أصل الصَّلَاة الدُّعَاء قَالَ الله ﷿ ﴿وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ أَي أدع لَهُم.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويتخذ مَا ينْفق قربات عِنْد الله وصلوات الرَّسُول﴾ أَي دعاؤه فسميت الصَّلَاة بذلك لأَنهم كَانُوا يدعونَ فِيهَا ويدلك على ذَلِك الصَّلَاة على الْمَيِّت إِنَّمَا هِيَ دُعَاء لَهُ لَيْسَ فها رُكُوع وَلَا سُجُود.
فالركوع الانحناء يُقَال للشَّيْخ أذا انحنى من الْكبر قد ركع قَالَ لبيد [من الطَّوِيل] أَلَيْسَ ورائي إِن تراخت منيتي لُزُوم الْعَصَا تحنى عَلَيْهَا الْأَصَابِع
أخبر أَخْبَار الْقُرُون الَّتِي مَضَت أدب كَأَنِّي كلما قُمْت رَاكِع
وَقد يجوز أَن يُسمى الرَّاكِع سَاجِدا غير أَنه لم يسْتَعْمل فِي
[ ١ / ١٦٧ ]
الصَّلَاة لِأَن السُّجُود أَيْضا إِنَّمَا هُوَ التطامن والميل مَعًا.
يُقَال سجد الْبَعِير وأسجد إِذا خفض رَأسه ليركب وسجدت النَّخْلَة إِذا مَالَتْ وَهَذِه نخل سواجد أَي موائل.
وَالرُّكُوع هُوَ سُجُود الْعَجم لساداتها وَإِنَّمَا قيل للواضع جَبهته بِالْأَرْضِ سَاجِدا لتطامنه وَيجوز أَن يزن سمي سَاجِدا لخشوعه وذله. وكل شَيْء خشع وذل فقد سجد وَمِنْه سُجُود الظلال إِنَّمَا هُوَ استسلامها لما سخرت وَقد بيّنت هَذَا فِي كتاب [مُشكل الْقُرْآن] بِأَكْثَرَ من هَذَا الْبَيَان.
والتحيات الْملك وَأَصله إِن الْملك كَانَ يحيا فَيُقَال أنعم صباحا وأبيت اللَّعْن وَلَا يُقَال ذَلِك لغيره قَالَ الشَّاعِر من [مجزوء الْكَامِل] وَلكُل مَا نَالَ الْفَتى قد نلته إِلَّا التَّحِيَّة.
[ ١ / ١٦٨ ]
يُرِيد إِلَّا أَنِّي لم أصر ملكا أَحْيَا بِتَحِيَّة الْمُلُوك فَيُقَال لي أَبيت اللَّعْن وأنعم صباحا ثمَّ سمي الْملك تَحِيَّة إِذْ كَانَت التَّحِيَّة لَا تكون إِلَّا للملوك قَالَ عَمْرو بن معدي كرب [من الوافر] أَسِيرهَا إِلَى النُّعْمَان حَتَّى أُنِيخ على تحيته بجند أَي على ملكه
وَقَول الْقَائِل فِي افْتِتَاح الصَّلَاة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك يُرِيد بسبحان الله التَّنْزِيه لله والتنزيه لَهُ من كل مَا ينْسبهُ إِلَيْهِ الْمُشْركُونَ بِهِ جلّ وَعز يُقَال سبح الله إِذا نزهه وبرأه من من كل عيب وَقَوله وَبِحَمْدِك مُخْتَصر كَأَنَّهُ يُرَاد وَبِحَمْدِك أفتح أَو سبح وتبارك اسْمك (تفَاعل) مَعَ الْبركَة كَمَا يُقَال تَعَالَى اسْمك من الْعُلُوّ يُرَاد أَن الْبركَة فِي اسْمك وَفِيمَا سمي عَلَيْهِ وأنشدني بعض أَصْحَاب أللغة بَيْتا حفظت عَجزه [من الطَّوِيل] إِلَى الْجذع جذع النَّخْلَة المتبارك
[ ١ / ١٦٩ ]
وَقَوله وَتَعَالَى جدك أَي عظمتك على كل شَيْء وَالْجد العظمة يُقَال جد فلَان فِي النَّاس أَي عظم فِي عيونهم وَجل فِي صُدُورهمْ وَمِنْه حَدِيث أنس بن مَالك: كَانَ الرجل منا إِذا قَرَأَ الْبَقَرَة وَآل عمرَان جد فِينَا أَي جد فِي صدورنا وَعظم فِي عيوننا.
وَقَوله فِي صَلَاة الْوتر وَإِلَيْك نسعى ونحفد يُرِيد بنحفد نبادر. وأصل الحفد مداركة الخطو والإسراع فِيهِ يُقَال حفد الْحَادِي وَرَاء الْإِبِل إِذا أسْرع ودارك خطوه وَمِنْه قيل للعبيد وَالْإِمَاء حفدة لأَنهم يسرعون إِذا مَشوا للْخدمَة.
وَقَالَ الله جلّ وَعز: ﴿وَجعل لكم من أزواجكم بَنِينَ وحفدة﴾ يُرِيد أَنهم بنُون وهم خدم وَقد ذكرت هَذَا
[ ١ / ١٧٠ ]
فِي مَوَاضِع أخر. وَقَوله: ويخشى عذابك الْجد بِكَسْر الْجِيم وَلَا تفتح أَي هُوَ الْحق لَا اللّعب وَلَا الْعَبَث أَي وَأَن عذابك بِالْكَفَّارَةِ مُلْحق بِكَسْر الْحَاء وَلَا تفتح هَكَذَا يرْوى هَذَا الْحَرْف يُقَال: لحقت الْقَوْم وألحقتهم بِمَعْنى وَاحِد وملحق فِي هَذَا الْموضع بِمَعْنى لَاحق وَمن قَالَ مُلْحق بِفَتْح الْحَاء أَرَادَ أَن الله جلّ وَعز يلْحقهُ إِيَّاه وَهُوَ معنى صَحِيح غير أَن الرِّوَايَة هِيَ الأولى وَمثل لَاحق وملحق تَابع ومتبع يُقَال تبِعت الْقَوْم وأتبعتهم.