قال أبو الحسن: لم يقرأ علينا أبو العباس "صفة الخمر" من هذا الكتاب، وقد صححته وسمعت كثيرا منه، من أبي العباس وغيره. وهو صحيح، إن شاء الله.
يقال: هي الخمر والشمول والقرقف والعقار والقهوة والخندريس والمعتقة والشموس والمدامة والمدام والراح والكميت والصهباء والجريال والرحيق والخرطوم والحانية والسلاف والسلافة والماذية والسخامية والعانية والإسفنط -قال أبو الحسن: بكسر الفاء. وقال بندار: هو بكسر الفاء وفتحها- والقنديد والمزة والمشعشعة وأم زنبق والسبيئة، مهموزة، والفيهج والغرب والخمطة والخلة والحميا والمصطار.
قال الأصمعي: سميت شمولا لأن لها عصفة كعصفة الريح الشمال. وقال أبو عمرو: إنما سميت شمولا لأنها شملت القوم بريحها، أي: عمتهم. ويقال: شملهم الأمر يشملهم، إذا عمهم. وأنشد الأصمعي:
كَيفَ نَومِي، علَى الفِراشِ، ولَمّا تَشمَلِ الشّامَ غارةٌ شَعواءُ؟
قال الأصمعي: لا يقال إلا شملت، بكسر الميم. ومن الشمال: شملت، بفتحها. وحكى الفراء: شملهم الأمر يشملهم، وشملهم يشملهم.
وسميت قرقفا لأن لأن شاربها يقرقف إذا شربها، أي: يرعد. يقال: أخذته قرقفة وقفقفة، إذا أرعد من البرد. وأنشد:
نِعْمَ شِعارُ الضَّجيعِ، إذ بَرَدَ اللَّـ ـيلُ سُحَيرًا، وقَرقَفَ الصَّرِدُ!
وسميت عقارا لأنها عاقرت الدن، أي: لازمته. ويقال: عاقر الرجل الشراب، إذا
[ ٢٦٥ ]
لازمه. وقال أبو عبيدة: يقال: كلأ أرض بني فلان عقار، أي: يعقر الماشية. فمن ثم قيل للخمر: عقار، لأنها تعقر شاربها.
وسميت قهوة لأن شاربها يقهي عن الطعام، أي: لا يشتهيه. يقال: قد أقهى عن الطعام وأقهم، إذا لم يشتهه. ورجل قهم: إذا لم يشته الطعام. وأنشدنا أبو عمرو لأبي الطمحان القيني:
فأصبَحْنَ قَد أقهَينَ عَنِّي، كَما أبَتْ حِياضَ الإمِدّانِ الهِجانُ القَوامِحُ
قال: والخندريس: القديمة. يقال: حنطة خندريس، أي: قديمة. وتمر خندريس: إذا كان قديما.
والمعتقة: التي أتى عليها زمان في ظرفها.
والشموس قال الأصمعي: هو مثل، أي أنها تجمح بصاحبها.
وسميت مداما ومدامة لأنها أديمت في ظرفها.
وسميت راحا لأن صاحبها يرتاح إذا شربها، أي يهش للسخاء والكرم. قال الأصمعي: وكل خمر راح. ويقال: رحت لكذا وكذا فأنا اراح له راحا، وارتحت له فأنا أرتاح له ارتياحا، ورجل أريحي، وقد أخذته أريحية، أي: خفة للسخاء. وأنشد:
ولَقِيتُ ما لَقِيَتْ مَعَدٌّ كُلُّها وفَقَدتُ راحِي، في الشَّبابِ، وخالِي
وسميت كميتا لأنها حمراء إلى الكلفة. ويقال لها إذا اشتدت حمرتها حتى تضرب إلى السواد: كلفاء.
والصهباء قال الأصمعي: هي التي عصرت من عنب أبيض. وقال غيره: الصهباء تكون من عنب أبيض وغيره. وذلك إذا ضربت إلى البياض.
وسميت جربالا لحمرتها. قال: والجريال: صبغ أحمر. قال الأصمعي: ربما جعل للخمر، وربما جعل صبغا. قال: فكأن أصله رومي معرب. قال الأعشى:
وسَبِيئةٍ، ممّا تُعتِّقُ بابِلٌ، كَدَمِ الذَّبِيحِ، سَلَبتُها جِريالَها
[ ٢٦٦ ]
والرحيق قال أبو عبيدة: هي صفوة الخمر.
والخرطوم: أول ما ينزل منها قبل أن يداس عنبها.
والسلاف والسلافة: ما سال منها من غير أن تعصر. قال أبو الحسن: وعلى هذا ينشد بيت الأعشى:
بِبابِلَ لَم تُعصَرْ، فجاءتْ سُلافةً تُخالِطُ قِندِيدًا، ومِسكًا مُخَتَّما
والماذية سميت لسهولة مدخلها. ومنه قيل: عسل ماذي. ويقال للدرع: ماذية، أي: سهلة لينة. قال الشاعر:
يَمشُونَ، والماذِيُّ فَوقَهُمُ يَتَوَقَّدُونَ تَوَقُّدَ النَّجمِ
وقال عوف بن الخرع التيمي من تيم الرباب:
سُلافةُ صَهباءَ، ماذِيّةٌ يَفُضُّ المُسابِئُ، عَنها، الجِرارا
المسابئ: السابئ. وهو المشتري. يقال: سبأتها أسبؤها، إذا اشتريتها لتشربها. قال لبيد:
أُغلِي السِّباءَ، بِكُلِّ أدكَنَ عاتِقٍ مِن جَونةٍ، قُدِحَتْ، وفُضَّ خِتامُها
ولا يكون السباء إلا في الخمر. قدحت: غرف منها.
قال: والسخامية: اللينة السلسة. ومنه قيل: شعر سخام، أي: لين. قال عوف بن الخرع:
كأنِّي اصطَبَحتُ سُخامِيّةً تَفَسّأُ بالمَرءِ، صِرفًا عُقارا
قال أبو الحسن: وأنشدت في موضع "تَفَسّأُ": "تَفَيَّأُ بالمَرءِ" أي: تميله فتسقط فيئه على الأرض مرة من ههنا، ومرة من ههنا. ومعنى تفسأ: تهتك به. يقال: فسأ ثوبه، إذا هتكه.
والعانية: منسوبة إلى عانة. وهي قرية من قرى الجزيرة.
والإسفنط، بفتح الفاء وكسرها، قال
[ ٢٦٧ ]
الأصمعي: اسم بالرومية معرب، وليس بالخمر. إنما هو عصير عنب. ويسمي أهل الشام الإسفنط الرصاطون. يطبخ ويجعل فيه أفواه، ثم يعتق. وقال أبو عمرو بن العلاء: قال أبو حزام العكلي: الإسفنط بفتح الفاء. قال: وهم يمدحونها به أحيانا، ويذمونها أحيانا.
قال: والقنديد قال الأصمعي: هي مثل الإسفنط. وقالها بكسر الفاء.
والمزة في طعمها. قال: وحدثنا أبو عمرو قال: قال عبد الملك بن مروان للأخطل: إني أراك تكثر ذكر الخمر. فصفها لي. قال: أولها مز وآخرها صداع. قال: وما تصنع بها، وهي هكذا؟ قال: إن بينهما لمنزلة ما يسرني بها ملكك.
والمشعشعة: التي قد أرق مزجها. وما مزج فأرق فقد شعشع. قال عمرو بن كلثوم:
مُشَعشَعةً، كأنَّ الحُصَّ فِيها إذا ما الماءُ خالَطَها سَخِينا
ومنه قيل: رجل شعشعان، إذا كان طويلا خفيف اللحم.
ويقال للخمر: ليست بخلة ولا خمطة. فالخمطة: التي أخذت ريحا. والخلة: الحامضة.
والسبيئة: المشتراة. قال الأعشى:
وسَبِيئةٍ، ممّا تُعتِّقُ بابِلٌ، كَدَمِ الذَّبِيحِ، سَلَبتُها جِريالَها
والرحيق اسم من أسمائها.
والفيهج: الخمر. قال الشاعر:
ألا يا اصبَحانِي، قَبلَ لَومِ العَواذِلِ وقَبلَ وَداعٍ، مِن زُنَيبةَ، عاجِلِ
ألا يا اصبَحانِي فَيهَجًا جَيدَريّةً بِماءِ سَحابٍ، يَسبِقُ الحَقَّ باطِلِي
جيدرية: نسبتها إلى جدر بالشام.
والغرب: الخمر. قال الشاعر:
دَعِينِي أصطَبِحْ غَرَبًا، فأَغرُبْ مَعَ الفِتيانِ، إذ صَحِبُوا ثَمُودا
[ ٢٦٨ ]
قال لي أبو الحسن بن كيسان، وقد سألته "لم جزم فأغرب؟ " قال: جعله نسقا، إن شئت على "دعيني" وأراد: فلأغرب، كما قال الله ﷿: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحمِلْ خَطاياكُم﴾، وإن شئت جعلته نسقا على "أصطبح" وهو الوجه.
رجعنا إلى الكتاب: وقال الأصمعي: سورة الخمر وحمياها: شدتها وأخذها بالرأس. وحميا كل شيء: شدته.
والمصطار: التي فيها حلاوة.
والحانية: منسوبة إلى الحانة. قال علقمة بن عبدة:
كأسُ عَزِيزٍ، مِنَ الأعنابِ، عَتَّقَها لِبَعضِ أربابِها، حانِيّةٌ، حُومُ
كان الأصمعي يقول: حوم: كثيرة. وكان خالد بن كلثوم يقول: تحوم في الرأس، أي: تدور.
ويقال للذي يعلو الخمر مثل الذريرة: القمحان. قال النابغة:
إذا فُضَّتْ خَواتِمُهُ عَلاهُ يَبِيسُ القُمَّحانِ، مِنَ المُدامِ
ويقال: شراب ماتع، إذا اشتدت حمرته. وشراب قارص، وشراب يحذي اللسان. ولا يقال: يحذو. وشراب ذو بنة طيبة، أي: ذو رائحة. ويقال: شراب ذو مبولة، إذا كان يبال عنه كثيرا.
ويقال: هذا شراب مطيبة للنفس، أي: تطيب النفس عليه. وشراب مخبثة أي: تخبث عنه النفس.
ويقال: شراب سلسل وسلسال، إذا كان سهل الدخول في الحلق. قال أبو كبير:
أم لا سَبِيلَ إلى الشَّبابِ، وذِكرُهُ أشهَى إليَّ مِنَ الرَّحِيقِ السَّلسَلِ؟
ويقال: شراب ناقس، إذا كان حامضا. قال النابغة الجعدي، يصف دنا:
جَونٌ، كَجَوزِ الحِمارِ، جَرَّدَهُ الـ ـخَرّاصُ، لا ناقِسٌ، ولا هَزِمُ
قال: الخراص: صاحب الدنان.
[ ٢٦٩ ]
ويقال: شراب ذو سورة، إذا كان يرتفع إلى الرأس. وفلان ذو سورة أي: ذو حد ووثوب عند الغضب.
والكأس: الإناء. والكأس: القدح وما فيه من الشراب.
ويقال: شربت الشراب، فأنا أشربه شربا وشربا وشربا.
ويقال: قد صرد شرابه، إذا قلله.
ويقال: قد غمره، إذا سقاه دون الري.
ويقال: هو يتفوق شرابه، إذا كان يشرب منه شربة بعد شربة.
ويقال: كأس أنف، أي: لم يشرب منها قبل ذلك. وكذلك يقال: روضة أنف، إذا لم تكن رعاها أحد. قال لقيط:
إنَّ الشِّواءَ، والنَّشِيلَ والرُّغُفْ
والقَينةَ الحَسناءَ، والكأسَ الأُنُفْ
لِلطَّاعِنِينَ الخَيلَ، والخَيلُ خُنُفْ
ويقال: كاس رنوناة، أي: دائمة. قال عمرو بن أحمر:
بَنَتْ عَليهِ المُلكُ أطنابَها كأسٌ رَنَوناةٌ، وطِرفٌ طِمِرْ
وكأس راهنة أي: ثابتة لا تنقطع. ويقال: أرهن لهم الطعام والشراب، أي: أثبته لهم. وقال الأعشى:
لا يَستَفِيقُونَ مِنها، وهْيَ راهِنةٌ، إلّا بِـ "هاتِ" وإن عَلُّوا، وإن نَهِلُوا
قال بندار: ما سمعت إلا "عُلُّوا" فعل لم يسم فاعله. قال أبو الحسن: قد سمعته من أبي العباس: عُلُّوا وعَلُّوا، جميعا.
ويقال: قد أترعت الكأس، إذا ملأتها. وقد أتأقتها: إذا لم تبق فيها
[ ٢٧٠ ]
موضعا. وقد دعدعت الكأس: إذا ملأتها. قال لبيد:
فدَعدَعا سُرّةَ الرَّكاءِ، كَما دَعدَعَ ساقِي الأعاجِمِ الغَرَبا
ويقال: أدهقت الكاس، إذا ملأتها. قال الله ﷿: ﴿وكأسًا دِهاقًا﴾.
ويقال: أدمعت الكأس، إذا ملأتها حتى تفيض.
ويقال: قد ملأتها إلى أصبارها وإلى أصمارها. قال النمر بن تولب:
عَزَبَتْ، وباكَرَها الشَّتِيُّ بِدِيمةٍ وَطفاءَ، تَملَؤُها إلى أصبارِها
والبسيل: ما يبقى في الآنية من شراب القوم، فيبيت فيها.
وحدثنا أبو عمرو قال: قال أبو حزام العكلي، وذكر رجلا فذمه فقال: دعاني إلى بسيل له.
ويقال: قد مزج شرابه، وقد قطبه -وأصل القطب: الجمع- أي: جمع بين الماء والشراب. ومنه: قطب ما بين عينيه أي: جمع. ويقال لما بين العينين: المقطب. ومنه قيل: جاءني الناس قاطبة، أي: الناس جميعا. ومنه قول طرفة بن العبد:
رَحِيبٌ قِطابُ الجَيبِ، مِنها، رَفِيقةٌ بِجَسِّ النَّدامَى، بَضّةُ المُتَجرَّدِ
وقال نابغة بني شيبان:
* مِنها قُطابَى، ومِنها غَيرُ مَقطُوبِ *
وقال غيره، يصف عيرًا وآتنه:
[ ٢٧١ ]
* يَشُلُّ بَناتِ الأخدَرِيِّ، ويَقطِبُ *
وقد شعشع شرابه: إذا أرق مزجه. والخمر مشعشعة. قال أبو عمرو: فإذا أرقها قيل: أمذاها. قال الأصمعي: وإذا أقل ماءها قيل: أعرقها وأخفسها. قال الشاعر:
ونَدمانٍ، يَزِيدُ الكأسَ طِيبًا، سَقَيتُ، إذا تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ
رَفَعتُ بِرأسِهِ، وكَشَفتُ عَنهُ بِمُعرَقةٍ مَلامةَ مَن يَلُومُ
فإذا شربها صرفا بغير مزاج قيل: قد صرفها. قال الهذلي:
إن تُمسِ نَشوانَ بِمَصرُوفةٍ مِنها بِرِيٍّ، وعلَى مِرجَلِ
قال: وجنادع الخمر: ما ينزو منها إذا مزجت.
قال الأصمعي: صفقت الخمر، إذا حولت من إناء إلى إناء لتصفو. وقال غيره: صفقها: مزجها.
ويقال: قد أمهى شرابه، إذا أرقه. ولبن مهو: إذا كان رقيقا. ويقال: دم المهزولة أمهى من دم السمينة.
[ ٢٧٢ ]