الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم وانما سمي تثويبا من قَوْلك ثاب فلَان الى كَذَا أَي عَاد اليه وثاب الى فلَان جِسْمه بعد الْعلَّة أَي رَجَعَ لِأَن الْمُؤَذّن قَالَ حَيّ على الْفَلاح فَدَعَا النَّاس الى الصَّلَاة ثمَّ قَالَ الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم فثوب أَي عَاد الى دُعَائِهِمْ بِهَذَا القَوْل يُقَال ثوب الدَّاعِي حَدثنِي أَبُو وَائِل عَن عَفَّان بن مُسلم عَن اسماعيل بن سِنَان عَن حَمَّاد عَن قَتَادَة عَن طَاوُوس قَالَ أول من ثوب فِي صَلَاة الصُّبْح على عهد أبي بكر ﵁ بِلَال فَكَانَ اذا قَالَ حَيّ على الْفَلاح قَالَ الصَّلَاة خير من النّوم الصَّلَاة خير من النّوم وهما فجران فالفجر الأول هُوَ المستطيل الَّذِي يشبه بذنب
[ ١ / ١٧٣ ]
السرحان والسرحان الذِّئْب وانما يشبه بذنب السرحان لِأَنَّهُ مستدق صاعد فِي غير اعْتِرَاض وَهُوَ الْفجْر الْكَاذِب الَّذِي لَا يحل شَيْئا وَلَا يحرمه قَالَ الْكُمَيْت وَذكر ثورا عِنْد أَرْطَاة وكلابا [من المتقارب] فَلَمَّا علا سطة المضبأي ن من لَيْلَة الذَّنب الأشعل
وأطلع مِنْهُ اللياح الشيمط خدودا كَمَا سلت الأ نصل
يُرِيد مضبأ الثور ومضبأ الْكلاب حَيْثُ ضبأ وضبأت أَي لصقت بِالْأَرْضِ والذنب الأشعل يُرِيد آخر اللَّيْل من الْفجْر الأول واللياح الْأَبْيَض يُرِيد الصُّبْح والشميط فِيهِ لونان من ظلمَة وضوء وَمِنْه قيل شمط رَأسه اذا خالط سوَاده بَيَاض وَالْفَجْر الثَّانِي هُوَ المستطير الصَّادِق وانما سمي مُسْتَطِيرا لِأَنَّهُ مستعرض منتشر فِي الْأُفق وكل شئ انْتَشَر فقد استطار قَالَ جرير [من الوافر] أَرَادَ الظاعنون ليحزنوني فهاجوا صدع قلبِي فاستطار وَقَالَ حسان [من الوافر]
[ ١ / ١٧٤ ]
.. لهان على سراة بني لؤَي حريق بالبويرة مستطير وَمِنْه قَول الله جلّ وَعز: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَره مُسْتَطِيرا﴾ أَي منتشرا وَيُقَال للفجر الثَّانِي الصَّادِق والمصدق لِأَنَّهُ صدق عَن الصُّبْح وَبَينه لَك قَالَ أَبُو ذُؤَيْب وَذكر الثور وَالْكلاب [من الْكَامِل] شعف الْكلاب الضاريات فُؤَاده فاذا يرى الصُّبْح الْمُصدق يفرغ يُرِيد أَنه يَأْمَن بِاللَّيْلِ لِأَن القناص انما يجيئون نَهَارا فاذا رأى الصُّبْح فزع وَقَالَ النَّبِي ﷺ: كلوا وَاشْرَبُوا وَلَا يهدينكم الطالع المصعد حَتَّى يعْتَرض لكم الْأَحْمَر فالطالع المصعد هُوَ الْفجْر الأول وَقَوله لَا يهدينكم هُوَ من هدت الشئ اذا حركته أَو أقلقته والأحمر هُوَ الْفجْر الثَّانِي وَفِيه يبين الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود وَذَلِكَ عِنْد ارفضاض عَمُود الصُّبْح وانتشار الضَّوْء فِي الْأُفق وَقَالَ أَبُو دؤاد الايادي [من المتقارب] فَلَمَّا أَضَاءَت لنا سدفة ولاح من الصُّبْح خيط أنارا
أَلا ترَاهُ يَقُول أَضَاءَت لنا سدفة وَهِي هَهُنَا الظلمَة وَيَقُول
[ ١ / ١٧٥ ]
.. لَاحَ من الصُّبْح خيط أنارا أَي بدا وَظهر.
وحَدثني خَالِد بن مُحَمَّد عَن بشر بن عَمْرو عَن مبارك عَن الْحسن أَنه قَالَ فِي قَول الله جلّ وَعز ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لكم الْخَيط الْأَبْيَض من الْخَيط الْأسود من الْفجْر﴾ هُوَ بَيَاض النَّهَار من سَواد اللَّيْل وَلذَلِك جعل النَّبِي ﷺ السّحُور فجرا لِأَنَّهُ بَين الْفجْر الأول وَالثَّانِي قبل أَن ينتشر الضَّوْء وَيكثر.
حَدثنِي خَالِد بن مُحَمَّد ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي ثَنَا مُعَاوِيَة بن صَالح عَن يُونُس بن سيف عَن الْحَارِث بن زِيَاد عَن أبي رهم عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ دَعَاني رَسُول الله ﷺ الى السّحُور فِي شهر رَمَضَان فَقَالَ: هَلُمَّ الى الْغَدَاء الْمُبَارك وحَدثني أَيْضا قَالَ ثَنَا روح ثَنَا أَشْعَث عَن الْحسن فِي الَّذِي يشك فِي الْفجْر قَالَ: كل حَتَّى لَا تشك وحَدثني أَيْضا قَالَ ثَنَا مُوسَى ابْن مَسْعُود قَالَ ثَنَا سُفْيَان عَن حبيب بن أبي ثَابت قَالَ بعث ابْن عَبَّاس غلامين ينْظرَانِ الْفجْر فَقَالَ أَحدهمَا قد طلع وَقَالَ الآخر لم يطلع فَقَالَ ابْن عَبَّاس: اخْتلفَا عَليّ أروني شرابي أَو قَالَ: ائْتُونِي شرابي الشَّك مني وهما شفقان فَالْأول الْأَحْمَر واذا غَابَ حلت صَلَاة عشَاء الْآخِرَة.
[ ١ / ١٧٦ ]
والشفق الثَّانِي هُوَ الْأَبْيَض الَّذِي يرى فِي الْمغرب وَآخر وَقت الْعشَاء الْآخِرَة عِنْد مغيبه على مَا روى عَن الْخَلِيل بن أَحْمد فانه قَالَ راعيته الى نصف اللَّيْل.
وَكَانَ طَاوُوس يُصَلِّي الْعشَاء قبل أَن يغيب الْبيَاض والزوال هُوَ انحطاط الشَّمْس عَن كبد السَّمَاء الى جَانب الْمغرب وكبد السَّمَاء وَسطهَا الَّذِي تقوم فِيهِ الشَّمْس عِنْد الزَّوَال فَيُقَال عِنْد انحطاطها زَالَت ومالت وَرُوِيَ عَن عبد الْوَهَّاب عَن أبي معشر الْمدنِي عَن مُحَمَّد بن قيس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: أمني جِبْرِيل مرَّتَيْنِ فصلى الظّهْر حِين مَالَتْ الشَّمْس قيد الشرَاك وَصلى الْعَصْر وظله مثله وَصلى الْمغرب حِين وَقعت الشَّمْس وَصلى الْعشَاء حِين غَابَ الشَّفق وَصلى الصُّبْح حِين طلع الْفجْر فَلَمَّا كَانَ الْغَد صلى الظّهْر وظله مثله وَصلى الْعَصْر وظله مثلاه وَصلى الْمغرب حِين وَقعت الشَّمْس وَصلى الْعشَاء حِين ذهب ثلث اللَّيْل أَو نصف اللَّيْل وَصلى الْغَدَاة فأسفر بهَا وَقَالَ ﷺ: ان الصَّلَاة فِيمَا بَينهمَا.
[ ١ / ١٧٧ ]
قَوْله حِين مَالَتْ الشَّمْس قيد الشّرك يُرِيد أَنَّهَا زَالَت فَصَارَ فِيمَا يسير قدر الشرَاك وَهَذَا الْوَقْت الَّذِي لَا يجوز لأحد أَن يتقدمه فِي صَلَاة الظّهْر وَلَيْسَ هَذَا يكون فِي كل بلد إِنَّمَا يكون فِي الْبَلَد الَّذِي ينتعل فِيهِ الظل عِنْد زَوَال الشَّمْس فَلَا يكون للشَّخْص فِيمَا أصلا وأحسب الْحجاز وَمَا يَلِيهِ كَذَلِك وَالدَّلِيل على ذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ حِين ذكر صَلَاة الْفجْر: لَا صَلَاة حَتَّى تطلع الشَّمْس وترتفع قيد رمح أَو رُمْحَيْنِ ثمَّ الصَّلَاة مَقْبُولَة حَتَّى يقوم الظل قيام الرمْح وَلَا صَلَاة حَتَّى تَزُول الشَّمْس.
يُرِيد أَن الظل لَا يمِيل مِنْهُ شَيْء إِلَى أحد الْجَانِبَيْنِ وَلكنه يصير تَحت الشَّخْص فينتصب انتصابه وَهَذَا مثل قَول الْأَعْشَى [من الْخَفِيف] إِذا الظل أحرزته السَّاق
وَنَحْو مِنْهُ قَول الآخر [من الرجز] إِذا زفا الْحَادِي الْمطِي اللغبا وانتعل الظل فَكُن جوربا
[ ١ / ١٧٨ ]
وَقَالَ أَعْرَابِي خرجنَا حُفَاة وَالشَّمْس فِي قلَّة السَّمَاء حَيْثُ انتعل كل شَيْء ظله وَمَا زادنا إِلَّا التَّوَكُّل وَمَا مطايانا إِلَّا الأرجل حَتَّى لحقنا الْقَوْم فَأَما الْبَلَد الَّذِي تَزُول فِيهِ الشَّمْس وللشمس ظلّ فَإِنَّهُ يعرف قدر الظل الَّذِي زَالَت عَلَيْهِ فَإِذا زَاد عَلَيْهِ مثل طول الشَّخْص فَذَلِك آخر وَقت الظّهْر وَأول وَقت الْعَصْر وَإِذا زَاد عَلَيْهِ مثلا طول الشَّخْص فَذَلِك آخر وَقت الْعَصْر.
وحَدثني أَحْمد بن الْخَلِيل عَن عَمْرو ابْن عون عَن خَالِد عَن دَاوُد بن أبي هِنْد عَن أبي حَرْب بن أبي الْأسود عَن عبد الله بن فضَالة عَن أَبِيه فضَالة الزهْرَانِي أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهُ: حَافظ على العصرين قَالَ وَمَا كَانَت من لغتنا قلت وَمَا العصران قَالَ: صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة قبل غُرُوبهَا يُرِيد بالعصرين صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر وَقد أَمر الله ﷿ بالمحافظة على الصَّلَوَات ثمَّ خص صَلَاة الْعَصْر فَقَالَ: ﴿حَافظُوا على الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى﴾ وَهِي صَلَاة الْعَصْر وَإِنَّمَا سميت وسطى لِأَنَّهَا بَين صَلَاتَيْنِ فِي اللَّيْل وصلاتين فِي النَّهَار وسمت باسم الْوَقْت كَمَا سميت الظّهْر باسم الْوَقْت والعصران الْغَدَاة والعشي وَكَذَلِكَ البردان قَالَ
[ ١ / ١٧٩ ]
الْحَارِث بن حلزة [من الْخَفِيف] آنست نبأة وأفزعها القناص عصرا وَقد دنا الإمساء
وَهَذَا مثل حَدِيثه الآخر: إِن اسْتَطَعْتُم أَن لَا تغلبُوا على صَلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا فافعلوا وتلا: ﴿وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل الْغُرُوب﴾ .
والسبحة الصَّلَاة وَفِي هَذَا الحَدِيث مَا دلّ على تَأْخِير الْعَصْر وَفِي تَسْمِيَتهَا بِالْوَقْتِ دَلِيل على ذَلِك لِأَن الهاجرة عِنْدهم من الزَّوَال إِلَى الْإِبْرَاد قَلِيلا ثمَّ مَا بعد ذَلِك الْأَصِيل ثمَّ مَا بعد ذَلِك الْعَصْر وَالْقصر تطفيل الشَّمْس وَكَانَ ابْن عمر يَقُول: عجلوا بهَا يَعْنِي الْعَصْر قبل أَن تطفل الشَّمْس ثمَّ الجنوح حِين تجنح الشَّمْس للمغيب وَفِي الحَدِيث أَيْضا مَا دلّ على الْإِسْفَار بِصَلَاة الصُّبْح إِذْ سَمَّاهَا عصرا باسم الْوَقْت لِأَن جوز اللَّيْل وَسطه وجهمة اللَّيْل أول مآخيره والسدفة مَعَ الْفجْر والسحرة السحر الْأَعْلَى والتنوير الْإِسْفَار وَهُوَ أحد العصرين وَكَانَ إِبْرَاهِيم يُصَلِّي الْعَصْر مِقْدَار مَا إِذا انْصَرف صلى رجل المكتوبه ثمَّ تغير الشَّمْس فروى الْعَلَاء بن عبد الكريم أَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ أَلا أريكم وقتا
[ ١ / ١٨٠ ]
لصَلَاة الْعَصْر قُلْنَا بلَى قَالَ هَذِه السَّاعَة فَقُمْت فقست الظل فَوَجَدته ثَمَانِي عشرَة قدما وَأما قَول أبي قلَابَة وَسَعِيد بن جُبَير أَنَّهُمَا قَالَا إِنَّمَا سميت الْعَصْر لتعصر فَإِنَّهُمَا أخذا هَذَا الْمَعْنى من لفظ اسْمهَا وَإِنَّمَا سميت عصرا باسم الْوَقْت كَمَا أَخْبَرتك وَهُوَ مثل قَوْلهم إِنَّمَا سميي هوى لِأَنَّهُ يهوى بِصَاحِبِهِ فِي النَّار وَسمي درهما لِأَنَّهُ دَار الْهم وَالْعصر أَيْضا الدَّهْر وَيُقَال الْعَصْر وَالْعصر وَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس [من الطَّوِيل] أَلا انْعمْ صباحا أَيهَا الطلل الْبَالِي وَهل ينعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي
وَأما قَول الْفُقَهَاء فِي آدَاب الصَّلَاة: لَا تفترش ذراعيك وادعم على راحتيك وآبد ضبعيك فَإِن افتراش الذراعين أَن تضعهما بِالْأَرْضِ وَلَا تَتَجَافَى بهما والادعام على الراحتين الِاعْتِمَاد عَلَيْهِمَا مَأْخُوذ من الدعامة يُقَال هَذَا عماد الشَّيْء ودعامته لما قَامَ بِهِ الشَّيْء والضبعان العضدان وإبدادهما هُوَ تفريجهما يُقَال أَبَد فلَان يَده إِذا مدها
[ ١ / ١٨١ ]
وَقد ذكرت هَذَا فِي غير هَذَا الْموضع بِأَكْثَرَ من هَذَا الشَّرْح.