قال أبو عبيدة: قالوا: "وقع فلان في الرقم الرقماء". يقال للذي وقع في هلكة، أو فيما لا يقوم به. وهي الداهية الدهياء.
وقالوا: "وقع في سلى جمل". يقال ذلك للذي وقع في أمر وداهية لم ير مثلها ولا وجه له، لأن الجمل لا يكون له سلى -إنما هو للناقة- فشبه ما وقع فيه بما لا يكون ولا يرى. قال أبو الحسن: هذا إذا نظر فيه يستحيل. ولكنهم شنعوا به. يقال: وقع في أمر لم يتوهم قبل ذلك أنه كائن. فكأنه أتى بالشيء الذي لا يكون، تمثيلا لذلك الذي لم ير مثله.
ومثل هذا: إذا طلب الإنسان فوق قدره وفوق ما يستحق قالوا: "طلب الأبلق العقوق". والأبلق: ذكر. والعقوق من الخيل: التي قد امتلأ بطنها من حملها. يقال للأنثى: قد أعقت وهي معق وعقوق. أي: فكأنه طلب، بطلبه ما لا يستحق، أمرا لا يكون أبدا، لأنه لا يكون الأبل عقوقا أبدا.
ويقال: إن رجلا سأل معاوية بن ابي سفيان أن يزوجه أمه هندا، فقال: أمرها إليها، وقد أبت أن تتزوج. قال: فولني مكان هذا. فقال معاوية متمثلا:
طَلَبَ الأبلَقَ العَقُوقَ، فلَمّا لَم يَنَلْهُ أرادَ بَيضَ الأَنوقِ
والأنوق: طير تبيض في شواهق الجبال، فبيضها في حرز، إلا أنه مما يطمع فيه. فمعناه أنه طلب ما لا يكون، فلما لم يجد ذلك طلب ما يطمع في الوصول إليه، وهو بعيد منه.
رجعنا إلى الكتاب: الأصمعي: يقال: "جاء بداهية زباء، وبداهية شعراء، وبداهية صلعاء".
ويقال: "جاء بالقنطر، والعنقفير، والدهيم، والطلاطلة". ويقال: "رماه الله
[ ٣١٢ ]
بالطلاطلة، والحمى المماطلة". قال: وإنما سميت المماطلة لتعذيبها وتطويلها. والطلاطلة: الداهية. والطلاطلة: الدائمة. قال أبو العباس: أحسبه أراد: المماطلة الدائمة. قال أبو الحسن: ولم يعرف أبو العباس "الطلاطلة الدائمة"، وقال: وهو اسم من أسماء الدواهي.
يعقوب: و"جاء بالبائجة"، و"جاء بالأربى" مقصور أي: الداهية المستنكرة. و"جاء بأم حبوكرى" مثله. وأنشد لابن أحمر:
فلَمّا غَسَى لَيلِي، وأيقَنتُ أنَّها هِيَ الأُرَبَى، جاءتْ بأمِّ حَبَوكَرَى
وأنشد للعجاج:
فاتَّقِيَنْ، مَروانُ، في القَومِ السَّلَمْ
عِندَكَ، في الأحجالِ، شَعْراءَ النَّدَمْ
و"جاء بالضئبل". قال: وأنشدني أبو عمرو:
تَلَمَّسُ أن تُهدِي لِجارِكَ ضِئبِلًا وتُلقَى ذَمِيمًا، لِلوِعاءينِ صامِرا
وروى أبو العباس: "وتلفى". الصمر: المنع.
و"جاء بالنئطل"، و"جاء بالأدب" مثله، و"جاء بالفلق". وأنشد لسويد بن كراع العكلي:
إذا عَرَضَتْ داوِيّةٌ مُدلَهِمّةٌ، وغَرَّدَ حادِيها، فَرَينَ بِها مِلْقا
فرين بها أي: عملن بها داهية، من شدة السير. و"جاء بالفليقة" مثلها. قال الراجز، وهو ابن قنان:
يا عَجَبًا، لهذِه الفَلِيقَهْ!
هَل تَغلِبَنَّ القُوَباءَ الرِّيقَهْ؟
و"جاء بالخنفقيق"، و"جاء بالسلتم"، و"جاء بالدهاريس"، و"جاء بالنآدى" مثله. قال الكميت:
[ ٣١٣ ]
فإيّاكُم، وداهِيةً نآدَى يُجَدُّ بِها، وأنتُم تَلعَبُونا
و"جاء بأم الربيق على أريق" يضرب مثلا للرجل يجيء بالداهية. وهي أم الربيق. واريق: تصغير دابة أورق، كما تقول في تصغير أحمد: حميد. وزعم الأصمعي أن الأورق شر الإبل. وقال: وقيل لابنة الخس: أي الإبل شر؟ فقالت: الأورق الذكر. قال: ولا يكاد يكون فيها نجيب. إلا أنه أطيبها لحما، وأهشها عظما، إذا نحر. ويقال: "لقي منه عرق القربة" أي: لقي منه أمرا شديدا. وأنشد:
لَيسَتْ بِمَشتَمةٍ تُعَدُّ، وعَفوُها عَرَقُ السِّقاءِ، علَى القَعُودِ اللّاغِبِ
ولا يعرف الأصمعي أصله. و"لقيت منه الأقورين". قال أبو الحسن: قال بندار: عرق القربة. إنما يراد: علق. فأبدلوا اللام راء، كما قالوا: لعمري ورعملي، فأبدلوا مكان اللام راء، ومكان الراء لاما. ولقيت منه الأقورين يريد: الدواهي. لم يعرف الأصمعي أصل الأقورين. وقال الكميت:
* بَنِي ابنةِ مِعيَرٍ، والأقوَرِينا *
ولقيت منه الأمرين. وابنة معير: الداهية.
و"لقيت منه البرحين"، بكسر الباء وفتح الراء -قال أبو العباس: البرحين بضم الباء وفتح الراء- و"لقيت منه برحا بارحا". الفراء: يقال: "لقيت منه بنات برح" وبني برح، والبرحين والبرحين، بالضم والكسر وفتح الراء فيهما جميعا، والفتكرين والفتكرين والأقوريات.
ويقال: "لقيت منه الدهاريس" واحدها دهرس. الفراء والكلبي: الدهارس. قال: وسمعت ابا عمرو يقول: واحدها دهرس.
الفراء: يقال: "لقيت منه الذربيا" مقصورة، والذربين.
ويقال: "وقع في أم حبوكر" وحبوكرى
[ ٣١٤ ]
مقصورة، وحبوكران. ويلقى منها "أم" فيقال: وقع في حبوكر. وأصله الرملة التي يضل فيها، ثم صرفت إلى الدواهي.
ويقال: "وقع في أم أدراص". وهي الدواهي. وأصلها جحرة الفأر. وقال أبو عبيدة: وقع في أم أدراص مضللة، أي: في مواضع استحكام الهلكة. لأن أم الأدراص جحرة محثية أي: ملأى ترابا.
الفراء: الصل: الداهية. يقال: هذه صل أصلال. ويقال للرجل الداهية: إنه لصل أصلال.
أبو زيد: "وقع في أغوية"، وفي وامئة: وهما الداهية.
ويقال: "لقيت منه الأزابي" واحدها أزبي، والبجاري واحدها بجري. و"لقيت منه ذات العراقي". وكلها دواه. وقال عوف بن الأحوص:
وإبسالِي بَنِيَّ، بِغَيرِ جُرمٍ بَعَوناهُ، ولا بِدَمٍ مُراقِ
لَقِينا، مِن تَدَرُّئكُم علَينا وقَتلِ سَراتِنا، ذاتَ العَراقِي
قال أبو عمرو: السبد: الداهية. والقرطيط: الداهية. وأنشدنا:
سألناهُمُ أن يَرفِدُونا، فأجبَلُوا وجاءتْ بقِرطِيطٍ، مِنَ الأمرِ، زَينبُ
أجبلوا: منعوا. ويقال للرجل، إذا حفر فوقع على جبل: قد أجبل.
والدردبيس: الداهية. وانشد لجري الكاهلي:
ألا حُيِّيتِ عَنّا، يا لَمِيسُ عَلانِيةً، فقَد بُلِغَ النَّسِيسُ
رَغِبتُ إلَيكِ، كَيما تُنكِحِينِي فقُلتِ: فإنَّهُ رَجُلٌ سَرِيسُ
السريس: العنين.
ولَو جَرَّبتِنِي، في ذاكِ، يَومًا رَضِيتِ، وقُلتِ: أنتَ الدَّردَبِيسُ
وحكي: إنه ليجيء بالأباجير، أي: بالدواهي والنكراء.
والأزامع: الدواهي. واحدها أزمع. وقال عبد الله بن سمعان التغلبي:
[ ٣١٥ ]
وَعَدتَ، فلَم تُنجِزْ، وقِدمًا وَعَدتَني فأخلَفتَنِي، وتِلكَ إحدَى الأزامِعِ
قال أبو الحسن: وقد سمعت أنا "الأزابع" وهما مما جاء بالباء والميم، كما قيل: ما هو بضربة لازم، ولازب.
والمؤيد والموئد، بتقديم الهمزة وتأخيرها: الداهية. قال أبو الحسن: مؤيد: مفعل من الأيد. وهو الشدة والقوة، من قول الله ﷿: ﴿والسَّماءَ بَنَيناها بأيْدٍ﴾. فهذا تكون الهمزة مقدمة على الياء في موضع الفاء من الفعل، والياء عين الفعل. قال أبو الحسن: وأما موئد فمن الوأد. وهو القتل بالدفن. يقال: وأده يئده وأدا، وأوءده يوئده إيئادا، إذا عرض له ما يقتله ويدفنه، فهو موئد. الواو فاء الفعل غير همزة، وعين الفعل همزة، تكتبها بالياء.
فذان وجهان، كل واحد منهما من اشتقاق ليس من صاحبه. والذي ذهب إليه أبو يوسف أنهما شيء واحد، قدمت الهمزة فيه وأخرت، كما يقال: اضمحل الشيء وامضحل. وليس يمتنع هذا في القياس. والأول أوجه إذا وجدت له ما يصح به معناه، ويكون كل واحد على حياله في معنى الداهية.
يعقوب: والرقم: الداهية. وأنشد:
تِلكَ استَفِدْها، وأعطِ الحُكمَ والِيَها فإنّها بَعضُ ما يَزبِي لَكَ الرَّقِمُ
ويروى: "استقدها". يقال: زبيت أزبي، إذا سقت.
والدقارير: الدواهي. قال: وسمعته يقول: الدقارير: الأمور المخالفة السيئة. واحدها دقرارة. وأنشد للكميت:
ولَن أُبِيتَ، مِنَ الأسرارِ، هَينَمةً علَى دَقارِيرَ، أحكِيها وأفتَعِلُ
قال أبو الحسن: سمعت أبا العباس يقول: الدقارير هي التبابين، سراويلات بلا ساقات، واحدها دقرارة.
والتماسي: الدواهي. وأنشد لمرداس:
أُداوِرُها، كَيما تَلِينَ، وإنَّنِي لألقَى، علَى العِلّاتِ، مِنها التَّماسِيا
الأصمعي: يقال: "رماه الله بثالثة الأثافي". قال أبو الحسن: سألت أبا
[ ٣١٦ ]
العباس عن ثالثة الأثافي فقال: الجبل تجعل صخرتان إلى جانبه، وتنصب عليه وعليها القدر. فهو ثالث للأثفيتين اللتين جعلتا إلى جنبه، وهو أعظم الأثافي. فيقول: رماه الله بما لا يقوم به.
ويقال للرجل يرمي الرجل بالداهية والبهتان: "رماه بأقحاف رأسه"، إذا رماه بالأمور العظام.
ويقال: "صمي صمام" يا فتى. يضرب للرجل يجيء بالداهية، فيقال: صمي صمام، أي: اخرسي يا صمام.
ويقال: "إحدى بنات طبق". يضرب مثلا للداهية. ويرون أن أصلها الحية. أراد استدارة الحية، شبهه بالطبق.
ويقال: "صمي ابنة الجبل". وزاد غير الأصمعي مع هذه الكلمة "مهما يقل تقل". يقال ذلك عند الأمر العظيم يستفظع. ويزعمون أنهم أرادوا بابنة الجبل: الصدى.
أبو عمرو: الصيلم: الداهية. وأنشد:
إذا أرادُوا أن يَخُونُوا مُسلِما
دَسُّوا فَلِيقًا، ثُمَّ دَسُّوا الصَّيلَما
الكسائي: يقال من البائقة، وهي الداهية: باقتهم البائقة تبوقهم بوقا. وصلتهم الصالة.
الأصمعي: العناق: الداهية. قال الشاعر:
أمِن تَرجِيعِ قارِيةٍ، تَرَكتُم سَباياكُم، وأُبتُم بالعَناقِ؟
العناق: الداهية. والقارية: طائر أخضر، وجمعها قوار. يقول: فزعتم من صوت هذا الطائر، فتركتم غنائمكم وانهزمتم.
قال أبو الحسن: وعن غير يعقوب قرأه أبو العباس: قال: جاء بالدهياء، وأم الربيق، والأريق، والأزنم، والدآليل، والضؤضئة على وزن: فعللة، والضئبلز وجاء بأم الربيق المحرق.
ةالفاقرة: الداهية. والعنقاء: الداهية. قال الراجز:
[ ٣١٧ ]
يَحمِلْنَ عَنقاءَ، وعَنقَفِيرا
وأُمَّ خَشّافٍ، وخَنشَفِيرا
والدَّلْوَ، والدَّيلَمَ والزَّفِيرا
كلهن دواهٍ.
[ ٣١٨ ]