أشار بيان الحق في مقدمة جمل الغرائب إلى مذهبه في تأليف كتبه وغايته منها بصورة عامة، فقال بعد خطبة الكتاب:
" فإن لكل علم رجالًا، بأيديهم ترتفع أعلامه، وعلى ألسنتهم تتفتق أكمامه. ولكل عالم في علمه طريقًا قد استولى على مناره وتجديد آثاره.
[ ٢٦ ]
ومؤلف هذا الكتاب محمود بن أبي الحسن بن الحسين النيسابوري في ذلك من بين من هو وقفٌ على تحصيله، وحبيس في سبيله، عاكف الفكر من لدن شب إلى أن شاب على إرهاف قدوده وإخطاف خصوره، دائم الجد في تمييز لبابه من قشوره. وقد وفقه الله ﵎ منه في تفسير كتابه لغير واحد حتى استوى من مطولاته التي صنفها على كتاب "إيجاز البيان في معاني القرآن" أوجز كتاب لفظًا، وأطوله وأبسطه معنى، يشتمل على أكثر من عشرة آلاف فائدة في مقدار ست طاقات بياض. وكذلك أرشده ﷾ في متفق الفقه من كتاب "التذكرة والتبصرة" إلى ألف نكتة حررها وأوجزها كما هداه جل وعز بفضله في مختلف الفقه من كتاب "ملتقى الطرق" إلى مجامع نكاتها ومنابع كلماتها ولعل الكتابين غير زائدين على مائة ورقة بين بين. وهلم جرا في سائر الفنون إلى كل مجموع وجيز غاية الإيجاز، بمثله يعرف عمل العقل في صناعته التي هي الاختصار، وحرفته التي هي الاختيار. ولعل في تسهيل طريق المنبعثين إلى تحصيل ذلك من ثواب الله ﷿ ما يهب لفاعله حياة يحبر فيها، ويجعلها فيما يحب ويرضى وأن يرزقه مماتًا على صدق طاعته وسنة رسوله ﷺ ".
فأوضح بيان الحق أنه –بالإضافة إلى كتبه الكبيرة- ألف في كل فن كتبًا بناها على الاختيار والاختصار. وجمع في كل كتاب رؤوس مسائله وعيون أقوال العلماء فيها بعد تحريرها وتلخيصها في عبارة موجزة غاية الإيجاز، ليكون مع غزارة فوائده خفيف المحمل قريب المأخذ، فجمع في كتاب إيجاز البيان أكثر من عشرة آلاف فائدة في مقدار ست طاقات بياض، وجمع في كتاب التذكرة والتبصرة ألف نكتة في متفق الفقه يطرد أكثر مسائل الفقه
[ ٢٧ ]
عليها، ثم ألف في مختلف الفقه كتابًا آخر، وكلاهما لا يزيد على مائة ورقة.
وقصده بذلك نفع طلبة العلم بتقريب أصوله إليهم، وتسهيل طريق التحصيل عليهم، راجيًا بذلك ثواب الله ﷿.
وأراد بيان الحق أن يؤلف كتابًا في علم الحديث أيضًا ولكن لم يكن -مع ثنائه على المحدثين في كتابه خلق الإنسان (١)، وكثرة استشهاده بالأحاديث في كتابيه إيجاز البيان، وباهر البرهان- من أصحاب الحديث المختصين بصناعته، وإنما اشتهر بعلوم التفسير والفقه والأدب واللغة، فرأى أن أقرب فنون الحديث إلى اهتماماته فن غريب الحديث، فجمع فيه كتاب جمل الغرائب، وذهب فيه مذهبه في مؤلفاته الأخرى التي ذكرت من قبل من الاختيار والاختصار. فقال في مقدمة الكتاب:
"وإذ كان علم الحديث بعد علم التفسير من بين العلوم أوضح منارًا وأزخر بحارًا، وأطيب منالًا وأرحب مجالًا، وأعم فقها وحكمة، وأتم خيرًا وبركة، وأدنى من السداد، وأهدى إلى الرشاد، وكان تباعد أطرافه ربما يقعد بوارده في حلباته، وتفاوت ما بين أشواطه يبعد بفرسانه عن غاياته، سألت الله ﷿ التوفيق في جمع شتاته وشرح مشكلاته".
ويدخل في "المشكلات" مع الألفاظ والتراكيب الغريبة بعض ما يسمى "مشكل الحديث" أو "مختلف الحديث". وقد صنف العلماء في هذا الفن كتبًا مستقلة، إلا أن كتب غريب الحديث أيضًا كانت تشتمل من القديم على تفسير بعض الأحاديث المشكلة.
_________________
(١) مقدمة تحقيق باهر البرهان: ٢٠٩.
[ ٢٨ ]
وقد حدد بيان الحق في كلامه هذا الغرض من تأليف كتاب جمل الغرائب، وهو: "جمع شتات علم الحديث وشرح مشكلاته" ولتحقيق هذين الأمرين عمد أولًا إلى مصادر أصيلة في فن غريب الحديث وبعض شروحه وانتقى منها الأحاديث المشكلة في ألفاظها أو معانيها، واختصر ما جاء فيها من شرحها وبيانها، ثم رتب الأحاديث على نحو جديد يباين معظم المناهج التي اتبعها أصحاب الغريب. فما المصارد التي اعتمد عليها بيان الحق؟
[ ٢٩ ]