هذا حديث مشهور وتفسيره عَلَى وجوه منها أَنَّ مَنْ بَذَلَ مَعْرُوفَه في الدنيا أناله الله معروفه في الآخرة. ومنها أن يُرادَ بالمعروف خصوصًا الشَّفاعة في المذنبين وذَوِي الزَّلات التي لا تَبلُغ الحدودَ يَقول مَنْ تَشَفَّع ٢ للنَاس في الدنيا شَفّعه الله في المُذنِبِين في الآخرة فيكون وَجِيهًا عند الله كما كان وَجِيهًا عند خلقه. وقد رُوي هذا الوجه عن بعض السَّلَفِ
_________________
(١) ١ ذكر العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٢٦٢ وقال: رواه الطبراني عن سلمان، وأبو نعيم عن أبي هريرة. ٢ س، ط: "يشفع".
[ ١ / ١٥٥ ]
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اشْفَعُوا إِلَيَّ فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ" ١
وفيه وجه آخر ذكره أبو العباس ثعلب قَالَ سألتُ ابنَ الأعرابيّ عن هذا فَقَالَ يُروَى عن الشّعْبِيّ أنه قَالَ يأتي أصحابُ المعروف في الدنيا يومَ القيامة فيُغْفَرُ لهم بمعروفهم وتبقى حَسناتُهم جامَّة فَيُعْطُونها لَمنْ زَادَت سَيِّئاتُه عَلَى حَسَناتِه فيغْفُر له ربُّه ﷿.
والمعروف كل ما تعرفه النفوس وتسحسنه العُقولُ من مكارم الأخلاق ومحاسِن الشِّيَم وهي التي كانت لم تَزَل مُسْتَحْسَنَةً في كل زَمان وعند أهل كل مِلَّة فلا تَزال كذلك لا يَجرِي عليها النَّسْخ ولا يجوز فيها التَّبْديل وإلى هذا أشار النَّبِيّ ﷺ بقوله: "إنَّ مِمَّا بَقِيَ من كلام النُّبُوَّةِ الأُولَى إذا لم تَسْتَحْيِ فاصنع ما شئت" ٢ يُرِيد أن الحياءَ لم يَزَلْ مُسْتَحْسَنًا في شرائع الأنبياء الأَوّلين وأنه لم يرفع ولم يُنْسَخْ في جملة ما نُسِخَ من شرائعهم
وقوله: فاصْنَع ما شئتَ فيه وجهان أحدهما أن يكون معناه إخبارًا كأَنَّه قَالَ إذا لم تَسْتَحْيِ صَنَعْت ما شئْت أي أَتيتَ ما يَقْبُح ولم تَسْتَحْي ولم تُبال به وإلى هذا أو نحوه أشار أبو عُبَيد ٣
ووجه آخر وهو أَنْ يكون معناه اصنع ما شئت من أمرٍ لا يُسْتَحْيَا منه أي ما يُسْتَحْيَا منه ٤ فلا تَفعلْه
وفيه وجه ثالث قَالَه أبو العباس ثعلب وهو أن يكون معناه الوعيد كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ٥ وَمِنَ الْمَعْرُوفِ حَدِيثُ أَبِي تَمِيمَةَ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٢/ ١٣٤، ومسلم ٤/ ٢٠٢٦، وأبو داود ٤/ ٣٣٤ وغيرهم. ٢ أخرجه البخاري ٤/ ٢١٥، وأبو داود ٤/ ٢٥٢، وابن ماجه ٢/ ١٤٠٠ ٣ عريب الحديث ٣/ ٣١ ٤ ح: "لا يستحيا به: أي ما بستحيا منه فلا تفعله". ٥ من م، ت. والآية من سورة فصلت: ٤٠
[ ١ / ١٥٦ ]
الْهُجَيْمِيِّ ١ حَدَّثَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ الصَّفَّارُ نا الدُّورِيُّ نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى نا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَوْصِنِي فَقَالَ: "أُوصِيكَ أَنْ لَا تَسُبَّ النَّاسَ وَلَا تَزْهَدْ ٢ فِي مَعْرُوفٍ وَإِنِ اسْتَسْقَاكَ أَخُوكَ مِنْ دَلْوِكَ فَصُبَّ لَهُ وَالْقَهْ وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ" ٣
وفي غير هذه الرواية من طَرِيقِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي السَّلِيلِ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَعْرُوفِ فَقَالَ: "لا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ وَلَوْ بِشِسْعِ النَّعْلِ وَلَوْ أَنْ تُعْطِي الْحَبْلَ وَلَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الْوَحْشَانَ" ٤ قوله: تُؤْنِسُ الوَحْشَان فيه وجهان: أحدهما أن تَلْقَاهُ بما يُؤنِسه من القَوْلِ الجميل وإنما هُوَ فَعْلان من الوَحْشَةِ يقال رجل وَحْشَان من قوم وَحَاشَي والوجه الآخر أنه أُرِيد به المنقطع بأرضِ الفَلاة المستوحِش بها تَحْمِلهُ فتُبَلِّغُه المكانَ الآنِسَ الآهِل والأول أَشْبَه.
_________________
(١) ١ ح: "الهجمي". وفي التقريب ٢/ ٤٠٣: أبو تميمة، بزيادة هاء، الجيمي، بجيم مصغرا، اسمه طريف بن مجالد. ٢ ت: "ولا تزهدن". ٣ أخرجه أحمد في مسنده ٤/ ٦٥، ٥/ ٦٤، ٣٧٧. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١١/ ٢٨ بنحوه. ٤ أخرجه أحمد ٣٤٨٣.
[ ١ / ١٥٧ ]