وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ: "أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ أَتَاهُ فَقَالَ أَيُّ السَّاعَاتِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: "جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرِ" ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَوَضَّأْتَ فَغَسَلْتَ يَدَيْكَ خَرَجَتْ خَطَايَاكَ مِنْ يَدَيْكَ وَأَنَامِلِكَ مَعَ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلْتَ وَجْهَكَ وَمَضْمَضْتَ وَاسْتَنْشَيْتَ وَاسْتَنْثَرْتَ خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِكَ وَفِيكَ وَخَيَاشِيمِكَ مَعَ الْمَاءِ"١ [وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى "وَاسْتَنْشَرْتَ"] ٢
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَكِّيِّ نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الْجُرْجَانِيُّ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ٣ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ.
قوله: أَي السّاعات أَسمعُ؟ يريد أيها أوقع للسَّمْع والمعنى أيها أَوْلَى بالدُّعاء وأرْجى للاستجابة وهذا كقولِ ضمادٍ الأزدي حين عرَض عليه رَسُول الله ﷺ الإسلام قَالَ فسمعتُ كلامًا لم أسمع قولا قَطّ أسمع منه يريد أبلغَ منه ولا أنْجَع في القلْب.
وجوفُ الليل الآخِر إنما هُوَ الجُزء الخامس من أَسْدَاسِ الليل وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي يُرْوَى "إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى يَبْقَى الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولَ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَيُعْطَى! هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَيُغْفَرُ لَهُ؟ "
وقوله: استَنْشَيت يريد الاسِتِنْشاق وأصله من قولك نَشِيتُ الرائحةَ إذا شممْتها قَالَ الهُذَليّ:
ونَشِيتُ رِيحَ الموتِ من تِلقائكم وَخَشِيتُ وقعَ مُهَنَّدِ قرضاب ٤
_________________
(١) ١ لم نجده بهذا السياق وأخرجه أحمد ٤/ ١١٢، ١١٤. ٣٨٥، والبيهقي ١/ ٨١، ٢/ ٤٥٤، ٣/ ٤ مفرقا، وأخرجه أيضا أبو داود ٢/ ٢٥، والترمذي ٥/ ٥٧٠ بنحوه. ٢ من ت وم. ٣ م: "عباس". وفي التقريب ١/ ٧٣: إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي ت: ١٨٢ هـ ٤ اللسان "نشي"، وعزى لأبي خراش الهذليين ٣/ ١٢٤٠== برواية: فنشيت ريح الموت من تلقائهم وكرهت كل مهند قضاب
[ ١ / ١٣٤ ]
ويقال شَمِمتُ نَشْوةَ رَيحانٍ أي رائحته الطيّبة والنَّشوةُ من السّكْر أيضًا قَالَ الأصمعي سُئل أَعرابيٌّ عن أمير فَقَالَ يُطيل النِّشوة ويوطئ العِشْوَةَ ويَقْبَلُ الرِّشوة".
وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ [بْنِ شَابُورَةَ] ١ ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ قَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ لأَبِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ وَكَانَ أَبُو الْحَارِثِ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ أَلا تَذْهَبُ بِنَا إِلَى الحَرَّةِ نَتَخَمَّرُ الرِّيحَ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَارِثِ إِنَّمَا يَتَخَمَّرُ الْحَمِيرُ قَالَ فَنَسْتَنْشِي قَالَ إِنَّمَا تَسْتَنْشِي الْكِلابُ قَالَ فَمَا أَقُولُ؟ قَالَ نَتَنَسَّمُ الرِّيحَ فَقَالَ لَهُ نَافِعٌ مَهْ مَهْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ أَبُو الْحَارِثِ أَلْصَقَتْكَ وَاللَّهِ عَبْدُ مَنَافٍ بِالدَّكَادِكِ ذَهَبَتْ عَلَيْهِمْ ٢ بَنُو هَاشِمٍ بِالنُّبُوَّةِ وَأُمَيَّةُ بِالْخِلافَةِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ لِنَافِعٍ يَا نَافِعُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا فَقَالَ نَافِعٌ مَا أَصْنَعُ بِمَنْ صَحَّ نَسَبُهُ وَمَذَقَ ٣ لِسَانُهُ.
وقوله: استنشرتُ إن كان محفوظًا فمعناه الاستنشار مأخوذٌ من انتشار الماء وقيل للحَسَن في الوضوء يُصيب الثّوبَ فَقَالَ وَيْلَك وهل يُمْلَك نَشَرُ الإناء أي ما يَنْتَضِح من مائِه ونُشْرَةُ المصاب مأخوذة من هذا وفَرق ما بين الاستنشار والاستنثار كفرق ما بين الاستنشاق والاستنثار وذلك أن الاستنشاق إنما هُوَ إدخال الماء إلى الأنف وإبلاغه الخيَاشيم من قولك نَشِق رائحة [٤٠] / طيبٍ فتَنَشَّقها قال الشاعر:
_________________
(١) ١ ليست في ت. وفي م: "شابور"، والمثبت من س وح. ٢ س:"عليكم". ٣ الأساس "مذاق":مذاق لسانه: كذب
[ ١ / ١٣٥ ]
إذا ما أتاه الركب من نحوِ أرضِها تَنَشَّق يَسْتَشْفي برائحةِ الرّكْبِ
والاستِنْثار أن يَمْري الأنفَ يستَخْرج ما قد تنشقه من الماء وزعم بعضهُم أن الاستنثار مأخوذ من النَّثْرة وهي الأنْف فإذا قيل استَنْثِر كان معناه أدخل الماءَ نَثْرَتَه ويقال إن الاسِتنْشار مأخوذ من النَّشْر وهو الريح.
[ ١ / ١٣٦ ]