشد طلابها
أَرَادَ أرشد هُوَ أُمَم غي فَحذف
وَقَوله لَا يظمأ ناهله يَقُول من روى مِنْهُ لم يعطش بعد ذَلِك والناهل الَّذِي قد شرب حَتَّى رُوِيَ
وَقد يكون فِي غير هَذَا الْموضع العطشان وَهُوَ حرف من الأضداد
[ ١ / ٥٣٨ ]
قَالَ النَّابِغَة [من السَّرِيع] والطاعن الطعنة يَوْم الوغى ينهل مِنْهَا الأسل الناهل
أَتَى بالمعنيين جَمِيعًا فِي الْبَيْت أَي يرْوى مِنْهَا الرمْح والعطشان وَيُقَال أصل الْحَرْف وَهُوَ الرّيّ وَإِنَّمَا قيل للعطشان ناهل على وَجه التفاؤل لَهُ بِالريِّ والتطير من الْعَطش كَمَا قيل للديغ سليم وللفلاة مفازة
وَقَوله قدح مطهرة من الطوف فأنث الْقدح لِأَنَّهُ ذهب إِلَى الشربة وَكَذَلِكَ أنثوا الكأس لأَنهم ذَهَبُوا إِلَى الْخمر ثمَّ صَار الكأس اسْما للخمر إِذْ كَانَت تكون فِيهِ أَلا ترَاهُ يَقُول وأنهار من كأس أَي من خمر وَقَالَ الْأَعْشَى [من المتقارب] وكأس شربت على لَذَّة وَأُخْرَى تداويت مِنْهَا بهَا
وَمثل هَذَا قَوْلهم للعنب خمر لِأَنَّهَا مِنْهُ تعصر وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين فِي قَول الله تَعَالَى ﴿إِنِّي أَرَانِي أعصر خمرًا﴾
[ ١ / ٥٣٩ ]
قَالَ أَي أعصر عنبا
وحَدثني أبي قَالَ أَخْبرنِي سهل بن مُحَمَّد عَن الْأَصْمَعِي عَن مُعْتَمر قَالَ لقِيت حميريا مَعَه عِنَب فَقلت مَا مَعَك فَقَالَ خمر وَلَقِيت آخر عمانيا أَو حميريا فَقلت مَا مَعَك قَالَ سخام والسخام الفحم وَمِنْه قيل سخم الله وَجهه أَي سوده
والطوف الْحَدث من الطَّعَام وَهُوَ من الصَّبِي قبل أَن يطعم العقي يُقَال إطاف الرجل يُطَاف أطيافا إِذا قضى حَاجته وَيُقَال عقى الصَّبِي يعقى عقيا وَالِاسْم العقي بِكَسْر الْعين وَمثله مِمَّا يُخَالف مصدره الِاسْم الْقسم مصدر قسمت وَالْقسم النَّصِيب والسقي مصدر سقيت والسقي الْحَظ من المَاء يُقَال كم سقِي أَرْضك أَي كم حظها من المَاء
وَمن الطوف الحَدِيث لَا يُصَلِّي أحدكُم وَهُوَ يدافع الطوف وَالْبَوْل
[ ١ / ٥٤٠ ]
وَفِي حَدِيث آخر وَهُوَ يدافعه الأخبثان يعنيهما والأذى هَاهُنَا الْحيض قَالَ الله جلّ وَعز ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى﴾ يُرِيد أَنه من شرب تِلْكَ الشربة طهر من الْحَدث وَالْحيض قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَهُم فِيهَا أَزوَاج مطهرة﴾ يَعْنِي من الْحيض وَالْحَدَث وَالْبَوْل وَجَمِيع النَّجَاسَات
وَقَوله وَلَا يجر عَلَيْهِ إِلَّا نَفسه يُرِيد أَنه لَا يُؤْخَذ بجريرة غَيره لَا وَالِد وَلَا ولد وَلَا عشيرة وَهَكَذَا كَقَوْلِه فِي حَدِيث آخر لرجل رأى مَعَه ابْنه فَقَالَ لَا يجنى عَلَيْك وَلَا يجنى عَلَيْهِ
وكقول الله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ وَهُوَ خلاف مَا رُوِيَ عَن زِيَاد وَالْحجاج من قَول كل وَاحِد مِنْهُمَا على الْمِنْبَر لآخذن البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر
[ ١ / ٥٤١ ]