أول ما يرى القمر فهو الهلال، ليلة يهل لليلة ولليلتين ولثلاث ليال. يقال: هلال ليلتين أو قمر بين سحابتين. قال: والقمر يدعى هلالا ليلة يهل، ثم يكون قمرا بعد ثلاث، ثم يصير جونة، ثم يستوي لثلاث عشرة -وتلك ليلة السواء، وذلك إذا اتسق- ثم التي تليها البدر.
وقد أهللنا الهلال: اي: رأيناه، وقد أهللنا الشهر واستهللناه أي: رأينا هلاله. وقد أهل الشهر واستهل. ويقول الرجل للرجل: انطلق حتى نهل الهلال. كذا قرئ على أبي العباس، وصوابه: حتى يهل، بفتح الهاء. وأحسب هذه لغة، لم ينكرها أبو العباس حين قرئت عليه. قال أبو الحسن: وسالته فقال: يهل ويهل. وقد تراءينا الهلال أي: نظرنا إليه.
يقال: هلال ليلة، وهلال ليلتين، وهلال ثلاث ليال. ثم يقال: قمر، بعد ثلاث ليال، وذلك حين يقمر. قد أقمرنا، وليلة قمراء. قال الراجز:
يا حَبّذا القَمراءُ، واللَّيلُ السّاجْ
وطُرُقٌ، مِثلُ مُلاءِ النَّسّاجْ!
وليلة مقمرة. ثم هو قمر حتى يهل مرة أخرى.
وهو الشهر. قال الشاعر:
بَدانَ، والشَّهرُ خَيطٌ وَسْطَ مَثْبِرِهِ عارٍ، ولَم يَطَّبِي مِن ضَعفِهِ البَصرا
[ ٢٨٧ ]
حَتَّى غَذَتهُ اللَّيالِي، في مَواضِعِها يَكبَرُ، حَتَّى أتَيناكُم، وقَد صَغُرا
وهو الشهر ليلة ينظر إليه الناس فيشهرونه.
وهو الجلم، وهو الزبرقان.
وقال أبو زيد: قيل للقمر: ما أنت ابن ليله؟ فقال: رضاع سخيله، حل أهلها برميله. قيل: ما أنت ابن ليلتين؟ قال حديث أمتين، بكذب ومين. قيل: ما أنت ابن ثلاث؟ قال: حديث فتيات، غير جد مؤتلفات. وقيل: قليل اللباث. قيل: ما أنت ابن أربع؟ قال: عتمة ربع، غير جائع ولا مرضع. قيل: ما أنت ابن خمس؟ قال: عشاء خلفات قعس. ويقال: حديث أنس. وقال الأصمعي: واحد المخاض خلفة. قال: وإنما قال "عشاء خلفات" لأنها لا تعشى إلى أن يغيب.
قيل: ما أنت ابن ست؟ قال: سر وبت. ويقال: تحدث وبت. قيل: ما أنت ابن سبع؟ قال: دلجة الضبع. وقيل: هدى لأنس ذي الجمع. وقيل: حديث جمع. قيل: ما أنت ابن ثمان؟ قال: قمر إضحيان. ويقال: قمر إضحيان، بغير تنوين على الإضافة. والأول منون، وإضحيان: نعت قمر. قيل: ما أنت ابن تسع؟ قال: يلتقط في الجزع. وقيل منقطع الشسع. قيل: ما أنت ابن عشر؟ قال: ثلث الشهر. وقيل: مخنق الفجر. وقيل: أؤديك إلى الفجر. وقيل: إلى اثنتي عشرة ليلة يلتقط الجزع.
[ ٢٨٨ ]
وليلة ثلاث عشرة: عفراء يا فتى. وهي ليلة السواء، فيها يستوي القمر، وهي ليلة التمام، وليلة التمام. وهو وفاء ثلاث عشرة.
والبدر: ليلة أربع عشرة. وإنما سمي البدر لأنه يبادر الشمس. ويقال: هذه ليلة البدر.
وليلة النصف يقال لها: ميسان.
وليالي البيض: السواء والبدر والنصف. وإنما قيل "البيض" لبياضهن من أولهن إلى آخرهن. ولا يقال: أيام البيض.
فإذا جاوزن النصف فقد أدرع الشهر. وإدراعه: أنه لا قمر فيه من أول الليل. وتلك الثلاث الليالي الدرع. وليلة درعاء كذلك. ويقال: خروف أدرع، إذا اسودَّ صدره وابيض سائره. ويقال: هذه ليال درع. ولا يقال: أيام درع.
فإذا جاوز النصف فإنه ينتقص القمر، فلا يزال في نقصان حتى يمتحق. وامتحاقه احتراقه. وهو أن يطلع عند طلوع الشمس، فلا يرى. ويفعل ذلك ليلتين من آخر الشهر. قال الهذلي:
* في ماحِقٍ، مِن نَهارِ الصَّيفِ، مُحتَدِمِ *
يقال: يوم ماحق شديد المحق. وهذا محاق الشهر ومحاقه. ويقال: أتيته في المحاق، أي: في امتحاق القمر. قال الشاعر:
بَنَيتُ بِها، قَبلَ المُحاقِ بِلَيلةٍ فكانَ مُحاقًا كُلُّهُ ذلكَ الشَّهرُ
وقالوا: أيام المحاق. وذلك عندما يطلع القمر صغيرا، قبل طلوع الشمس.
فإذا طلع خفيا كان السرار من الغد. والسرار حين يستسر القمر، فلا يرى يومين من آخر الشهر. يقال: استسر القمر، وأتيته عند سرار القمر. قال الراعي:
تَلقَّى نَوءُهُنَّ سَرارَ شَهرٍ وخَيرُ النَّوءِ ما لَقِيَ السَّرارا
وليلة إضحيانة وإضحيان. وهي القمراء الشديدة الضوء.
وأما الدأداء فالليلة من آخر رجب. قال
[ ٢٨٩ ]
الشاعر:
تَدارَكَهُ، في مُنصِلِ الألِّ، بَعدَما مَضَى، غَيرَ دأداءٍ، وقَد كادَ يَعطَبُ
وقال غيره: الدأداء: آخر ليلة من الشهر. قال أبو الحسن: يريد أنها في كل شهر، وعلى التفسير الأول لا تكون إلا في رجب.
ويقال: كأن هلالها الليلة قمر، أي: كأنه قمر من عظمه.
ويقال من البدر: قد أبدرنا، ومن ليلة السواء: قد أسوينا، ومن نصف الشهر: قد أنصفنا.
وهذا تفسير ليالي القمر: أراد بقوله سخيلة: تصغير سخلة. المعنى: أنه يبقى بقدر ما ينزل قوم، فتضع شاتهم سخلة ثم ترضعها ويرتحلون. فبقاؤه في الأفق كمقدار رضاع السخلة.
كذب ومين يريد: أن بقاءه قليل كمقدار ما تلقى الأمة الأمة، فتحدثها فتكذب لها حديثا ثم تفترقان.
مؤتلفات يريد: أنه يبقى بقاء فتيات أبكار، اجتمعن على غير ميعاد، فتحدثن ساعة، ثم انصرفن غير مؤتلفات.
أم ربع: الناقة. وهو تأخير حلبها. يريد: أن بقاءه مقدار ما تحلب ناقة لها ولد، ولدته في أول الربيع. وهو أول النتاج. ومنه قول سليمان بن عبد الملك:
إنَّ بَنِيَّ صِبْيةٌ صَيفِيُّونْ
أفلَحَ مَن كانَ لَهُ رِبعِيُّونْ
ويقال: عتمت إبله، إذا تأخرت. ومن هذا سميت العتمة، لأنه آخر الوقت.
ويقال مكان قوله "حديث وأنس" يقال: عشاء خلفات قعس. والخلفات: التي استبان حملها. والقعساء: الداخلة الظهر الخارجة البطن.
وقوله "سر وبت" أي: سر في وبت. فإنني أبقى بقدر ما ييبت إنسان ويسير.
وقوله "يلتقط في الجزع" أراد: أنه مضيء أبلج، لو انقطعت فيه مخنقة فتاة فيها شذور مفصلة بجزع ما ضاع منها شيء، لضيائه وبقائه.
وقوله "لثمان. قمر إضحيان" منه ليلة
[ ٢٩٠ ]
إضحيانة: إذا كانت نقية البياض. وفي الحديث: "قمركم هذا قمر إضحيان".
وقوله "لتسع. منقطع الشسع" يريد أني أبقى ما يبقى شسع من قد يمشي به صاحبه حتى ينقطع. فبقاؤه كبقاء ذلك الشسع.
وقوله "العشر. أؤديك إلى الفجر" يريد: أنه يبقى إلى قبيل الفجر، لا يغيب لطول بقائه.
ويقال في ليلة آخر الشهر: الليلاء. ومنه قول الكميت الأسدي لعبد الملك بن مروان:
لَقد جَمَعَتْ بَينِي وَبَينَكَ نِسوةٌ عَقائلُ، ما إن مِثلُهُنَّ عَقائلُ
جَمَعْنَكَ والبَدرَ، ابنَ عائشةَ الَّذِي لَهُ كُلُّ ضَوءٍ، قَد أضاءَ اللَّيائلُ
ويروى: "التي * اضاء ابنها مسحنككات الليائل". أم عبد الملك عائشة بنت عتبة بن المغيرة، جادع حمزة بن عبد المطلب وباقر بطنه. رضي الله عن حمزة.
قال ابن الكلبي: كانت عاد تسمي المحرم مؤتمرا، وتسمي صفرا ناجرا، وربيع الأول خوانا، وربيع الآخر بصانا، وجمادى الأولى ربى، وجمادى الآخرة حنينا، ورجبا الأصم، وشعبان عاذلا، ورمضان ناتقا، وشوالا وعلا، وذا القعدة ربة يا فتى، وذا الحجة برك يا فتى. والنجر: العطش. قال أبو محمد عبد الله:
عَذبٌ، إذا ما ذابَ لُوبانُ النَّجَّرْ
لَيسَ بِسَجْسٍ، مِن دَمٍ، ولا كَدَرْ
يقال: ماء سجس وسجس وسجيس، إذا كان كدرا متغيرا.
والهالة: دارة القمر. ويقال: القمر الليلة في الهالة. قال:
* في هالةٍ، هِلالُها كالإكلِيلْ *
ويقال للسواد الذي في القمر: المحو والشامة.
[ ٢٩١ ]
ويقال: هو هلال، من حين يطلع إلى أن يستوي. فإذا استوى فهو بدر، حتى يقع في ليالي الساهور. وليالي الساهور التسع البواقي. فإذا استوى القمر قيل: باهر، وقد بهر. قال الأعشى:
حَكَّمتُمُوهُ، فقَضَى بَينَكُم أبلَجُ، مِثلُ القَمَرِ الباهِرِ
واتساقه: استواؤه. قال الله ﷿: ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾. ويقال: ليلة طلقة، إذا كانت مقمرة.
وإذا طلع القمر بالليل قيل: قد بزغ. فإذا غاب قيل: قد أفل.
ويقال للسواد الذي في القمر: الشامة. وقال:
وما شامةٌ سَوداءُ، في حُرِّ وَجهِهِ، مُجلِّلةٌ، لا تَنجَلِي لِزَمانِ
ويُدرِكُ، في تِسعٍ وسِتٍّ، شَبابُهُ ويَهرَمُ في سَبعٍ، مَعًا، وثَماني؟
ويقال: قد حجر القمر، إذا استدار بخط دقيق، من غير أن يغلظ.
ويقال لليالي التي يطلع فيها ليله كله، فيكون في السماء ومن دونه سحاب، فترى ضوءا ولا ترى قمرا، فتظن أنك قد أصبحت وعليك ليل: المحمقات. ويقال: غروني غرور المحمقات.
وتقول العرب: أنيخوا حتى يظهر القمر، وحتى تقمروا.
ويقال: أضاءت القمراء، وليلة قمراء، وليلة بيضاء، وليلة ضحيان -وهي من الليالي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره- وليلة ضحياء وضحيانة، وليال ضحيانات.
ويقال: وضح القمر وهو يضح أشد الوضوح. ويقال: أضحى أشد الإضحاء.
وأسفر القمر. وهو ضوءه قبل أن يطلع.
وقالوا: ليالي البيض كالبدر.
ويقال: غمر القمر النجوم، وبهرها، وفضح ضوء القمر النجوم. وذلك إذا غلب
[ ٢٩٢ ]
ضوءه، فلم تر للنجوم ضوءا.
وليلة طلقة، وليال طوالق: إذا كن مقمرات. قال أبو الحسن: طوالق ليس بجمع طلقة، وإنما هو جمع طالقة. وإنما يقال: طلقات، في جمع طلقة. وإنما جاز "طوالق" في الجمع، وإن لم يلفظ به في الواحدة بطالقة، لأن لفظها لفظ المصدر، وقد ينعت بالمصدر على معنى الفاعل والفاعلة، كقولك: رجل عدل، وامرأة عدل، في معنى عادل وعادلة. فلو قلت: عوادل، في النساء، فجعلت الجمع على المعنى جاز. فعلى هذا جاء طوالق.
رجعنا إلى الكتاب: وليالي الشهر وأيامه تسمى بهذا الذي أذكره لك:
أول الشهر، يقال: ثلاث ليال من أول الشهر: الغرر، ويقال: الغر، ويقال: القرح. وثلاث نفل. وقال بعضهم: شهب. وثلاث تسع، وقالوا: زهر. والزهر: البيض. والزهرة: البياض. وقالوا: بهر، لأن القمر يبهر فيهن ظلمة الليل. وثلاث عشر. وثلاث بيض، وهي ليلة ثلاث عشرة واربع عشرة وخمس عشرة.
وثلاث درع، الواحدة درعة ودرعاء. وذلك لأن بعضها أسود وبعضها أبيض. قال أبو العباس: درع بالتخفيف، لأنها جمع أدرع ودرعاء، كما تقول حمر في جمع أحمر وحمراء. وثلاث ظلم، الواحدة ظلماء. وقالوا: خنس. وثلاث حنادس، وقيل: نحس، وقيل: دهم. وثلاث دآدئ، الواحدة دأدأة وزن: فعللة. ويقال: قحم، لأن الشهر قحم في دنوه إلى الشمس. وثلاث محاق. وأبو
[ ٢٩٣ ]
عبيدة يبطل التسع والعشر، إلا أشياء منها معروفة.
ويقال لليلة ثمان وعشرين: الدعجاء، ولليلة تسع وعشرين: الدهماء، ولليلة ثلاثين: الليلاء. وذلك لظلمتها وانها لا هلال فيها. ويقال: ليلة ليلاء، ويوم أيوم. وهذه الثلاث هي المحاق.
ويقال لآخر ليلة من الشهر أيضا: المحاق والسرار. ويوم المحاق: آخر الشهر. وذلك لأن الشمس تمحق الهلال ولا تبينه. وهي النحيرة. واليوم أيضا: نحيرة، لأنه ينحر الذي يدخل بعده. قال الكميت:
* نَحِيرةَ شَهرٍ، لِشَهرٍ سَرارا *
وابنا جمير، ويقال جمير: اليومان اللذان يستسر القمر بينهما في المحاق قبل النحيرة. والدأداء: الليلة التي يشك فيها: أمن الشهر الماضي هي أم من الداخل؟ وقال عمرو: البراء: أول يوم من الشهر. وأنشد:
يا عَينِ، بَكِّي نافِدًا وعَبسا
يَومًا، إذا كانَ البَراءُ نَحسا
قال أبو الحسن: رأيت في الحاشية: واقدا وعبسا.
وشهر مجرم: إذا كان تاما. وكذلك اليوم. قال أبو زيد والكسائي: سنة مجرمة وكريت. وهي التامة. قالا: وكذلك اليوم والشهر. وقال الكسائي: يوم أبرد. وجريد. وقال غيره: المجرم: الماضي المكمل.
[ ٢٩٤ ]